Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:3–6
6:3Page 128
وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ يَعۡلَمُ سِرَّكُمۡ وَجَهۡرَكُمۡ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُونَ ٣
And He is Allāh, [the only deity] in the heavens and the earth. He knows your secret and what you make public, and He knows that which you earn.
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام ٣].
قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿اللَّهُ﴾ علَم على الرب عز وجل، لا يكون لغيره، وهذا متفق عليه بين المسلمين.
وهو علَم مشتق من أين؟ من الألوهية، وأصله (الإله)، واعلم أن جميع أسماء الله مشتقة كما هو ظاهر ما فيه اسم جامد لله عز وجل أبدًا.
وقوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ متعلقة بالاسم؛ لأننا قلنا لكم الآن: إن هذا الاسم مشتق، والمشتق يحوز التعلق به كما قال ناظم القواعد؛ قواعد الجمل:
لَا بُـــــــــدَّ لِلْجَــــــار مِــــــــنَالتَّعَلُّـــــــــقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوُمُرْتَقِـــــــــــــــــــي
إذن ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ متعلقة بلفظ الجلالة؛ لأنها مشتقة، والمشتق يجوز تعلق الجار والمجرور به، ولكن ما معنى ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾؟
المعنى أنه على السماوات، وليس المراد أنه فيها وهي محيطة به؛ لأن هذا مستحيل؛ فالله تعالى أكبر من كل شيء، أو نقول: إن المراد المعنى ليس الذات؛ المعنى بمعنى أنه مألوه في السماوات يتألّه إليه أهل السماء.
وقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ الواو حرف عطف و﴿الْأَرْضِ﴾ معطوفة على السماوات، فيكون المعنى الله في السماوات وفي الأرض؛ أي: مألوه أيش؟ في السماوات وفي الأرض، فتكون هذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف ٨٤].
وعلى هذا التفسير لا إشكال فيه أن الله تعالى إله في السماوات وفي الأرض أيضًا.
وذهب بعضهم إلى أن الآية فيها وقف على السماوات، وهذا على جعل الله علمًا على الذات دون المتعبّد لله؛ يعني معناه أن الله في السماوات كقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك ١٦].
ثم استأنف فقال: ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ فتكون ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلقة بما بعدها بقوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾؛ أما على الوجه الأول فمعنى الآية ظاهر أن الله مألوه في السماوات ومألوه في الأرض، كما أنه خالق السماوات والأرض فهو مألوه في السماوات والأرض، ويراد بذلك إثبات الألوهية في السماوات والأرض كما ثبتت أيش؟ الربوبية؛ لأن الخلق من مقتضيات الربوبية، هذا لا إشكال فيه.
المناسبة على القول الثاني أن المعنى أن الله ذاته لا من يألهه، أن الله ذاته في السماوات، فيكون المناسبة أنه ليس كونه في السماوات مع بعدها الشاسع بمانع عن علمه بِكُم وأنتم في الأرض، فهو في السماوات، ومع ذلك في الأرض يعلم سركم وجهركم، فهمتم الفرق بين المعنيين؟
المعنى الأول؛ وهو الله في السماوات وفي الأرض أن ألوهيته ثابتة في السماوات وفي الأرض؛ بمعنى أن من في السماوات يتألهه، ومن في الأرض يتألهه، نظيرها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف ٨٤].
المعنى الثاني يقول: إن الله نفسه في السماوات؛ أي: عليها، ومع ذلك يعلم سركم وجهركم في الأرض فليس بُعده بمانع من علم السر والجهر منكم في الأرض.
إذن المعنى الثاني ما فيه ذكر للألوهية، لكن فيه ذكر للإحاطة إحاطة الله بنا عز وجل وإن كان في السماوات.
وهذا يفسّره قول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة ١]، أين التحاور الذي وقع؟
في الأرض، والله تعالى في السماء، فتكون هذه الآية آية ﴿قَدْ سَمِعَ﴾ كالتفسير لقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾.
وقوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ أي: ما في الصدور، والإسرار نوعان؛ إصرار في النفس، وإسرار مع الغير؛ فمثلًا إذا حدّث الإنسان نفسه بشيء في نفسه هذا إسرار مع النفس، وإذا حدث غيره سرًّا لا يسمعه من بجانبه، فهذا إسرار مع الغير، ولهذا نسمي القراءة في الظهر والعصر مثلًا نسميها أيش؟ سرية، مع أنه ينطق الإنسان ويُسمع نفسه، ومع ذلك نسميها سرًّا، ونسمي ما حدَّث به الإنسان نفسه، نسميها سرًّا؛ إذن فالسر يشمل المعنيين جميعًا، يعلم ما نُسر في نفوسنا ولا نظهره لأحد، وما نخبر به الغير على وجه خفي لا يسمعه الآخرون.
﴿وَجَهْرَكُمْ﴾ أي: ما تجهرون به وتعلنونه.
﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ يعني يعلم كسبكم من خير وشر ودين ودنيا، وعلم وغيره، كل ما يحصل فالله عالم به جل وعلا، لا يخفى عليه، نسأل الله أن يعاملنا بعفوه.
* الطالب: كما يقال، الذين يقولون: إن الله موجود في كل مكان، يستدلون بمثل هذه الآية، وبمثل قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة ٧]، وبقول النبي ﷺ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوْ سَاجِدٌ»[[أخر جه مسلم (٤٨٢ / ٢١٥) من حديث أبي هريرة.]] بمثل هذه الأدلة يقولون: إن الله في كل مكان، فكيف نرد عليهم؟
* الشيخ: نعم، نرد عليهم بكل سهولة: أولًا نقول: أنتم الآن اتبعتم المتشابه؛ يعني أن في الآيات احتمالًا لما قالوا فهو متشابِه، وتركتم الآيات المحكمات في أن الله تعالى بائن من خلقه فوق خلقه، تركتموها فأنتم من القسم الثاني ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٧]، فإذا قالوا مثلًا هذه الآية، نقول: هي مثل قول الإنسان، فلان أمير في مكة والمدينة؛ يعني أن إمرته ثابتة في مكة والمدينة، وليس المعنى أن هو نفسه في مكة والمدينة؛ لأن هذا مستحيل، أليس كذلك؟
إذن ألوهية الله في السماوات وفي الأرض، وليس هو في السماوات ولا في الأرض، تمام؟
أما المعية فالمعية نقول: إنه لا تتنافى مع العلو حتى في المخلوقات ما تتنافى مع العلو؛ فاللغة العربية يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا، أو ما زلنا نسير والقطب معنا، وهو كلام سائغ رائج، فيكون معنى أن الله معنا يعني أنه مُطّلع علينا وإن كان بعيدًا، فإذا كان يمكن اجتماع العلو والمعية بحق المخلوق فاجتماعهما في حق الخالق من باب أوْلَى.
* الطالب: الله موجود في كل الوجود مسألة (...).
* الشيخ: في كل الوجود؟ حرام؛ أولًا: لأن الله في كل الوجود ما يستقيم هذا، إلا إذا أرادوا بالوجود اللي هو المعنى أرادوا اسم المفعول، فيكون الله موجود في كل موجود هو مذهب الحلولية تمامًا.
* الطالب: شيخ -بارك الله فيكم- كيف نرد على الصوفية الذين يقولون: إذا قلتم: إن الله عز وجل مستوٍ على العرش فأين هو قبل ذاك؟ (...) في الأرض؟
* الشيخ: لا، الصحابة سألوا الرسول فقال: «كَانَ فِي عَمَاءٍ»[[أخرجه الترمذي (٣١٠٩)، وابن ماجه (١٨٢) من حديث أبي رزين.]] والعماء يعني الغيم الخفيف؛ هو السحاب الخفيف.
* الطالب: في السماء يعني؟
* الشيخ: في السماء، وهؤلاء كلهم الذي يحملهم على هذا هو أنهم ظنوا أن الرب عز وجل تحيط به المخلوقات، وأنه مثل الإنسان، لكن لو قدروا الله حق قدره، وعلموا أن الرب عز وجل أكبر من كل شيء، ولا يمكن لأحد أن يتصوره، ولهذا قال بعض أهل العلم عبارة طيبة قال: تفكّروا في آيات الله، ولا تتفكروا في ذات الله.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام ٣ - ٦].
* الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾، فما الجمع بين هذه الآية الكريمة وبين قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق ٥، ٦]؟
* طالب: قلنا: الطين خلق منه آدم.
* الشيخ: من ماء دافق؛ يعني هذا باعتبار الأصل، الطين باعتبار الأصل، وهذا باعتبار الفرع المتولّد من الأصل.
ما الجمع بين قوله هنا تبارك وتعالى: ﴿مِنْ طِينٍ﴾ وقوله في آية أخرى: ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران ٥٩]؟
* الطالب: أن التراب إذا صُبّ عليه الماء يكون صلصالًا.
* الشيخ: صار طينًا.
* الطالب: نعم.
* الشيخ: يعني معناها أن التراب هو الأصل، فإذا صُبّ عليه الماء صار طينًا، فإذا بقي مدة صار صلصالًا.
هل يمكن التعارض بين آيتين قطعيتي الدلالة؟ أجب؟
* طالب: لا يمكن.
* الشيخ: ويش هو اللي ما يمكن؟
* الطالب: التعارض بين آيتين قطعيتي الدلالة ما يمكن.
* الشيخ: لا يمكن، لماذا؟
* الطالب: لأنه إذا حصل تعارض آيتين قطعيتي الدلالة يكون تعارضًا بين الأحكام من الله سبحانه وتعالى، وهذا لا يكون.
* الشيخ: يكون جمعًا بين النقيضين، وهذا مستحيل. طيب، لو ورد على إنسان مثل هذا؛ يعني ظن التعارض بين آيتين قطعيتي الدلالة؟
* طالب: يكون قصورًا في فهمه.
* الشيخ: نعم، نقول: هذا دليل على قصور فهمه أو علمه، فعليه أن يرجع مرة ثانية للتدبر حتى يتبين له أنه لا تعارض؛ لأن الله قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ألوهية الله ثابتة في السماوات والأرض، يألهه من في السماوات ومن في الأرض؛ لقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تبارك وتعالى يعلم السر والجهر، يعلم ما يسر به الإنسان وما يجهر به، والإسرار تارة يكون إسرارًا في النفس، وتارة يكون إسرارًا مع الغير بصفة خاصة، والجهر هو الإعلان الذي لا يخفى؛ فالله يعلم السر سواء مع النفس أو مع الغير بصفة خاصة أو الجهر.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: عموم علم الله تبارك وتعالى؛ عموم علمه؛ لأن قوله: سرّكم يشمل كل أحد، وقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه ٩٨] والآيات في هذا المعنى كثيرة.
* ومنها: ما يترتب على إيماننا بأن الله يعلم السر والجهر مع إيماننا بهذا يقتضي ألا نخالف أمر الله عز وجل بترك واجب، أو فعل معصية؛ لأننا نعلم أن الله تعالى يعلمه، ولو لم يثمر العلم هذه الثمرة الجليلة لكان علمنا لا فائدة منه.
وانتبه لهذه المسألة؛ إن كثيرًا من الناس لا يعتني بالفوائد المسلكية المترتبة على أسماء الله وصفاته، وهذا أمر لا بد منه، هذا هو الثمرة، فإذا علمت أن الله يعلم سرك وجهرك استحييت منه فلم تترك ما وجب، ولم تفعل ما يحرم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: علم الله تبارك وتعالى بما يكسب؛ أي: بما يكسبه من الأعمال سواء كان كسبًا دنيويًّا أو كسبًا أخرويًّا، فإن الله تعالى يعلمه، لا يخفى عليه، ويترتّب على هذه الفائدة ألا نكسب شيئًا حرّمه الله علينا.
6:4Page 128
وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٤
And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they turn away therefrom.
ثم قال عز وجل: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام ٤] (ما) نافية.
وقوله: ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة إعرابًا وليست زائدة معنى؛ لأن لها معنى؛ وهو توكيد النفي؛ فإنها تحوّل النفي الذي يحتمل العموم والخصوص إلى كونه للعموم، فهي تحوّل الجملة المنفية إلى نص في العموم، مثل (لا) النافية للجنس فإنها نص في العموم.
كيف نعربها إذا قلنا: إن ﴿مِنْ﴾ زائدة إعرابًا؟
نقول: ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد إعرابًا، و﴿آيَةٍ﴾ فاعل (تأتي) مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بأيش؟ بحركة الحرف الزائد، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِير﴾ [المائدة ١٩] فإن ﴿مِنْ﴾ زائدة إعرابًا، و﴿بَشِيرٍ﴾ فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
وقوله: ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ الآية هي العلامة، لكنها أخص من العلامة؛ لكونها نصًّا في الدلالة، العلامة قد تكون أقل من ذلك، لكن الآية نص في أنها علامة على ما جاءت من أجله، وآيات الله عز وجل تنقسم إلى قسمين؛ كونية، وشرعية كما سيأتي -إن شاء الله- في الفوائد.
﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ هنا لبيان الجنس وليست كالأولى؛ فهي لبيان الجنس؛ لقوله: ﴿مِنْ آيَةٍ﴾؛ لأن الآية قد تكون من عند الله، وقد تكون من عند غيره، لكن من آيات ربهم.
وقوله: ﴿رَبِّهِمْ﴾ أي: خالقهم، ومالكهم، ومدبرهم؛ لأن الربوبية تشمل هذه المعاني الثلاثة؛ وهي خالِق ومالِك ومدبّر، هذه الذي تقتضيه الربوبية.
﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ ﴿إِلَّا﴾ هذه إثبات للنفي؛ يعني ما تأتيهم إلا كانوا عنها معرضين؛ معرضين عن تدبرها، وعمَّا تدل عليه، فكأنهم لم يروا الآيات؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧] إذن معرضين عنها بأيش؟ بوجوههم أو بقلوبهم؟
الجميع، يشمل هذا وهذا، قد يقال له: تعالَ انظر آية الله فيُعرض ولا ينظر، وقد يرى، ولكن يُعرض عن التأمل في القلب؛ لأنه -والعياذ بالله- محجوب عن الخير، فلا يحب أن يصل إليه.
* في هذه الآية من الفوائد: بيان عتو هؤلاء المكذبين؛ وجه ذلك أنه لا تأتيهم أي آية إلا كانوا عنها معرضين، وقد طلبت قريش من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم آية، فأراهم انشقاق القمر؛ أشار إلى القمر انفلق فرقتين[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٣٦)، ومسلم (٢٨٠٠ / ٤٤) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، وشاهده الناس، وقد أشار الله إليه في قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر ١]، وهو انشقاق حسي، والمراد بالقمر القمر المشاهَد المعروف.
وقد أنكر الفلاسفة وعلماء الفلك أن القمر انشق، وقالوا: لا يمكن؛ لأن الأجرام السماوية لا يمكن فيها التفكّك، فهل نقبل قولهم ونرد الأحاديث الصحيحة المشهورة المستفيضة، أو نرد قولهم؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: الواجب على المؤمن الثاني؛ أن يرد كل قول يخالف الكتاب والسنة مهما كان قائله، فهو سبحان الله كيف نقول: يستحيل أن تتغير الأجرام السماوية والذي يغيرها من؟ الله عز وجل، خالقها، يفعل ما يشاء وهو انشقاق حسي للقمر المعلوم الحسي، وليس كما قال علماء الفلك، وحرّفوا من أجله الكتاب والسنة، وقالوا: إن أخبار الانشقاق أخبار أحادية تحتمل التأويل أو الرد، وأما القرآن فمعنى انشق القمر أي بان نور النبوة، وهذا غلط، ما هو صحيح.
فإن قال قائل: قريش رأت هذه الآية، والله سبحانه وتعالى قضى بأن من أُوتوا الآية التي يطلبونها ولم يؤمنوا أهلكهم، فكيف لم يهلك الله قريشًا؟
* طالب: لم يطلبوا الآية نفسها.
* الشيخ: نعم، الجواب عن هذا أن الذين يهلكون هم الذين يطلبون آية معينة، فإذا أتوا بها وكفروا بها أهلكهم الله؛ لأنهم يكونون متحدين لله عز وجل، وأما من يطلب آية عامة وتُعيَّن من قِبل الله، فهؤلاء لا يهلكون.
ويحتمل وجهًا آخر؛ أن نقول: إن هذا العموم يجوز أن يُخصّص، فيكون الله سبحانه وتعالى لم يُهلكهم؛ لأن الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما جاءه ملك الجبال يقول له: «إِنْ شِئْتَ أَطْبَقْتُ الْأَخْشَبَيْنِ عَلَيْهِمْ» وهما الجبلان العظيمان المحيطان بمكة، ولكن النبي ﷺ قال: «لَا أَسْتَأْنِي بِهِمْ فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥ / ١١١) من حديث عائشة.]]. ويكون عدم إهلاك قريش لما يعلمه جل وعلا من أن هؤلاء سيكون من أصلابهم المخلصون لله المجاهدون في سبيل الله، وقع هذا أو لم يقع؟
* طلبة: وقع.
* الشيخ: وقع بلا شك، فإما أن يكون الجواب كما قال الأخ، وإما أن يكون الجواب ما ذكرناه.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى حكيم رحيم، وذلك لكونه يأتي بالآيات للخلق، فإن هذا من الحكمة الواضحة؛ لأنه ليس من المعقول أن يأتي رجل ويقول للناس: إنه رسول، ويستبيح دماء من لم يُؤمن به وأموالهم وذرياتهم ونساءهم بدون أن يكون هناك آية تدل على صدقه؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ» - يَعْنِي بَعَثَهُ اللَّهُ- «إِلَّا آتَاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٨١)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) من حديث أبي هريرة.]]. لا بد، هذه من جهة الحكمة.
من جهة الرحمة؛ أن الله رحم الخلق بكونه إذا أرسل إليهم الرسل آتاهم الآيات الدالة على صدقهم، ولو شاء لأرسل رسلًا بدون آيات، ثم من كذب أخذه، لكن تأبى حكمته ورحمته أن يرسل رسلًا بلا آية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية للكفار؛ لقوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾، وهذه الربوبية العامة، وربوبية الله عز وجل تنقسم إلى عامة وخاصة، فربوبيته لأوليائه خاصة، ولأعدائه وأوليائه جميعًا عامة بإزاء ذلك العبودية تنقسم إلى أيش؟ عامة وخاصة؛ فالعامة كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، والخاصة مثل قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١] والأمثلة كثيرة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: خطر الإعراض عن الآيات، وأنه يُخشى على مَن أعرض عن الآيات ألا يهتدي لها؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾.
ويدل لهذا -أي لخطر الإعراض عن الآيات- قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]، والكاف هنا للتعليل ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، وهذه مسألة خطيرة في الواقع، يجب على طالب العلم أن يجعلها نصب عينيه، إذا كان يمشي على طريق معين، وجاءت النصوص دالة على خلافه، فإن بعض الناس قد يتلكأ ويحاول أن يحرّف النصوص التي تخالف طريقه، وهذا خطر عظيم، بل الواجب على المؤمن أن يستسلم للنصوص من حين أن تأتيه كما كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون هذا، مجرد ما يأمر الرسول بشيء يفعلونه، مجرد ما ينهى عن شيء يتركونه، فكون الإنسان يتلكأ أول ما يأتيه الحق خطر عظيم، والآية واضحة في سورة الأنعام: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام١١٠]، وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٩].
6:5Page 128
فَقَدۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَسَوۡفَ يَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٥
For they had denied the truth when it came to them, but there is going to reach them the news of what they used to ridicule.1
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام ٥].
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾ الفاء عاطفة، و(قد) تفيد التحقيق، في الفعل الماضي هو الأغلب أنها تفيد التحقيق، في الفعل المضارع الأغلب أنها تفيد التقليل؛ كقولهم: قد يجود البخيل، وقد يصدق الكاذب، لكنها قد تأتي للتوكيد حتى في المضارع، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب ١٨]. فـ(قد) هنا أيش؟ للتوكيد لا شك، لكنها تفيد الاستمرار؛ أي: قد يعلم هذا في الحاضر والمستقبل.
قوله هنا: (قد كذبوا) للتحقيق.
﴿كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ الحق ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، فكله حق؛ لأنه من عند الله، والحق هو الشيء الثابت؛ إن كان خبرًا فبوقوعه وإن كان حكمًا فبثبوته، وضده الباطل؛ ففي الأخبار الباطل فيها الكذب، وفي الأحكام الباطل فيها ما خالَف الشريعة هنا، كذبوا بالحق لما جاءهم نقول: الحق ما جاءت به الرسل من أخبار صادقة وأحكام عادلة.
﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (حين)؛ أي: حين جاءهم، واعلم أن ﴿لَمَّا﴾ لها معانٍ؛ فتأتي بمعنى (حين)، فتكون ظرفية كما في الآية، وتأتي شرطية فتشارك (إن) في الشرط، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس٧٦]، فهي شرطية، وتأتي بمعنى (إلا) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤]؛ يعني إلا عليها حافظ، وتأتي نافية تجزم الفعل المضارع، كما في قول الله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨] بمعنى أيش؟ بمعنى (لم)، لكنها تفيد قرب مدخولها ليست (لم) للنفي المطلق، أما (لما) فإنها للنفي، لكنها تفيد قُرب مدخولها، تقول مثلًا: فلان لم يقم، هذا نفي مطلق، وتقول: لَمّا يقم فلان، هذا نفي؛ يعني إلى الآن ما قام، لكنه سيقوم عن قُرب.
في الآية الكريمة التي نقرؤها الآن: ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾، ماذا نعربها؟
ظرف بمعنى (حين)، وفي هذه الحال تكون مبنية؛ لأنها حرف في الواقع، ما هي مشابهة للحرف، وأصل البناء -كما عرفتم- هو مشابهة الاسم للحرف، لكن هذه نفسها حرف، فتكون ظرفًا، لكنها مبنية على السكون في محل نصب بمعنى (حين).
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ﴾ الفاء عاطفة، ويحتمل أن تكون للسببية أيضًا. ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: سوف يأتيهم الْمَخْبَر الذي أخبروا به، الأنباء أتتهم من قبل، لكن المراد يأتيهم عقوبة الأنباء التي كانوا يستهزئون بها.
﴿أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: يتخذونه هزوًا ولعبًا وضحكًا، وكما نعلم جميعًا أن الكفار يتخذون الدين هزوًا، وأنهم يتخذون أهل الدين هزوًا أيضًا، أليس كذلك؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة ٦٥]، وقال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين ٢٩ - ٣١].
فقوله: ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يشمل استهزاءهم بالدين، واستهزاءهم بالرسل وبأتباعهم، بل وبالله عز وجل سيجدون هذا. نرجع إلى الفوائد.
* من فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء مع تواتر الآيات عليهم كذبوا بالحق ولم يستجيبوا له، والتكذيب بالحق بعد مجيئه أشد من التكذيب به قبل أن يأتي بحيث يسمع الإنسان عنه، ولكنه لم يتأكد، فإن هذا الذي أتاه الحق وكذَّب به يكون تكذيبه أعظم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الحكم لمن قامت عليه الحجة بمجيء الحق إليه، وأما من لم يعرف الحق فإنه على قسمين تارةً يدين بدين الحق، لكنه لا يعرفه، وتارة يدين بدين الباطل، ولا ينتسب لدين الحق.
الأول: الذي يدين بالباطل، لكنه ينتسب لدين الحق، فيصلي، ويُزكّي، ويصوم، ويحج، لكنه يستغيث بالأموات، هذا نقول: إنا لا نحكم بإسلامه إذا لم تقم عليه الحجة.
والآخر: لا يدين بدين الإسلام أصلًا، هو لم تبلغه الحجة، ولم يدرِ أنه على ضلال، لكنه يدين بدين غير الإسلام، فكيف نعامله؟
نعامله بأنه كافر؛ ولهذا لو مات أحد الآن لم تبلغه الدعوة من غير المسلمين فإننا لا نصلي عليه، ولا نترحم عليه؛ لأنه يدين بدين غير الإسلام، لكنه في الآخرة أمره إلى الله عز وجل، أما لو كان مسلمًا يدين بدين الإسلام، ويقول: أشهد أن لا إله الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، لكنه يأتي شركًا أكبر لا يدري أنه شرك أكبر، فهذا نعامله معاملة المسلم، نُغسّله، ونُكفّنه، ونصلي عليه، وندفنه معنا ما دام لم تقم عليه الحجة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن هؤلاء سوف يُمهلون، ولا يأتيهم العذاب؛ لقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ فسّرناها.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء كذبوا بالحق بعد أن جاءهم فيكون تكذيبهم أشد قبحًا وأعظم إثمًا؛ ذلك لقيام الحجة عليهم.
* ومن فوائدها: تهديد هؤلاء بالعذاب؛ لقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن تكذيب هؤلاء مقرون بالاستهزاء؛ إذ إنهم يسخرون: كيف نُبعث وقد كنا عظامًا ورفاتًا؟! ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥] فسيأتيهم هذا أنباء ما كانوا به يستهزئون.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار عندهم عناد والعياذ بالله؛ وذلك أنهم قرنوا كفرهم بالاستهزاء فلم يَسلم الشرع، ولا من جاء بالشرع من استهزائهم.
6:6Page 128
أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ ٦
Have they not seen how many generations We destroyed before them which We had established upon the earth as We have not established you? And We sent [rain from] the sky upon them in showers and made rivers flow beneath them; then We destroyed them for their sins and brought forth after them a generation of others.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ الاستفهام هنا داخل على النفي، الاستفهام (ألم) الهمزة داخلة على النفي، وإذا دخلت الهمزة على النفي صار معناها التقرير كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤]، وكما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]؛ يعني قد شرحنا لك صدرك، وألا يعلم من خلق؛ يعني قد علم من خلق، فإذا أتى حرف النفي بعد همزة الاستفهام فهو للتقرير.
وقوله: ﴿يَرَوْا﴾ يحتمل أن يراد بالرؤية هنا الرؤية العلمية، أو الرؤية البصرية؛ فالبلاد التي مرّوا بها مدمرة رؤيتها أيش؟ بصرية، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨]، والبلاد التي لم يروها لم يمروا بها تكون رؤيتها علمية يتناقلها أهل الأخبار.
وقوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ أي: أتلفنا، و﴿كَمْ﴾ هنا للتكثير؛ يعني أمم أهلكناهم.
﴿مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ القرن، بعضهم حدده بمئة سنة، أو أربعين سنة، وبعضهم حدده قال: المراد بالقرن القوم الذين يهلكون مثلًا في خلال سبعين سنة، ربما يهلك هؤلاء الموجودون ويخلفون غيرهم، وعلّلوا ذلك بمثل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣ / ٢١٢) من حديث عبد الله بن مسعود.]] قرنه وهم الصحابة في حدود المئة هلكوا.
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. قوله: ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾ الضمير يعود على القرن باعتباره جنسًا؛ أي: مكنا هؤلاء القرون في الأرض.
﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ يعني جعلنا لهم ما يتمكنون به، ويثبتون به ما لم نمكن لكم، بل أعظم وأعظم، والسابقون أشد قوة من اللاحقين، وأكثر أموالًا وأولادًا، وعمروا الأرض أكثر مما عمروها.
وقوله: ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ فيه التفات من الغَيْبة إلى؟ أتمّ؟
* طالب: إلى الخطاب.
* الشيخ: نعم، إلى الخطاب، وهو الحضور؛ الالتفات يكون من الغَيْبة إلى الحضور، ومن الحضور إلى الغَيْبة، ومن الإظهار إلى الإضمار، المهم له أنواع، وفائدته تنبيه السامع أو القارئ على ما سيأتي من بعد؛ وجه ذلك أن الكلام إذا كان على وتيرة واحدة انساب الإنسان معه، لكن إذا اختلف توقّف أيش الذي طرأ فيكون هذا الالتفات منبهًا لمن؟
للقارئ والسامع، وهو من أساليب اللغة العربية، والقرآن نزل باللغة العربية: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾.
أو القارئ على ما سيأتي من بعد، وجه ذلك؟ أن الكلام إذا كان على وتيرة واحدة انساب الإنسان معه، لكن إذا اختلف توقف، أيش الذي طرأ؟ فيكون هذا الالتفات منبِّهًا لمن؟ للقارئ والسامع، وهو من أساليب اللغة العربية، والقرآن نزل باللغة العربية.
﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾ [الأنعام ٦]، المراد بـ ﴿السَّمَاءَ﴾ هنا المطر، وعُبِّر عنه بالسماء؛ لأنه ينزل من السماء، و﴿مِدْرَارًا﴾ حال من ﴿السَّمَاءَ﴾، أي: حال كونه مدرارًا يدرُّ عليهم، كلما احتاجت أرضهم إلى الماء نزل الماء.
﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾، ﴿الْأَنْهَارَ﴾ يحتمل أنها أنهار الثلوج التي تتسرب من قمم الجبال، ويحتمل أنها الأودية التي تكون من المطر، وسواء هذا أو هذا لا شك أن الأرض ستكون خصبة، وستأكل منها أنعامهم وأنفسهم.
﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾، ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾: أتلفناهم، ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ (الباء) هنا للسببية، أي: بسبب ذنوبهم، والذنوب بمعنى المعاصي.
﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾، ﴿أَنْشَأْنَا﴾ أي: خلقنا من جديد من بعدهم قومًا آخرين، وهل القوم الآخرون عصوا أو أطاعوا؟ منهم من عصى، ومنهم من أطاع، ولكن الله قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ [المؤمنون ٤٤].
* في هذه الآية الكريمة: تهديد المكذِّبين لرسول الله ﷺ أن يصيبهم ما أصاب الأمم السابقة، وجه ذلك أن الله قرَّر أنهم قد رأوا الأمم التي أهلكت من قبل.
* ومن فوائدها: الاستدلال بالأعلى على الأدنى، وجه ذلك أنهم لما كانوا أقوى من هؤلاء أرسل الله عليهم السماء مدرارًا، وجعل الأنهار تجري من تحتهم، ومع ذلك أهلكهم، فمَن دونهم من باب أولى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عظمة الله سبحانه وتعالى وغيرته، حيث أهلك أولئك القوم مع ما عندهم من القوة والنَّعْمَة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما يحصل من النعم واندفاع النِّقم فإنه من الله عز وجل؛ لقوله: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن الذنوب من أسباب الهلاك، ولكن هل المراد الهلاك الحسي؟ يعني أن يموت الناس، أو يفقدوا الأموال، أو ما أشبه ذلك، أو يشمل الهلاك الحسي والمعنوي الذي هو موت القلوب؟
* طالب: كلاهما.
* الشيخ: كلاهما، يعني يشمل هذا وهذا، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩]، فجعل تولِّيهم من أسباب الذنوب.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تمام قدرة الله تبارك وتعالى وسلطانه، حيث يُهْلِك أقوامًا وينشئ آخرين؛ لأن الأمر أمره عز وجل، والملك ملكه، والسلطان سلطانه، فهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء من إهلاك وإنشاء.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences