Ibn 'UthayminAl‑Waqi'ah · 56:35–80

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Waqi'ah 56:35–80

56:35–36Page 535

إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ ٣٥

Indeed, We have produced them [i.e., the women of Paradise] in a [new] creation

فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا ٣٦

And made them virgins,

ولهذا قال: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ [الواقعة ٣٥] بعد ما ذكر الفرش؛ يعني ينتقل الذهن إلى من يصاحبني في هذا الفراش، قال: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ يعني: أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً غريبًا عجيبًا بديعًا، فسَّر هذا الإنشاء بقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ [الواقعة ٣٦]، هؤلاء الزوجات أبكار، مهما أتاها زوجها عادت بكرًا، سبحان الله! ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢] نساء الدنيا إذا افتض الزوج بكارة المرأة خلاص ما تعود، لكن في الآخرة تعود من حين ما ينتهي منها تعود بكرًا.

56:37Page 535

عُرُبًا أَتۡرَابٗا ٣٧

Devoted [to their husbands] and of equal age,

﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ ﴾ [الواقعة: ٣٦، ٣٧] (العُرُب) المتحببات إلى أزواجهن، سبحان الله! هذا كمال المتعة، أن تكون الزوجة تتحبب لزوجها، وتتقرب إليه، وتغريه في نفسها، بخلاف نساء الدنيا، نساء الدنيا إذا أتاها الزوج يريدها، وإذا متكرهة متبذلة تتعبه، قبل أن ينال مراده منها، لكن الآخرة هن (عُرُب) متحببات للزوج، يفعلن كل ما يوجب محبته لهن.

﴿أَتْرَابًا﴾ على سن واحدة، لا تختلف أسنانهنَّ، نساء الدنيا واحدة عجوز لها خمسون سنة، وواحدة شابة لها خمس عشرة سنة، وما بينهما ثنتان؛ لأن الزوج في الدنيا ما يملك إلا أربعًا؛ واحدة خمسون، وواحدة أربعون، وواحدة ثلاثون، واحدة عشرون، السنين مختلفة، بالطبع أنه إذا اختلفت السنين تختلف رغبة الزوج، أليس كذلك؟ في الغالب يرغب بالصغيرة أكثر مما يرغب في الكبيرة، فيبقى متذبذبًا لكن في الآخرة أتراب، ما تختلف أسنانهن على سن واحدة.

56:38Page 535

لِّأَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ ٣٨

For the companions of the right [who are]

ثم قال عز وجل: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة ٣٨] أي: ذلك المذكور من النعيم النفسي والبدني لأصحاب اليمين، اللهم اجعلنا من السابقين الأولين يا رب العالمين إنك على كل شيء قدير (...).

56:39–40Page 535

ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٩

A company of the former peoples

وَثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ ٤٠

And a company of the later peoples.

﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ ﴾ [الواقعة: ٣٩، ٤٠] هؤلاء هم أصحاب اليمين الذين هم في المرتبة الثانية، والمرتبة الأولى السابقون.

السابقون قال الله تعالى فيهم: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة ١٣، ١٤] يعني: ثلة من الأولين من هذه الأمة، وقليل من الآخرين، فإن خير هذه الأمة خير قرونها القرن الأول الذي هو قرن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم تتناقص.

أما أصحاب اليمين، فقال الله تعالى فيهم: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من هؤلاء، وجماعة من هؤلاء.

56:41–44Page 535

وَأَصۡحَٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلشِّمَالِ ٤١

And the companions of the left - what are the companions of the left?

فِي سَمُومٖ وَحَمِيمٖ ٤٢

[They will be] in scorching fire and scalding water

وَظِلّٖ مِّن يَحۡمُومٖ ٤٣

And a shade of black smoke,

لَّا بَارِدٖ وَلَا كَرِيمٍ ٤٤

Neither cool nor beneficial.

ثم ذكر الله القسم الثالث فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة ٤١]، وهم الكفار والمنافقون ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة ٤٢ - ٤٤]، هذا اللي هم فيه، ﴿سَمُومٍ﴾ أي: حرارة شديدة والعياذ بالله، وقد بَيَّن الله تبارك وتعالى في آيات كثيرة كيفيتها، فقال الله تعالى: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء ٥٦]، وأخبر أنه: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج ١٩ - ٢٢] والآيات في هذا المعنى كثيرة.

وقوله: (حميم)، الحميم: هو الماء الحار الشديد الحرارة، فهم -والعياذ بالله- محاطون بالحرارة من كل جانب، ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة ٤٣، ٤٤] فاليحموم: هو الدخان وقد وصفه الله بأنه: ﴿لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ ﴿لا بَارِدٍ﴾ كما هو الشأن في الظلال ﴿وَلَا كَرِيمٍ﴾ الحسن المنظر؛ لأنه دخان كريه، كريه منظره حار مخبره، نسأل الله العافية.

56:45Page 535

إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُتۡرَفِينَ ٤٥

Indeed they were, before that, indulging in affluence,

ثم بَيَّن حالهم من قبل فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة ٤٥]، وذلك في الدنيا، قد أترف الله أبدانهم، وهيأ لهم من نعيم البدن ما وصلوا فيه إلى حد الترف، لكن هذا لم ينفعهم والعياذ بالله، ولم ينجهم من النار.

56:46–48Page 535

وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلۡحِنثِ ٱلۡعَظِيمِ ٤٦

And they used to persist in the great violation,1

وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَئِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ٤٧

And they used to say, "When we die and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?

أَوَءَابَآؤُنَا ٱلۡأَوَّلُونَ ٤٨

And our forefathers [as well]?"

﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ ﴾ [الواقعة: ٤٦].

﴿يُصِرُّونَ﴾ أي: يستمرون عليه.

و﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ هو الشِّرْك؛ لأن الأصل في الحنث الإثم، و﴿الْعَظِيمِ﴾ هو الشِّرْك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣].

وكانوا أيضًا ينكرون البعث، كانوا يقولون: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الواقعة ٤٧، ٤٨] يعني ينكرون هذا إنكارًا عظيمًا، يقولون: أئذا بليت عظامنا وصارت رفاتًا هل نبعث؟ وأيضًا هل يبعث آباؤنا الأولون؛ ولهذا يحتجون يقولون: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥]، وهذه حجة باطلة؛ لأنه لا يقال لهم: إنكم ستبعثون اليوم، وإنما تبعثون يوم القيامة، فكيف تتحدونا وتقولون: هاتوا آباءنا، فاليوم الآخر ليس هو حاضرًا اليوم حتى يتحدوا ويقولوا هاتوا آباءنا؟ نقول: إن هذا يكون يوم القيامة.

56:49–50Page 535

قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَوَّلِينَ وَٱلۡأٓخِرِينَ ٤٩

Say, [O Muḥammad], "Indeed, the former and later peoples

لَمَجۡمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ٥٠

Are to be gathered together for the appointment of a known Day."

قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩، ٥٠] الأولون من المخلوقين، والآخرون كلهم سيبعثون في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، لا جبال ولا أشجار ولا كروية بل تُمد الأرض مُسطَّحة، يُرَى أقصاهم كما يُرَى أدناهم، الآن لما كانت الأرض كروية فإن البعيد لا تراه؛ لأنه منخفض، لكن إذا كان يوم القيامة سُطِّحت الأرض صارت كالأديم؛ أي: كالجلد الممدود، فيُبعث الخلائق كلهم على هذا الصعيد.

وقوله: ﴿إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ عند مَنْ؟ عند الله عز وجل؛ لقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف ١٨٧].

56:51Page 536

ثُمَّ إِنَّكُمۡ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلۡمُكَذِّبُونَ ٥١

Then indeed you, O those astray [who are] deniers,

﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ ﴾ [الواقعة: ٥١] أي: بعد البعث ﴿أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة ٥١]، الضالون في العمل فهم لا يعملون، المكذبون للخبر فهم لا يصدقون، والعياذ بالله.

56:52Page 536

لَأٓكِلُونَ مِن شَجَرٖ مِّن زَقُّومٖ ٥٢

Will be eating from trees of zaqqūm

﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ ﴾ [الواقعة: ٥٢] آكلون من شجر، هذا الشجر نوعه من زقوم، كما تقول: خاتمٌ من حديد، بابٌ من خشب، جدارٌ من طين، فقوله: ﴿مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ ﴿مِنْ شَجَرٍ﴾ متعلقة بأكل، ومن زقوم بيان للشجر، وسُمِّي زقومًا؛ لأن الإنسان -والعياذ بالله- إذا أكله يتزقمه تزقُّمًا لشدة بلعه، لا يبتلعه بسهولة.

56:53–55Page 536

فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ ٥٣

And filling with it your bellies

فَشَٰرِبُونَ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡحَمِيمِ ٥٤

And drinking on top of it from scalding water

فَشَٰرِبُونَ شُرۡبَ ٱلۡهِيمِ ٥٥

And will drink as the drinking of thirsty camels.

﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ ﴾ [الواقعة: ٥٣] أي: أنهم يملؤون البطون من هذا الشجر مع أن هذا الشجر مُر، خبيث الرائحة، كريه المنظر، لكن لشدة جوعهم يأكلونه كما يأكل الجائع المضطر العذرة، وكما يأكل قيئه، فهم يأكلونه على تَكَرُّه، كما قال الله عز وجل: ﴿يُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم ١٦، ١٧] هم يأكلون من هذا الشجر ويملؤون البطون منها، يأتيهم شغف، شغف عظيم جدًّا على الأكل، حتى يملؤوا بطونهم مما يكرهونه، وهذا أشد في العذاب نسأل الله العافية، مع ذلك إذا ملؤوا بطونهم من هذا اشتدت حاجتهم إلى الشرب، فكيف يشربون؟ قال الله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَمِيمِ﴾ [الواقعة ٥٤] ﴿الْحَمِيمِ﴾ الماء الحار، يشربون من ماءٍ حار بعد أن يستغيثوا مدة طويلة، وقد وصف الله هذا الماء بقوله: ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف ٢٩]، وقال عز وجل: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد ١٥].

فتأمل يا أخي هذا؛ إن قرَّبوه من الوجوه يشويها، إذا دخل بطونهم قطَّع أمعاءهم، ومع ذلك يشربونه بشدة، يقول: ﴿شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة ٥٥]؛ يعني شُرب الإبل الهائمة إلى الماء التي لا يرويها الشيء القليل، فيملؤون بطونهم -والعياذ بالله- من الشجر الزقوم، ويشربون من الحميم ﴿شُرْبَ الْهِيمِ﴾؛ أي: شرب الإبل. ﴿الْهِيمِ﴾ جمع هائمة، أو جمع (همياء)؛ يعني: أنها شديدة العطش، فتملأ بطونها، وبطونها كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَعَهَا سِقَاؤُهَا» -وهو بطن تملأ بطنها من الماء- «وَحِذَاؤُهَا» . أسأل الله أن يجيرني وإياكم من النار.

56:56Page 536

هَٰذَا نُزُلُهُمۡ يَوۡمَ ٱلدِّينِ ٥٦

That is their accommodation on the Day of Recompense.

﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴾ [الواقعة: ٥٦]؛ يعني هذه ضيافتهم، بخلاف المؤمنين فإن ضيافتهم جنات الفردوس ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٧، ١٠٨].

56:57Page 536

نَحۡنُ خَلَقۡنَٰكُمۡ فَلَوۡلَا تُصَدِّقُونَ ٥٧

We have created you, so why do you not believe?

ثم قال عز وجل: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ [الواقعة ٥٧] وهذا أمرٌ لا أحد ينكره، أن خالقنا هو الله، حتى المشركون الذين يشركون مع الله إذا سُئِلوا: من خلقهم؟ قالوا: الله؛ يعني: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ أول مرة، ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ أي: في إعادتكم ثاني مرة، و(لولا) هنا بمعنى هلا تصدقون، كان الواجب عليهم وهم يصدقون بأن خالقهم أول مرة هو الله، أن يصدقوا بالخلق الآخر؛ لأن القادر على الخلق الأول قادر على الخلق الآخر من باب أولى، كما قال عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، وقال عز وجل: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم ٤٧]. إذن نحن خلقناكم متى؟ أول مرة، ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ أي: فهلا تصدقون أننا نعيدكم، نخلقكم ثاني مرة؛ لأن القادر على الخلق أول مرة، قادر على الخلق المرة الأخرى.

56:58–59Page 536

أَفَرَءَيۡتُم مَّا تُمۡنُونَ ٥٨

Have you seen that which you emit?1

ءَأَنتُمۡ تَخۡلُقُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٥٩

Is it you who creates it, or are We the Creator?

ثم ضرب الله تعالى مثلًا بل أمثالًا لما فيه وجودنا، وما فيه بقاؤنا، وما فيه استمتاعنا، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة ٥٨، ٥٩] يعني: أخبروني عن هذا المني الذي يخرج منكم، هل أنتم تخلقونه أم الله؟

الجواب: الله عز وجل هو الذي يخلقه، فيخرج من بين الصلب والترائب، هو الذي يخلقه في الرحم خَلقًا من بعد خَلْق، فنحن لا نوجد هذا المني، ولا نطوره في الرحم بل ذلك إلى الله عز وجل: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ الجواب: بل أنت يا ربنا!

56:60–61Page 536

نَحۡنُ قَدَّرۡنَا بَيۡنَكُمُ ٱلۡمَوۡتَ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ ٦٠

We have decreed death among you, and We are not to be outdone

عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمۡثَٰلَكُمۡ وَنُنشِئَكُمۡ فِي مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦١

In that We will change your likenesses and produce you in that [form] which you do not know.1

﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ ﴾ [الواقعة: ٦٠]؛ أي: قضيناه بينكم، فكل نفس ذائقة الموت، اللهم اجعلها على الحق العدل، كل نفس ذائقة الموت ولا بد، حتى الأنبياء والرسل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٣٤] ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ [الواقعة ٦٠، ٦١] يعني: لا أحد يسبقنا فيمنعنا أن نبدل أمثالكم، بل نحن قادرون على ذلك، وسوف يُبدِّل الله تعالى أمثالنا؛ أي: ينشئنا خلقًا آخر، وذلك يوم القيامة، ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة ٦١] وذلك يوم القيامة.

56:62Page 536

وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُولَىٰ فَلَوۡلَا تَذَكَّرُونَ ٦٢

And you have already known the first creation, so will you not remember?

﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ ﴾ [الواقعة: ٦٢] علمتم النشأة الأولى وأنكم نشأتم في بطون أمهاتكم وأخرجكم الله عز وجل من العدم ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: فهلا تذكرون وتتعظون، وهذا دليل عقلي من الله عز وجل، يعرضه على عباده، يقول: إننا بدأناكم أول مرة، وإذا بدأناكم أول مرة فلسنا بمسبوقين على أن نعيدكم ثاني مرة.

56:63–64Page 536

أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَحۡرُثُونَ ٦٣

And have you seen that [seed] which you sow?

ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلزَّٰرِعُونَ ٦٤

Is it you who makes it grow, or are We the grower?

﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ ﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٤] أي: أخبروني أيها المكذبون بالبعث! عن الذي تزرعونه بالحرث، هل أنتم الذين تخرجونه زرعًا بعد الحب أم نحن الزارعون؟

الجواب: بل أنت يا ربنا! أنت الذي تزرعه -أي: تنبته- حتى يكون زرعًا، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام ٩٥] فلا أحد يستطيع أن يفلق هذه الحبة حتى تكون زرعة، ولا هذه النواة حتى تكون نخلة، إلا الله عز وجل.

56:65–67Page 536

لَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَٰهُ حُطَٰمٗا فَظَلۡتُمۡ تَفَكَّهُونَ ٦٥

If We willed, We could make it [dry] debris, and you would remain in wonder,1

إِنَّا لَمُغۡرَمُونَ ٦٦

[Saying], "Indeed, we are [now] in debt;

بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ ٦٧

Rather, we have been deprived."

﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ ﴾ [الواقعة: ٦٥]، ولم يقل عز وجل: (لو نشاء لم نخرجه) قال: ﴿لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ يعني بعد أن يخرج ويكون زرعًا، وتتعلق به النفوس؛ يجعله الله تعالى حطامًا، وهذا أشد ما يكون سببًا للحزن والأسى؛ لأن الشيء قبل أن يخرج لا تتعلق به النفوس، فإذا خرج وصار زرعًا، ثم سَلَّط الله عليه آفةً فكان حطامًا؛ أي: محطومًا لا فائدة منه، فهو أشد حسرة.

﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٥ - ٦٧] يعني: تتفكهون بالكلام، تريدون أن تُذْهِبوا الحزن عنكم، فتقولون: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة ٦٦]؛ أي: لحقنا الغُرْم بهذا الزرع الذي صار حطامًا، ثم تستأنفون، فتقولون: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: حُرِمنا هذا الزرع وصار حطامًا ففقدناه.

56:68–69Page 536

أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلۡمَآءَ ٱلَّذِي تَشۡرَبُونَ ٦٨

And have you seen the water that you drink?

ءَأَنتُمۡ أَنزَلۡتُمُوهُ مِنَ ٱلۡمُزۡنِ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنزِلُونَ ٦٩

Is it you who brought it down from the clouds, or is it We who bring it down?

ثم انتقل الله عز وجل إلى مادة أخرى، هي مادة الحياة وهي الماء، فقال:

﴿أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴾ [الواقعة: ٦٨] يعني أخبروني عنه من الذي خلقه؟ من الذي أوجده؟ ﴿أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾ [الواقعة ٦٩]؟

الجواب: بل أنت يا ربنا! يعني: هل أنتم أنزلتم الماء الذي تشربونه من المزن -أي: من السحاب- أم نحن المنزلون؟

الجواب: هو الله عز وجل؛ لأنه ينزل من السحاب فيبقى غدرانًا في الأرض، وما شربته الأرض يسلكه الله تعالى ينابيع في الأرض يُستخرج بالآلات من الآبار ويجري من العيون، فأصل الماء الذي نشرب أصله من المزن -من السحاب- ولذلك إذا قلَّ المطر في بعض الجهات؛ قل الماء وغارَ الماء، واحتاج الناس إلى الماء.

56:70Page 536

لَوۡ نَشَآءُ جَعَلۡنَٰهُ أُجَاجٗا فَلَوۡلَا تَشۡكُرُونَ ٧٠

If We willed, We could make it bitter, so why are you not grateful?

﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ ﴾ [الواقعة: ٧٠]؛ أي: جعلناه مالحًا كريه الطعم لا يمكن أن يُشرَب، وهنا يقول: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ ولم يقل: (لو نشاء لغوَّرناه) أو: (منعنا إنزاله)؛ لأن كونهم ينظرون إلى الماء رأي العين، ولكن لا يمكنهم شربه أشد حسرة مما لو لم يكن موجودًا، والله عز وجل يريد أن يتحداهم بما هو أعظم شيء في حسرة نفوسهم: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: فهلا تشكرون الله عز وجل على إنزاله من الْمُزن، وعلى كونه سائغًا عذبًا لذيذ الطعم، سريع الهضم.

56:71Page 536

أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ ٧١

And have you seen the fire that you ignite?

ثم انتقل الله تعالى إلى أمر ثالث يُصلَح به الطعام والشراب؛ وهو النار، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة ٧١] أي: توقدون.

56:72Page 536

ءَأَنتُمۡ أَنشَأۡتُمۡ شَجَرَتَهَآ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنشِـُٔونَ ٧٢

Is it you who produced its tree, or are We the producer?

﴿أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ﴾ ﴾ [الواقعة: ٧٢] الجواب: بل أنت يا ربنا.

شجرة النار هي شجر معروف في الحجاز، وربما يكون معروفًا في غيره يسمى (المرخ والغِفَار)، هذا الشجر له خاصية إذا ضُرِب بالمرو أو بشيء ينقدح مع المماسة اشتعل نارًا، يوقد منه، وهو معروف؛ ولهذا يقال: (في كل شجر نار واستمجد المرخ والغفار) يعني: صار أعظمها.

هذه النار التي نوقدها، ونطبخ عليها طعامنا، ونسخِّن مياهنا وننتفع بها: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة ٧٢] الجواب: بل أنت يا ربنا.

56:73Page 536

نَحۡنُ جَعَلۡنَٰهَا تَذۡكِرَةٗ وَمَتَٰعٗا لِّلۡمُقۡوِينَ ٧٣

We have made it a reminder1 and provision for the travelers,2

﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ ﴾ [الواقعة: ٧٣] تُذَكِّر بالنار -نار الآخرة- مع أن نار الآخرة فُضِّلت على هذه بتسعة وستين جزءًا على نار الدنيا كلها، بما فيها من النيران الحارة الشديدة الحرارة.

﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ أي: للمسافرين، يتمتعون بالنار، بالتدفئة والدلالة على المكان؛ لأنه في ذلك الوقت وإلى وقت قريب كان الناس يستدلون على الأمكنة بنار يضعونها على مكان مرتفع تهدي الضال، ويُضرب المثل في الدلالة بالعلم عليه النار، كما قالت الخنساء ترثي أخاها صخرًا:

وَإِنَّ صَـــــــخْرًا لَــتَـــأْتَمُّ الْهُــــــــــــــدَاةُ بِهِ ∗∗∗ كَأَنَّهُ عَلَمٌ -أي جبل- فِي رَأْسِهِ نَارُ

56:74Page 536

فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ ٧٤

So exalt the name of your Lord, the Most Great.

﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ ﴾ [الواقعة: ٧٤]؛ أي: سبح الله عز وجل بهذا الاسم، فقل: سبحان ربي العظيم، والتسبيح يعني: أن الله تعالى مُنَزَّه عن كل نقْص وعيب، فإذا قلت: سبحان الله! فالمعنى: أني أنزهك يا رب من كل نقص وعيب.

وقوله: ﴿الْعَظِيمِ﴾ أي: ذو العظمة البالغة، لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ». ولما نزلت: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى ١] قال: «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» . ولهذا ينبغي للإنسان إذا كان يصلي وقال: سبحان ربي العظيم أن يستحضر أمر الله، وأمر رسول الله ﷺ؛ أمر الله في قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة ٧٤]، وأمر الرسول في قوله: «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ» حتى يجمع بين الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (...).

56:75–79Page 536

۞ فَلَآ أُقۡسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ ٧٥

Then I swear by the setting of the stars,1

وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٞ لَّوۡ تَعۡلَمُونَ عَظِيمٌ ٧٦

And indeed, it is an oath - if you could know - [most] great.

إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانٞ كَرِيمٞ ٧٧

Indeed, it is a noble Qur’ān.

فِي كِتَٰبٖ مَّكۡنُونٖ ٧٨

In a Register well-protected;1.

لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ ٧٩

None touch it except the purified [i.e., the angels].

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ﴾ [الواقعة: ٧٥، ٧٦] يخبر الله تبارك وتعالى أنه يُقسم بمواقع النجوم، و(لا) في قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ للتنبيه والتوكيد، وليست للنفي؛ لأن المراد إثبات القسم وليس نفيه، وهذا كقوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد ١]، وقوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة ١]، وقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء ٦٥] وأمثال ذلك.

يؤتى بـ(لا) بصورة النفي، ولكن المراد بذلك التوكيد والتنبيه، والقسم: تأكيد الشيء بذكر مُعَظَّمٍ بأدوات مخصوصة، وهي: الواو، والباء، والتاء.

وقوله: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة ٧٥] اختلف فيها العلماء رحمهم الله، فمنهم من قال: إن المراد بذلك أوقات نزول القرآن؛ لأن القرآن نَزَلَ مُفرَّقًا، والشيء المفرَّق يسمى مُنجَّمًا، كما يقال في الدَّين الْمُقسَّط على سنوات أو أشهر، يقال: إنه دَيْن مُنَجَّم.

وقيل: المراد بمواقع النجوم مواقع الطلوع والغروب؛ لأن مواقع غروبها إيذان بالنهار، ومواقع طلوعها إيذان بالليل، وتعاقُب الليل والنهار من آيات الله العظيمة التي لا يقدر عليها إلا الله عز وجل، فيكون الله تبارك وتعالى أقْسَم بما يدل على إقبال الليل وإدباره.

وقيل: المراد بمواقع النجوم: الأنواء، وكانوا في الجاهلية يُعَظِّمونها، حتى إنهم يقولون: إن المطر ينزل بالنَّوْء، ويقولون: مُطِرنا بِنَوْء كذا وكذا.

والمهم أن الله تعالى أقسم بمواقع النجوم على أمر من أعظم الأمور، وهو قوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة ٧٧] لكن الله بَيَّن عِظَم هذا القسم قبل أن يُبَيَّن الْمُقسَم عليه، فقال: وإنه لقسم عظيم، وأتى بالجملة الاعتراضية في قوله: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ إشارة إلى أنه يجب أن نتفطن لهذا القسم وعظمته حتى نكون ذوي علم به.

﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة ٧٦، ٧٧] أي: إن الذي نزل على محمد ﷺ لقرآن كريم، والكرم يُراد به الحسن والبهاء والجمال، كما في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن وأمره أن يُبين للناس أن عليهم زكاة في أموالهم، قال: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» . «كَرَائِمَ» جمع (كَرِيمة)، والمراد بها: الشاة الحسنة الجميلة.

وهو كريم -أعني القرآن- في ثوابه، فالحرف بحسنة، والحسنة بعشرة أمثالها، وهو كريم في آثاره على القلوب وصلاحها؛ فإن قراءة القرآن تلين القلوب، وتوجب الخشوع لله عز وجل، وكريم في آثاره بدعوة الناس إلى شريعة الله، كما قال تعالى: ﴿فَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٢]، فالمهم أن القرآن كريم بكل معنى الكرم.

﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة ٧٧ - ٧٩] اختلف العلماء في الكتاب المكنون، فقيل: إنه اللوح المحفوظ؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج ٢١، ٢٢].

وقيل: المراد به الكتب التي بأيدي الملائكة، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١٢ - ١٦]، وهذا القول رجَّحه ابن القيم رحمه الله في كتابه: التبيان في أقسام القرآن أن المراد به الصحف التي بأيدي الملائكة.

وأكثر المفسرين على أن المراد به: اللوح المحفوظ. ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ أي: لا يمس هذا الكتاب المكنون إلا المطهرون وهم الملائكة، طهَّرهم الله تعالى من الشرك والمعاصي؛ ولهذا لا تقع من الملائكة معصية بل هم ممتثلون لأمر الله، قائمون به على ما أراد الله. ﴿تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة ٨٠].

وقبل أن نفوت الآية التي قبلها ذهب بعض المفسرين إلى قول غريب وقال: المراد بقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة ٧٩] أي: لا يمس القرآن إلا طاهر، ولكن هذا قول ضعيف، لا تدل عليه الآية؛ لأنه لو كان المراد ذلك لقال: (إلا المُطَّهِّرون) -يعني: المتطهرين- ولكنه قال: ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾؛ أي: من قِبَل الله عز وجل، فهذا القول ضعيف، ولولا أنه يُوجد في بعض التفاسير التي بأيدي الناس ما تعرضنا له؛ لأنه لا قيمة له، والصواب أن المراد بذلك الملائكة.

فإن قلنا: إن المراد بالكتاب المكنون الصحف التي بأيديهم فواضح في قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، وإذا قيل: المراد به اللوح المحفوظ، فكذلك ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ قد يمسونه بأمر الله عز وجل، وقد لا يمسونه.

56:80Page 537

تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٠

[It is] a revelation from the Lord of the worlds.

﴿تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴾ [الواقعة: ٨٠] يعني: هذا القرآن ﴿تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ نزل من عند الله عز وجل؛ لأنه كلامه، وكلام الله تعالى مُنَزَّل غير مخلوق.

* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن القرآن ليس بمخلوق؛ لأنه نزل من الله فهو كلامه، وكلامه من صفاته تعالى، وصفاته غير مخلوقة.

وفي قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة ٨٠] إشارة إلى أنه يجب علينا أن نعمل به؛ لأن الذي أنزله هو الرب الْمُطاع الخالق الرازق، الذي يجب أن نطيعه لما أمر، وننتهي عما عنه نهى وزجر.

﴿تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ والعالَمون كل مَنْ سوى الله، وسموا عالمين؛ لأنهم عَلَم على خالقهم، فإن هذا الخلق إذا تأمله الإنسان دلَّه على ما لله عز وجل من عظمة وسلطان ورحمة وغير ذلك من صفاته.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском