Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Qamar 54:23–47
54:23–24Page 529
كَذَّبَتۡ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ ٢٣
Thamūd denied the warning.
فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٗا مِّنَّا وَٰحِدٗا نَّتَّبِعُهُۥٓ إِنَّآ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ وَسُعُرٍ ٢٤
And said, "Is it one human being1 among us that we should follow? Indeed, we would then be in error and madness.
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٢٣] أي: بما جاءهم من النذر، وهي الآيات التي جاء بها صالح عليه الصلاة والسلام، وديارهم معروفة الآن في بلاد الحِجر في طريق تبوك من المدينة، كان صالح عليه الصلاة والسلام مرسلًا إلى قومه يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له كسائر الأنبياء، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل ٣٦]، أرسله الله عز وجل إلى قومه، وأعطاه آية وهي ناقة لها شِربٌ ولهم شرب، أي أن بئر الناقة الكبير الغزير الماء يومٌ تأتي به الناقة وتشرب، وقد ذكروا أنها إذا شربت إناءً من الماء فإن الذي يسقيها إناء من الماء يحلِب من لبنها بقدر ما سقاها، وهذا من آيات الله عز وجل؛ أن ناقة تشرب ماءً ثم تُخرِجه في الحال لبنًا، فإن هذا ليس له عادة، ولكنها آية من آيات الله عز وجل، أراهم الله تبارك وتعالى إياها حتى يعتبروا؛ لأن الله لم يرسل رسولًا إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر رحمة منه وحكمة؛ لأنه لا يعقل أن رجلًا من بين الناس يأتي ويقول: إني رسول الله إليكم إلا إذا آتاه الله آياتٍ تدل على صدقه.
قال العلماء: وما من آية أُوتِيَها نبي من الأنبياء السابقين إلا كان لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثلها أو أشد، ولكن قد تكون غير متوفرة في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام، لكنها موجودة في أمته الذين اتبعوه، ولهذا كان من القواعد المقررة عند العلماء: أن كل كرامة لولي فهي آيةٌ للنبي الذي اتبعه؛ لأن هذه الكرامة تشهد بصدق ما كان عليه الولي، وهذا الولي تابع لرسولٍ سابق، فيكون في ذلك آية على أن هذا الشرع الذي عليه هذا الولي حق، وهذه تكون آية للنبي، فالقاعدة الآن: أن كل كرامة لولي فهي آية للنبي الذي اتبعه.
وعليه فنقول: من آيات موسى أنه ضرب الحجر، وإذا ضربه انفجر عيونا تنبع ماءً من حجر يابس، فهل كان للرسول الله ﷺ مثله؟
الجواب: كان له أعظم؛ فإن النبي ﷺ جيء إليه بقدحٍ من ماء وليس مع الناس ماءٌ إلا ما في هذا الركوة، فوضع يده فيه فجعل الماء ينبع من بين أصابع يده كالعيون[[أخرجه البخاري (٣٥٧٦) من حديث جابر.]] -سبحان الله! - هذه أعظم من آية موسى، يعني: آية موسى يخرج الماء من الحجر، وخروج الماء من الحجر معتاد، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة ٧٤]، لكن هل جرت العادة أن يخرج الماء من الإناء الذي بينه وبين الأرض فاصل؟ لا. إذن هذه أعظم.
موسى عليه الصلاة والسلام ضرب البحر فانفلق فكان أسواقًا يابسة، وهذه لا شك آيةٌ عظيمة، جرى لهذه الأمة أعظم من هذه، مشوا على الماء دون أن يُضْرَب لهم طريقٌ يابس، مشوا على الماء المائع الهين -الذي يغوص فيه من يقع فيه- بدوابهم وأرجلهم، ولم يغرقوا، في قصة العلاء بن الحضرمي[[انظر: صفة الصفوة (١/٢٧٠).]]، وفي قصة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه[[أخرجه ابن أبي شيبة (٣٣٧٤٧).]]، مشوا على الماء، وهذا أعظم من أن يمشوا على الأرض التي يتفرق عنها الماء.
فالمهم أنه ما من نبي بعثه الله إلا أعطاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، قلنا: هذا رحمة وحكمة، رحمة بالناس من أجل أن تحملهم هذه الآيات على التصديق فينجوا من عذاب الله، حكمة لأنه ليس من الحكمة أن يقوم إنسان من بين الناس ويقول: أنا رسول الله حتى يؤتَى آيات.
من آية صالح هذه الناقة، لها شرب ولثمود شرب، لها يوم ولهؤلاء يوم، هذه من آيات الله، وقع مثلها للرسول عليه الصلاة والسلام في الهجرة، فإنه مر براعي غنم وعنده ماعز أو ضأن ليس فيها لبن، فمسح النبي ﷺ ضروعها فجعلت تبش من اللبن[[أخرجه الحاكم (٤٣٢٠) من حديث هشام بن حبيش.]]، هذاك آية معينة في عين معينة، ناقة معينة هذا فيه أي شيء.
يقول عز وجل: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر ٢٣] النذر: جمع نذير، والمراد به الآيات التي أُوتيها صالح عليه الصلاة والسلام، فقالوا من جملة ما قالوا في تكذيبهم: ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر ٢٤] نسأل الله العافية! أنكروا الآيات، ما كأنها أتتهم، يعني: أنتبع بشرًا منَّا واحًدا؟! لا نقبل، ما نقبل، وهذا النفي بمعنى الإنكار، يعني: لا يمكن أن نتبع واحدًا منا ﴿إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر ٢٤] يعني: إنا إن اتبعناه لفي ضلال وسعر، أي: لفي جهل وفي عذاب، كأنه وعدهم بأنهم إن اتبعوه اهتدوا ونجوا من النار، فقالوا بالعكس: لو اتبعناك لضللنا واعترفنا بالسُّعُر؛ بالنار، عكس ما قال، وهذا من أشد المراغمة للرسل عليهم الصلاة والسلام والمحادة لله تبارك وتعالى.
54:25Page 529
أَءُلۡقِيَ ٱلذِّكۡرُ عَلَيۡهِ مِنۢ بَيۡنِنَا بَلۡ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٞ ٢٥
Has the message been sent down upon him from among us? Rather, he is an insolent liar."
﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [القمر: ٢٥] هذا أيضًا استفهام احتقار، يعني: كيف يُ لقَى الذكر عليه من بيننا؟! ما الذي ميزه؟ وكل هذا شبهات لا دلالات، فكونه بشرًا لا يمنع أن يكون رسولًا، بل لا بد أن يكون رسول البشر بشرًا؛ لأن الله قال: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام ٨، ٩]، يعني: لو أرسلنا ملكًا للزم أن نجعله بصورة البشر؛ حتى يمكن أن يختلط بالناس ويأتلف بهم، وإذا جعلنا الملك بشرًا لبسنا عليهم ما يلبسون، فعادت المسألة مختلطة.
إذن ننظر الآن: الشبهة الأولى: أنهم قالوا: إنه بشر، الثانية: إنه منا، لا يتميز علينا بشيء، الثالثة: أنه واحد لم يؤيَّد، والله عز وجل يقول: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس ١٣، ١٤] قويناهم، هؤلاء يقولون: واحد ما يكفي، لا بد يُعزَّز بثانٍ وثالث.
الرابع: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [القمر ٢٥] يعني: كيف يُلقَى عليه الذكر والوحي من بيننا؟! هذا لا يمكن.
إذن: أربع شبهات وهم يرونها حججًا توجب رد صالح عليه الصلاة والسلام، والواقع أنها ليست بحجة، بل هي شبه وتضليل، وهكذا المبطلون يا إخوان، المبطلون في كل زمانٍ ومكان يوردون الشبه على الحق، ولكن الله سبحانه وتعالى لا بد أن يبين الحق ليهلك من هلك عن بينه، ويحيا من حي عن بينة.
ثم قالوا: ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ [القمر ٢٥] ﴿بَلْ﴾ هنا لإبطال دعواهم أنه حق، ﴿كَذَّابٌ﴾ صيغة مبالغة، وفي نفس الوقت وصف؛ لأن كلمة فعال تأتي للمبالغة، وتأتي للوصف، فإذا قلت: فلان نجار، يعني: من النجارين، وإلا ما ينجر إلا مرة واحدة، وإذا قلت: فلان حداد لكثرة استعمال الحديد صارت مبالغة، هم يرونه -والعياذ بالله- أنه كذاب موصوفٌ بالكذب، ليس له صفة إلا الكذب، وكثير الكذب أيضا ﴿أَشِرٌ﴾ أي: بطر، متعالٍ، متعاظم، مستكبِر، مدَّعٍ ما ليس له.
54:26–27Page 529
سَيَعۡلَمُونَ غَدٗا مَّنِ ٱلۡكَذَّابُ ٱلۡأَشِرُ ٢٦
They will know tomorrow who is the insolent liar.
إِنَّا مُرۡسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ فِتۡنَةٗ لَّهُمۡ فَٱرۡتَقِبۡهُمۡ وَٱصۡطَبِرۡ ٢٧
Indeed, We are sending the she-camel as trial for them, so watch them and be patient.1
قال الله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ [القمر ٢٦] سيعلمون غدًا، متى؟ يوم القيامة، والسين هنا للتحقيق والتقريب؛ لأنك إذا قلت: سيقوم زيد فهذا تأكيد وتقريب أيضًا.
فإذا قال قائل: التحقيق معروف أنه حق أن الساعة آتية لا ريب فيها، لكن كيف التقريب؟
قلنا: إن الله يقول: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب ٦٣]، ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى ١٧] ومن الأمثال العابرة: كل آتٍ قريب.
الذي بقي عليه ألف سنة أقرب من الذي لم يمض عليه إلا عشر دقائق، أليس كذلك؟ لأن الذي مضى عليه عشر دقائق لا يمكن أن يرجع، لكن المستقبل لا بد أن يأتي: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام ١٣٤].
إذن ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ السين هنا لأيش؟
* الطلبة: للتحقيق.
* الشيخ: وأيش؟
* الطلبة: التقريب.
* الشيخ: والتقريب: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾، ﴿غَدًا﴾ يوم القيامة، سُمي غدًا لأنه يأتي بعد يومك، سيعلمون ﴿مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ فمن هو الآن، أسألكم؟ أصالح أم ثمود؟
* طالب: صالح.
* الشيخ: صالح؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: الثاني، ثمود، سيعلمون يوم القيامة من هو الكاذب الأشر؛ أصالح هو الكذاب الأشر، أم هؤلاء؟ وهذا وعيدٌ عظيم، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء ٢٢٧]، الإنسان بشر في غفلة عن هذا اليوم العظيم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [المؤمنون ٦٣] يعني: من عمل الآخرة، بل قلوبهم في غمرة مغطاة عن عمل الآخرة: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون ٦٣]، يعني: أعمال الدنيا هم لها عاملون، أتى بالجملة اسمية، يعني أنهم محققون للعمل فيها، لا يتركونها ولا يفرطون فيها، وأما الآخرة فهم في غفلةٍ منها.
﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ [القمر ٢٧] ﴿إِنَّا﴾ يعني نفسه جل وعلا، وأتى بها بصيغة الجمع تعظيمًا له جل وعلا؛ لعظمة صفاته وكثرة كمالاته وكثرة جنوده، فلذلك يكني عن نفسه بصيغة التعظيم: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ يعني: باعثوها، ﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾ اختبارًا، هل يؤمنون أو لا يؤمنون؟ وماذا كان الأمر؟ آمنوا أو لا؟ ما آمنوا.
وفي هذا إشارة إلى أن الله تعالى قد يظهر للإنسان من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، حتى إذا استكبر كان استكباره عن علم، فكان عقابه أشد وأوجع، ولهذا جعل الله الناقة فتنة؛ لأنها أظهرت الحق لهم، ولكن لم يقبلوا، وانتبه لهذا الاستدراج من الله عز وجل، انتبه، إذا يسر الله لك أسباب المعصية لا تفعل، فإن الله ربما ييسر أسباب المعصية للإنسان فتنةً له، أرأيتم أصحاب السبت من بني إسرائيل، يُسرت لهم أسباب المعصية فتنة، وهي أنَّ الله حرم عليهم صيد السمك يوم السبت، فكانت الحوت تأتي يوم السبت شُرَّعًا على وجه الماء، وبكثرة عظيمة، لكنهم ملتزمون لم يصيدوا السمك في يوم السبت، فلما طال عليهم الأمد عجزوا عن ملك أنفسهم، فرجعوا إلى طبيعتهم، وهي الغدر والحيلة والمكر، فاحتالوا على صيد السمك، صاروا يجعلون شباكًا يوم الجمعة، فتأتي الحيتان تدخل في الشباك، فإذا كان يوم الأحد أخذوا الحيتان، وهذه حيلة واضحة، فقلبهم الله قردة، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥].
في صدر هذه الأمة حرم الله على المحرمين الصيد: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة ٩٥] فبعث الله الصيد عليهم وهم محرمون، تناله أيديهم ورماحهم، يعني أن الزاحف يمسكونه باليد مثل أرنب مثلًا، الغزال يمسكه الواحد بيده، ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة ٩٤] يعني الطائر، كان الطير لا يناله إلا بالسهم؛ لأنه بعيد، لكن صار الطير يطير وكأنه على الأرض، الرمح يدركه، فتنة، هنا يسر الله لهم أسباب المعصية أو لا؟
* الطلبة: يسرها.
* الشيخ: يسرها، لكن الصحابة رضي الله عنهم خير الناس لم يأخذ أحدٌ منهم صيدةً واحدة رضي الله عنهم، بينما بنو إسرائيل تحيلوا وخدعوا الله، أما سلف هذه الأمة -وفقنا الله وإياكم لمرافقتهم في الدنيا في أعمالهم وفي الآخرة في مساكنهم- فإنهم لم يأخذوا.
فهنا الناقة أرسلها الله تعالى فتنةً لثمودَ، لكن ما أغنتهم.
﴿فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر ٢٧، ٢٨] ﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾ يعني: ارتقب عذابهم، أو ارتقب أفعالهم وانظر ماذا يفعلون ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ يعني: اصبر، لكن فيها التاء زائدة، وأصل (اصطبر): اصتبر بالتاء للمبالغة، لكن قُلبت التاء طاءً لعلةٍ تصريفيةٍ اقتضتها اللغةُ العربية، يعني أن الله قال لرسولهم صالح: ارتقب هؤلاء واصطبِر؛ اصبر فالنصر قريب.
54:28Page 530
وَنَبِّئۡهُمۡ أَنَّ ٱلۡمَآءَ قِسۡمَةُۢ بَيۡنَهُمۡۖ كُلُّ شِرۡبٖ مُّحۡتَضَرٞ ٢٨
And inform them that the water is shared between them,1 each [day of] drink attended [by turn].
قال تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ أخبرهم أن الماء قسمة بينهم، كل له شرب وللناقة شرب، ولهذا قال: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ يعني كل شربٍ يحضره من يستحقه إما الناقة وإما هم، وبقوا على هذا، لكن لم يستمروا، ما استمروا على ذلك.
54:29Page 530
فَنَادَوۡاْ صَاحِبَهُمۡ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ ٢٩
But they called their companion,1 and he dared2 and hamstrung [her].
نادوا صاحبهم الذي يرونه قويًّا شجاعًا وقالوا له: هذه الناقة ضايقتنا، لو أننا عقرناها لكنا نشرب كل يوم، فطلبوا منه أن يعقرها -نسأل الله العافية- هل هذا الصاحب القوي الشجاع الذين يرونه أشد منهم إقدامًا، بقطع النظر عن اسمه، يعني بعض المفسرين سماه لكن ما يهم، هل تأبّى؟ ما تأَبّى ولا تأخر، بل بادر.
﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر ٢٩] تعاطى: تفاعل، من العطاء يعني: بذل نفسه وبسرعة، تدل على السرعة الفاء في قوله: ﴿فَتَعَاطَى﴾ من حين نادوه على طول وافق ﴿فَعَقَرَ﴾ عقر الناقة -نسأل الله العافية- قطّع أطرافها أولًا، ثم نحرها ثانيًا، وهي من آيات الله عز وجل، ومن مصالحهم، لكن -نسأل الله العافية- نفوسهم لا تقبل ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾.
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: 30] يقول الله عز وجل يخاطب الإنسان: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ هل وقع موقعه؟ وهل كان شديدًا؟
الجواب: نعم كان في موقعه، وكان شديدًا، ما هذا العذاب؟
54:31Page 530
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلۡمُحۡتَظِرِ ٣١
Indeed, We sent upon them one shriek [i.e., blast from the sky], and they became like the dry twig fragments of an [animal] pen.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [القمر: ٣١] صِيح بهم -والعياذ بالله- مع الرجفة، ففي السماء أصوات، وفي الأرض رجفان، أخرجتهم الرجفة والصيحة ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [هود ٦٧، ٦٨] كأنهم ما وجدوا.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر ٣١].
يعني: الحظار يجعله الإنسان لغنمه، لا أدري تعرفون هذا أم لا؟ البدوي في البادية يجعل على الغنم حظارًا من الشجر اليابس، ومن عسبان النخل، وما أشبه ذلك؛ لئلا تخرج، ولئلا تعدو عليها السباع، هذا الحظار، مع طول الزمن والشمس والرياح يتفتت حتى يتلاشى. كان هؤلاء الأقوياء الأشداء المكذبون لرسولهم كهشيم المحتظر، أي: كالحظار حينما يتلف، وهذا من آيات الله عز وجل وتمام قدرته وسلطانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، فكانوا كهشيم المحتظر.
54:32Page 530
وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٣٢
And We have certainly made the Qur’ān easy for remembrance, so is there any who will remember?
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 32]، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ سبق تفسيرها، وقلنا: إن المعنى أن الله تعالى يسر القرآن، أي: يسر معانيه لمن تدبره، ويسر ألفاظه لمن حفظه، فإذا اتجهت اتجاهًا سليمًا إلى القرآن للحفظ يسره الله عليك، وإذا اتجهت اتجاهًا حقيقيًّا إلى التدبر وتفهم المعاني يسره الله عليك: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، (هل) هذه للتشويق، يشوقنا الله عز وجل إلى أن ندكر القرآن فنتعظ به، جعلنا الله وإياكم ممن يتلونه حق تلاوته لفظًا ومعنًى وعملًا، إنه على كل شيءٍ قدير.
54:33–34Page 530
كَذَّبَتۡ قَوۡمُ لُوطِۭ بِٱلنُّذُرِ ٣٣
The people of Lot denied the warning.
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ حَاصِبًا إِلَّآ ءَالَ لُوطٖۖ نَّجَّيۡنَٰهُم بِسَحَرٖ ٣٤
Indeed, We sent upon them a storm of stones, except the family of Lot - We saved them before dawn.
انتهينا إلى قول الله تعالى في سورة القمر ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر ٣٣] قوم لوط هم أناس كفروا بالله عز وجل وأشركوا به، وكان ما اختصوا به من المعاصي هذه الفعلة القبيحة الشنيعة، وهي اللواط، أي: إتيان الذكر الذكر، وحذرهم نبيهم من هذا وقال لهم: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦].
ولكنهم والعياذ بالله استمروا على هذا حتى جاءهم العذاب، وهذه السورة ذكر الله تعالى فيها قصص الأنبياء على سبيل الإجمال فقال ما تقدم الكلام عليه، وقال هنا: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ النذر: جمع نذير، وهي الكلمات التي أنذرهم فيها لوط عليه الصلاة والسلام، وجمعها يدل على أنه كان يكرر عليهم هذا، ولكنهم أبوا وأصروا على هذا الفعل، فبين الله عقوبتهم بقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر٣٤]، ﴿حَاصِبًا﴾ يعني شيئًا يحصبهم من السماء، أمطر الله عليهم حجارة من سجيل فهدمت بيوتهم حتى كانت عاليها سافلها؛ لأن البناء إذا تهدم صار أعلاه أسفله.
﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ وآل لوط هم أهل بيته إلا زوجته؛ كما قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦]، نبي يبعث إلى قومه ولم يتبعه إلا أهل بيته، إلا امرأته أيضًا، فكانت كافرة، ومع ذلك فهو صابر حتى أُذن له بالخروج.
﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾، أي: في السحر في الصباح، وذلك أن هؤلاء القوم أخذهم العذاب صباحًا كما ابتدأ عذاب عادٍ بالصباح، ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة ٧]؛ لأنه ابتدأ في الصباح، فأخذهم العذاب -والعياذ بالله- في الصباح، فأهلكهم الله.
54:35Page 530
نِّعۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَاۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَن شَكَرَ ٣٥
As favor from Us. Thus do We reward he who is grateful.
﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [القمر: ٣٥] أي: أنعمنا على آل لوطٍ نعمة من عند الله عز وجل من وجهين: الوجه الأول: أن الله أنجاهم.
والوجه الثاني: أن الله أهلك عدوهم.
لأن إهلاك العدو من نعمة الله، فصارت نعمة الله على آل لوط بالنجاة وإهلاك العدو.
﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ [القمر ٣٥] أي: مثل هذا الجزاء، وهو الإنجاء والنعمة، نجزي من شكر نعمة الله، وشكرُ نعمة الله تعالى -أيها الإخوة- هو القيام بطاعته، وليس مجرد قول الإنسان: أشكر الله، بل لابد من القيام بالطاعة.
ولهذا من قال: أشكر الله وهو مقيم على معاصيه فإنه ليس بشاكر، بل هو كافر بالنعمة، مستهزئٌ بالله عز وجل؛ إذ إن مقتضى النعمة أن يشكر الله، ولكنه عكس الأمر، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم ٢٨، ٢٩]. فكل من شكر الله فإن الله تعالى ينجيه ويهلك عدوه.
54:36Page 530
وَلَقَدۡ أَنذَرَهُم بَطۡشَتَنَا فَتَمَارَوۡاْ بِٱلنُّذُرِ ٣٦
And he had already warned them of Our assault, but they disputed the warning.
﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا﴾ [القمر: ٣٦] يعني أن لوطًا عليه الصلاة والسلام أنذر قومه البطشة، وهي الأخذ بالقوة، ﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ [القمر ٣٦] أي: تشككوا فيه، ولم يؤمنوا به.
54:37Page 530
وَلَقَدۡ رَٰوَدُوهُ عَن ضَيۡفِهِۦ فَطَمَسۡنَآ أَعۡيُنَهُمۡ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ٣٧
And they had demanded from him his guests, but We obliterated their eyes, [saying], "Taste My punishment and warning."
﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ [القمر: ٣٧] يعني أن قومه راودوه عن ضيفه الذي جاء إليه من الملائكة، وكان الله تعالى قد بعث إليه الملائكة على صورة شبابٍ مُرْدٍ ذوي جمال وهيئة امتحانًا من الله عز وجل، فلما سمع قوم لوط بهؤلاء الضيف أتوا يُهرَعون إليه، يسرعون يريدون هؤلاء الضيف ليفعلوا بهم الفاحشة والعياذ بالله، فراودوه عن ضيفه، فطمس الله أعينهم.
أما كيف طمس أعينهم هل جبريل ضربهم بجناحه أو غير ذلك الله أعلم، إنما علينا أن نؤمن بأن الله تعالى طمس أعينهم حتى أصبحوا لا يبصرون.
﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر ٣٧] والأمر هنا للامتهان، أو إنه أمرٌ كوني، يعني أن الله أمرهم أمر إهانة، أو أمرًا كونيًّا أن يذوقوا العذاب، ومثل هذا قول الله تبارك وتعالى عن صاحب الجحيم: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩]؛ فإن هذا الأمر أمر إهانة بلا شك، وليس أمر إكرام، ولا أمر إباحة.
54:38–40Page 530
وَلَقَدۡ صَبَّحَهُم بُكۡرَةً عَذَابٞ مُّسۡتَقِرّٞ ٣٨
And there came upon them by morning an abiding punishment.
فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ٣٩
So taste My punishment and warning.
وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٤٠
And We have certainly made the Qur’ān easy for remembrance, so is there any who will remember?
﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر:٣٨، ٣٩] يعني أن العذاب صبحهم وأتاهم في الصباح على حين قيامهم من النوم واستقبالهم يومهم وهم فرحون، كل واحد منهم يفكر فيما يفعل في هذا اليوم، فإذا بالعذاب يقع بهم -نسأل الله العافية- ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.
من العبر في هذه الآية: أن هؤلاء الذين قلب الله فطرتهم وطبيعتهم قلب الله عليهم البنيان برميهم بحجارة من سجيل، فتهدم البنيان حتى صار أعلاه أسفله، وقيل: إن الله تعالى قلب بهم ديارهم، اقتلعها من أساسها، حتى رفعها ثم قلبها، فإن صح هذا فالله على كل شيء قدير، وإن لم يصح فليس علينا إلا أن نأخذ بظاهر القرآن؛ أنهم أُمطروا بحجارة من سجيل فتهدم البناء عليهم.
أخذ أهل العلم من ذلك أن اللوطي يُقتَل بكل حال، الفاعل والمفعول به، وهذا هو القول الراجح، أن اللواط يجب فيه القتل على كل حال، وليس كالزنا، الزنا يفرق فيه بين المتزوج وغير المتزوج، أما اللواط فيقتل فيه على كل حال ما دام الفاعل والمفعول به بالغين عاقلين، فإنه يجب قتلهما بكل حال إلا المكره، المكره ليس عليه شيء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أجمع الصحابة رضي الله عنهم على قتل الفاعل والمفعول به، إلا أنهم اختلفوا كيف يقتلان؟ فقال بعضهم: يقتلان بالرجم بالحجارة حتى يموتا، وقال بعضهم: يُقتلان بأن يلقيا من أعلى مكانٍ في البلد ويُتبَعان بالحجارة، وحرق أبو بكر رضي الله عنه اللوطية بالنار، وكذلك خالد بن الوليد وأحد خلفاء بني أمية، حرقوهم بالنار لعظم جرمهم والعياذ بالله، ولأن هذه الفاحشة إذا انتشرت في قومٍ صار رجالها نساءً، وصار الواحد منهم يتتبع فحول الرجال حتى يفعلوا به الفاحشة والعياذ بالله، وانقلبت الأوضاع، وضاع النسل، بمعنى أن الناس ينصرفون إلى الذكور ويدعون النساء اللاتي هن حرث للرجال. والتحرز منه صعب؛ لأنه لا يمكن أن نجد اثنين ونقول: كيف صحبت هذا مثلًا؟ لكن لو وجدنا رجلًا وامرأة يمكن التحرز منهما، فلذلك كان دواء المجتمع من هذه الفعلة القبيحة الشنيعة أن يُقتل الفاعل والمفعول به، وقد جاء في ذلك حديث عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦) من حديث ابن عباس.]].
ولهذا يجب علينا -أيها الإخوة- أن نحترز من هذا غاية الاحتراز، وأن نتفقد أبناءنا أين ذهبوا؟ ومن أين جاءوا؟ ومن أصدقاؤهم؟ وهل هم على الاستقامة أو لا؟ حتى نحمي المجتمع من هذا العمل الخبيث.
ثم قال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ٤٠] يسر الله عز وجل القرآن للذكر لحفظه ولفهم معناه، وهذا الخبر يُراد به الحث على حفظ القرآن وعلى تدبر معناه؛ لأنه ميسَّر سهل، وأنت جرب تدبر في آيات الله عز وجل لتفهم معناها، وانظر كيف ييسر الله لك فهمها حتى تفهم منها ما لا يفهمه كثيرٌ من الناس، ولهذا قال: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ٤٠] والاستفهام هنا للتشويق، يعني: هل أحد يدكر، يتذكر، يتعظ بما في القرآن؟
54:41–42Page 530
وَلَقَدۡ جَآءَ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ ٱلنُّذُرُ ٤١
And there certainly came to the people of Pharaoh warning.
كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذۡنَٰهُمۡ أَخۡذَ عَزِيزٖ مُّقۡتَدِرٍ ٤٢
They denied Our signs, all of them, so We seized them with a seizure of one Exalted in Might and Perfect in Ability.
﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ يعني قومه، وعلى رأسهم فرعون، كما أخبر الله تعالى في آياتٍ أخرى متعددة أنه أرسل موسى إلى فرعون وملئه.
جاءتهم النذر، النُّذُر قيل: إنه بمعنى الإنذار، وهو التخويف، وقيل: إنه جمع نذير، وهو كل ما ينذر به العبد، والمراد به الآيات التي جاء بها موسى، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء ١٠١] وهذا الأخير هو الصحيح: أن النذر جمع نذير، وليست بمعنى الإنذار، ويدل لهذا قوله: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ [القمر ٤٢]، أي: بكل الآيات الدالة على صدق رسالة موسى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كذبوا بها وقالوا: إن موسى مجنون، وإنه ساحر، حتى إن فرعون من كبريائه قال: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء ٢٧].
ولما كذبوا بالآيات أخذهم الله تعالى ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ جل وعلا ﴿عَزِيزٍ﴾ أي: غالب ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ أي: قادر، ولكنها أبلغ من كلمة قادر؛ لما فيها من زيادة الحروف، وقد قيل: إن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وهذا في الغالب وليس دائمًا.
وإنما ذكر الله تعالى أن أخذه إياهم أخذ عزيزٍ مقتدر لأن فرعون كان متكبرًا، وكان يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات ٢٤]، وكان يسخر من موسى ومَن أرسله، فناسب أن يذكر الله تعالى أخذه أخذ عزيزٍ مقتدر، وهو الله عز وجل.
وقد أجمل الله تعالى هذه القصة في هذه الآية، ولكنه بينها في آياتٍ كثيرة، وأن أخذهم كان بإغراقهم في البحر، فأغرقه الله عز وجل بمثل ما كان يفتخر به؛ لأنه كان يقول لقومه: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ يقررهم بهذا، سيقولون: بلى ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥١، ٥٢]، يعني بذلك موسى، أغرقهم الله باليم حين جمع فرعون جنوده واتبع موسى ومن اتبعه ليقضي عليهم، ولكن الله بحمده وعزته قضى عليه.
54:43–44Page 530
أَكُفَّارُكُمۡ خَيۡرٞ مِّنۡ أُوْلَٰٓئِكُمۡ أَمۡ لَكُم بَرَآءَةٞ فِي ٱلزُّبُرِ ٤٣
Are your disbelievers better than those [former ones], or have you immunity in the scriptures?
أَمۡ يَقُولُونَ نَحۡنُ جَمِيعٞ مُّنتَصِرٞ ٤٤
Or do they say, "We are an assembly supporting [each other]"?
ثم قال تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ [القمر ٤٣] الخطاب هنا لقريش، يعني: هل كفاركم خيرٌ من هذه الأمم السابقة التي أهلكها الله، ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر ٤٣] يعني: أم لكم براءة في الكتب أن الله تعالى مبرئكم من عاقبة أفعالكم؟ ما الجواب؟ لا هذا ولا هذا.
إما أن يكون كفاركم خيرًا من الكفار السابقين، وإما أن يكون لكم براءة من الله عز وجل كتبها الله لكم ألا يعاقبكم، وكل هذا لم يكن، فليس كفارهم خيرًا من الكفار السابقين وليس لهم براءة في الزبر.
لهم دعوة ثالثة: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر ٤٤]، و(أم) هنا بمعنى (بل) الإضرابية، وهي إضراب الانتقام، يعني: بل يقولون نحن. والضمير لقريش ﴿جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ جميعٌ هنا بمعنى جمع، ولهذا قال: منتصر، ولم يقل: منتصرون، يعني: جمع كثير منتصر على محمدٍ وقومه، هذا معنى كلامه، فأعجبوا بأنفسهم وظنوا أنهم قادرون على القضاء على محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورسالته.
فماذا كان جوابهم من الله؟
54:45–46Page 530
سَيُهۡزَمُ ٱلۡجَمۡعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ٤٥
[Their] assembly will be defeated, and they will turn their backs [in retreat].1
بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوۡعِدُهُمۡ وَٱلسَّاعَةُ أَدۡهَىٰ وَأَمَرُّ ٤٦
But the Hour is their appointment [for due punishment], and the Hour is more disastrous and more bitter.
قال الله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر ٤٥] (يهزم) أي: يخذلون شر خذيلة، ويولون الدبر، ولا يستطيعون المقاومة ولا المدافعة ولا المهاجمة، مع أنهم كانوا يقولون: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾، ولكن لا انتصار لهم، وهذا هو الذي وقع ولله الحمد، وأول ما وقع في غزوة بدر حين اجتمع رؤساؤهم وكبراؤهم وصناديدهم في نحو ما بين تسع مئة إلى ألف رجل، في مقابل ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهُزموا -ولله الحمد- شر هزيمة، وتحدثت بهم الأخبار، وأُلقي أربعة وعشرون نفرًا من رؤسائهم في قَليبٍ من قُلُب بدر خبيثة مُنتِنة، وهذا شر هزيمة لا شك.
ولذا قال: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ هذا عقوبتهم في الدنيا، وفي الآخرة: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر ٤٦] يعني: أضف إلى ذلك أن الساعة موعدهم، وهو يوم البعث، ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ أي: أشد فتكًا وأمَرُّ مذاقًا؛ لأن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا.
54:47Page 530
إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي ضَلَٰلٖ وَسُعُرٖ ٤٧
Indeed, the criminals are in error and madness.1.
ثم قال الله عز وجل مبيِّنًا ماذا يحدث لهم ولأمثالهم فقال: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر ٤٧] الضلال في الدنيا: لا يهتدون، والسعر في الآخرة، أي: في نارٍ شديدة التأجج تحرقهم، كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب، ويحتمل أن قوله: ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ أي: في ضلالٍ عن الطريق الذي يهتدون به إلى الجنة؛ لأنهم ضلوا في الدنيا فضلوا في الآخرة.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences