Ibn 'UthayminAl‑Mutaffifin · 83:25–36

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Mutaffifin 83:25–36

83:25–26Page 588

يُسۡقَوۡنَ مِن رَّحِيقٖ مَّخۡتُومٍ ٢٥

They will be given to drink [pure] wine1 [which was] sealed.

خِتَٰمُهُۥ مِسۡكٞۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ ٢٦

The last of it1 is musk. So for this let the competitors compete.

ثم قال الله تعالى في بيان ما لهم من النعيم: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ [المطففين ٢٥] إلى آخره.

ونتكلَّم عليه إن شاء الله في الجلسة القادمة.

* * *

(...) ونُكمل سورة المطففين، حيث وقفنا على قول الله تبارك وتعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين ٢٥، ٢٦] الضمير في قوله: ﴿يُسْقَوْنَ﴾ يعني الأبرار، يسقيهم الله عز وجل بأيدي الخدم الذين وَصَفهم الله بقوله: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة ١٧ - ١٩].

﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ﴾ أي: من شرابٍ خالصٍ لا شَوْب فيه، ولا ضرر فيه على العقل، ولا ألَمَ فيه في الرأس، بخلاف شراب الدنيا فإنَّه يغتال العقل ويصدع الرأس، أمَّا هذا فإنه رحيقٌ خالصٌ ليس فيه أيُّ أذًى.

﴿مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: بقيَّته وآخره مِسْك؛ أي: طيِّب الريح، بخلاف خمر الدنيا فإنَّه خبيث الرائحة، فهؤلاء القوم الأبرار لَمَّا حبسوا أنفسَهم عن الملاذِّ التي حرَّمها الله عليهم في الدنيا أُعطوها يوم القيامة.

﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين ٢٦] أي: وفي هذا الثواب والجزاء ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ أي: فليتسابق المتسابقون سباقًا يَصِل بهم إلى حدِّ النفَس، وهو كنايةٌ عن السرعة في المسابقة؛ يقال: نافَسْتُه، أي: سابَقْتُه سِباقًا بلغ بي النفس.

والمنافَسة في الخير هي المسابقة إلى طاعة الله عز وجل وإلى ما يُرضي الله سبحانه وتعالى، والبُعد عمَّا يُسخط الله.

83:27–28Page 588

وَمِزَاجُهُۥ مِن تَسۡنِيمٍ ٢٧

And its mixture is of Tasneem,1

عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا ٱلۡمُقَرَّبُونَ ٢٨

A spring from which those near [to Allāh] drink.

ثم قال عز وجل: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين ٢٧، ٢٨] أي: مِزاج هذا الشراب الذي يُسقاه هؤلاء الأبرار ﴿مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ أي: من عينٍ رفيعةٍ معنًى وحِسًّا؛ وذلك لأنَّ أنهار الجنة تفجَّر من الفردوس، والفردوس هو أعلى الجنة وأوسط الجنة، وفوقه عرش الربِّ عز وجل كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهذا الشراب يُمزج بهذا الطِّيب الذي يأتي من التسنيم؛ أي: من المكان المسنَّم الرفيع العالي، وهو جنة عدن.

﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي إنَّ هذه العين والمياه النابعة والأنهار الجارية يشرب بها المقرَّبون.

وهنا سيقول قائل: لماذا قال: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾؟ هل هي إناءٌ يُحمَل حتى يقال: شَرِب بالإناء؟

فالجواب: لا؛ لأنَّ العين والنهر لا يُحمَل.

إذَنْ لماذا لم يَقُل: يشرب منها المقرَّبون؟

والجواب عن هذا الإشكال من أحد وجهين؛ فمن العلماء مَن قال: إن الباء بمعنى (مِن)، فمعنى ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ أي: يشرب منها.

ومنهم مَن قال: إنَّ ﴿يَشْرَبُ﴾ بمعنى (يَرْوَى)، ضُمِّنت معنى (يَرْوَى)، فمعنى ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ أي: يَرْوَى بها المقرَّبون. وهذا الوجه أحسنُ من الوجه الذي قبله؛ لأنَّ هذا الوجه يتضمَّن شيئين -أي: يُرَجِّحانه- وهما:

أولًا: إبقاء حرف الجر على معناه الأصلي.

والثاني: أنَّ الفعل ﴿يَشْرَبُ﴾ ضُمِّن معنًى أعلى من الشُّرب وهو الرِّيُّ؛ فكم من إنسانٍ يشرب ولا يَرْوَى، لكن إذا رَوِي فقد شرب.

وعلى هذا فالوجه الثاني أحسن، وهو أن يُضَمَّن الفعل ﴿يَشْرَبُ﴾ يعني يَرْوَى.

83:29Page 588

إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضۡحَكُونَ ٢٩

Indeed, those who committed crimes used to laugh at those who believed.

﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩].

﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ أي: قاموا بالجُرم، وهو المعصية والمخالفة ﴿كَانُوا﴾ أي: في الدنيا ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ استهزاءً وسُخريةً واستصغارًا لهم.

83:30Page 588

وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمۡ يَتَغَامَزُونَ ٣٠

And when they passed by them, they would exchange derisive glances.

﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠]. ﴿إِذَا مَرُّوا﴾ الفاعل هل هم الذين أجرموا، أو الذين آمنوا؟

الآية تصلح لهذا وهذا؛ يعني يصح أن يكون: إذا مرَّ المؤمنون بالمجرمين، أو: إذا مرَّ المجرمون بالمؤمنين، والقاعدة التي ينبغي أن تفهموها في التفسير أنَّ الآية إذا احتملتْ معنيين لا يُنافي أحدُهما الآخَر وجبَ حملُها على المعنيين؛ لأنَّ ذلك أعمُّ. أمفهومٌ هذا عندكم؟ ﴿إِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ مَن المار؟ سؤال موجَّه لكم.

* طلبة: (...).

* الشيخ: يحتمل: إذا مرَّ المجرمون بالمؤمنين، أو: إذا مرَّ المؤمنون بالمجرمين، فإذا جعلناها للأمرين صار المعنى أنَّ المجرمين إذا مرُّوا بالمؤمنين وهم جلوسٌ تغامزوا، وإذا مرَّ المؤمنون بالمجرمين وهم جلوسٌ تغامزوا أيضًا، فتكون شاملةً للحالين: حال مرور المجرمين بالمؤمنين، وحال مرور المؤمنين بالمجرمين.

﴿يَتَغَامَزُونَ﴾ يعني: يغمز بعضُهم بعضًا: انظر إلى هؤلاء. سخريةً واستهزاءً واستصغارًا.

83:31Page 588

وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ ٣١

And when they returned to their people, they would return jesting.

﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] إذا انقلب المجرمون إلى أهلهم ﴿انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ يعني: متفكِّهين بما نالوه من السخرية بهؤلاء المؤمنين، فهُم يستهزئون ويسخرون ويتفكَّهون بهذا ظنًّا منهم أنهم نجحوا وأنهم غلبوا المؤمنين، ولكن الأمر بالعكس.

83:32Page 588

وَإِذَا رَأَوۡهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ ٣٢

And when they saw them, they would say, "Indeed, those are truly lost."

ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢].

﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ﴾ أي: رأى المجرمون المؤمنين ﴿قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ ضالُّون عن الصواب، متأخِّرون، متزمِّتون، متشدِّدون ... إلى غير ذلك من الألقاب.

ولقد كان لهؤلاء السلف خلفٌ في زماننا اليوم وما قبله وما بعده؛ مِن الناس مَن يقول عن أهل الخير: إنهم رجعيُّون، إنهم متخلِّفون. ويقولون عن الملتزم: إنه متشدِّد متزمِّت. وفوق هذا كلِّه مَن قالوا للرسل: إنهم سَحَرة أو مجانين؛ قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢]، فوَرَثة الرُّسُل من أهل العلم والدين سينالهم من أعداء الرُّسُل ما نال الرُّسُل من ألقاب السوء والسخرية وما أشبهَ ذلك، ومن هذا تلقيبُ أهلِ البدع أهلِ التعطيل للسلفِ أهلِ الإثبات بأنهم حشوية، مجسِّمة، مشبِّهة، وما أشبهَ ذلك من ألقاب السوء التي يُنَفِّرون بها الناسَ عن الطريقِ السويِّ.

83:33Page 588

وَمَآ أُرۡسِلُواْ عَلَيۡهِمۡ حَٰفِظِينَ ٣٣

But they had not been sent as guardians over them.

﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَ1الُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ [المطففين: ٣٢، ٣٣] أي إنَّ هؤلاء المجرمين ما بُعِثوا حافظين لهؤلاء يرقبونهم ويحكمون عليهم، بل الحُكم لله عز وجل.

83:34Page 588

فَٱلۡيَوۡمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ ٱلۡكُفَّارِ يَضۡحَكُونَ ٣٤

So Today1 those who believed are laughing at the disbelievers,

ثم قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين ٣٤] ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني: يومَ القيامة الذين آمَنوا يضحكون من الكفَّار، فـ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، و﴿يَضْحَكُونَ﴾ خبره، و﴿مِنَ الْكُفَّارِ﴾ متعلِّق بـ﴿يَضْحَكُونَ﴾، المعنى: فالذين آمَنوا يضحكون اليوم من الكفار. وهذا واللهِ هو الضحك الذي لا بكاء بعده، أمَّا ضحكُ المجرمين بالمؤمنين في الدنيا فسيعقبه البكاء والحزن والويل والثُّبور.

83:35Page 589

عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ٣٥

On adorned couches, observing.

﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٥] أي إنَّ المؤمنين على الأرائك في الجنة، والأرائك هي السُّرُر الفخمة الحسنة النضيرة.

﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينظرون ما أعدَّ الله لهم من الثواب، وينظرون أولئك الذين يسخرون بهم في الدنيا؛ كما قال الله تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤)﴾ [الصافات ٥١- ٥٤] يقول لأصحابه في الجنة يعرض عليهم أن يطَّلعوا إلى قرينه الذي كان في الدنيا يُنكر البعث ويكذِّب به، ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٥٥] في قعره وأصله، قال له: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات ٥٦، ٥٧]، فأنت ترى الآن أنَّ المؤمنين يرون الكفَّار وهم يُعَذَّبون في قعر النار والمؤمنون في الجنة.

قال:﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ إذَنْ ينظرون شيئين:

الشيء الأول: ما أعدَّ الله لهم من النعيم، ومنه النظر إلى وجه الله عز وجل.

والثاني: ينظرون إلى هؤلاء المكذِّبين الذين كانوا في الدنيا يسخرون بهم ويستهزئون بهم، ينظرون إليهم وهم في عذاب الله.

83:36Page 589

هَلۡ ثُوِّبَ ٱلۡكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٣٦

Have the disbelievers [not] been rewarded [this Day] for what they used to do?

ثم قال تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين ٣٦].

﴿ثُوِّبَ﴾ أي: جُوزِيَ، و﴿هَلْ﴾ هنا للتقرير؛ أي إنَّ الله تعالى قد ثَوَّب الكفارَ وجازاهم جزاءَ فِعلهم في الدنيا، وهو سبحانه وتعالى حَكَمٌ عَدْلٌ، فحُكمه دائرٌ بين العدل والفضل؛ بالنسبة للذين آمنوا حُكمه وجزاؤه فَضْل، وبالنسبة للكافرين حُكمه وجزاؤه عَدْل، فالحمد لله ربِّ العالمين.

وبهذا تمَّ الكلام الذي يسَّره الله عز وجل على سورة المطففين، نسأل الله تعالى أن ينفعنا وإيَّاكم به وأن يجعلنا من المتَّعظين الواعظين.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском