Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
الحديد
Al-Hadid
The Iron · Medinan · 29 ayahs
57:1Page 537
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١
Whatever is in the heavens and earth exalts Allāh,1 and He is the Exalted in Might, the Wise.
قال الله تبارك وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحديد ١]، معنى ﴿سَبَّحَ﴾ أي: نزه الله عز وجل عن كل عيب ونقص وعن مماثلة المخلوقين، دليل تنزهه عن كل عيب ونقص قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨] (اللغوب) يعني: التعب والإعياء، وهذا يدل على كمال قوته عز وجل، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة ٧٤]، فنزه الله نفسه عن الغفلة، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤] فنزه نفسه عن العجز.
المهم أن التسبيح يعني تنزيه الله من كل نقص وعيب وعن مماثلة المخلوقين، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١].
أثبت الله لنفسه وجهًا في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن ٢٧] هل وجه الله كوجه المخلوق؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما الذي أدراك؟ أفلا يمكن أن يكون كوجه المخلوق، ما الذي أدراك الدليل؟ أين الدليل من القرآن أو من السنة؟
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١].
أثبت لنفسه أنه استوى على العرش، والإنسان يستوي على البعير يعني: يركب البعير ويستقر ويعلو عليه، فهل استواء الله على العرش كاستواء الإنسان على البعير؟ لا يمكن، أيش الدليل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١].
إذن كل صفة يثبتها الله لنفسه وللمخلوق مثلها فإن ذلك موافقة في الاسم فقط، أما في الحقيقة فليس كمثله شيء، أثبت الله لنفسه علمًا وأثبت للمخلوق علمًا، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة ١٠] فأثبت لنا علمًا، وأثبت لنفسه علمًا: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة ١٨٧] فهل العلم الذي أثبته لنفسه كعلم المخلوق؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الدليل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: بارك الله فيك، إذن ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ﴿سَبَّحَ﴾ بمعنى نزه، والتنزيه عن شيئين: عن النقص، والثاني عن مماثلة المخلوقين، لا يمكن أن يماثله شيء من المخلوقات لا في ذاته ولا في صفاته، ولهذا لا يمكننا أن ندرك الله عز وجل، نعلمه بآياته وصفاته وأفعاله، لكننا لا ندرك حقيقته عز وجل؛ لأنه مهما قدرت من شيء فالله تعالى مخالف له غير مماثله.
قوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: كل ما في السماوات والأرض فإنه يسبح الله عز وجل وينزهه، يشمل الآدميين، الجن، الملائكة، الحشرات، الحيوانات، كل شيء، كل ما في السماوات والأرض يسبح الله.
وهل يسبحه بلسان المقال، بمعنى يقول: سبحان الله، أم بلسان الحال بمعنى: أن تنظيم السماوات والأرض والمخلوقات على ما هي عليه يدل على كمال الله عز وجل وتنزهه عن كل نقص؟
الجواب أنه يسبح الله بلسان الحال وبلسان المقال، إلا الكافر فإنه يسبح الله بلسان الحال لا بلسان المقال؛ لأن الكافر يصف الله بكل نقص، يقول: اتخذ الله ولدًا، ويقول: إن معه إلهًا، وربما ينكر الخالق أصلًا، لكن حاله وخلقته وتصرفه تسبيح لله عز وجل.
إذن لو سألنا: هل تسبيح ما في السماوات والأرض بلسان الحال أو بلسان المقال؟
* طالب: بلسان الحال وبلسان المقال.
* الشيخ: إلا؟
* الطالب: إلا الكافر فإنه بلسان الحال لا بلسان المقال.
* الشيخ: إلا الكافر فإنه بلسان الحال لا بلسان المقال.
هل الحشرات والحيوانات هل تسبح الله بلسان المقال؟ الجواب: نعم.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤] الذر يسبح الله بلسان المقال، الحشرات كلها تسبح الله بلسان المقال، الحصى يسبح الله، كما كان ذلك بين يدي رسول الله ﷺ[[أخرجه البزار في مسنده (٤٠٤٠) من حديث أبي ذر.]]، لكن الكافر لا يسبح الله بلسان المقال، بل بالعكس.
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ﴿الْعَزِيزُ﴾ يعني: ذو العزة، والعزة هي: الكبرياء والغلبة والسلطان وما أشبه ذلك.
إذن العزيز هو ذو السلطان الكامل والغلبة الكاملة، فلا أحد يغلبه عز وجل، يقول الشاعر الجاهلي:
أَيْنَ الْمَـفَــــرُّ وَالْإِلَهُ الطَّـــــــالِبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَالْغَالِبُ
إذن: ﴿الْعَزِيزُ﴾ يعني الغالب في سلطانه وقدرته وقوته وغير ذلك.
﴿الْحَكِيمُ﴾: لها معنيان: المعنى الأول: ذو الحكمة.
والمعنى الثاني: ذو الحكم التام.
فهي مشتقة من شيئين: من الحكمة والحكم، الحكمة هي أن جميع أفعاله وأقواله وشرعه حكمة، وليس فيه سفه بأي حال من الأحوال، ولهذا قيل في تعريف الحكمة: إنها وضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها، فما من شيء من أفعال الله أو من شرع الله إلا وله حكمة، إذا قدَّر الله الحر الشديد الذي يهلك الثمار فهو حكمة لا شك، إذا منع الله المطر فهو حكمة، إذا ألقى الله الموت بين الناس فهو حكمة، كل شيء فهو حكمة، الشرائع إذا أحل الله البيع وحرم الربا فهو حكمة في تحليله، حكمة في تحريمه؛ لأنا نعلم أن الله حكيم، ففرق عز وجل بين البيع والربا؛ البيع أحله، والربا حرمه.
وإذا قال قائل: ليش؟ قلنا: الله أعلم، الله عز وجل حكيم، ولهذا لما قالت المرأة لعائشة رضي الله عنها: يا أم المؤمنين، ما بال الحائض تقضي الصوم -يعني إذا حاضت في رمضان- ولا تقضي الصلاة؟ سؤال يعني فيه إشكال، الوقع يقع في إشكال، ليش الحائض إذا أفطرت في رمضان يلزمها قضاء الصوم، وإذا تركت الصلاة لا يلزمها قضاء الصلاة، كلها فرض، قالت لها رضي الله عنها: «كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢١) ومسلم (٣٣٥ / ٦٩) من حديث عائشة.]].
استدلت رضي الله عنها بالحكم على الحكمة؛ لأنا نعلم أن الله حكيم عز وجل، فلم يوجب عليها قضاء الصوم دون قضاء الصلاة إلا لحكمة، لكن أحيانًا نعرف الحكمة وأحيانًا لا نعرفها.
الربا والبيع، لماذا أحل الله البيع وحرم الربا؟
نقول: لأن الله أحل البيع وحرم الربا، ولذلك لما قال أهل الربا: إنما البيع مثل الربا، رد الله قولهم فقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة ٢٧٥].
إذن الحكيم مشتق من الحكمة، وهي وضع الشيء في موضعه، فإذا حكم الله بشيء شرعًا أو حكم بشيء قدرًا فلا يشكل عليك، إن وفقك الله لمعرفة الحكمة فهذا خير، وإن لم تعرف فاعلم أن الله حكيم.
أيضًا له الحكم عز وجل، قال الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف ٤٠] الحكم لله عز وجل، من يستطيع أن يرفع حكم الله عز وجل فيما إذا نزل به الموت؟
* طلبة: لا أحد.
* الشيخ: لا أحد، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا﴾ [الواقعة ٨٣ - ٨٧]، ما يمكن هذا؛ لأن الله حكم بهذا، إذا حكم عز وجل بحروب وفتن، من يرفع هذا؟ الله عز وجل، الحكم له.
في الأمور الشرعية من الذي يحكم بين الناس بالشرع؟ الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠]، فالحكم لله عز وجل، فإذا عرفت أن الله تعالى له الحكمة فيما شرع وفيما خلق وقدر حينئذ تستسلم ولا تجادل؛ لأن الذي حكم بذلك هو الله، إذا علمت أن الحكم لله عز وجل بين العباد فإلى أي شيء ترجع في الأمور الشرعية؟ إلى الكتاب والسنة، في الأمور القدرية ترجع إلى الله، إذا حكم عليك بالمرض تفزع إلى الله عز وجل، إذا حكم عليك بالفقر تفزع إلى الله: اللهم اقض عني الدين وأغنني من الفقر.
فإذا آمن الإنسان بأن الحكم كله لله، إن كان حكمًا قدريًّا استسلم، وقال: هذا أمر الله وأنا عبد الله ولا يمكن أن يكون سوى ما كان، وإذا كان شرعيًّا قال: الله عز وجل أعلم وأحكم بما يصلح للعباد.
57:2Page 537
لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٢
His is the dominion of the heavens and earth. He gives life and causes death, and He is over all things competent.
No commentary for this ayah
57:3Page 537
هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٣
He is the First1 and the Last,2 the Ascendant3 and the Intimate,4 and He is, of all things, Knowing.
قال الله عز وجل: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد ٣] أربعة أشياء: ﴿الْأَوَّلُ﴾ يعني: ليس قبله شيء؛ لأنه لو كان قبله شيء لكان الله مخلوقًا، وهو عز وجل الخالق، ولهذا فسر النبي ﷺ الأول بأنه الذي ليس قبله شيء، كل الموجودات بعد الله عز وجل، ما فيه أحد مع الله ولا قبل الله.
﴿وَالْآخِرُ﴾ الذي ليس بعده شيء؛ لأنه لو كان بعده شيء لكان ما يأتي بعده غير مخلوق لله، ومع العلم بأن المخلوقات كلها مخلوقة لله عز وجل، فهو الذي ليس بعده شيء.
إذن: هو الأول لا ابتداء له، الآخر لا انتهاء له، ليس بعده شيء.
﴿وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ الظاهر: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في تفسيرها: «الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ»[[أخرجه مسلم (٢٧١٣ / ٦١) من حديث أبي هريرة.]] كل المخلوقات تحته جل وعلا، فليس فوقه شيء.
الباطن): قال النبي ﷺ: «الَّذِي لَيْسَ دُونَهُ شَيْءٌ»[[أخرجه مسلم (٢٧١٣ / ٦١) من حديث أبي هريرة.]]، يعني ما يحول دونه شيء، خبير عليم بكل شيء، لا يحول دونه جبال ولا أشجار ولا جدران ولا غير ذلك، ليس دونه شيء، الأول والآخر اشتملا على عموم الزمان، والظاهر والباطن على عموم المكان، قلنا: هذه الأسماء الأربعة تضمنت الاشتمال على الزمنية في قوله: ﴿الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾، والمكانية في قوله: ﴿الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾.
﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد ٣] كل شيء فالله عليم به، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران ٥]، لو عمل الإنسان في جوف بيته، في حجرة مظلمة، فهل يعلم الله تعالى عمله؟ نعم.
يعلم، بل زد على ذلك أنه يعلم ما توسوس به نفسك، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]، أنت إذا فكرت في شيء فالله يعلم به قبل أن يكون، هل يعلم الماضي البعيد؟ نعم.
بكل شيء، هل يعلم المستقبل البعيد؟ نعم، بكل شيء، ولهذا قال موسى عليه الصلاة والسلام لما سأله فرعون: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه ٥١] يعني ويش ما شأنها؟ قص علينا: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه ٥٢]، ﴿لَا يَضِلُّ﴾ يعني ما يجهل؛ لأن الضلال معناه الجهل، كما قال الله عز وجل في نبيه: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى ٧]، ﴿ضَالًّا﴾ ما هو معناه أنه فاسق، لا، معناه أنه جاهل ما يدري، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي﴾ أيش ﴿مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى ٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت ٤٨] إذن الله بكل شيء عليم.
يا أخي، إذا علمت أن الله بكل شيء عليم، هل يمكنك أن تقدم على معصية الله وأنت في خفاء عن الناس؟ أجب، أجيبوا يا جماعة، نعم ولَّا لا؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا؛ لأنك تعلم أن الله يعلمك، ما يمكن، قال الله عز وجل: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ الجواب ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠]. فإذن إذا آمنت بأن الله جل وعلا عليم بكل شيء فإنه يستلزم ألا تقوم بمعصيته ولو في الخفاء، وألا تترك طاعته ولو في الخفاء، ولقد قال الله عز وجل عن نوح عليه الصلاة والسلام: إنه قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ لئلا يسمعوا ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح ٧] تغطوا بها لئلا يبصروا والعياذ بالله؛ لأنهم يكرهون الحق.
57:4Page 538
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۖ وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٤
It is He who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne.1 He knows what penetrates into the earth and what emerges from it and what descends from the heaven and what ascends therein; and He is with you2 wherever you are. And Allāh, of what you do, is Seeing.
﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ بعدها ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد ٤].
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: أوجدها عز وجل بكل نظام وتقدير، والسماوات سبع، والأرضون سبع، والأرض سابقة على السماء؛ لأن الله تعالى قال في سورة فصلت لما ذكر خلق الأرض قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١] خلق السماوات والأرض، الأرض قبل خلق السماوات، لكن الله يبدأ بالسماوات لأنها أشرف من الأرض، وأعلى من الأرض.
كيف السماوات؟ هل هي ملفوفة لفة واحدة أو بينها مسافة؟ بينها مسافة، المسافة بعيدة جدًّا جدًّا، وهذا يلزم أن يكون أصغر السماوات سماء الدنيا، ويليها الثانية، والثالثة، كل واحدة أوسع من الأخرى، وساعة عظيمة، وهي طباق، متطابقة، بعضها فوق بعض، وفي حديث المعراج أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كلما صعد إلى سماء استفتح ففُتح له[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٧) ومسلم (١٦٤ / ٢٦٤) من حديث مالك بن صعصعة.]].
﴿وَالْأَرْضَ﴾ الأرض جعلها الله تعالى في القرآن بصيغة الإفراد، الجمع، جمع أرض: أرضون، ما تجد (أرضون) في القرآن، كلها أرض أرض، لكن الله أشار إلى أنها متعددة في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] أي: مثلهن في العدد، لا في الصفة؛ لأن الصفة بين الأرض والسماء التماثل فيها بعيد جدًّا، لكن مثلهن في العدد، وهو صرحت بذلك السنة في قول النبي ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨) ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) من حديث سعيد بن زيد.]].
خلقها في ستة أيام، كم من الأيام؟ أطلقها الله عز وجل، ما بين أن اليوم خمسون ألف سنة ولا أقل ولا أكثر، وإذا أطلق يُحمَل على المعروف المعهود، وهي أيامنا هذه، وقد جاء في الحديث أنها الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، الجمعة منتهى خلق السماوات والأرض، مبتداها متى؟ الأحد، السبت ليس فيه خلق؛ لا ابتداء ولا انتهاء، فإذا قال قائل: أليس الله قادرًا على أن يخلقها في لحظة؟
فالجواب: بلى؛ لأن أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون، إذن: لماذا كانت في ستة أيام؟ أجيب عن ذلك بجوابين: الأول: أن المخلوقات هذه يترتب بعضها على بعض، فرتب الله بعضها على بعض حتى أحكمها وانتهى منها كم؟ ستة أيام.
الثاني: أن الله علم عباده التؤدة والتأني، وأن الأهم إحكام الشيء، لا الفراغ منه، حتى يتأنى الإنسان فيما يصنعه، ولو كان يخلصه في ساعة يتأنى ولو يخلصه في ساعتين، فعلَّم عز وجل سبحانه عباده التأني في الأمور التي هم قادرون عليها، وكلا الأمرين وجيه.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استوى عليه يعني: علا عليه، على وجه يليق بجلاله، لا يمكن أن نمثله بخلقه؛ لأن الله ليس كمثله شيء، والعرش مخلوق عظيم لا يعلم قدره إلا الذي خلقه عز وجل، وقد جاء في الحديث: «إِنَّ السَّماوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي الْكُرْسِيِّ كَحَلْقَةٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ»، الحلقة أيش؟ الحلقة حلقة الدرع، الدرع المكون من حلق من الحديد، الحلقة من الدرع ويش تكون بالنسبة للفلاة؟ جزء من السلسلة، هذه لا شيء، فلاة من الأرض واسعة ضاع فيها حلقة من حلق الدرع، ماذا يكون؟ ويش نسبته؟ ويش تشغله من الأرض؟ لا شيء «مَا السَّماوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى هَذِهِ الْحَلْقَةِ»[[صحيح ابن حبان (٣٦١) من حديث أبي ذر.]]، لا إله إلا الله، إذن لا يعلم قدره إلا الله عز وجل، وليس لنا أن نسأل: أين مادة الكرسي هذا؟ من أين المادة؟ من ذهب، من فضة، من لؤلؤ؟ ما لنا حق نتكلم في هذا، هو عرش عظيم كما وصفه الله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة ١٢٩]، ﴿﴿الْعَرْشِ الْمَجِيدِ﴾ ﴾ [البروج: ١٥] عرش عظيم جدًّا جدًّا، لا يعلم قدره إلا الله، استوى الله عليه لكمال سلطانه جل وعلا.
قد تجدون في بعض الكتب: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يعني: استولى عليه، أهكذا تجدون أحيانًا؟ اللي اطلع منكم على بعض كتب الأشعرية وما أشبههم يرى هذا، (استوى) يقول استولى، وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، وقول على الله بلا حق وبلا علم؛ لأنه إذا كان خلق السماوات ثم استوى على العرش قلنا: ثم استولى على العرش، قبل الاستيلاء لمن العرش؟! شوف بطلان القول هذا، ثم نقول: الله (استوى) استولى على كل شيء، هل نقول: استوى على الأرض؟ ما يمكن نقول هذا، إذن يتعين (استوى) بمعنى علا، كيف استوى؟ ما ندري، الله أعلم.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد ٤].
﴿مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ما يدخل فيها من جثث الموتى، ومن الحبوب التي تنبت بإذن الله، ومن المياه التي يسلكها الله ينابيع في الأرض ثم يخرجها، وغير ذلك من الحشرات وغيرها، المهم كل ما يلج في الأرض يعلمه الله.
وسؤالنا الآن: هل يعلم حال الذر إذا ولجت في جحورها؟ يعلم ولَّا ما يعلم؟
* طلبة: يعلم.
* الشيخ: ما ذكر في الآية، نقول: ﴿مَا يَلِجُ﴾ هذه (ما) اسم موصول، والاسم الموصول يفيد العموم، أي: كل ما يلج في الأرض.
﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من النبات والمياه والمعادن وغيرها.
﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من الملائكة والأمطار والشرائع وغير ذلك.
﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي: إليها، لكن جاءت ﴿فِيهَا﴾ بدل (إليها) لنستفيد فائدتين:
الفائدة الأولى: العروج، يعني الصعود.
والفائدة الثانية: الدخول؛ لأن (في) يناسبها من الأفعال الدخول، دخل في المكان، أما عرج ويعرج فالذي يناسبها (إلى)، لكن الله عز وجل عدَل عن قوله: (يعرج إليها) إلى قوله: ﴿يَعْرُجُ فِيهَا﴾ ليفيد أيش؟ الصعود والدخول، الأشياء ما تصل إلى السماء الدنيا وتقف، تعرج في السماء الدنيا حتى تصل إلى الله عز وجل.
إذن ﴿يَعْرُجُ فِيهَا﴾ لو قال لك أحد النحاة: لماذا جاءت (في) بدل (إلى) والقرآن فصيح؟ فما الجواب؟ أن نقول: ضمن ﴿يَعْرُجُ﴾ معنى يدخل، والتضمين هذا موجود في القرآن الكريم وفي اللغة العربية، قال الله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان ٦] المناسب لـ(يشرب) أيش؟ من، كما قال تعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون ٣٣] يعني: منه، ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة ٢٤٩]، وهنا قال: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ أيش الحكمة؟ قال العلماء: الحكمة أن (يشرب) هنا ضُمنت معنى (يروى بها)، ومعلوم أنك إذا قلت: (يروى بها) فقد تضمن معنى (يشرب) وزيادة، والتضمين هذا فن مهم في باب البلاغة، ينبغي لطالب العلم أن يدرسه ويحققه حتى يستفيد مما إذا اختلفت الحروف مع عواملها ولا يشكل عليه.
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ﴾ (هو) الضمير يعود على الله عز وجل، ﴿مَعَكُمْ﴾ أي: مصاحب لكم؛ كما قال النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ»[[أخرجه مسلم (١٣٤٢ / ٤٢٥) من حديث ابن عمر.]].
لكن هل هذه الصحبة صحبة مكان، بمعنى أننا إذا كنا في مكان كان الله معنا؟ حاشا وكلا، لا يمكن هذا، وكيف يتصور عاقل أن الله معنا في مكاننا وكرسيه وسع السماوات والأرض، هذا مستحيل، الكرسي موضع القدمين كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنه[[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٢٤٠٤).]]، فإذا كان كذلك هل يُعقل أن رب السماوات والأرض الذي يوم القيامة تكون السماوات مطويات بيمينه، والأرض جميعًا قبضته، هل يمكن أن يكون معنا في أماكننا الضيقة أو الواسعة؟ لا يمكن.
إذن ﴿مَعَكُمْ﴾ أي: مصاحب لكم، والمصاحب قد يكون بعيدًا عنك، يقول العرب في أسلوبهم: ما زلنا نسير والقمر معنا، ما زلنا نسير والقطب معنا، ما زلنا نسير والجبل الفلاني معنا، وهل هو معهم في مكانهم؟ معلوم أن القمر في السماء، والنجم في السماء، والجبل قد يكون بينك وبينه مسافة أيام، ومع ذلك فالعرب تطلق عليه المعية مع البعد في المكان، كوننا نؤمن بأن الله معنا إذن هو عالم بنا ولَّا لا؟ سميع لأقوالنا، بصير بأفعالنا، له القدرة علينا والسلطان، مدبر لنا بكل معنى تقتضيه المعية.
واعلم أن من الضلال من يقولون: إن الله معنا في أمكنتنا -نسأل الله العافية- وينكرون أن يكون الله في السماء عاليًا، فأتوا داهيتين عظيمتين: إنكار علو الله، يعني هما: إنكار علو الله، والثاني: اعتقاد أنه في الأرض.
سبحان الله! هل يُعقل أن يعتقد عاقل -فضلًا عن مؤمن- أنه إذا كان في الحش، في المرحاض كان الله معه؟! أعوذ بالله! الذي يعتقد هذا أشهد بالله أنه كافر؛ لأن أعظم استهزاء بالله وأعظم حط قدر الله هو هذا.
ثم نقول: إذا كان الله كما يقولون في كل مكان، يعني أنه في الحجرة، في السوق، في المسجد، ثم من الذي يكون مع أناس في الحجرة، وأناس في الشارع، أهما إلهان؟ أجيبوا يا جماعة؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا، ولا يمكن أن يقولوا: إن الله متعدد، إذا لم يكن إلهان هل هو متجزئ؛ بعضه هنا وبعضه هنا؟ إذن معناه بطل أن يكون معنا بذاته في أمكنتنا؛ لأنه إما أن يكون متعددًا وإما أن يكون متجزئًا، وكلاهما باطل، قررت هذا لأنه يوجد الآن كما لمسناه في الوافدين إلى مكة من يعتقد هذا الاعتقاد.
يقول الله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾، هذا آية ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ ويش تقول؟ نقول: المعية هي المصاحبة، ولا يلزم من المصاحبة المقارة في المكان، يعني أن يكون قارًّا في مكانك، لا يلزم من هذا، وكيف يمكن أن يكون الله تعالى معك في مكانك وهو سبحانه وتعالى وسع كرسيه السماوات والأرض؟ ولكن هؤلاء الذين يعتقدون هذا ما قدروا الله حق قدره، ولا عظموه حق تعظيمه، ولا عرفوا عظمته وجلاله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر ٦٧] فكيف يعتقد أن الله معنا في مكاننا؟
فلهذا يجب على الإنسان أن يعرف نعمة الله عليه بكونه يؤمن بالقرآن على ما هو عليه على ظاهره، معظم لله حق التعظيم.
وقوله: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ أي: في أي مكان كنتم؛ لأن ﴿أَيْنَ﴾ ظرف مكان، قال الله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة ١٤٤] مثل: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد ٤] أي: بما تعملون من الأعمال كلها بصير، وهل البصر هنا بصر علم أو بصر رؤية؟ يشمل هذا وهذا، فهو بصير بصر رؤية، يرانا عز وجل، قال النبي ﷺ عن ربه: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٧٩ / ٢٩٣) من حديث أبي موسى.]] هذا بصر رؤية.
أما بصر العلم فمن المعلوم أن أعمالنا قد تكون مرئية كالحركات، وقد تكون مسموعة كالأقوال، المسموعة لا تُرى بالعين، لكنها تُسمع، فرؤية المسموع علم، وعلى هذا نقول: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد ٤] يشمل العلم والبصر بالرؤية.
57:5Page 538
لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٥
His is the dominion of the heavens and earth. And to Allāh are returned [all] matters.
﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٥] ﴿لَهُ﴾ أي: لله تعالى وحده، ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خلقًا وتدبيرًا، فلا يملك السماوات والأرض أحد إلا الله عز وجل، لا استقلالًا ولا مشاركة، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ فنفى الاستقلال ونفى المشاركة، ﴿وَمَا لَهُ﴾ أي: ما لله ﴿مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ ٢٢]، أي: من مساعد ساعده على خلق السماوات والأرض، فله ملك السماوات والأرض، كم عدد السماوات؟
* طالب: (...).
* الشيخ: سبع؟ لا، السماوات أكبر من الأرض، أفلا يكون عددها عشرًا، ما أظن أن يبقى أحد يجهلها، عددها سبع، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون ٨٦]، الأرضون أيضًا عددها سبع، كما جاء ذلك ظاهرًا في القرآن وصريحًا في السنة، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] يعني: في العدد، وثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨) ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) من حديث سعيد بن زيد.]].
﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [الحديد ٥] كل الأمور، أي: الشئون العامة والخاصة، الدينية والدنيوية، الأخروية والدنيوية، كلها ترجع إلى الله عز وجل، يتصرف كما شاء ويحكم بما شاء، ولا معقب لحكمه عز وجل، كل الأمور، هل الأمور الإنسان الخاصة ترجع إلى الله؟
الجواب: نعم.
ترجع إلى الله، ولذلك يجب عليك إذا ألمت بك ملمة أن ترجع إلى الله عز وجل؛ لأن المشركين إذا ألمت بهم الملمات التي يعجزون عنها يلجؤون إلى الله عز وجل، إذا عصفت بهم الرياح في أعماق البحار على السفن لمن يلجئون؟ إلى الله عز وجل، يلجؤون إلى الله يسألونه أن ينجيهم وهم مشركون، فكيف بك أنت أيها المسلم! الجأ إلى الله في كل شيء، صغير أو كبير، ديني أو دنيوي، خاصة بك أو بأهلك، لا تلجأ لغير الله، فمن أنزل حاجته بالله قُضيت، ومن أنزل حاجته بغير الله وُكل إليه.
إذن نقول: ﴿إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أيُّ أمور؟ قولوا يا جماعة؟
* طلبة: كل الأمور.
* الشيخ: كل الأمور، أي الأمور عامة، الأمور الدينية والدنيوية والأخروية، والدنيوية والخاصة والعامة، وإذا آمنت بهذا -ويجب أن تؤمن به- صرت لا تلجأ إلا إلى الله عز وجل.
57:6Page 538
يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۚ وَهُوَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٦
He causes the night to enter the day and causes the day to enter the night, and He is Knowing of that within the breasts.
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحديد: ٦] ﴿يُولِجُ﴾: أي يدخل الليل في النهار، ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ﴾ أي: يدخله في الليل، وهذا يعني اختلاف الليل والنهار في الطول والقِصر، أحيانًا يبدأ الليل في الزيادة -كما في أوقاتنا الآن؛ الآن بدأ الليل يزيد- يبدأ الليل في زيادة فيدخل على النهار أو النهار يدخل عليه؟
* طلبة: يدخل على النهار.
* الشيخ: يدخل على النهار، هذا يولج الليل في النهار، أحيانًا يبدأ الليل ينقص ويزيد النهار فأيهما يدخل؟ النهار على الليل، لا أحد يقدر على ذلك إلا الله سبحانه وتعالى، لو اجتمع الخلق كلهم؛ إنسهم وجنهم، البشر والملائكة، ما استطاعوا أن يولجوا دقيقة واحدة من الليل في النهار أو من النهار في الليل، والله عز وجل يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل.
ثم هذا الإيلاج ليس يأتي دفعة واحدة، يعني ما يمكن تقول: أقصر ليلة في أطول ليلة في يومين، ما يمكن، ولكنه يأتي تدريجيًّا شيئًا فشيئًا، أول ما يبدأ بزيادة تجده يأخذ قليلًا، في اليومين أو الثلاثة دقيقة واحدة، ثم يبدأ يزداد يزداد حتى يكون عند تساوي الليل والنهار يأخذ إلى حوالي دقيقتين في اليوم، تدريج، أرأيتم لو جاء دفعة واحدة، كنا مثلًا في أطول يوم في السنة وإذا بنا في اليوم الثاني إلى أقصر يوم في السنة، ماذا يترتب عليه؟ مفاسد عظيمة؛ لأن الناس سينقلبون من حر مزعج إلى برد مؤلم في خلال أربع وعشرين ساعة، وهذا لا شك أنه مضر للأبدان والنبات والجو، لكنه عز وجل يولجه على تنظيم موافق للحكمة تمامًا، ولا أحد -والله- يستطيع أن يفعل هذا أبدًا، مهما بلغ من القوة.
﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الحديد ٦] (ذات الصدور) هي القلوب، (ذات الصدور) أي: صاحبة الصدور، يعني القلوب، والدليل أنها القلوب قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦]، إذن: هو عليم بما في القلب، هل تصدق بذلك؟ تصدق؛ لأن الخبر خبر من؟ خبر الله تعالى، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء ١٢٢] إذا كنت تصدق بذلك، فهل يمكن أن تضمر في قلبك ما لا يرضاه الله؟ إن كنت مؤمنًا لا يمكن، طهر قلبك من الرياء والنفاق والغل على المسلمين، والحقد، والبغضاء، طهره لأن قلبك معلوم عند الله عز وجل -اللهم طهر قلوبنا، اللهم طهر قلوبنا، اللهم طهر قلوبنا - طهر القلب من هذا، املأه محبة لله وتعظيمًا، ومحبة للرسول ﷺ وتعظيمًا كما يليق به، ومحبة للمؤمنين، ومحبة لشريعة الله، وإن كرهتها، قال الله عز وجل للصحابة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢١٦].
لا تضمر في هذا القلب المضغة شيئًا يكرهه الله، إن فعلت فالله عليم به لا يخفى عليه، فطهر قلبك حتى يكون نقيًّا سليمًا؛ لأنه لا ينفع يوم القيامة إلا من أتى الله بقلب سليم، كما قال عز وجل: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء ٨٨، ٨٩].
وتغيرات القلب تغيرات سريعة وعجيبة، ربما ينتقل من كفر إلى إيمان، أو من إيمان إلى كفر في لحظة -نسأل الله الثبات- تغير القلب يكون على حسب ما يحيط بالإنسان، وأكثر ما يوجب تغير القلب إلى فساد حبُّ الدنيا، حب الدنيا هذا آفة، والعجب أننا متعلقون بها، ونحن نعلم أنها متاع الغرور، وأن الإنسان إذا سُر يومًا أُسيء يومًا آخر، كما قال الشاعر:
وَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّْ
كل لذة في الدنيا فهي محوطة بمنغص، لذلك احرص على تطهير القلب من التعلق بالدنيا، إلا فيما ينفعك في الآخرة، كأن تتعلق بالدنيا لتصبح غنيًّا تنفق مالك في سبيل الله، وفيما يرضي الله عز وجل، فهذا شيء آخر، طلب المال للأعمال الصالحة خير، لكن طلب المال لمزاحمة أهل الدنيا في دنياهم هذا شر.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences