Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
An-Najm 53:45–62
53:45–46Page 528
وَأَنَّهُۥ خَلَقَ ٱلزَّوۡجَيۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰ ٤٥
And that He creates the two mates - the male and female -
مِن نُّطۡفَةٍ إِذَا تُمۡنَىٰ ٤٦
From a sperm-drop when it is emitted
﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [النجم: ٤٥، ٤٦] ﴿خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ الزوج بمعنى: الصنف، ومثاله قوله تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص ٥٨] أي: أصناف، وقوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات ٢٢] ليس المراد: زوجاتهم، المراد: أزواجهم؛ أي: أصنافهم.
إذن ﴿الزَّوْجَيْنِ﴾ يعني أيش؟ الصنفين، ثم بَيَّن هذين الصنفين، فقال: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [النجم ٤٥]، من مادة واحدة ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ وهي المني، ﴿إِذَا تُمْنَى﴾ [النجم ٤٦] أي: تُراق وتُصب في رحم المرأة، فالله عز وجل خلق هذين الصنفين المختلفين خلقة، المختلفين مزاجًا، المختلفين عقلًا، المختلفين فكرًا، خلقهما من شيءٍ واحد، من نطفة، ولهذا قال الله تبارك وتعالى في سورة القيامة في آخر السورة، قال: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة ٣٩، ٤٠]؟
الجواب: بلى، فالله تعالى خلق الزوجين، الذكر والأنثى من شيء واحد، وهذا يدل على كمال قدرته جل وعلا، إذ أنه خلق صنفين مختلفين في كل الأحوال، حتى في القوى البدنية يختلف الرجل عن المرأة، والعقلية والفكرية والتنظيمية يختلف الذكر عن الأنثى، وبذلك نعرف ضلال أولئك القوم الذين يريدون أن يلحقوا المرأة بالرجل في أعمالٍ تختص بالرجل، فإنهم سفهاء العقول، ضُلّال الأديان، وكيف يمكن أن نسوي بين شيئين، أو بين صنفين فرق الله بينهما خلقة وشرفًا؟!
هناك أحكام يُطالب بها الرجل ولا تُطالب بها المرأة، وأحكام تُطالب بها المرأة ولا يُطالب بها الرجل، وأما قدرًا وخلقة فالأمر واضح، لكن هؤلاء الذين لم يوفقوا وسلب الله عقولهم وأضعف أديانهم يحاولون الآن أن يلحقوا النساء بالرجال، وهذه لا شك أنها فكرة خاطئة مخالفة للفطرة مخالفة للطبيعة، كما أنها مخالفة للشريعة.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ [النجم ٤٦] ما معنى تُمنى؟ أي: تُصب وتُراق في الرحم، ومنه سُمي المكان منى الذي حول مكة قال العلماء: لأنها تمنى فيه الدماء؛ لأن الهدي أين يُذبح؟ يُذبح يوم العيد في مِنَى، فتراق فيه الدماء؛ ولذلك سُمّي هذا المكان باسم ما يحدث فيه.
53:47Page 528
وَأَنَّ عَلَيۡهِ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰ ٤٧
And that [incumbent] upon Him is the other [i.e., next] creation.
ثم قال: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم ٤٧] على من؟ على الله، وفي هذا دليل على أن الله أوجب على نفسه أن يبعث الناس؛ لأنه لو كان الناس يحيون ويموتون بلا إرجاع لكان هذا عبثًا محضًا؛ لأننا نعلم الآن أن الناس في الدنيا يختلفون في الغنى والفقر، والقوة والضعف، والذكاء والعقل، وغير ذلك، لو كان الخلق هكذا فقط بدون إرجاع لكان هذا منافيًا للحكمة تمامًا، لكن لا بد من رجوع.
ولهذا قال: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ﴾ و(على) تفيد؟ مثلًا: إذا قلت: عليك تفعل كذا يعني: واجب، فـ(على) تفيد الوجوب، فيكون الله أوجب على نفسه أن ينشئ الناس مرة أخرى، ولا مانع من أن الله يفرض على نفسه ما شاء، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام ٥٤] أي: أوجب على نفسه الرحمة.
كذلك هنا قال: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم ٤٧] أي: على الله، أوجب الله على نفسه أن ينشئ الناس نشأة أخرى للجزاء كلٌ بحسب عمله، والنشأة الأخرى تفيد بأن هناك نشأة قبلُ، وهي النشأة الأولى، وهي ابتداء خلق الناس من عند الله عز وجل.
ففي قوله: (الأخرى) فائدة عظيمة، وهي الإشارة إلى أن القادر على الأولى قادر على الآخرة، والنشأة الآخرة أهون من الأولى، كما قال عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، وكله عليه هين، لكن الهين يختلف باعتبار ذاته لا باعتبار قدرة الله، قدرة الله لا تختلف، كن فيكون، سواء كان أعلى شيء أو أدنى شيء.
لكن بالنسبة للمقدور عليه أيهما أهون؟ الإعادة أهون أما بالنسبة لقدرة الله فكلها واحدة؛ لأن المسألة لا تعدو أن يقول: كن فيكون.
وبهذا نعرف أن بعض المفسرين -رحمهم الله وعفا عنهم- قالوا في قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، قال المعنى: وهو هين عليه، هذا غلط، كيف يقول الله عن نفسه: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ ونقول: وهو هين؟! لكن نقول: الهون له نسبتان: نسبة للمفعول، ونسبة للفاعل، بالنسبة للفاعل هما سواء؛ لأن كل شيء منهما يتكون بكلمة واحدة: كن فيكون.
بالنسبة للمفعول يختلف، لا شك أن الأول أشد من الثاني.
إذن ﴿النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ قلنا كلمة: ﴿الْأُخْرَى﴾ فيها فائدة، وهي الإشارة إلى أن القادر على الأخرى قادر على الأولى من باب أولى، ثم استشهدنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧].
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ [النجم: ٤٨] يعني: أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، فهو الذي أغنى؛ يعني أغنى من شاء من خلقه، ﴿وَأَقْنَى﴾ قيل: معناها أفقر؛ لأنها في مقابلة أغنى، وقيل: ﴿أَغْنَى﴾ بالكفاية، ﴿وَأَقْنَى﴾ بما زاد عن الكفاية؛ يعني: أن الله عز وجل بسط الرزق للعباد، فمنهم من أغناه عن غيره ومنهم من أقناه؛ أي: جعل له قُنية، وهي الزائد عن الكفاية.
وكما ذكرنا مرارًا أن الكلمة إذا كانت تحتمل معنيين ليس بينهما منافاة ولا مرجح لأحدهما على الآخر فإنها تُحمل عليهما؛ لأنه أعم للمعنى.
فالذي يغني هو الله، والذي يقني هو الله عز وجل، وليست هذه الأصنام التي هي: اللات والعزى ومناة، بل ذلك إلى الله عز وجل وحده.
﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [النجم: ٤٩] أتى بضمير الفصل تأكيدًا للجملة، و﴿رَبُّ الشِّعْرَى﴾ أي: خالقها ومالكها ومدبرها، و﴿الشِّعْرَى﴾ هي: النجم المضيء الذي يخرج في شدة الحر، ونص على هذا النجم؛ لأن بعض العرب كانوا يعبدونها ويعظمونها، فَبَيَّن تبارك وتعالى أن الشعرى من جملة المخلوقات المربوبات، فليست إلهًا، ولا تستحق أن تعبد.
53:50Page 528
وَأَنَّهُۥٓ أَهۡلَكَ عَادًا ٱلۡأُولَىٰ ٥٠
And that He destroyed the first [people of] ʿAad
﴿وَأَنَّهُ﴾ أي: الله عز وجل ﴿أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ [النجم ٥٠] وهم قوم هود.
و﴿الْأُولَى﴾: وصف كاشف وليس وصفًا مُقيدًا؛ يعني: ليس هناك عاد أولى وعاد ثانية، هي واحدة، لكنها عاد قديمة سابقة، ولهذا وصفها بأنها الأولى؛ يعني: القديمة السابقة، وليس ثمة عادٌ أخرى.
عاد: هم قوم هود، وكان الله تعالى قد أعطاهم من القوة والنشاط وشدة البطش ما ليس لغيرهم، حتى إنهم قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت ١٥]، هؤلاء القوم يفتخرون بشدتهم وقوتهم فأهلكهم الله تعالى بألطف الأشياء، أهلكهم بريح صرصر عاتية، ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة ٧] ابتدأت من بعد الفجر وانتهت عند الغروب، فصارت الأيام ثمانية والليالي سبعًا ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة ٧] تحمل الإنسان إلى القمة ثم تقذف به على الأرض، فصاروا كأنهم أعجاز نخلٍ خاوية، والعياذ بالله، أو ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر ٢٠].
فهؤلاء القوم مع شدة بطشهم وشدة بأسهم لم يمنعهم ذلك من عذاب الله عز وجل.
وقوله: ﴿وَثَمُودَ﴾ [النجم ٥١] يعني: وأهلك ثمود فما أبقاهم، وثمود هم أصحاب الحَجَر، حيث أرسل الله إليهم صالحًا فكذبوه، وكان الله تعالى قد أعطاهم قوة وأعطاهم معرفة وعلمًا بهندسة البناء، لكن مع ذلك ما فعلوا ما أراد الله بهم، صيح بهم ورجفت بهم الأرض، فأصبحوا في ديارهم جاثمين، والعياذ بالله.
53:52Page 528
وَقَوۡمَ نُوحٖ مِّن قَبۡلُۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ هُمۡ أَظۡلَمَ وَأَطۡغَىٰ ٥٢
And the people of Noah before. Indeed, it was they who were [even] more unjust and oppressing.
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾ [النجم: ٥٢] يعني: وأهلك قوم نوحٍ من قبل، أهلكهم بالغرق، كما قال الله تعالى في سورة (اقتربت الساعة وانشق القمر) قال عن نبيهم نوح: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر ١٠-١١] وفي قراءة: ﴿ففتَّحنا﴾ مما يدل على الكثرة وشدة الانفتاح، ﴿أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر ١١] يعني: نازلٍ بشدة، ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر ١٢] الأرض كلها كانت عيونًا؛ يعني ليس فيها موضع شبر إلا وهو يفور، حتى إن التنور الذي هو محل الإيقاد صار يفور، مع أن محل الإيقاد أبعد ما يكون عن الرطوبة، لكنه فار، فصارت الأرض كلها عيونًا والسماء تمطر.
﴿الْتَقَى الْمَاءُ﴾ [القمر ١٢] ماء السماء وماء الأرض، ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر ١٢]؛ يعني: أمر مقدر محدد بدون زيادة ولا نقص، سبحان الله العظيم، فغرق القوم حتى بلغ الماء قمم الجبال، ويذكر أن «امرأة كان معها صبي، فكلما علا الماء صعدت الجبل كلما علا الماء صعدت الجبل، حتى وصل الماء إلى قمة الجبل، ووصل إلى المرأة وارتفع في جسدها، وكان معها صبي، فحملت الصبي على يديها، ترفعه لئلا يغرق قبلها، وجاء في الحديث: «لَوْ رَحِمَ اللَّهُ أَحَدًا لَرَحِمَ أُمَّ الصَّبِيِّ»[[أخرج الحاكم (٣٣٤٩) عن عائشة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: «لو رحم الله أحدًا من قوم نوح لرحم أم الصبي»، قال رسول الله ﷺ: «كان نوح مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، يدعوهم حتى كان آخر زمانه غرس شجرة، فعظمت، وذهبت كل مذهب، ثم قطعها، ثم جعل يعملها سفينة، ويمرون فيسألونه، فيقول: أعملها سفينة، فيسخرون منه، ويقولون: تعمل سفينة في البر، وكيف تجري؟ قال: سوف تعلمون فلما فرغ منها، فار التنور، وكثر الماء في السكك، خشيت أم الصبي عليه، وكانت تحبه حبًّا شديدًا، فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلمة، فلما بلغها الماء خرجت به حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيدها حتى ذهب بها الماء، فلو رحم الله منهم أحدًا لرحم أم الصبي».]]، لكن إذا حقت كلمة الله فلا راد لقضاء الله تعالى، أجارنا الله وإياكم من العذاب الأليم.
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾ [النجم ٥٢] اختلف المفسرون في قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾، فقيل: إن الضمير يعود على قوم نوح فقط، وقيل: إنه يعود على كل الأمم التي ذكرها الله عز وجل ممن أهلكهم.
فعلى القول الأول يكون المعنى؛ أن قوم نوحٍ أظلم وأطغى من قوم ثمود وعاد، ووجه ذلك؛ أنه حصل منهم عتو واستكبار مع طول المدة، حيث إن نوحًا عليه الصلاة والسلام لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، يقول الله تبارك وتعالى عنه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح ٥، ٧] حتى لا يسمعوا، ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح ٧] تغطوا بها حتى لا يبصروا، وهذا يدل على شدة كراهتهم لما يدعوهم إليه عليه الصلاة والسلام، ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح ٧] يعني: استكبارًا عظيمًا فلم يخضعوا لعبادة الله عز وجل، فكانوا أظلم وأطغى من عاد وثمود.
وعلى القول الثاني: أن الضمير يعود على كل هؤلاء الأمم، يكون المعنى: إن هؤلاء كانوا أظلم وأطغى من قريش الذين كذبوك يا محمد. فيكون في هذا تسلية للرسول ﷺ؛ بأن الله تعالى أهلك هؤلاء القوم مع أنهم أظلم وأطغى من قومك، والذي أهلك من سَبَق قادرٌ على أن يهلك من لحق، وكلا المعنيين صحيح، فهؤلاء الأمم أظلم وأطغى من قريش، وقوم نوح أظلم وأطغى من عادٍ وثمود.
ثم قال عز وجل: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم ٥٣] أي: أسقط، ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ﴾ هي قرى قوم لوط، ﴿أَهْوَى﴾ بمعنى: أنزل، واختلف المفسرون في قوله: ﴿أَهْوَى﴾ هل المعنى: أنه أهوى بها من فوق إلى أسفل بناءً على أن الله تعالى رفع هذه القرى إلى فوق ثم قلبها، أو أن المعنى: أنه ﴿أَهْوَى﴾ أسقطها بمعنى: أرسل عليها الحجارة حتى تهدم البناء فصار أعلى البناء أسفله.
المهم، أن الله تعالى أخبر عن قوم لوط بأن الله أهواهم -أي: أسقطهم- سواء من الجو أو من سقوط البناء على أسفله.
53:54–55Page 528
فَغَشَّىٰهَا مَا غَشَّىٰ ٥٤
And covered them by that which He covered.1
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ ٥٥
Then which of the favors of your Lord do you doubt?
﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النجم: ٥٤] غشاها؛ أي: غطاها، وقوله: ﴿مَا غَشَّى﴾ مبهم للتعظيم والتفخيم، كقوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه ٧٨] أي: غشيهم شيءٌ عظيم، فالإبهام أحيانًا يُراد به التعظيم والتهويل والتفخيم كما في هذه الآية: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ [النجم ٥٤، ٥٥]، الاستفهام هنا للتوبيخ، و﴿تَتَمَارَى﴾ تتشكك، والآلاء: النعم؛ أي: بِأَيِّ نعم الله تتشكك أيها الإنسان؟! إذ أن الواجب أن الإنسان يقر بنعم الله ويشكر الله عليها، لا أن يتشكك ويقول: هذا من عملي، هذا من كذا، هذا من كذا، كما كانت العرب تقول: مطرنا بنوء كذا وكذا؛ يعني: بالنجم، وينسون الخالق عز وجل.
53:56Page 528
هَٰذَا نَذِيرٞ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلۡأُولَىٰٓ ٥٦
This [Prophet (ﷺ)] is a warner from [i.e., like] the former warners.
ثم قال جل وعلا: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ [النجم ٥٦] هذا المشار إليه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ﴿نَذِيرٌ﴾ بمعنى: منذر، والمنذر: هو الذي يعلم بالشيء على وجه التخويف؛ لأن الإنذار هو إعلام بتخويف، والبشارة هو إعلام برجاء، ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ ولم يقل: بشير؛ لأن المقام لا يقتضي إلا ذكر الإنذار، إذ أن الله تحدث من أول السورة إلى آخرها عن قريش وتكذيبها للرسول ﷺ، وعبادتها الأصنام، فيقول: محمد ﷺ نذير من النُذُر الأولى؛ أي: من الرسل السابقين؛ يعني: فكما أن الذين كذبوا الرسل حل بهم العقاب والنكال، فأنتم أيها المكذبون لرسول الله ﷺ يوشك أن يحل بكم النكال والعقوبة؛ لأن محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثل غيره، نذيرٌ من النذر، فإذا كان نذيرًا من النذر فإن من كذبه سيقع به مثل ما وقع بالأمم السابقة.
﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧] أي: قربت القيامة؛ ﴿الْآزِفَةُ﴾: القيامة، وأزف بمعنى: قرب، ومنه قول الشاعر:
أَزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أَنَّ رِكَابَنَا ∗∗∗ لَمَّا تَزُلْ بِرِحَالِنَا وَكَأْنَ قَدِ
الآزفة هي القيامة؛ لأن الساعة قريبة، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى ١٧]، وقال تعالى في الآية الثانية: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب ٦٣] فهي قريبة، ويدل لقربها أن محمدًا ﷺ خاتم الرسل معناه: أن الأمر قريب، ومع كون الله تعالى يذكر أن الأمر قريب كم بيننا وبين نزول القرآن؟ أربعة عشر قرنًا، ونحن في الخامس عشر، ومع ذلك يقول الله عز وجل: إن الساعة قريب، من هنا نعرف أن عمر الدنيا طويل وبعيد، ولكن هل نأخذ بقول هؤلاء الذين يتخرصون ويقولون: عمر الدنيا الماضي كذا وكذا؟ لا، هؤلاء لا نصدقهم ولا نكذبهم، أحيانًا يقولون: إنهم عثروا على آثار حيوان له كذا وكذا من ملايين السنين، أو على أحجار أو ما أشبه ذلك، هذا لا نصدقه ولا نكذبه؛ لأنهم لا يعلمون الغيب الماضي وإنما يقيسونه بحال الحاضر؛ يعني: يقيسون مثلًا عمر هذا الأثر.
53:58Page 528
لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ ٥٨
Of it, [from those] besides Allāh, there is no remover.
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences