Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
An-Najm 53:26–31
53:26Page 526
۞ وَكَم مِّن مَّلَكٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لَا تُغۡنِي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ أَن يَأۡذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرۡضَىٰٓ ٢٦
And how many angels there are in the heavens whose intercession will not avail at all except [only] after Allāh has permitted [it] to whom He wills and approves.
﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] ﴿كَمْ﴾ تكثيرية؛ لأنها تأتي تكثيرية؛ يعني: كثيرًا ما، وتأتي استفهامية، فإذا قلت لك: كم مالك؟ استفهامية، وفي قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ [الأنبياء ١١] تكثيرية، هنا ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يعني: كثيرٌ من الملائكة ﴿فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ﴾، وهنا يقول: ﴿كَمْ مِنْ مَلَكٍ﴾ وما أكرم الملائكة كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء ٢٦].
﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ لا في الأرض، والسماوات أعلى من الأرض، إذا كان هؤلاء الملائكة الكرام الذين مقرهم السماوات -إلا من أذن له أن ينزل إلى الأرض- إذا كان شفاعتهم لا تنفع، فهل يمكن أن تنفع شفاعة اللات والعزى ومناة؟ الجواب: لا؛ يعني: كأن الله يقول لهؤلاء: ما أصنامكم هذه التي تستشفعون بها إلى الله، ﴿كَمْ مِنْ مَلَكٍ﴾ وهو أشرف من هذه الأصنام ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وهي أشرف من الأرض ﴿لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ لو شفعوا ما تغني إلا بشرطين: إلا ﴿أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ من الملائكة أن يشفع فيشفع، ﴿وَيَرْضَى﴾ أي: يرضى عن المشفوع له، وكذلك عن الشافع؛ لأنه لا يمكن أن يأذن للشافع إلا بعد أن يرضى عنه، ولا بد أن يرضى عن المشفوع له، وإلا فلا تنفع الشفاعة كما قال عز وجل: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨]، فأصنامكم هذه لن تنفعكم، ولن يقبل الله شفاعتها، فشروط الشفاعة الآن ثلاثة: الأول: رضا الله عن الشافع بأن يكون أهلًا للشفاعة لكونه من المقربين إلى الله عز وجل.
والثاني: أن يرضى عن المشفوع له؛ بأن يكون أهلًا لأن يشفع له، أما الكافر ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر ٤٨].
الثالث: الإذن؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥].
فلا بد من شروط ثلاثة: رضا الله عن الشافع، وعن المشفوع له، وإذنه في الشفاعة.
﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وهذا فيه تيئيس هؤلاء المشركين من شفاعة آلهتهم لهم.
53:27Page 527
إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ تَسۡمِيَةَ ٱلۡأُنثَىٰ ٢٧
Indeed, those who do not believe in the Hereafter name the angels female names,
ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ [النجم ٢٧]، أكد الله هذا الخبر بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ﴾ أكده بمؤكدين وهما: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ إن واللام.
ومعنى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ لا يصدقون بها ولا بما فيها من الثواب والعقاب؛ إذ إن الإيمان بالآخرة لا بد أن يكون إيمانًا بأن هذا اليوم سيكون، وإيمانًا بكل ما ثبت من حصوله فيه ووقوعه فيه، إما في القرآن وإما في السنة، حتى إن شيخ الإسلام رحمه الله قال: إن مما يدخل في الإيمان بالله واليوم الآخر الإيمان بما يكون بعد الموت من فتنة القبر، وعذاب القبر، ونعيم القبر.
وصدق رحمه الله؛ لأن الإنسان إذا مات قامت قيامته، انتهى من الدنيا، كأن لم يكن، فكما أنه أتى على الإنسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، فسيأتي عليه حينٌ من الدهر لم يكن إلا خبرًا من الأخبار، كما قال الشاعر الحكيم في الدنيا:
بَيْنَا يُرَى الْإِنْسَانُ فِيهَا مُخْبِرًا ∗∗∗ حَتَّى يُرَى خَبَرًا مِنَ الْأَخْبَارِ
أنت الآن تخبر تقول: حصل كذا وحصل كذا، وقال فلان: كذا، في يومٍ من الأيام سوف يُخبر عنك: قال فلان كذا، وأنت رميم.
إذن الإيمان بالآخرة يتضمن الإيمان بوقوع اليوم الآخر، وأنه لا بد كائن.
ثانيًا: الإيمان بما سيكون في هذا اليوم من أهوال، حساب، موازين، صراط، جنة، نار، لا بد من هذا.
كذلك يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بما يكون في القبر من فتنة القبر، وهي -أعني فتنة القبر- سؤال الملكين الميت عن ثلاثة أشياء: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ هل أحد من الناس لا يؤمن بالآخرة؟ نعم كثير من الناس، أكثر الناس لا يؤمنون بالآخرة، حتى أن الله سبحانه وتعالى قال في الإنسان: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ يعجزنا فيه ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيم﴾ [يس ٧٨] ما أحسن قوله: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ قبل أن يقول مقالة هذا الإنسان؛ يعني هذا الإنسان قال: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾، ما هو خلقه؟ أنه لم يكن شيئًا، ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق ٦] فصار عظامًا وعصبًا ولحمًا، وصار إنسانًا ينطق ويخاصم: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس ٧٨، ٧٩] وذكر الأدلة على إمكان ذلك.
المهم أن من الناس من ينكر اليوم الآخر، يقول: ما فيه بعث. وهذا من سفه في عقله، وضلالة في دينه، وإلا فهل من الحكمة أن تخلق هذه الخليقة، وتبتلى بالأمر والنهي، ويحصل الجهاد وقتال الأعداء، واستحلال دمائهم وأموالهم ونسائهم، ثم تكون النتيجة لا شيء، هذا لا يمكن، تأباه الحكمة أشد الإباء، إذن الذين لا يؤمنون بالآخرة سفهاء عقولًا، ضلالٌ دينًا.
﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ [النجم ٢٧] يعني: يجعلون الملائكة إناثًا كالمشركين، قالوا: الملائكة بنات الله، فسموا الملائكة بتسمية الأنثى وهي البنت؛ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، لو آمنوا بالعقاب ما قالوا هذا، لكنهم لا يؤمنون فيقولون ما يريدون.
53:28Page 527
وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـٔٗا ٢٨
And they have thereof no knowledge. They follow not except assumption, and indeed, assumption avails not against the truth at all.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [النجم ٢٨] نفى أن يكون لهم بذلك علم؛ لأن هذا هو الواقع، هل شهدوا خلق الملائكة؟ لا، ولهذا قال الله في آية أخرى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف ١٩]، والجواب: لا، لكن: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾ [الزخرف ١٩] حين لا يجدون جوابًا، هؤلاء الذين قالوا: الملائكة بنات الله، يقول عز وجل: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [النجم ٢٨]، و﴿عِلْمٍ﴾ هنا مجرورة بحرف الجر، وحرف الجر هنا عند المعربين ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [النجم ٢٨] حرف جرٍ زائد، الفائدة منها توكيد النفي، ولهذا نعطيكم قاعدة مفيدة: جميع الحروف الزائدة يقصد بها التوكيد هي من أدوات التوكيد كل الحروف الزائدة سواء الباء أو اللام أو غيرها فإنها تفيد التوكيد، ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [النجم ٢٨] يعني: لا قليل ولا كثير؛ لأنهم لم يشهدوا خلقهم.
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ (إن) هنا بمعنى ما، والضابط أنه إذا جاءت (إلا) بعد (إن) فهي بمعنى (ما)، إن هذا إلا بشر؛ أي: ما هذا إلا بشر ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف ٣١] أي: ما هذا إلا ملك كريم، ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [إبراهيم ١٠] أي: ما أنتم إلا بشرٌ مثلنا، ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية ٢٤] أي: ما هم إلا يظنون، والأمثلة على هذا كثيرة.
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ يعني: ما يتبعون إلا الظن، والمراد بالظن هنا الوهم الكاذب، وليس المراد بالظن هنا الراجح من أحد الاحتمالين.
وانتبه لهذه النقطة: أن الظن يأتي بمعنى التهمة، ويأتي بمعنى رجحان الشيء، ويأتي بمعنى اليقين، كم هذا يا أخ؟ ثلاثة.
بمعنى التهمة الثاني رجحان الشيء الثالث اليقين.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة ٤٦] المراد اليقين، ما يكفي الظن في اليوم الآخر، لا بد يتيقن، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠١)، ومسلم (٥٧٢ / ٨٩) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]، والتحري هنا يعني: الظن الغالب، وهنا ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية ٢٤] ظن الاتهام؛ يعني: يظنون ظنًّا هو وَهْمٌ ليس له أصل.
بعض العلماء أخذ من هذه الآية: أنه لا يجوز العمل بالظن في المسائل الفقهية وغيرها، وهذا خطأ؛ لأن كثيرًا من المسائل الفقهية ظنية؛ إما لخفاء الدليل، أو خفاء الدلالة، ليس كل مسألة في الفقه يقول بها الإنسان على سبيل اليقين أبدًا، بل بعضها يقين وبعضها ظن، والظن إذا تعذر اليقين مما أحله الله.
والحمد لله، من نعمة الله أنه إذا تعذر اليقين رجعنا إلى غلبة الظن، فليس كل ظنٍ منكرًا، لكن الظن الذي ليس له أصل يُبنى عليه هذا هو المنكر، هؤلاء الذين سموا الملائكة تسمية الأنثى هل لهم بذلك علم؟ أبدًا، ظن مبني على وهم، وربما يكون مبنيًّا على هوى؛ يعني: أنه لم يطرأ ببالهم أنهم إناث، لكن تبعوا آباءهم.
﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾، ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ﴾ أيُّ ظنٍ هذا؟ المبني على الوهم لا على القرائن، ﴿لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ أي: لا يفيد شيئًا من الحق؛ لأنه وهم باطل، والوهم الباطل لا يمكن أن يفيد.
53:29Page 527
فَأَعۡرِضۡ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكۡرِنَا وَلَمۡ يُرِدۡ إِلَّا ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٢٩
So turn away from whoever turns his back on Our message and desires not except the worldly life.
ثم قال عز وجل: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم ٢٩] أعرض الخطاب للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو المراد به كل من يصح أن يوجَّه إليه الخطاب، فعلى الأول يكون المعنى: أعرض يا محمد، وعلى الثاني: أعرض أيها الإنسان المؤمن.
﴿عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ يعني: أعرض عنه لا تتبعه، ولا يهمنك أمره، وليس المعنى: أعرض عنه لا تنصحه، لا، التذكير واجب، قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات ٥٥] يعني ذكر كل أحد، فمن الناس من ينتفع ومنهم من لا ينتفع، والذي ينتفع هو المؤمن، فعلى هذا نقول: معنى أعرض أعني: لا تبالِ به، ولا يهمنك أمره، ولا تستحسر من أجل توليه، بل ادع إلى سبيل الله عز وجل أيًّا كان، لكن من أعرض وتولى لا يهمك أمره.
﴿أَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ وهو القرآن، ويحتمل أن يكون الذكر بمعنى التذكير، أي: عن تذكيرنا، وكلا المعنيين متلازمان صحيحان، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ عن القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤] وقال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس ٦٩] أو أن المعنى: ﴿عَنْ ذِكْرِنَا﴾ أي: عن تذكيرنا، بالمواعظ التي ينزلها الله عز وجل.
﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ اللهم أعذنا من فتنة الدنيا؛ يعني: لا يريد الآخرة ولا يهتم بها، همه الدنيا، ويش المركوب، ويش الملبوس، ويش المسكون، ويش المنكوح، اتبعوا ما أُترفوا فيه وكانوا مجرمين، ما يهتم بالآخرة، أهم شيء عنده هي الدنيا، أما ذكر الله القرآن أو تذكير الله فإنه متولٍ عنه -والعياذ بالله- نسأل الله السلامة والعافية.
﴿أَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ ولكن شوف ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ وصفها بالدنيا من الدنو، وهو القرب؛ وذلك لانحطاط مرتبتها، ولسبقها على الآخرة؛ لأن الدار الدنيا هي أول دار ينزلها الإنسان، وهي سابقة في الزمن على الآخرة، فهي دنيا -يعني: قريبة- هي أيضًا دنيا من حيث المرتبة ليست بشيء بالنسبة للآخرة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]]، اللهم اجعل لنا موضعًا فيها، خير من الدنيا وما فيها، ما هي خير من الدنيا اللي أنت فيها فقط، من الدنيا منذ خلقها الله إلى أن تفنى، موضع السوط الذي يكون بقدر المتر في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، إذن هي دنيا.
ولهذا إذا مات الإنسان وهو مؤمن -جعلنا الله وإياكم منهم- ثم حُمل من بيته الذي يسكنه ويأوي إليه، وفيه أهله وماله وحشمه، إذا خرج تقول روحه: قَدِّموني قَدِّموني، لماذا؟ لأن ما ستذهب إليه خيرٌ مما تخرج منه، قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧] الآخرة خير وأبقى، لكن لمن؟ ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء ٧٧] لكنها شرٌ لمن لم يتق.
يذكر أن ابن حجر العسقلاني -رحمه الله- وكان رئيس القضاة في مصر، مر يومًا من الأيام في موكبه على العربة تجره البغال وحوله الجنود، برجلٍ يهودي زيات -يبيع الزيت- قد تدنست ثيابه بالزيت، وشقي في طلب المعيشة، فأوقف الموكب -الذي أوقفه اليهودي- وقال لابن حجر: إن نبيكم يزعم «أَنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٥٦ / ١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فكيف يتفق هذا الحديث مع الواقع؟! أنت الآن مؤمن وهو يهودي، وأيهما أشقى؟ في هذه المسألة اليهودي أشقى، فكيف يتفق مع الواقع؟! فقال: نعم، ما أنا فيه الآن بالنسبة للآخرة سجن؛ لأن الآخرة خير لمن اتقى، وما أنت فيه بالنسبة للآخرة جنة؛ لأن الآخرة مالك فيها إلا النار وبئس القرار، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، شوف كيف فتح الله عليه، حيث ظهر صدق كلام الرسول عليه الصلاة والسلام بكل سهولة.
المهم أن الآخرة خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولهذا ذم الله هذا الذي أعرض عن ذكر الله، ولم يرد إلا الحياة الدنيا، ولنسأل: هل من أراد الحياة الدنيا تحصل له؟
لا، ما تحصل له، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ [الإسراء ١٨]، ما هو ما يشاء، هو ﴿مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء ١٨، ١٩]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى ٢٠] لأنه يعطى الدنيا والآخرة ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ بعضها ما هو كلها ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى ٢٠].
53:30Page 527
ذَٰلِكَ مَبۡلَغُهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱهۡتَدَىٰ ٣٠
That is their sum of knowledge. Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of who is guided.
﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم: ٣٠] أي ﴿ذَلِكَ﴾ والمشار إليه؛ كونهم متولين مُعرضين لا يريدون إلا الحياة الدنيا؛ يعني: ذلك منتهى بلوغ علمهم؛ لأن علمهم قاصر، لا ينظرون إلى المستقبل ولا يصدقون بخبر، فتجد أكبر همهم أن يصلحوا حالهم في الدنيا، معرضين عن حالهم في الآخرة، ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم ٣٠] وفي الدعاء المأثور: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا»[[أخرجه الترمذي (٣٥٠٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولفظه: «ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا».]].
ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ [النجم ٣٠] هو أعلم عز وجل بمن ضل عن سبيله فعلًا ومن سيضل؛ لأنه عالمٌ بما كان وما يكون، فقوله: ﴿بِمَنْ ضَلَّ﴾ لا تعني أنه لا يعلم إلا من حصل منه الضلال بالفعل، بل هو يعلم من حصل منه الضلال بالفعل ومن سيحصل منه؛ لأن الله سبحانه وتعالى موصوفٌ بالعلم التام في الحاضر والمستقبل والماضي، وقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ [النجم ٣٠] ضد الضلال، فالناس بين فئتين: إما مهتدٍ، وإما ضال، وإنما بيَّن الله سبحانه وتعالى أنه ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ لفائدتين: الفائدة الأولى: أن نعلم أن ما وقع من الضلال والهداية فهو صادرٌ عن علم الله وبإرادته؛ إذ لا يمكن أن يوجد في خلقه خلاف معلومه، لو قدر أن يوجد في خلقه خلاف معلومه لكان الله جاهلًا، وحاشاه من ذلك.
الفائدة الثانية: التحذير من الضلال والترغيب في الاهتداء، ما دام الإنسان يعلم أن أي عملٍ صدر منه فعلمه عند الله فإنه سوف يخشى أن يعصي الله، وسوف يرضى أن يرضي الله عز وجل، فإذن الفائدة أمران: الأولى: ترغيب في الهداية أو في الاهتداء والترهيب من الضلال؛ يعني: كأنه يقول: إن ضللت فالله عالمٌ بك، وإن اهتديت فالله عالمٌ بك، فيجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ [النجم ٣٠] .
53:31Page 527
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى ٣١
And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth - that He may recompense those who do evil with [the penalty of] what they have done and recompense those who do good with the best [reward] -
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [النجم ٣١] يقول علماء البلاغة: إنه إذا تقدم شيء حقُّه التأخير فهو دليلٌ على الحصر والتخصيص، فلننظر في هذه الآية هل فيها تأخير وتقديم؟ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، (لِلَّهِ) هذه خبر مقدم، و﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ مبتدأ مؤخر.
إذن قَدَّم فيها ما حقه التأخير وهو الخبر؛ لأن حق الخبر أن يكون متأخرًا عن المبتدأ، تقول: الرجل قائمٌ، ولا تقل: قائمٌ الرجل، فالأصل أن المبتدأ على اسمه يكون هو الأول والخبر هو الثاني، لكن أحيانًا يقدم الخبر لفائدة، فهنا الفائدة: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الفائدة الحصر يا إخوان، الحصر يعني: لله لا لغيره، ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ولا أحد يملك ما في السماوات وما في الأرض إلا الله تبارك وتعالى، نحن نملك ما نملك من أموالنا لكن هل ملكنا عام؟ ليس عامًّا، حقيبتي ليست حقيبة لك، وحقيبتك ليست حقيبةً لي، فأملاكنا ليست عامة، ثم هل نحن نملك التصرف بما هو ملكنا كما نشاء؟ لا، تصرفنا محدود حسب الشريعة، ولهذا لو تراضى اثنان في بيع الربا قلنا: إنكما لا تملكان ذلك، لو أراد الإنسان أن يحرق ماله، قلنا: هذا ممنوع.
إذن ملك غير الله قاصر، غير شامل، وملك غير الله قاصر حتى بالتصرف، الواحد منا لا يملك أن يتصرف في ماله كما يشاء؛ لأن تصرفنا في المال محدود حسب ما جاءت به الشريعة.
إذن الملك التام الواسع الشامل لمن؟ لله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشورى ٤٩] فهو مالكٌ لذواتهما، مالكٌ لما فيهما أيضًا، وكم من ملك في السماوات؟ كم من مخلوقٍ في الأرض؟ كله ملكٌ لله عز وجل يتصرف فيه كما يشاء، حسب ما تقتضيه حكمته، وإيماننا بهذا يا إخواننا إيماننا بأن لله ملك السماوات والأرض يفيد أيضًا فائدتين عظيمتين:
الفائدة الأولى: الرضا بقضاء الله، وأن الله عز وجل لو قضى عليك مرضًا لا تعترض، لو قضى عليك فقرًا لا تعترض؛ لماذا؟ لأنك ملكه يتصرف فيك كما يشاء، فهو كما يتصرف في السحاب يمطر أو لا يمطر، يمضي أو لا يمضي، ويتصرف في الشمس والقمر، ويتصرف في المخلوقات، يتصرف فيك أيضًا كما يشاء، إن شاء أعطاك صحة وإن شاء سلبها، إن شاء أعطاك عقلًا وإن شاء سلبك، إن شاء أعطاك مالًا وإن شاء سلبك، أنت ملكه، فإذا آمنت بهذا رضيت بقضائه.
كذلك أيضًا الفائدة الثانية: الرضا بشرعه، وقبول شرعه والقيام به؛ لأنك ملكه، قال لك: افعل افعل، قال: لا تفعل لا تفعل، أرأيت لو كان لك ملك عبد رقيق فأمرته ولكنه لم يفعل، هل تعتقد أن سيادتك تامة عليه؟ لا، أو نهيته ففعل فالسيادة ناقصة.
إذن أنت إذا عصيت ربك إما بفعل محرم وإما بترك واجب؛ فإنك خرجت عن مقتضى العبودية التامة؛ لأن مقتضى العبودية التامة أن تخضع لشرعه كما أنك خاضعٌ كرهًا أو طائعًا لقضائه وقدره، ليس معنى قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشورى ٤٩] أن يخبرنا أنه مالك فقط، لكن لأجل أن نعتقد مقتضى هذا الملك، وما هو مقتضاه؟ الرضا بقضائه والرضا بشرعه، هذا حقيقة الملك.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم ٣١]، شوف جاء بكلمة اللام ﴿لِيَجْزِيَ﴾ يعني كأن قائلًا يقول: وإذا تبين أن الملك لله عز وجل فما النتيجة؟ النتيجة أن الناس بين محسن وبين مسيء، كما قال عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢]، إذا كانوا بين محسن ومسيء فما جزاء كل واحد؟ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ [النجم ٣١] ﴿الَّذِينَ أَسَاءُوا﴾ وهم الذين خالفوا المأمور أو ارتكبوا المحذور، هذا الضابط، الذين أساؤوا، هؤلاء أساؤوا ليجزيهم بما عملوا السيئة بسيئة لا تزيد، أو يعفو عز وجل لمن يستحق العفو، وهو كل من مات على غير الشرك مستحق للعفو، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨] المهم أنه لا يمكن أن يزيد سيئة لم يعملها الإنسان، ولهذا قال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ [النجم ٣١] بدون زيادة، ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم ٣١] ولم يقل: بما عملوا؛ لأن فضل الله أوسع من أعمالنا، ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم ٣١] أنت إذا فعلت حسنة فكم تكون عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعافٍ كثيرة.
انظر الآن، نضرب مثلًا قريبًا صلاة الظهر باقي عليها ثلثين ساعة مثلًا عندما تتوضأ وتسبغ الوضوء ثم تخرج إلى الصلاة لا يخرجك من بيتك إلا الصلاة فما الثمرات التي تحصل عليها؟ كل خطوة تخطوها يرفع الله لك بها درجة ويحط عنك بها خطيئة، كم خطواتك؟ لا يحصيها إلا الله عز وجل، مع أن المقصود شيء واحد وهو الصلاة، لكن سعيك إلى الصلاة فيه أجر، ما دمت خرجت من بيتك لا يخرجك إلا الصلاة وتأهبت في بيتك، أسبغت الوضوء في بيتك، فأنت لا تخطو خطوة إلا رفع الله لك بها درجة وحط عنك بها خطيئة، أحص خطواتك لا يحصيها إلا الله.
ثم إذا وصلت المسجد وصليت ما شاء الله، ثم انتظرت الصلاة، ولو تأخر مجيء الإمام وصلاة الجماعة يُكتب لك أجر المصلي «لَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ»[[أخرج البخاري (٦٤٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، يقول: قال رسول الله ﷺ: «صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا»، وفيه: «ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة».]] أليس هذا أحسن من أعمالنا؟ بلى، ولهذا قال: ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم ٣١] أي: بما هو أحسن وأكثر من عملهم، وهذا يدلك على سعة فضل الله عز وجل وإحسانه وكمال عدله، فالمسيئون يجازيهم بالعدل أو يعفو، والمحسنون يجازيهم بالفضل.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences