Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
الرحمن
Ar-Rahman
The Beneficent · Medinan · 78 ayahs
55:1–4Page 531
ٱلرَّحۡمَٰنُ ١
The Most Merciful
عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ ٢
Taught the Qur’ān,
خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ ٣
Created man,
عَلَّمَهُ ٱلۡبَيَانَ ٤
[And] taught him eloquence.
بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الله عز وجل: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن ١ - ٤] ﴿الرَّحْمَنُ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ خبر، ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ خبر ثانٍ، ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ خبرٌ ثالث، يعني: أن هذا الرب العظيم الذي سمى نفسه بالرحمن تفضَّل على عباده بهذه النعم، والرحمن هو ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء كما قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٥٦].
وابتدأ هذه السورة بـ﴿الرَّحْمَنُ﴾ عنوانًا على أن ما بعده كله من رحمة الله تعالى، ومن نِعَمِه ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ علمه مَنْ؟! علمه جبريل؟! علمه محمدًا؟! علمه الإنسان؟!
الجواب: علَّمَه من شاء من عباده، فعلَّمه جبريل أولًا، ثم نزل به جبريل على قلْب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثانيًا، ثم بلغه محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثالثًا إلى جميع الناس، والقرآن هو هذا الكتاب العزيز الذي أنزله الله تعالى باللغة العربية، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف ٣]، وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥] وتعليم القرآن يشمل تعليم لفظه، وتعليم معناه، وتعليم كيف العمل به؟ فهو يشمل ثلاثة أشياء.
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ والمراد الجنس، فيشمل آدم وذريته؛ أي: أوجده من العدم، فالإنسان كان معدومًا قبل وجوده، قبل خَلْقه، قال الله عز وجل: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان ١]؛ يعني أتى عليه حينٌ من الدهر قبل أن يوجد وليس شيئًا مذكورًا، ولا يعلم عنه، وبدأ الله تعالى بتعليم القرآن قبل خلق الإنسان إشارة إلى أن نعمة الله علينا بتعليم القرآن أشد وأبلغ من نعمته بخلق الإنسان، وإلا من المعلوم أن خلق الإنسان سابقٌ على تعليم القرآن، لكن لما كان تعليم القرآن أعظم منةً من الله عز وجل على العبد قدَّمه على خلقه.
﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ علَّم مَنْ؟ علَّم الإنسان، ﴿الْبَيَانَ﴾ أي: ما يبين به عما في قلبه، و﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ أيضًا ما يستبين به عند المخاطبة، فهنا بيانانِ؛ البيان الأول: مِن المتكلم، والبيان الثاني: من المخاطَب، البيان من المتكلم؛ يعني التعبير عما في قلبه، يكون باللسان نُطقًا، ويكون بالبنان كتابةً، عندما يكون في قلبك شيء تريد أن تُخبِر به، تارةً تُخبر به بالنطق، وتارةً بالكتابة، كلاهما داخل في قوله: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾.
أيضًا ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ كيف يستبين الشيء؟ وذلك بالنسبة للمخاطب أن الإنسان يعلم ويعرف ما يقول صاحبه، ولو شاء الله تعالى لأسمع المخاطب الصوت دون أن يفهم المعنى، أليس كذلك؟
إذن البيان سواء من المتكلم أو من المخاطب كلاهما مِنَّة من الله عز وجل، كم نعمة هذه؟ ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ ثلاث.
﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] لما تكلم عن العالم السفلي بَيَّن العالم العلوي. ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ أي: بحسابٍ دقيق يجريان كما أمرهما الله عز وجل، ولم تتغير الشمس والقمر منذ خلقهما الله عز وجل إلى أن يفنيهما، يسيران على خَط واحد كما أمرهما الله، وهذا دليلٌ على كمال قدرة الله تبارك وتعالى، وكمال سلطانه، وكمال علمه، أن تكون هذه الأجرام العظيمة تسير سيرًا منظمًا لا تتغير على مدى السنين الطوال.
إذن: ﴿بِحُسْبَانٍ﴾ أي: بحسابٍ معلوم مُتقَن منتظم أشد الانتظام.
﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦] (النَّجْمُ) اسم جنس، والمراد به النجوم تسجد لله عز وجل، هذه النجوم العليا التي نشاهدها في السماء هي تسجد لله عز وجل سجودًا حقيقيًّا، لكننا لا نعلم كيفيته؛ لأن هذا من الأمور التي لا تدركها العقول، الشجر يسجد لله عز وجل سجودًا حقيقيًّا لكن لا ندري كيف ذلك، كما قال عز وجل: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤].
إذن النجم المراد به؟ يعني كل النجوم، النجوم كلها؛ الشجر كل الأشجار في الأرض تسجد لله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج ١٨] ﴿كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ يقابله: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج ١٨] فلا يسجدون والعياذ بالله ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾.
إذن: (النجم) يعني: النجوم، (الشَّجَرُ) يعني: الأشجار، يسجدان حقيقةً أو مجازًا؟ حقيقة، يسجدانِ لكن على أي كيفية؟ الله أعلم، لا ندري، والله على كل شيء قدير.
الآن انظر إلى الأشجار إذا طلعت الشمس تتجه أوراقها إلى الشمس، تشاهدها بعينك، وكلما ارتفعت ارتفعت الأشجار، وإذا مالت للغروب مالت أيضًا، هذا نشاهده، لكن هذا ليس هو السجود، إنما السجود حقيقةً لا يُعلم.
55:7Page 531
وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلۡمِيزَانَ ٧
And the heaven He raised and imposed the balance
﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾ يعني: ورفع السماء، ولم يُحدِّد في القرآن الكريم مقدار هذا الرفع، لكن جاءت السنة بذلك؛ فهي رفيعة عظيمة ارتفاعًا عظيمًا شاهقًا.
﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾؛ أي: وضع العدل، والدليل على أن المراد بالميزان هنا العدل قوله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥] يعني: العدل، وليس المراد بالميزان هنا الميزان ذا الكفتين المعروف، لا، المراد الميزان: العدل، ومعنى ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن ٧]؛ أي: أثبته للناس ليقوموا بالقسط؛ أي: بالعدل.
﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ [الرحمن: ٨] أي: ألا تطغوا في العدل، وضع العدل لئلا تطغوا في العدل فتجوروا، تحكموا للشخص وهو لا يستحق، أو على الشخص وهو لا يستحق.
55:9Page 531
وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ ٩
And establish weight in justice and do not make deficient the balance.
﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩] ﴿الْوَزْنَ﴾ يعني: الموزون، (أقيموا الوزن) ﴿الْوَزْنَ﴾ يعني: وزنكم للأشياء، أقيموه لا تبخسوه فتنقصوا؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن ٩] أي: لا تُخسر الموزون، فصار الميزان يختلف في مواضعه الثلاثة: (وَضَعَ الْمِيزَانَ) يعني؟
* طلبة: العدل.
* الشيخ: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾: لا تجوروا في الوزن، ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾: الموزون.
55:10–13Page 531
وَٱلۡأَرۡضَ وَضَعَهَا لِلۡأَنَامِ ١٠
And the earth He laid [out] for the creatures.
فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَٱلنَّخۡلُ ذَاتُ ٱلۡأَكۡمَامِ ١١
Therein is fruit and palm trees having sheaths [of dates]
وَٱلۡحَبُّ ذُو ٱلۡعَصۡفِ وَٱلرَّيۡحَانُ ١٢
And grain having husks and scented plants.
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣
So which of the favors of your Lord would you deny?1
ثم قال عز وجل: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن ١٠] يعي: أن من نِعَم الله عز وجل أن الله وضع الأرض للأنام، أي: للخلق.
﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن ١١ - ١٣]، وضع الله الأرض للأنام، أي: أنزلها بالنسبة للسماء، والأنام هم الخلق، مثل الملكين اللَّذَين عن اليمين وعن الشمال قعيد، والملائكة الذين يحفظون من أمر الله المعقبات، والملائكة التي تنزل في ليلة القدر، وغير ذلك.
﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ أي: في الأرض فاكهة، أي: ثمار يتفكَّه بها الناس، وأنواع الفاكهة كثيرة كالعنب والرمان والتفاح والبرتقال وغيرها.
﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ نص على النخل؛ لأن ثمرتها أفضل الثمار، فهي حلوى وغذاء وفاكهة، وشجرتها من أبرك الأشجار وأنفعها، حتى إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شبَّهَ المؤمن بالنخلة، بل شبهها -أي النخلة- بالمؤمن فقال: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٠٩)، ومسلم (٢٨١١ / ٦٤) من حديث عبد الله بن عمر.]]. فخاضَ الصحابة في الشجر حتى أخبرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها النخلة.
وقوله: ﴿ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ جمع (كِم)، وهو غلاف الثمرة، فإن ثمرة النخل أول ما تخرج يكون عليها (كِمٌّ) قوي، ثم تنمو في ذلك الكم حتى يتفطر وتخرج الثمرة.
﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ [الرحمن١٢] الْحَبُّ: يعني الذي يُؤكل من الحنطة والذرة والدخن والرز وغير ذلك.
وقوله: ﴿ذُو الْعَصْفِ﴾ أي: ما يحصل من ساقه عند يبسه وهو ما يعرف بالتبن؛ لأنه يُعصف، أي: تطؤه البهائم بأقدامها حتى ينعصف.
﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ هذا الشجر ذو الرائحة الطيبة، فذكر الله في الأرض الفواكه والنخل والْحَب والريحان؛ لأن كل واحد من هذه الأربع له اختصاص يختص به، وكل ذلك من أجل مصلحة العباد ومنفعتهم.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ الخطاب للجن والإنس، والاستفهام للإنكار، أي: أي نعمة تكذبون بها.
55:14–16Page 531
خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ كَٱلۡفَخَّارِ ١٤
He created man from clay like [that of] pottery.
وَخَلَقَ ٱلۡجَآنَّ مِن مَّارِجٖ مِّن نَّارٖ ١٥
And He created the jinn from a smokeless flame of fire.
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٦
So which of the favors of your Lord would you deny?
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٤، ١٥].
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ يعني: جنسه.
﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾ والصلصال هو الطين اليابس الذي له صلصلة، أي: صوت عندما تنقره بظفرك يكون له صوت.
﴿كَالْفَخَّارِ﴾ هو الطين المشوي، وهذا باعتبار خلق آدم عليه السلام، فإن الله خلقه من تراب من طين من صلصال كالفخار من حمأٍ مسنون، كل هذا أوصاف للتراب ينتقل من كونه ترابًا، إلى كونه طينًا، إلى كونه حمأً، إلى كونه صلصالًا، إلى كونه كالفخار، حتى إذا استتم نفخ الله فيه من روحه فصار آدميًّا.
﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ﴾ وهم الجن ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ المارج: المختلِط الذي يكون في اللهب إذا ارتفع صار مختلطًا بالدخان، فيكون له لونٌ بين الحمرة والصفرة فهذا هو المارج. ﴿مِنْ نَارٍ﴾،
وأيهما خُلِق أولًا؟ الجان خُلِق قبل الإنس، ولهذا قال إبليس لله عز وجل: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف ١٢].
﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن ١٥، ١٦] أي: بأي نعمة من نعم الله تكذبون، حيث خلق الله عز وجل الإنسان من هذه المادة، والجن من هذه المادة، وأيهما خير، التراب أم النار؟ التراب خير لا شك فيه، ومن أراد أن يطلع على ذلك فليرجع إلى كلام ابن القيم رحمه الله في كتابه إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان.
55:17–18Page 532
رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ وَرَبُّ ٱلۡمَغۡرِبَيۡنِ ١٧
[He is] Lord of the two sunrises and Lord of the two sunsets.1
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٨
So which of the favors of your Lord would you deny?
﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] ﴿رَبُّ﴾ هذه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هو رب المشرقين ورب المغربين، يعني: أنه مالكهما، ومدبرهما، فما من شيءٍ يشرق إلا بإذن الله، ولا يغرب إلا بإذن الله، وما من شيءٍ يحوزه المشرق والمغرب إلا لله عز وجل، وثنَّى المشرق هنا باعتبار مشرق الشتاء ومشرق الصيف؛ لأنه يختلف، فالشمس في الشتاء تشرق من أقصى الجنوب، وفي الصيف بالعكس، القمر في الشهر الواحد يشرق من أقصى الجنوب ومن أقصى الشمال.
وفي آية أخرى قال الله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج ٤٠] فجمعها، وفي آيةٍ ثالثة: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل ٩]، فما هو الجمع بينها؟
نقول: أما التثنية فباعتبار مشرقي الشتاء والصيف. ﴿الْمَشَارِقِ﴾ الجمع باعتبار مشرق كل يوم ومغربه؛ لأن الشمس كل يوم تشرق من غير مكانها الذي أشرقت منه بالأمس، وكذلك بالغروب، أو باعتبار الشارقات والغاربات؛ لأنها تشمل الشمس والقمر والنجوم، وهذه لا يُحصيها إلا الله عز وجل، فصار الجمع باعتبار مشرق لكل يوم ومغربه؛ لأن كل يوم يختلف عن اليوم الآخر في الشروق والغروب، أو باعتبار الشارقات والغاربات؛ لأنها كثيرة، الشمس والقمر والنجوم من يُحصيها؟ لا يحصيها إلا الله عز وجل.
أما قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ فباعتبار الناحية؛ لأن النواحي أربع: مشرق، ومغرب، وشمال، وجنوب، والجمع هنا سهْل ويسير، ليس فيه صعوبة، فنقول: المشرقين والمغربين، التثنية باعتبار مغربي الشتاء والصيف، ومشرقي الشتاء والصيف، الجمع؟ إما باعتبار مشرق الشمس كل يوم ومغربها كل يوم، وهذا يختلف.
ولا يخفى عليكم الآن كيف تجدون الشمس يتغير طلوعها وغروبها كل يوم، لا سيما عند تساوي الليل والنهار، تجد الفرق دقيقة أو دقيقة ونصف بين غروبها أمس واليوم، أو باعتبار الشارق والغارب، والشارقات والغاربات كثيرات لا يحصيها إلا الله عز وجل، الإفراد باعتبار الجهة؛ لأن الجهات أربع: مشرق، ومغرب، وشمال، وجنوب.
﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن ١٧، ١٨] أي: بأي شيءٍ من نِعَم الله تكذبان يا معشر الجن والإنس؟ فما جوابنا على هذه الاستفهامات في هذه الآيات كلها؟ جوابنا: ألا نكذب بشيءٍ من آلائك يا ربنا؛ ولهذا ورد حديث في إسناده ضعف: أن النبي ﷺ لما تلاها على الصحابة كانوا يستمعون إلى قراءة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا يردون شيئًا، فقال كلمة معناها: «إِنَّ الْجِنَّ خَيْرٌ رَدًّا مِنْكُمْ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا كُلَّمَا قَرَأَ آيَةً قَالُوا: لَا بِشَيْءٍ مِنْ آلَائِكَ رَبِّنَا نُكَذِّبُ»[[أخرجه البزار في مسنده (٥٨٥٣) من حديث عبد الله بن عمر.]]، لكن هذا الحديث ضعيف، إنما يذكره المفسرون هنا.
ما هي النعم والآلاء في المشرقين والمغربين؟ كل آية أُعقِبت: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ فهي تتضمن نعمًا عظيمة، فما النعم التي يتضمنها اختلاف المشرق والمغرب؟ النِّعم يترتب على ذلك من مصالح الخلق، صيف شتاء، ربيع خريف، وغير ذلك مما لا نعلمه، فهي نِعَمٌ عظيمة باختلاف المشرق والمغرب.
55:19–21Page 532
مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ يَلۡتَقِيَانِ ١٩
He released the two seas,1 meeting [one another];
بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ ٢٠
Between them is a barrier so neither of them transgresses.
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢١
So which of the favors of your Lord would you deny?
ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن ١٩] ﴿مَرَجَ﴾ بمعنى: أرسل، ﴿الْبَحْرَيْنِ﴾ يعني: المالح والعذب، ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ يلتقي بعضهما ببعض، البحر المالح، هذه البحار العظيمة: البحر الأحمر، البحر الأبيض، البحر الأطلسي، البحار هذه كلها مالحة؛ وجعلها الله تبارك تعالى مالحات؛ لأنها لو كانت عذبة لفسد الهواء وأنتن، لكن الملح يمنع الإنتان والفساد، البحر الآخر البحر العذب وهو الأنهار، الأنهار التي تأتي إما من كثرة الأمطار، وإما من ثلوجٍ تذوب وتسيح في الأرض، المهم أن الله سبحانه وتعالى أرسلهما بحكمته وقدرته، حيث شاء الله عز وجل.
﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ أي: يلتقي بعضهما ببعض، متى؟ عند مصب النهر في البحر، يلتقيان فيمتزج بعضهما ببعض، لكن حين سيرهما أو حين انفرادهما يقول الله عز وجل: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ وهو اليابس من الأرض، ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن ٢٠] أي: لا يبغي أحدهم على الآخر، ولو شاء الله تعالى لسلَّط البحار ولفاضت على الأرض وأغرقت الأرض؛ لأن البحر الآن عندما تقف على الساحل هل تجد جدارًا يمنع انسيابه إلى اليابس؟ لا تجد، مع أن الأرض كروية، ومع ذلك لا يسيح البحر لا هاهنا ولا هاهنا بقدرة الله عز وجل، ولو شاء الله سبحانه وتعالى لساحت مياه البحار على اليابس من الأرض ودمرتها.
إذن البرزخ الذي بينهما هو اليابس من الأرض، هذا قول علماء الجغرافيا، ولا يؤمنون بقول آخر.
وقال بعض أهل العلم: بل البرزخ أمرٌ معنوي يحول بين المالح والعذْب أن يختلط بعضهما ببعض.
وقالوا: إنه يُوجَد الآن في عُمْق البحار عيونٌ عذبة تنبع من الأرض، عيونٌ عذبة حتى إن الغوَّاصين يغوصون إليها ويشربون منها كأعذب ماء، ومع ذلك لا تفسدها مياه البحار، فإذا ثبت هذا فلا مانع من أن نقول بقول علماء الجغرافيا وقول علماء التفسير، والله على كل شيء قدير.
55:22–23Page 532
يَخۡرُجُ مِنۡهُمَا ٱللُّؤۡلُؤُ وَٱلۡمَرۡجَانُ ٢٢
From both of them emerge pearl and coral.
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٣
So which of the favors of your Lord would you deny?
﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ أي: من البحرين العذْب والمالح ﴿اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ وهو قِطَعٌ من اللؤلؤ أحمر جميل الشكل واللون، مع أنها مياه.
وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمَا﴾ أضاف الخروج إلى البحرين؛ العذب والمالح، وقد قيل: إن اللؤلؤ لا يخرج إلا من المالح، ولا يخرج من العذب، والذين قالوا بهذا اضطربوا في معنى الآية: كيف يقول الله: ﴿مِنْهُمَا﴾ وهو من أحدهما؟ فأجابوا: بأن هذا من باب التغليب، أتعرفون التغليب؟ أن يغلب أحد الجانبين على الآخر مثلما يقال: العُمَرَان لأبي بكر وعمر، ويقال: القَمَران للشمس والقمر، فهذا من باب التغليب، فـ﴿مِنْهُمَا﴾ المراد واحد منهما.
وقال بعضهم: بل هذا على حذف مضاف، والتقدير ﴿مِنْهُمَا﴾ أي: من أحدهما.
عندنا إذن قولان: إما أنه من باب التغليب، وإما أنه من باب حذف المضاف، والتقدير: يخرج من أحدهما.
هناك قولٌ ثالث: أن تبقى الآية على ظاهرها، لا تغليب ولا حذف، ويقول: ﴿مِنْهُمَا﴾ أي: منهما جميعًا اللؤلؤ والمرجان، وإن امتاز المالح بأنه أكثر وأطيب.
فأي هذه الأقوال الثلاثة نأخذ؟ فبأيها نأخذ؟ نأخذ بما يوافق ظاهر القرآن، وهذه قاعدة يجب أن تفهموها، أن نأخذ بما يوافق الظاهر، فالله عز وجل يقول: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ فمن خالقهما وهو يعلم ماذا يخرج منهما؟ فإذا كانت الآية ظاهرها أن اللؤلؤ والمرجان يخرج منهما جميعًا وجب الأخذ بظاهرها، لكن لا شك أن المالح أكثر وأطيب، لكن لا يمنع أن نقول بظاهر الآية، بل يتعين أن نقول بظاهر الآية، وهذه قاعدة خذوها في القرآن والسنة: أننا نحمل الشيء على ظاهره ولا نؤول، اللهم إلا لضرورة إذا كان هناك ضرورة لا بد أن نتمشى على ما تقتضيه الضرورة، أما بدون ضرورة فيجب أن نحمل القرآن والسنة على ظاهرهما.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن ٢٣] تكملة للآية؟ لأن ما في هذه البحار، وما يحصل من المنافع العظيمة فيهما نِعَمٌ كثيرة لا يمكن للإنسان أن ينكرها أبدًا.
55:24–25Page 532
وَلَهُ ٱلۡجَوَارِ ٱلۡمُنشَـَٔاتُ فِي ٱلۡبَحۡرِ كَٱلۡأَعۡلَٰمِ ٢٤
And to Him belong the ships [with sails] elevated in the sea like mountains.
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٥
So which of the favors of your Lord would you deny?
﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الرحمن: ٢٤].
﴿وَلَهُ﴾ أي: لله عز وجل مُلكًا وتدبيرًا وتيسيرًا.
﴿الْجَوَارِ﴾ بحذف الياء للتخفيف، وأصلها: الجواري جمع جارية، وهي السفينة تجري في البحر، كما قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ [لقمان ٣١].
﴿الْمُنْشَآتُ﴾ أي: التي أنشأها صانعوها ليسيروا عليها في البحر، وقوله: ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ متعلق بـ﴿الْجَوَارِ﴾، أي: الجواري في البحر، وليست فيما يظهر متعلقة بالمنشآت -يعني: الجواري التي تُنشَأ في البحر- لأن السفن تُصنع في البر أولًا، ثم تُنَزَّل في البحر.
وقوله: ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ تشبيه، والأعلام جمع (عَلَم)، وهو الجبل، كما قال الشاعر:
وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الْهُدَاةُ بِهِ ∗∗∗ كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ
أي: كأنه جبل، ومن شاهد السفن في البحار رأى أن هذا التشبيه منطبقٌ تمامًا عليها، فهي كالجبال تسير في البحر بأمر الله عز وجل، وإنما نص الله عليها؛ لأنها تحمل الأرزاق من جانب إلى جانب، ولولا أن الله تعالى يسَّرها لكان في ذلك فواتح خير كثير للبلاد التي تُنقَل منها والبلاد التي تُنقَل إليها.
في هذا العصر جعل الله تبارك وتعالى جواري أخرى لكنها تجري في الجو كما تجري هذه في البحر، وهي الطائرات، فهي مِنَّة مَنَّ الله عز وجل كمِنَّتِه على عباده في جواري البحار، بل ربما نقول: إن السيارات أيضًا من جواري البر، فتكون الجواري ثلاثة أصناف: بحرية، وبرية، وجوية، وكلها من نِعَم الله عز وجل؛ ولهذا قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن ٢٥] أي: بأي نعمة من نِعَم الله تُكَذِّبان، والخطاب للإنس والجن.
55:26–28Page 532
كُلُّ مَنۡ عَلَيۡهَا فَانٖ ٢٦
Everyone upon it [i.e., the earth] will perish,
وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ ٢٧
And there will remain the Face1 of your Lord, Owner of Majesty and Honor.
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٨
So which of the favors of your Lord would you deny?
ثم قال عز وجل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن ٢٦، ٢٧] ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ أي: على الأرض ﴿فَانٍ﴾ أي: داثر من الجن والإنس والحيوان والأشجار، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف ٧، ٨] أي: خالية، وقال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه ١٠٥، ١٠٦] أي: يذر الأرض قاعًا صفصفًا، أو يذر الجبال بعد أن كانت عالية شامخة ﴿قَاعًا﴾ كالقيعان مساوية لغيرها صفصفًا ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه ١٠٧].
﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن ٢٧] أي: يبقى الله عز وجل ذو الوجه الكريم.
وكان بعض السلف إذا قرأ هاتين الآيتين وصل بَعْضَهما ببعض، قال: ليتبين بذلك كمال الخالق ونقص المخلوق؛ لأن المخلوق فانٍ والرب باقٍ، وهذه ملاحظة جيدة أن تصل فتقول: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ وهذا هو محط الحمد والثناء على الله عز وجل، أن تفنى الخلائق إلا الله عز وجل.
وقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ فيه إثبات الوجه لله سبحانه وتعالى، ولكنه وجه لا يُشبه أوجه المخلوقين؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]؛ يعني أنت تُؤمن بأن لله وجهًا، لكن يجب أن تؤمن بأنه لا يماثل أوجه المخلوقين بأي حالٍ من الأحوال؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
ولما ظن أهل التعطيل أن إثبات الوجه يستلزم التمثيل أنكروا أن يكون لله وجهًا، وقالوا: المراد بقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي ثوابه، أو أن كلمة ﴿وَجْهُ﴾ زائدة، وأن المعنى: (وَيَبْقَى ربك) ولكنهم ضلوا سواء السبيل، خرجوا عن ظاهر القرآن وحرَّفوه، وخرجوا عن طريق السلف الصالح، ونحن نقول: إن لله وجهًا -لإثباته في هذه الآية- لا يُماثِل أوجه المخلوقين لنفي المماثلة في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وبذلك نسلم، ونُجري النصوص على ظاهرها المراد بها.
وقوله: ﴿ذُو الْجَلَالِ﴾ أي: ذو العظمة ﴿وَالْإِكْرَامِ﴾ أي: إكرام من يُطيع الله عز وجل، كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج ٣٥] فإذن الإكرام: أي أنه يُكرم من يستحق الإكرام من خلقه، ويحتمل أن يكون لها معنًى آخر؛ وهو أنه يُكرم من أهل العباد فيمن خلقه، فيكون الإكرام هذا المصدر صالحًا للمفعول والفاعل، فهو مُكْرِم ومُكْرَم.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن ٢٨] وهذه الآية تكررت عدة مرات في هذه السورة، وبينا معناها: أنه بأي نعمة من نِعَم الله تكذبان يا معشر الجن والإنس؟ وهذا كالتحدي لهم؛ لأنه لن يستطيع أحدٌ أن يأتي بمثل هذه النِّعم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences