Ibn 'UthayminAl‑An'am · 6:16–18

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:16–18

6:16Page 129

مَّن يُصۡرَفۡ عَنۡهُ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمَهُۥۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِينُ ١٦

He from whom it is averted that Day - [Allāh] has granted him mercy. And that is the clear attainment.

﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ ، ﴿مَنْ يُصْرَفْ﴾ فيها أيضًا قراءتان: ﴿مَنْ يَصْرِفْ﴾ و﴿مَنْ يُصْرَفْ﴾.

﴿عَنْهُ﴾ يعني: عنه العذاب.

﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ أي: رحمه الله عز وجل، والضمير في قوله: ﴿رَحِمَهُ﴾ قد يقول قائل: كيف نعرف أنه عاد إلى الله عز وجل؟

فيقال: لأنه تقدم ذكره: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، ﴿مَنْ يَصْرِفْ عَنْهُ﴾ يعني ربي، هذا العذاب، ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾، أو ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ هذا العذاب ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ أي: ربي.

﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾، المشار إليه ﴿ذَلِكَ﴾ يعني الصرف المفهوم من قوله: ﴿مَنْ يُصْرَفْ﴾.

وقوله: ﴿الْفَوْزُ﴾ هذه خبر المبتدأ، ﴿الْمُبِينُ﴾ صفة للفوز.

* في هذه الآية: دليل على أن الفوز الحقيقي هو الذي يحصل بصرف الله العذاب عن الإنسان يوم القيامة؛ أي الفوز لبيان الحقيقة الذي هو الفوز الأعظم؛ لأن غير هذا الفوز فوز زائل، حتى مَن وُفِّق في الدنيا فإن فوزه ناقص، إلا أن يكون فوزه في الدنيا سببًا للأعمال الصالحة التي يفوز بها في الآخرة.

﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ أي: البيِّن، وهي اسم فاعل من (أبان)، و(أبان) يصح أن تكون لازمة، ويصح أن تكون متعدية، فإذا قلت: أبان المعلم للطالب معنى الكتاب، هذه أيش؟ متعدية، وإذا قلت: أبان الصبح، بمعنى انجلى، فهذه لازمة، إذن ﴿الْمُبِينُ﴾ هنا بمعنى بَيِّن.

* في الآية فوائد، منها: فوز من يُصْرَف عنه العذاب يوم القيامة.

* ومنها: إثبات الرحمة لله عز وجل بلفظ الفعل؛ لقوله: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾، ورحمة الله تبارك وتعالى من الصفات الذاتية الفعلية؛ فباعتبار المفهوم تكون فعلية، وباعتبار كونها وصفًا ثابتًا لله تكون من الصفات الذاتية، والرحمة يكون بها حصول المطلوب، والنجاة من المرهوب.

فإذا قال قائل: هل رحمة الله حقيقية، أو هي عبارة عن الثواب، أو إرادة الثواب؟ فالجواب: هي حقيقية ولكنها ليست كرحمة المخلوق يكون فيها نوع من الضعف، ولكنها رحمة الخالق الذي هو فوق عباده -عز وجل-.

وقد أنكر قوم الرحمة، وقالوا: إن الله لا يُوصَف برحمة حقيقية؛ لأنها تدل على الرقة واللين، وهذا لا يليق بالله عز وجل، فإذا قلنا لهم: فسِّروها لنا، قالوا: الرحمة هنا عبارة عن آثار الرحمة، وهي إما الإرادة، وإما الثواب والفضل الذي حصل برحمة الله.

فإذا قيل لهم: ما الذي حملكم على صرف الكلام عن ظاهره؟ قالوا: لأن الرحمة على الوجه الذي ذكرنا تدل على الضعف، هذا منتهى تقريرهم.

فنقول لهم: هذه الثمرة من تقريركم جوابها لدينا سهل جدًّا، وهو أن نقول: هذه الرحمة التي ادعيتم أنها تدل على الضعف إنما هي رحمة المخلوق، أما رحمة الخالق فإنها لا تدل على هذا بوجه من الوجوه، بل تدل على كمال فضله وكرمه عز وجل.

ثم إن لنا أن ننازعكم في دعواكم أن اللين والرقة يدل على الضعف، فكم من ذي سلطان قوي يكون رحيمًا، وهو ذو سلطان قوي يستطيع أن يبطش برعيته كما يشاء، ويكون رحيمًا بمن يستحق الرحمة، فنمنع أولًا الدعوى، ثم لو سلَّمنا جدلًا بأن الرحمة تدل على اللين والرقة فهذه رحمة المخلوق.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفوز الحقيقي البيِّن الظاهر هو الفوز من نجاة العذاب يوم القيامة، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم ذلك.

6:17Page 129

وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يَمۡسَسۡكَ بِخَيۡرٖ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٧

And if Allāh should touch you with adversity, there is no remover of it except Him. And if He touches you with good - then He is over all things competent.

ثم قال الله عز وجل مسلِّيًا رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومُثْبِّتًا له ومقوِّيًا عزيمته: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام ١٧]، والضر هنا يشمل: الضر في البدن، والعقل، والمال، وكل ما يكون به الضرر على الإنسان.

وكلمة ﴿ضُرٍّ﴾ كما تشاهدون نكرة في سياق الشرط، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم، أيُّ ضر يمسسك الله به، يعني يصيبك، ﴿فَلَا كَاشِفَ﴾ أي: لا مزيل له إلا الله عز وجل.

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، والخير هنا المراد به ضد الضرر؛ من الصحة، والعقل، والمال، والأهل، والأمن، وشرح الصدر، وغير ذلك.

﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: قادر على أن يزيل الضرر الذي أصابك إلى خير.

وفي الآية الأخرى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس ١٠٧] عز وجل.

* يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يُعلِّق رجاءه بالله عز وجل؛ لأنه إذا علم مضمون هذه الآية فسوف يعتمد في أموره كلها على الله.

وفي الآية الأخرى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس ١٠٧] عز وجل.

* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يعلِّق رجاءه بالله عز وجل؛ لأنه إذا علم مضمون هذه الآية فسوف يعتمد في أموره كلها على الله.

* ومنها: تقوية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الدعوة إلى الله، وأنه مهما حاول هؤلاء أن يصيبوك بضرر فإنهم لا يملكون ذلك إذا لم يكن الله أراد.

* ومنها: الحث على الصبر؛ لأنك إذا علمت أن الذي أصابك بالضُّرِّ هو الله فلا بد أن تَصْبِر؛ لأنك عبده يفعل بك ما شاء، فتصبر على ما يصيبك من الضَّرَر.

* ومنها: قوة رجاء العبد بالله عز وجل إذا أصابه الضرر أن يزول عنه الضرر؛ وجه ذلك قوله: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وكم من أضرار حدثت للإنسان حتى أوصلته إلى اليأس والقنوط كشفها الله عز وجل، كم من إنسان أصيب بمرض حتى وصل إلى حافة القبر ثم شفاه الله، وكم من إنسان أصيب بالفقر حتى وصل إلى ألَّا يجد قوت يومه وليلته أغناه الله، وكم من إنسان كان وحيدًا فرزقه الله، وهلم جرًّا؛ لأن الله على كل شيء قدير.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تمام سلطان الله عز وجل، وأنه سبحانه وتعالى هو المتصرف كما يشاء بعباده؛ لقوله: ﴿إِنْ يَمْسَسْكَ﴾ بكذا، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ﴾ بكذا.

* ومنها: عموم قدرة الله؛ لقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، يقابل القدرة العجز، وهنا صفتان متشابهتان أو متقاربتان؛ القوة والقدرة، والفرق بينهما يحصل بالتعريف، القدرة: التمكن من الفعل بلا عجز، والقوة: التمكن من الفعل بلا ضعف؛ والدليل قول الله تبارك وتعالى في القدرة: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤]، والدليل للقوة قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم ٥٤]، أيهما أكمل أو أيهما أعمُّ؟

نقول: أما القوَّة فهي أعمُّ؛ لأنها تكون في ذي الشعور وغيره؛ ذي الشعور يعني: في ذي الإرادة وغيره؛ فتقول: فلان قويٌّ، وتقول: الحديد قويُّ، وأما القدرة فإنها لا تكون إلا من ذي الإرادة؛ إذ لا يصح أن تقول: الباب قادر؛ لأنه ليس له إرادة، أيهما أكمل؟

القوة أكمل؛ لأنه يلزم من وجود القوة القدرة ولا عكس، ونضرب مثلًا لهذا برجل قيل له: احمل هذا الجحر، فحمله لكن بمشقة، بماذا نصف هذا الرجل؟ بأنه قادر غير قوي، وإنسان آخر قلنا له: احمل هذا الحجر، أراد أن يحمله فعجز، نقول: هذا عاجز غير قادر، ورجل ثالث قلنا: احمل هذا الحجر، فأخذه وكأنه ريشة، هذا قويٌّ، وهل هو قادر؟ نعم، من باب أولى.

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ فالله قادر عليه، حتى وإن بَعُدَ في ذهنك فالله قادر عليه؛ ولهذا نبَّه الله تبارك وتعالى زكريا حين قال: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم ٨] قال الله له: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم ٩] قال: لا، أنا خلقتك من قبل ولم تك شيئًا، قادر على أن يخلق لك ولدًا، أليس كذلك؟

وهذا قياس أولوية واضح أو على الأقل قياس مِثْلِيٌّ واضح، فالقادر على العدم قادر على الإيجاد، والقادر على الإيجاد قادر على العدم.

إذن يا أخي، لا تستكثر أن تسأل الله تبارك وتعالى شيئًا لا تكون فيه معتديًا في الدعاء، ولو كان في نظرك بعيدًا؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير.

6:18Page 129

وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ١٨

And He is the subjugator over His servants. And He is the Wise,1 the Aware.2

ثم قال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام ١٨].

﴿هُوَ﴾ الضمير يعود على الله عز وجل، ومرجعه ما سبق من الآية.

﴿الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ القاهر هو الغلبة مع السلطان يعني السلطة؛ لأن الغالب المطلق قد لا يكون له سُلْطة، لكن قهر الله عز وجل غلبة مع سلطة تامة.

وقوله: ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ هل المراد فوقية المكانة أو فوقية المكان أو هما جميعًا؟ نعم، هما جميعًا؛ فوقية المكان وفوقية المكانة؛ وعليه فيكون المعنى هو القاهر فوق عباده؛ من حيث المعنى لا يمكن أن تغلبه قُوَّةٌ، ومن حيث المكان أنه فوق كل شيء.

وقوله: ﴿عِبَادِهِ﴾ جمع عبد، والمراد به هنا العبودية العامة التي تشمل المؤمن والكافر؛ لأن العبودية ثلاثة أقسام: عامة، وخاصة، وأخص؛ العامة: هي عبودية أن جميع المخلوقات كلها ذليلة أمام الله عز وجل فهي عابدة، قال الله عز وجل: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، الخاصة: هي عبودية المؤمنين كما في قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣]، العبودية التي أَخَصُّ: هي عبودية الرسل قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات ١٧١ - ١٧٣]؛ فهنا ثلاثة أقسام، الأخ يبينها لنا بارك الله فيك هنا ﴿الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ هي العامة أو الخاصة؟

* طالب: العامة.

* الشيخ: العامة، واعلم أن الخاصة تدخل في العامة؛ بمعنى أنهم عباد لله العبودية القدرية والعبودية الشرعية.

إذن ﴿الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ المراد عبودية القدَر؛ كلٌّ خاضع لله عز وجل لو كان من أقسى عباد الله فهو عبد لله، ففرعون مثلًا عَبْدٌ لله بالمعنى العام، وموسى عبد لله بالمعنى العام والخاص.

فالعبودية الشرعية خاصَّة، والعبودية القدرية الكونية عامَّة.

﴿فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ﴿الْحَكِيمُ﴾ تصحُّ أن تكون بمعنى مُحكِم؛ والشاهد على مجيء (فَعِيل) بمعنى (مُفْعِل)، بل الشواهد كثيرة؛ منها قول الشاعر:

أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِيهُجُــــــــــــــوعُ

(الدَّاعِي السَّمِيعُ) ولّا المُسْمِع؟ ليس المعنى السامع؛ لأنه داعٍ، (السميع) يعني المسمع.

............................ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِيهُجُـــــــــــــــــوعُ

و(حكيم) أيضًا بمعنى حاكم؛ إذن هي مشتقة من الحِكمة ومن الحكم، والدليل على هذا -على أنها من (الحكم)- قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]، وأما من (الحكمة) فكما في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨] والجواب: بلى.

إذن ﴿الْحَكِيمُ﴾ مشتقة من الإحكام والحكم؛ فإذا كان مشتقًّا من الإحكام فهي بمعنى مُحكِم، وإذا كانت من الحكم فهي بمعنى حاكم، والله تبارك وتعالى موصوف بهذا وهذا.

ثم اعلم أن الحكم كونيٌّ وشرعيٌّ؛ من الكوني قول الله تعالى عن أخي يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠] أي: يُقَدِّر لي، هذا حكم قَدَرِيٌّ.

وأما الشرعيُّ فمنه قول الله تبارك وتعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠].

إذن الحكم نوعان: كوني، وشرعي؛ مثال الكوني قول الله تعالى عن أخي يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠]، ومن الشرعي قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠] أي: شَرْعُه، حكم شرعي.

فإن قال قائل: ما الفرق بينهما؟

قلنا: الفرق بينهما من وجهين؛ الأول أن الحكم القدري لا بد أن يقع إذا حكم الله تعالى بشيء حكمًا قدريًّا فلا بد أن يقع؛ حَكَم سبحانه وتعالى بالخوف لا بد أن يقع الخوف، بالجدب لا بد أن يقع الجدب، بالرخاء لا بد أن يقع الرخاء، وهلم جرًّا.

الحكم الشرعي إذا حكم بشيء قد يُنَفَّذ وقد لا ينفذ؛ فإذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة ١٧٣] فهل نقول: إن هذه الآية تدل على أنه لا يمكن أن يأكل الميتة أحد؟ لا، قد يأكل وقد لا يأكل.

الفرق الثاني: أن الحكم الشرعي سواء كان إيجابًا أو تحريمًا لا يكون إلا فيما يرضى الله عز وجل، لا يمكن أن يأمر الله عباده بما يكرهه ولا أن ينهاهم عما يحبه.

الحكم الكوني يكون فيما يحبه ويرضاه، وفيما يكرهه ويُسخطه، هذا هو الفرق، انتهينا من الكلام على الحكم.

الحكمة نوعان: حكمة وهي أن يكون الشيء على هذه الصورة المعينة، حكمة أخرى: أن يكون هذا الشيء لغاية محمودة، الأولى حكمة صورية، الثانية غائية، فإذا تأملت المخلوقات كلها وجدت أنها في غاية الحكمة: شمس، وقمر، نجوم، رياح، أمطار، وهكذا كلها لحكمة، وإذا نظرت الغاية منها وجدتها غاية حميدة مطابقة للحكمة.

كذلك أيضًا الشرع إذا تأملت الشرائع وجدت كون هذا الشيء على صورة معينة حكمة، وكونه لغاية حميدة حكمة؛ في الزكاة مثلًا نجد الزروع ما سقي بالمؤونة، كم فيه؟ نصف العشر، وما سُقِي بلا مؤونة العشر، ليش اختلف؟ لأن الواقع يقتضي ذلك؛ ما سقي بالمؤونة تَعِبَ عليه صاحبه وأنفق مالًا كثيرًا في استخراج الماء، وذاك لم يكن عليه هذا.

كذلك إذا تأملت الحكمة في الزكاة أيضًا؛ وجدت أن المال القليل لا تجب فيه الزكاة، لأنه لا يحتمل المواساة بخلاف الكثير، ووجدت ما يشقُّ إخراج الزكاة عنه لا تجب فيه الزكاة كالثياب والمراكب والبيوت وما أشبهه.

طيب، ما الحكمة من الزكاة؟ الآن عرفنا أن الزكاة على صورة معنية حكمة، لكن ما الحكمة من الزكاة؟

اسمع ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة ١٠٣] هذا أفضل شيء؛ تطهرهم من الذنوب؛ لأن الصدقة تطفئ الخطيئة.

﴿تُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ أي: تزكِّي أخلاقهم ودينهم، تزكِّي دينهم؛ لأنه يبذل ما يحب فيما يحب الله عز وجل، ولا يمكن أن يبذل الإنسان محبوبًا إلا لما هو أحب، كذلك تزكي أخلاقهم بالكرم والسخاء والرخاء.

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن من أسباب انشراح الصدر الصدقة والبذل، وهذا معنى خفيٌّ؛ كلما كان الإنسان أشدَّ بذلًا للمال كان أوسع صدرًا لا سيما إذا كان يؤمن بأنه يقربه إلى الله عز وجل، وأنه يُكَفِّر سيئاته، وما أشبه ذلك.

المهم الآن (الحكم) و(الإحكام)؛ الحكم كوني وشرعي، الإحكام صوري وغائي، وتكون أيضًا الحكمة في المشروعات وفي المخلوقات.

﴿الْخَبِيرُ﴾ يعني: ذا الخبرة، قال أهل العلم: والخبرة هي العلم ببواطن الأمور، مشتقة من خبير الزرع الذي يدفنه في الأرض ويكون خفيًّا، ولهذا يمر عليكم في الحديث أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «نهى عن الْمُخَابَرَة»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٣٨١)، ومسلم (١٥٣٦ / ٨١) من حديث جابر بن عبد الله.]] يعني: المزارعة التي تشتمل على الغرر.

إذن ﴿الْخَبِيرُ﴾ يعني: العليم ببواطن الأمور -جل وعلا- حتى إن الله قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦] الذي يُحدِّث به نفسَه يعلمه الله عز وجل قبل أن يحدِّث به لسانه، وقبل أن يعلم به إخوانه.

﴿الْخَبِيرُ﴾ إذن ذو الخبرة وهي العلم ببواطن الأمور، هل نقول: إذا كان خبيرًا لزم أن يكون عليمًا؟

نعم، يلزم أن يكون عليمًا، وقرن الله تعالى هنا بين (الحكيم) و(الخبير) ليعلم الناس أن حكمة الله عز وجل عن خبرة وعلم ببواطن الأمور؛ وعلى هذا فقد تكون خفيَّة على كثير من الناس؛ لأنه لا يدرك الحكمة إلا من كان خبيرًا.

ففي قَرْن هذين الاسمين فائدة؛ وهي أن الخبرة قد تكون خفيَّة لا يعلمها إلا الله عز وجل؛ ومن ثَمَّ قلنا: إن جميع أوامر الشرع ونواهيه حكمة، ولا حاجة أن نعرف العلَّة؛ لأنا نعلم أن الله حكيم عز وجل، وأنه ما شرعه إلا لحكمة فلا حاجة، وما موقفنا من الأوامر والنواهي إلا أن نقول: سمعنا وأطعنا.

إن تيسَّر لنا معرفة الحكمة فهذا مِنَّة من الله عز وجل ومساعدة ومعونة من الله حتى يطمئن القلب ويقوى الإيمان، وإن لم تتبين فالمؤمن يكفيه أن هذا حكم الله عز وجل؛ ولذلك ربما تكون العبادة التي تخفى حكمتها أبلغ في التعبد؛ لأن الشيء إذا عَلِمْت علَّتَه قد يكون عقلك يأمرك به، لكن إذا كنت لا تعرف العلة فإن تَذَلُّلَك لله به وعبادتك إياه أبلغ في التذلُّل، مثلًا رمي الجمرات؛ حصى تأخذها من الأرض ترمي بها في مكان معين، فالإنسان قد يعلم العلة، وقد لا يعلم أكبر علة فيها أنها ذكر لله عز وجل، كما جاء في الحديث «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ»[[أخرجه أبو داود (١٨٨٨)، وأحمد (٢٤٣٥١) من حديث عائشة.]] فهذا كمال التعبد، إنسان عاقل مؤمن فاهم ذكي يأخذ حصيات ويرميها في مكان معين، هذا لولا أنه مشروع لقيل: إنه عبث، لكنه في وقته ومكانه مشروع لأنه أيش؟ فيه كمال التعبد والتذلل لله، وأن المؤمن يقول: سمعنا وأطعنا، مع أن فيه ذكرًا لله في القلب وهو كمال التذلل والتعبد، وفيه ذكر الله باللسان؛ لأن يُشْرَع في كل حصاة ترميها أن تقول: الله أكبر.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском