Ibn 'UthayminAn‑Najm · 53:32–44

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

An-Najm 53:32–44

53:32Page 527

ٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلۡمَغۡفِرَةِۚ هُوَ أَعۡلَمُ بِكُمۡ إِذۡ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَإِذۡ أَنتُمۡ أَجِنَّةٞ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡۖ فَلَا تُزَكُّوٓاْ أَنفُسَكُمۡۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ ٣٢

Those who avoid the major sins and immoralities, only [committing] slight ones. Indeed, your Lord is vast in forgiveness. He was most knowing of you when He produced you from the earth and when you were fetuses in the wombs of your mothers. So do not claim yourselves to be pure; He is most knowing of who fears Him.

ثم ذكر شيئًا من أوصافهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم ٣٢] ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ أي: يبتعدون عنها، وسُمِّي الابتعاد اجتنابًا؛ لأن الإنسان يقع في جانب، والذي أُبعد عنه يقع في جانبٍ آخر، فيبعدون ولا يتصلون بكبائر الإثم والفواحش ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾، ﴿كَبَائِرَ الْأِثْمِ﴾ هي الكبيرة؛ كبائر جمع كبيرة، والكبيرة بعض العلماء عدها، وبعض العلماء حَدَّها، والصواب الحد، أي: أنها محدودة وليست معدودة، والذين ذكروها عدًّا الظاهر -والله أعلم- أنهم أرادوا المثال، فمثلًا: إذا قال إنسان هي: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، هذه سبع، إذا قال إنسان: هذه الكبائر، ليس معنى قوله أنها محصورة في هذا، إذ من الممكن أن يحمل كلامه على أن ذلك على سبيل التمثيل فقط.

أما الذين حدوها- يعني: جعلوا لها ضابطًا؛ يعني ما عَدّوا واحد اثنان ثلاثة أربعة، لا، ضابط- قالوا في ضابطها: كل ذنبٍ رتَّب الله عليه لعنة، أو غضبًا، أو سخطًا، أو تبرؤًا منه، أو ما أشبه ذلك فهو كبيرة، ورأيت لبعضهم -ومنهم شيخ الإسلام رحمه الله- أنه قال: كل ذنبٍ جُعلت له عقوبة خاصة إما في الدنيا أو في الآخرة فهو كبيرة، على هذا الزنا فيه عقوبة وهي الجلد أو الرجم، السرقة كبيرة، قطع الطريق كبيرة، عقوق الوالدين كبيرة، وهلم جرًّا، كلما رأيت شيئًا من الذنوب جعل الشارع له عقوبة خاصة فهو كبيرة.

أما الذنب الذي نُهِي عنه فقط فهو صغيرة، كنظر الرجل للمرأة الأجنبية لشهوة هذا ليس كبيرة، هو صغيرة من الصغائر، لكن إن أصر الإنسان عليه وصار هذا ديدنه صار كبيرة بالإصرار لا بالفعل، مكالمة المرأة على وجه التلذذ حرام وليس بكبيرة، ولكن إذا أصر الإنسان عليه وصار ليس له هم إلا أن يشغل الهاتف على هؤلاء النساء ويتحدث إليهن صار كبيرة، فالإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة من حيث الإصرار؛ لأن إصراره على الصغيرة يدل على تهاونه بالله عز وجل، وأنه غير مبال بما حرم الله.

إذن كبائر الإثم: كل ذنبٍ رتب الشارع عليه عقوبة خاصة إما في الدنيا وإما في الآخرة، وأما ما حرمه وسكت ولم يذكر له عقوبة خاصة بل دخل في العموم فهذا من الصغائر، ولكن الصغائر إذا أصر عليها صارت كبيرة من حيث الإصرار.

وقوله: ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾ هذه كبائر الكبائر؛ لأن الكبائر منها ما هو فاحش يُستفحش ويُستعظم ويُستقبح بشدة، ومنها ما هو دون ذلك، فمثلًا: الزنا فاحشة ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢] اللواط فاحشة أعظم من الزنا؛ لأن الله قال في الزنا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢]، وقال في اللواط لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف ٨٠] فأتى بـ(أل) الدالة على القبح، وأنها جامعة لكل أنواع الفواحش.

نكاح المحارم فاحشة، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء ٢٢] فهو أشد من الزنا؛ يعني: لو زنا الإنسان بامرأة أجنبية منه، وبأم زوجته مثلًا، صار الثاني أعظم وأشد وأشنع، ولهذا كان القول الراجح من أقوال العلماء: أن من زنا بامرأة من محارمه وإن لم يكن محصنًا فإنه يُرجم؛ يعني: الزنا بذوات المحارم ما فيه جلد ما فيه إلا الرجم؛ لأن الله فرق بين الزنا وبين نكاح ذوات المحارم، نكاح ذوات المحارم وصفه بوصفين: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾ [النساء ٢٢] والزنا وصفه بواحد وهو: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢].

وجاءت السنة بالتفريق بينهما -أي: بين من زنا بامرأة من محارمه أو بامرأة أجنبية- فجعلت حد الأول القتل بكل حال وإن لم يتزوج، وإن لم يكن ثيِّبًا؛ لأن هذا أعظم -والعياذ بالله- إنسان بيزني بأمه ولّا أخته ولّا أم زوجته ولّا بنت زوجته التي دخل بها، فاحشة عظيمة.

إذن ﴿يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ قلنا: الفواحش كبائر الكبائر، أعظم.

هل نأخذ من هذه الآية أن الكبائر تختلف والفواحش تختلف؟ نعم، نأخذ من الآية أنها تختلف؛ لأن (كبائر) وصف كلما كان أعظم صار أشد كبيرة، والفواحش كذلك، ولهذا الآن أنتم سمعتم ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾ [النساء ٢٢].

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢] ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف ٨٠] فرق الله مع أنها كلها فواحش لكن بعضها أعظم من بعض.

﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم ٣٢]، قوله: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ قيل: إنه استثناء متصل، وقيل: إنه استثناء منقطع؛ لأن اللمم الشيء القليل، هذا القليل، فهل المعنى: إلا الشيء القليل من الكبائر، أي: أنهم يأتون الشيء القليل من الكبائر، أو المعنى ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾: إلا الصغائر من الذنوب؟ إن قلنا بالأول فالاستثناء متصل، وإن قلنا بالثاني فالاستثناء منقطع، وتكون ﴿إِلَّا﴾ بمعنى: لكن، والمعنى الثاني أقرب من حيث التقسيم؛ لأن الله ذكر الكبائر والفواحش والصغائر، وعلى هذا فيكون معنى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ يعني: إلا أن هؤلاء الذين أحسنوا يأتون الصغائر، والصغائر -والحمد لله- مكفرة بالحسنات، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء ٣١] وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ»[[أخرجه مسلم (٢٣٣ / ١٦) عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ كان يقول: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتُنِب الكبائر».]]، وقال عليه الصلاة والسلام: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٧٧٣)، ومسلم (١٣٤٩ / ٤٣٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وعلى هذا فيكون المعنى: أن الصغائر تقع مكفرة إما باجتناب الكبائر، أو باجتناب الكبائر مضمومًا إليها فعل هذه الحسنات العظيمة؛ الصلوات الخمس، الجمعة إلى الجمعة، رمضان إلى رمضان.

والخلاصة: الصغائر تقع مغفورًا للإنسان منها إذا اجتُنِب الكبائر، وإذا أحسن في الصلوات الخمس والجمعة ورمضان.

﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم ٣٢] في هذه الجملة إشارة إلى قوله: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ يعني: أن اللمم يقع في سعة مغفرة الله عز وجل فيغفره الله عز وجل، والمغفرة: هي ستر الذنب مع التجاوز عنه، إن الله يستر عليك الذنب ويتجاوز، ولا يكفي ستر الذنب، لا بد من تجاوز، والدليل على هذا أمران: لغوي، وسمعي؛ أما اللغوي: فلأن المغفرة مشتقة من المغفر؛ المغفر: هو ما يوضع على الرأس عند القتال، ويُسمى خوذة، ويُسمى بيضة، يوضع على الرأس على أساس يتقي السهام، هذا الذي يوضع على الرأس جمع بين أمرين: الوقاية والستر، فإذن المغفرة لا بد من ستر ووقاية.

أما السمعي: فهو «قوله تبارك وتعالى إذا خلا بعبده المؤمن يوم القيامة وقرره بذنوبه وأقر، قال: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]] فدل هذا على أن الوقاية من الذنوب وعدم المؤاخذة من المغفرة.

﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم ٣٢]، وتقدم قوله: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ أن لها معنين إلا اللمم: يعني الصغائر، هذه واحد.

والثاني: القليل من الكبائر والفواحش، ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ يعني: إلا القليل، ذكرنا بناء على اختلاف القولين الاختلاف في ﴿إِلَّا﴾ هل هي متصلة أو منقطعة؟ ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ متى تكون منقطعة؟ إذا فسرنا ﴿اللَّمَمَ﴾ بالصغائر صارت منقطعة، والمنقطعة علامتها أن ما بعدها ليس من جنس ما قبلها، علامة (إلا) المنقطعة أن ما بعدها ليس من جنس ما قبلها، فمثلًا: ﴿كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم ٣٢] إذا قلنا: اللمم الصغائر، فهل الصغائر من الكبائر والفواحش؟ لا، إذا قلنا: المراد باللمم القليل من الكبائر والفواحش صارت (إلا) متصلة؛ لأن اللمم القليل مما سبق، فهو من جنسه، إذن الاستثناء عندنا يكون منقطعًا ويكون متصلًا، فما هو المتصل؟

إذا كان المستثنى من جنس المستثنى منه فهو متصل، وإذا كان من غير جنسه فهو منقطع، وإليك ما مثل به النحويون يقولون: إذا قلت: جاء القوم إلا أميرهم، الاستثناء؟

* طالب: متصل.

* الشيخ: لماذا؟ لأن الأمير من الجنس، منهم.

وقالوا: إذا قلت: جاء القوم إلا حمارًا، فالاستثناء منقطع؛ لأن الحمار ليس من جنس القوم.

ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم ٣٢]، إشارة إلى أنها الصغائر، وقد ثبت في القرآن الكريم أن الصغائر تُغفر باجتناب الكبائر، فقال جل وعلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء ٣١] ، ولهذا قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾.

أما إذا قلنا: اللمم: القليل من الفواحش والكبائر، فيكون قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ إشارة إلى أن الكبائر إذا تاب الإنسان منها غفر الله له، وكأنها لم تكن، وإن لم يتب منها فهو تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عاقبه بما تستحق هذه الكبيرة.

فيه قومٌ من هذه الأمة يقولون: إن الكبيرة لا تُغفر، مَن هم؟ الخوارج والمعتزلة، شوف الخوارج والمعتزلة يقولون: الإنسان إذا زنى خلاص من أهل النار وهو كافر، إذا سرق كذلك، إذا شرب الخمر كذلك، لكن قولهم باطل، والصواب: أن فاعل الكبيرة داخل تحت قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨].

لو قال قائل: أنت إذا قلت هذا، فتحت الباب على مصراعيه لفعل الكبائر؛ لأن أي إنسان يفعل كبيرة يقول: أنا يمكن يغفر الله لي، وهذا فعلًا يحتج به العوام، يقول: إذا كان الله يقول: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: ما دون الشرك لمن يشاء، إذن سيفعل الكبائر ويقول: يغفر الله لي، هذه حُجة، كيف تجيبه؟ نجيبه بأن الله قال: ﴿يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ ما قال: لكل أحد، قال: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فهل أنت تتيقن الآن أنك ممن شاء الله أن يغفر له؟ أحدٌ يتيقن هذا؟ لا أحد يتيقن. إذن: لا حُجَّة فيها لأهل المعاصي.

ثم إن قوله تعالى: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ نعلم أن الله حكيم، لا يشاء أن يغفر للمذنب غير الشرك إلا إذا اقتضت الحكمة ذلك، ومن منا يستطيع أن يقول: إن حكمة الله تقتضي أن يغفر لي؟! لا أحد يقول هذا، بل لو قال هذا لقلنا: إن قولك هذا من أسباب المؤاخذة والمعاقبة؛ لأنك تأليت على الله.

ثم قال عز وجل: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [النجم ٣٢] أعلم بنا من ذلك الوقت الطويل البعيد، ﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ بماذا؟ بخلق أبينا آدم؛ لأن آدم خُلق من التراب، ثم صار طينًا ثم صار صلصالًا، ثم خلقه الله بيده جسمًا ونفخ فيه الروح فصار آدميًّا إنسانًا، هذا ﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أول النشء.

إذن نحن من الأرض، سبحان الله نحن من الأرض؟! نعم، نحن من الأرض، ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه ٥٥] الإخراج الذي ليس بعده وفاة، يوم القيامة.

﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ ولذلك الآن بنو آدم كالأرض تمامًا، فيهم الحزن الصلب الشديد، وفيهم السهل، وفيهم ما بين ذلك، وفيهم الأبيض، فيهم الأحمر، فيهم الأسود؛ لأن الأراضي تختلف هكذا، وقد ذُكر أن الله لما أراد أن يخلق آدم أخذ من كل الأرض؛ سهلها وحزنها، أسودها وأبيضها، وكلها.

﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم ٣٢]، وهذه النشأة الثانية ﴿أَجِنَّةٌ﴾: جمع جنين وهو الحمل، وسُمِّي الحمل جنينًا؛ لأنه مستتر ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ﴾ يعني: مستترين في بطون أمهاتكم، من وإلى؟ من حين أن كان الإنسان نطفة، ومن النطفة يُخلق، وهذا معنى قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون ١٣] فمن حين ما يكون نطفة يكون جنينًا، ثم يتطور كم طورًا؟ أربعة.

أولًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة مُخلَّقة وغير مُخلقة، ثم أنشأناه خلقًا آخر، الطور الأخير الذي فيه تحل الروح.

إذن هو عالمٌ بنا حين النشأة الأولى وحين النشأة الثانية في بطون أمهاتنا.

﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم ٣٢] لا تزكوها، وتقول: عملت كذا وكذا، صليت زكيت صمت جاهدت حججت لا تقل هكذا، تدل بعملك على ربك، هذا لا يجوز، فإن قال قائل: أليس الله يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس ٩]؟ فالجواب: بلى، لكن معنى: ﴿مَنْ زَكَّاهَا﴾ أي: من عمل عملًا تزكو به نفسه، وليس المعنى: ﴿مَنْ زَكَّاهَا﴾ من أثنى عليها ومدحها بأنها عملت وعملت، بل المراد عمل عملًا تزكو به نفسه، فلا معارضة بين الآيتين، ولهذا نقول: من زكى نفسه بذكر ما عمل من الصالحات فإنه لم يزكِ نفسه حقيقة، من زكى نفسه فإنه لم يزكِ نفسه، فرق بينهما، التزكية التي يُحمد عليها الإنسان: أن يعمل الإنسان عملًا صالحًا تزكو به نفسه.

والتزكية التي يُذم عليها: أن يدل بعمله على ربه ويمدحه، وكأنه يمُنُّ على الله، يقول: صليت، تصدقت، صمت، حججت، جاهدت، بَرَرْت والدي، وما أشبه ذلك، هذه لا يجوز للإنسان أن يزكي نفسه، ويقول: أنا من أنا.

وفي هذا رد على أولئك الصوفية الذين يدعون أنهم أئمة، ويزكون أنفسهم، ويقول: وصلنا إلى حدٍ لا تلزمنا الطاعات؛ لأن فيه الآن ناس يقول: إنه وصل إلى عالم الملكوت ولا عليه صلاة، ولا عليه صدقة، ولا عليه صيام، ولا يحرم عليه شيء، هؤلاء منسلخون من الدين انسلاخًا تامًا، لذلك نقول: هؤلاء الذين يزكون أنفسهم هم أبعد الناس عن الزكاة؛ لأنهم أعجبوا بأعمالهم وأدلوا بها على الله عز وجل، وجعلوا لأنفسهم منصبًا لم يجعله الله تعالى لهم.

﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم ٣٢] كأنه يقول: لماذا تزكون أنفسكم؟ أتريدون أن تعلموا الله بما أنتم عليه؟ الجواب: لا، ولهذا قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ يعني: إن كنت متقيًا لله فالله أعلم بك، ما حاجة أن تقول لله: إني فعلت وفعلت.

في هذا إشارة إلى أن النطق بالنية عند فعل العبادة قد يدخل فيه نوع من التزكية؛ يعني: إذا أردت تتوضأ هل تقول: اللهم إني نويت أن أتوضأ؟ لا، هل تقولها سرًّا؟ لا، بعض العلماء يقول: قلها سرًّا بينك وبين نفسك، وعللوا هذا، قالوا: من أجل أن يطابق اللسان القلب، القلب نوى لكن قل باللسان: اللهم إني نويت أن أتوضأ، نويت أصلي أيضًا، تريد تصلي قل: اللهم إني نويت أن أصلي، متى؟ الظهر ولّا العصر؟ بَيِّن، الظهر، وهل تحتاج إلى عدد الركعات ولّا ما تحتاج؟ لا تحتاج إلى عدد، ما دام عينت يكفي، بعض العلماء يقول هكذا يا إخوان، علماء أجلاء من الفقهاء.

التعليل ليش النطق باللسان؟ لتطابق القول القلبي واللساني، فيُقال: هذا غلط، هذا قياسٌ في مقابلة النص، هل الرسول عليه الصلاة والسلام شرع لأمته أن ينطقوا بالنية؟ أبدًا، لا في حديث لا صحيح ولا ضعيف؛ أن الإنسان إذا أراد العمل نطق النية، أبدًا ما يوجد.

ومن الطُرَف الطريفة: أن رجلًا في المسجد الحرام عاميًّا سمع شخصًا يريد أن يصلي، فقال بعد أن أقيمت الصلاة: اللهم إني نويت أن أصلي الظهر أربع ركعات في المسجد الحرام، لما أراد يكبر قال له: باقي عليك، قال: ويش الباقي؟ قال: باقي التاريخ، قل: في اليوم الفلاني، أنت الآن ذكرت المكان وذكرت العمل باقي التاريخ، قل: في اليوم الفلاني من الشهر الفلاني من السنة الفلانية.

* طالب: مأمومًا؟

* الشيخ: ما أدري عاد مأموم ولا غير مأموم، المهم أنه قال له الكلام هذا، فانتبه الرجل، وقال له: يا أخي، أنت تُعلم ربك بنيتك، الله أعلم بنيتك: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر ١٩] ما حاجة.

عند الصيام مثلًا: إذا تسحر الإنسان وأراد أن يصوم يقول: اللهم إني نويت الصيام إلى الليل؟ لا يقول هذا، كان ونحن صغار يلقنوننا هذا، يقول: إذا تسحرت قل: اللهم إني نويت الصيام إلى الليل، ونقوله؛ لأننا ما ندري، لكن في الواقع أن هذا من البدع.

بقي أن يُقال في الحج هل تقول: اللهم إني نويت العمرة، أو نويت الحج، أو نويت القران، أو التمتع؟ لا، ما تقوله، حتى في الحج عندما تغتسل وتلبس الإحرام لا تقل: اللهم إني نويت العمرة أو نويت الحج، تكفي التلبية؛ لأنك سوف تقول: لبيك عمرة إن كنت في عمرة، أو لبيك حجًّا إن كنت في حج، أو لبيك عمرة وحجًّا إن كنت قارنًا، فلا حاجة، فكل العبادات لا يُنطق فيها بالنية، ولهذا قال عز وجل: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم ٣٢].

53:33–35Page 527

أَفَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ ٣٣

Have you seen the one who turned away

وَأَعۡطَىٰ قَلِيلٗا وَأَكۡدَىٰٓ ٣٤

And gave a little and [then] refrained?

أَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡغَيۡبِ فَهُوَ يَرَىٰٓ ٣٥

Does he have knowledge of the unseen, so he sees?1

ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ إلى آخره [النجم: ٣٣، ٣٥]، ﴿أَفَرَأَيْتَ﴾ يعني: أخبرني، كلما جاءت أرأيت في القرآن فهي بمعنى أخبرني، ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ أخبرني عنه ﴿تَوَلَّى﴾ يعني عن طاعة الله عن الإيمان بالله ورسوله عن إقامة شعائر الإسلام، ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا﴾ أي: أعطى قليلًا من المال ﴿وَأَكْدَى﴾ أي: منع؛ يعني أنه هو ليس مطيعًا لله، وليس نافعًا لعباد الله، فهو متولٍّ عن طاعة الله وهو مانع فضل الله عز وجل، فلذلك يسأل الله عز وجل يقول: أخبرني عن هذا، وهذا الاستخبار ليس لعدم علمه جل وعلا، ولكن لشحذ النفوس والهمم إلى الاستماع لما يلقى فيقول: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ والجواب: لا، ليس عنده علم الغيب، وهو يدعى أنه بتوليه وإعطائه القليل سلم ونجا، ولكنه لم يسلم ولم ينجُ، وليس عنده علم من الغيب اطلع عليه.

53:36–38Page 527

أَمۡ لَمۡ يُنَبَّأۡ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ ٣٦

Or has he not been informed of what was in the scriptures of Moses

وَإِبۡرَٰهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰٓ ٣٧

And [of] Abraham, who fulfilled [his obligations] -

أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ ٣٨

That no bearer of burdens will bear the burden of another

ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾ أي: لم يخبر ﴿بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم ٣٦، ٣٧] أي: هو أيضًا لم يُخبر بما في صُحُف موسى ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ أي: وفَّى ما أمر الله به، كقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة ١٢٤] يعني هل هذا الرجل الذي تولى عن طاعة الله وأعطى القليل ومنع الكثير هل عنده علم الغيب أنه ناجٍ بذلك أو لا؟ وهل جاءه الخبر بما في صحف موسى عليه الصلاة والسلام وإبراهيم؟ وذكر موسى؛ لأنه أفضل أنبياء بني إسرائيل، وذكر إبراهيم؛ لأنه أبو الأنبياء، فهو أبو الأنبياء في بني إسماعيل وأبو الأنبياء في بني إسرائيل.

وقوله: ﴿الَّذِي وَفَّى﴾ أي: وفَّى ما أمر به، قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ وهنا قدَّم موسى على إبراهيم، وفي سورة الأعلى قدَّم إبراهيم على موسى، ولا شك أن الأحق بالتقديم إبراهيم؛ لأنه أسبق زمنًا وأعلى مرتبة، ولكن مراعاة لفواصل الآيات قدَّم موسى؛ ولأجل الثناء الخاص بإبراهيم أيضا قدَّم موسى، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾.

ما الذي في صحف إبراهيم وموسى؟ قال: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم ٣٨] أي لا تحمل نفس ﴿وَازِرَةٌ﴾ أي: يلحقها الإثم ﴿وِزْرَ﴾ أي: إثم، ﴿أُخْرَى﴾: يعني أن النفوس لا يحمل بعضها وزر بعض، الوزر على من؟ على صاحبه الذي استحق أن يأثم، وأما غيره فلا يمكن.

ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت ١٢] المعنى: اتبعوا طريقنا ونحن نحمل خطاياكم يعني والإثم علينا، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٢، ١٣] والآية ليس فيها تعارض قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذا في الواقع ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣] لأنهم هم الذين أضلوا الناس ومن أضل شخصًا فعليه وزره ووزر من عمل به.

المهم ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فإن قال قائل: ألم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن «من دل على سوء فعليه إثمه وإثم من تبعه، ومن سن في الإسلام سُنة سيئة فعليه وزرها ووز من عمل بها»[[أخرج أحمد (١٩٢٠٦) عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ: «لا يسن عبد سنة صالحة، يعمل بها من بعده إلا كان له مثل أجر من عمل بها، لا ينقص من أجورهم شيء، ولا يسن عبد سنة سوء، يعمل بها من بعده إلا كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيء».]]؟ فالجواب: بلى، ثبت هذا، لكن لما كان هو الداعي إلى هذا الوزر والإثم صار كالفاعل، فالوزر الذي حمل من أوزار من اتبعه هو السبب فيه، فكان عليه إثمه.

53:39Page 527

وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ٣٩

And that there is not for man except that [good] for which he strives

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، فسعي غيره لا ينفعه، ليس لك إلا ما سعيت، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة ٢٨٦] فإن قال قائل: أليس العالم الذي يدل على الخير إذا فعله غيره فله مثله؟ قلنا: بلى، لكن دلالته على الخير من سعيه، أليس من سَنَّ في الإسلام سُنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها؟ بلى، لكن كونه سنها هذا من سعيه.

واستدل بعض العلماء بهذه الآية على أن إهداء القرب لا ينفع من أُهدي إليه، فلو صليت وقلت: اللهم اجعل ثوابها لأبي لم ينفعه، ولو صُمْتَ وقلت: اللهم اجعل ثوابه لأبي لم ينفعه؛ لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى، وأما سعي غيره فلا ينفعه إلا أن ما وردت به السنة، فلا بد من القول به، فالصوم عن من مات وعليه صيام جاءت به السنة، قال النبي ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، الحج عن من لا يستطيع الحج يجوز؛ لأن «امرأة سألت النبي ﷺ قالت: إن أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج شيخًا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نَعَمْ»[[أخرج البخاري (١٨٥٥) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: كان الفضل رديف النبي ﷺ، فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل النبي ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: إن فريضة الله أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم» وذلك في حجة الوداع.]].

إذن هذا الحج، الصوم والحج الواجب، الصوم الواجب، والحج الواجب، الصدقة جائزة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «سأله سعد بن عبادة رضي الله عنه، له مِخْراف –يعني: حائط يُخرف- نخل، هل يتصدق به لأمه فينفعها؟ فقال النبي ﷺ: «نَعَمْ»[[أخرج البخاري (٢٧٥٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن سعد بن عبادة رضي الله عنه تُوفيت أمه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله، إن أمي تُوفيت وأنا غائب عنها، أينفعها شيء إن تصدقت به عنها؟ قال: «نعم»، قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عليها.]]، وسأله رجل آخر «قال يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها -يعني: ماتت بغتة- وإنها لو تكلمت لتصدقت أفأتصدق عنها، قال: «نَعَمْ»[[أخرج البخاري (٢٧٦٠)، ومسلم (١٠٠٤ / ٥١) عن عائشة، أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي افتُلِتَت نفسها ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم».]]، فهذه ثلاث جاءت بها السنة، والعتق كذلك، فما جاءت به السنة فهو على العين والرأس، ويكون مُخَصِّصًا لقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم ٣٩]، وذهب بعض العلماء إلى أن إهداء القرب للأموات جائز سواء كان مما جاءت به السنة أو لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سُئل عن قضايا أعيان، قضية بعينها، فقال: نعم، فيُقال: ومثلها جميع الطاعات، من باب القياس.

وهؤلاء يحملون قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم ٣٩]، أن المعنى أنه لا يمكن أن يأخذ من عمل غيره، لكن إذا أهدى إليه العامل فإن هذا لا بأس به، كما أن الإنسان ليس له التصرف إلا في ماله، ولو أعطاه شخص مالًا لتصرف فيه، لو أعطاه مالًا يتصرف فيه، وهذا القول هو الذي عليه الإمام أحمد -رحمه الله- وأصحابه في المشهور عنهم؛ أن أي قربة فعلها الإنسان وجعل ثوابها لميت أو حي نفعه ذلك، وقد نقل الجمل في حاشيته على الجلالين في هذا الموضع نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله: أنه يجوز إهداء القرب، وأن الميت ينتفع بذلك، وذكر لهذا أكثر من عشرين وجهًا، فمن أحب أن يراجعه فليراجعه، والكتاب اسمه الفتوحات الإلهية.

53:40Page 527

وَأَنَّ سَعۡيَهُۥ سَوۡفَ يُرَىٰ ٤٠

And that his effort is going to be seen -

No commentary for this ayah

53:41Page 527

ثُمَّ يُجۡزَىٰهُ ٱلۡجَزَآءَ ٱلۡأَوۡفَىٰ ٤١

Then he will be recompensed for it with the fullest recompense -

No commentary for this ayah

53:42Page 527

وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلۡمُنتَهَىٰ ٤٢

And that to your Lord is the finality

﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢] وهذه الآية فيها قراءتان: القراءة الأولى: فتح الهمزة: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم ٤٢]، والثانية: كسر الهمزة: ﴿﴿وَإنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ ﴾، وكلاهما قراءتان صحيحتان سبعيتان، إذا قرأ الإنسان بإحداهما صح، بل الأولى للإنسان الذي يعرف القراءات أن يقرأ بهذه القراءة مرة وبهذه القراءة مرة أخرى، لكن لا على ملأ من الناس وسماعٍ منهم؛ لأن العامة إذا سمعوك تقرأ على خلاف ما يعلمون فسيحصل بذلك مفسدة؛ إما أن يقولوا: إن هذا الرجل لا يعرف القرآن، وإما أن يتشككوا في القرآن، حيث يظن العامي أن (...)، لذلك ننصح إخواننا الذين أعطاهم الله تعالى علمًا في القراءة ألا يقرؤوا إلا بالقراءة المعروفة عند العامة حتى لا يحصل اللبس، لكن فيما بينك وبين نفسك إذا كنت تدرك القراءة الثانية إدراكًا تامًا فاقرأ بها أحيانًا؛ لأن الكل سُنَّة، الكل كلام الله عز وجل.

فإذا كانت بالكسر: ﴿﴿وإِنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ ﴾ صارت هذه الجملة وما بعدها ليست في صحف إبراهيم وموسى، بل تكون استئنافية، وإذا كانت بالفتح: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ صارت هذه الجملة وما بعدها مما جاء في صحف إبراهيم وموسى، وعلى كلٍ فهي كلام الله عز وجل.

﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ في أي شيء؟ في أمور الدين والدنيا، فإلى الله المنتهى في مسائل العلم، عندما تشكل علينا مسألة من مسائل العلم إلى أين ننتهي؟ إلى الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩]، والنبي ﷺ لا يقول شيئًا من عنده، إنما هو من عند الله عز وجل، فيكون المنتهى إلى الله في الحكم بين الناس وفي الحكم في الناس.

﴿إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ أيضًا منتهى الخلائق؛ لأن هذا الخلق الموجود الآن سوف يفنى وينتقل إلى خلقٍ آخر، كما قال عز وجل: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق ١٥] المنتهى على هذا التقدير هو يوم القيامة، فإلى الله المنتهى: إلى الله المصير، فمنتهى أحوالنا وأحكامنا وجميع ما يصدر منا وعلينا إلى الله عز وجل.

وإذا كان إلى الله المنتهى فإلى من تشكو إذا أصابك الضر؟ إلى الله عز وجل، وإذا أردت النفع فمن تطلب؟ الله عز وجل؛ لأنه إلى الله المنتهى، وكم من إنسان انعقد له أسباب الرزق وإذا به يُحرم منه على آخر لحظة، ربما يشتغل بإنشاء محطة مثلًا على أنه يريد أن يرتزق بها، وإذا كان الله لم يُرِد هذا احترقت المحطة.

إذن: لا يجلب لك الخير إلا الله، ولا يمنع عنك الضرر إلا الله عز وجل، فاجعله منتهاك في كل أمورك.

53:43Page 527

وَأَنَّهُۥ هُوَ أَضۡحَكَ وَأَبۡكَىٰ ٤٣

And that it is He who makes [one] laugh and weep

﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣] هل المراد حقيقة الضحك أو المراد لازم ذلك؛ وهو الفرح؟ وكذلك يُقال في أبكى: هل المراد حقيقة البكاء أو المراد الحزن؟ إذا نظرنا إلى ظاهر اللفظ قلنا: الضحك الحقيقي، والضحك الحقيقي لا ينشأ إلا عن سرور، ﴿وَأَبْكَى﴾ البكاء الحقيقي، والبكاء لا يحصل إلا عن حزن، فالله تعالى أضحك في الدنيا وأبكى، وأضحك في الآخرة وأبكى.

الكفار في الدنيا الآن يضحكون على من؟ على المسلمين، على المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين ٢٩]، لكن هذا ضحك سيعقبه بكاء في يوم القيامة: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين ٣٤]، فالذي أضحك في الدنيا وأبكى، والذي أضحك في الآخرة وأبكى هو الله عز وجل.

إذن: هو مقدر ما يكون به الضحك، ومقدر ما يكون به البكاء، وأتى بالأمرين، وهما متقابلان؛ ليعلم بذلك أن الله سبحانه وتعالى على كل شيءٍ قدير، وهو القادر على خلق الضدين.

53:44Page 527

وَأَنَّهُۥ هُوَ أَمَاتَ وَأَحۡيَا ٤٤

And that it is He who causes death and gives life

﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [النجم: ٤٤] أمات في الدنيا وأحيا في الدنيا، وأمات أيضًا في الدنيا وأحيا في الآخرة، ﴿أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾: الآن البشر تجد هذا، تُنفخ فيه الروح اليوم فيكون الله قد أحياه، والآخر تُنزع روحه من بدنه فيكون الله قد أماته، وهكذا دواليك، هو الذي أمات وأحيا، هناك أيضًا ميتة عامة وحياة عامة، أمات العالم في الدنيا وأحياهم في الآخرة، فهو الذي خلق الموت وهو الذي خلق الحياة، وهذان أيضًا متضادان؛ حياة وموت، كلها من عند الله عز وجل؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском