Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Inshiqaq 84:21–25
84:21Page 589
وَإِذَا قُرِئَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقُرۡءَانُ لَا يَسۡجُدُونَۤ۩ ٢١
And when the Qur’ān is recited to them, they do not prostrate [to Allāh]?
﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ أي: لا يخضعون لله عز وجل، فالسجود هنا بمعنى الخضوع لله وإن لم تسجد على الأرض، لكن يسجد قلبُك لله ذُلًّا وخضوعًا إذا سمعتَ آياته.
وجرِّبْ نفسَك يا أخي، إذا تُلِيَ عليك القرآنُ هل قلبُك يسجد ويلين ويَذِلُّ؟ إن كان الأمرُ كذلك فأنت من المؤمنين؛ ﴿إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال ٢]، وإن لم يكن قلبُك كذلك ففيك شبهٌ من المشركين الذين إذا قُرِئ عليهم القرآنُ لا يسجدون.
ومن علامات الخضوع لله عز وجل عند قراءة القرآن أنَّ الإنسان إذا قرأ آيةَ سجدةٍ سَجَدَ لله ذُلًّا له وخضوعًا له، وقد استدلَّ بعضُ العلماء بهذه الآية على وجوب السجود؛ أي: سجود التلاوة، وقال: إنَّ الإنسان إذا مرَّ بآية سجدةٍ ولم يسجد كان آثِمًا.
والصحيح أنها ليست بواجبة، وإنْ كان هذا القول -أعني القولَ بالوجوب- هو مذهب أبي حنيفة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لكن هذا قولٌ مرجوحٌ؛ وذلك أنَّه ثبت في الصحيح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه «أنَّه خطب الناسَ يومًا فقرأ سورةَ النحل، فلمَّا وصل آيةَ السجدة نزلَ من المنبر فسجد، ثم قرأها من الجمعة الثانية فمرَّ بها ولم يسجد، فقال رضي الله عنه: إنَّ الله لم يفرض علينا السجودَ إلا أن نشاء»[[أخرج البخاري (١٠٧٧) عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير التيمي أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيها الناس، إنَّا نمرُّ بالسجود، فمَن سجد فقد أصاب، ومَن لم يسجد فلا إثم عليه. ولم يسجد عمر رضي الله عنه.]]. وكان ذلك بمحضرٍ من الصحابة ولم يُنكر عليه أحد، وسُنَّته رضي الله عنه من السُّنَن التي أُمِرنا باتِّباعها، وعلى هذا فالقول الراجح أنَّ سجود التلاوة ليس بواجبٍ لكنه سُنَّة مؤكَّدة، فإذا مررتَ بآية سجدةٍ فاسجدْ في أيِّ وقتٍ كنتَ؛ في الصباح، في المساء، في الليل، في النهار، تُكَبِّر عند السجود، وإذا رفعتَ فلا تُكَبِّر ولا تُسَلِّم، هذا إذا سجدتَ خارج الصلاة. أمَّا إنْ سجدتَ في الصلاة فلا بدَّ أن تُكَبِّر إذا سجدتَ وأن تُكَبِّر إذا نهضتَ؛ لأنها لَمَّا كانت في الصلاة كان لها حُكم السجود في الصلاة.
قال الله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ [الانشقاق ٢٢، ٢٣].
ونقتصر على هذا لأنَّ الوقت الباقي يكون للأسئلة، وبقية السورة -وإن كنَّا قد وعدناكم أن نكملها- تكون في الجلسة القادمة إن شاء الله.
في هذا اللقاء سنتكلم عن آخر سورة الانشقاق وهو قوله تبارك وتعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق ٢٢ - ٢٥].
لَمَّا ذكر سبحانه وتعالى أنَّهم إذا قُرِئَ عليهم القرآن لا يسجدون بيَّن سبحانه وتعالى أنَّ سبب تَرْكهم السجودَ هو تكذيبهم بما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لأنَّ كلَّ مَن كان إيمانُه صادقًا فلا بدَّ أن يمتثل الأمر وأن يجتنب النهي؛ لأنَّ الإيمان الصادق يحمل صاحبَه على ذلك، ولا تجد شخصًا ينتهك المحارمَ أو يَتْرك الواجبات إلا بسبب ضَعْف إيمانه، ولهذا كان الإيمانُ عند أهل السُّنَّة والجماعة هو التصديق المستلزِم للقبول والإذعان، فمتى رأيتَ الرجل يترك الواجبات أو بعضًا منها أو يفعل المحرَّمات فاعلم أنَّ إيمانه ضعيف؛ إذ لو كان إيمانه قويًّا ما أضاع الواجبات ولا انتهك المحظورات، ولهذا قال هنا: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ أي: في تَرْكهم السجود، كان ذلك بسبب تكذيبهم لِمَا جاءت به الرسل.
84:23Page 589
وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُوعُونَ ٢٣
And Allāh is most knowing of what they keep within themselves.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ أي إنَّه سبحانه وتعالى أعلم بما يوعونه؛ أي: بما يجمعونه في صدورهم، وما يجمعونه من أموالهم، وما يجتمعون عليه من منابَذة الرسل ومخالَفة الرسل، بل محارَبة الرسل وقتالهم. وأنتم تعلمون أنَّ الكفار أعداءٌ للرسل من حين بعث الله الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنهم يجمعون لهم ويكيدون لهم، فتوعَّدهم الله تعالى في هذه الآية ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ أي: بما يجمعون من أقوالٍ وأفعالٍ وضغائنَ وعداواتٍ وأموالٍ ضدَّ الرسل عليهم الصلاة والسلام.
ثم قال: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أخبِرْهم بالعذاب الأليم الذي لا بدَّ أن يكون. والخطاب في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ عامٌّ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكلِّ مَن يصِحُّ منه الخطاب، كلُّ مَن يصحُّ خطابه فإنه داخلٌ في هذا وأنْ نُبَشِّر كلَّ كافرٍ بعذابٍ أليم، فنحن نُبَشِّر كلَّ كافرٍ بعذابٍ أليمٍ ينتظره؛ كما قال تعالى: ﴿وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة ٣٠].
84:25Page 589
إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونِۭ ٢٥
Except for those who believe and do righteous deeds. For them is a reward uninterrupted.
ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، ﴿إِلَّا﴾ هذه بمعنى (لكن)، ولا تصح أن تكون استثناءً متَّصلًا؛ لأنَّ الذين آمنوا ليسوا من المكذِّبين في شيء، بل هم مؤمنون مصدِّقون، وهذا هو الاستثناء المنقطع؛ أي: إذا كان المستثنى ليس من جنس المستثنى منه فهو استثناءٌ منقطع، وتُقَدَّر (إلا) بـ(لكن)؛ أي: لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجرٌ غير ممنون.
الذين آمنوا بقلوبهم، واستلزم إيمانُهم قيامَهم بالعمل الصالح، هؤلاء هم الذين ليس لهم عذابٌ ولا ينتظرون العذاب، لهم أجرٌ غير ممنون.
فإن قيل: ما هو العمل الصالح؟
فالجواب أنَّ العمل الصالح ما جمع شيئين:
الأول: الإخلاص لله تعالى بأنْ يكون الحامل على العمل هو الإخلاص لله عز وجل ابتغاءَ مرضاته، ابتغاءَ ثوابه، ابتغاءَ النجاة من النار، لا يريد الإنسان بعمله شيئًا من الدنيا، ولهذا قال العلماء: إنَّ الأعمال التي لا تقع إلا عبادةً لا يصحُّ أخْذ الأجرة عليها؛ كالأذان مثلًا؛ لا يصح أن تؤذِّن بأُجرة، والإمامة؛ لا يصح أن تؤمَّ بأُجرة، وقراءة القرآن؛ لا يصح أن تقرأ بأُجرة، بخلاف تعليم القرآن فيصح بالأجرة لأنَّه متعدٍّ، وتكون الأجرة على العمل لا على التلاوة، لكن يريد بقراءة القرآن تلاوة القرآن؛ لو جاء إنسانٌ قال: أنا أريد أن أتلو القرآن بأُجرة، فإنَّ ذلك لا يصحُّ ولا يحلُّ؛ لأنَّ من شرط العمل الصالح أن يكون مخلَصًا لله عز وجل، ومَن قرأ بأجرة أو تعبَّد بأجرة فإنَّه لم يُخْلص العملَ لله، فلا يكون عمله مقبولًا.
أمَّا الشيء الثاني فهو أن يكون متَّبعًا فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ أي أن يتَّبع الإنسان رسول الله ﷺ في عمله فعلًا لِمَا فَعَل وتركًا لِمَا تَرَك؛ فما فعله النبي ﷺ مع وجود سببه فالسُّنَّة فِعله؛ يعني إذا وُجِد سبب الشيء في عهد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يفعله فإنَّ السُّنة تَرْكه.
ولهذا نقول: إنَّ ما يفعله كثيرٌ من المسلمين اليومَ أو أكثرُ المسلمين اليوم من الاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم الثاني عشر من هذا الشهر بدعةٌ ليس لها أصلٌ من السُّنة؛ لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يحتفل بعيد مولده ولا خلفاؤه الراشدون، مع أنَّنا نعلم عِلْم اليقين أنَّه لو كان مشروعًا ما تَرَكه النبيُّ عليه الصلاة والسلام بلا بيانٍ للأُمَّة؛ لأنَّ عليه البلاغ، فلمَّا لم يَقُل للأُمَّة: إنَّه يُشرع الاحتفال بهذه المناسبة، ولَمَّا لم يفعله هو بنفسه ولم يفعله خلفاؤه الراشدون عُلم أنَّه بدعة وأنَّه لا يزيد فاعلُه من الله إلا بُعدًا، نسأل الله العافية.
وهذه البدعة حدثتْ أول ما حدثتْ في القرن الرابع؛ أي: بعد مُضِيِّ أكثر من ثلاثمائة سنة على الأُمَّة الإسلامية حدثت هذه البدعة، زعموا أنهم يعظِّمون فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والحقيقة أن كلَّ بدعةٍ ليس فيها تعظيمٌ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنَّ تعظيم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما هو في اتِّباع سُنَّته كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات ١].
ولننظر هذه البدعة هل لها أصلٌ من التاريخ؟ هل لها أصلٌ من الشرع؟
نقول: ليس لها أصل من التاريخ؛ وذلك أنَّ مولد الرسول عليه الصلاة والسلام مختلَفٌ فيه على أكثر من خمسة أقوال بعد الاتفاق على أنَّه في ربيع، لكن مختلَفٌ؛ في أول يوم، في ثاني يوم، في التاسع، في العاشر، في الثاني عشر، فيها أقوال، وقد رجَّح بعضُ علماء العصر الفلكيِّين أنَّه كان في اليوم التاسع وليس في اليوم الثاني عشر، فبطل من الناحية التاريخية أن يكون في اليوم الثاني عشر.
أمَّا من الناحية الشرعية فهو باطلٌ لوجوه:
الأول: أنَّه عبادةٌ لم يشرعها الله ولا رسوله ولا الخلفاءُ الراشدون الذين أُمِرنا باتِّباع سُنتهم، فإن ادَّعى مدَّعٍ أنَّ ذلك مشروعٌ في القرآن والسنة أو في عمل الخلفاء الراشدين أو الصحابة فعليه الدليل؛ لأنَّ البيِّنة على المدَّعي، ومَن يستطيع إلى ذلك سبيلًا؟! لن يستطيع سبيلًا أن يأتي بدليلٍ واحدٍ من الكتاب أو السنة أو فِعل الخلفاء الراشدين أو الصحابة على أنه يُسَنُّ الاحتفال بيوم ميلاد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ثانيًا: أن نقول: هذه البدعة إمَّا أن تكون حقًّا أو تكون باطلًا، فإنْ كانت حقًّا لَزِم من ذلك أن يكون النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إمَّا جاهلًا بالحق وإمَّا عالِمًا به وكاتمًا له، وكِلَا الأمرين باطلٌ يمتنع غاية الامتناع؛ أن يكون الرسول ﷺ جاهلًا بشيءٍ من شريعة الله أو أن يكون عالِمًا به ولكن لم يبيِّنه للأُمَّة؛ لأنَّ الاحتمال الأول يقتضي أن يكون جاهلًا بالشرع مع أنَّه هو صاحب الشرع، والاحتمال الثاني يقتضي أن يكون كاتمًا ما أنزل الله إليه، وحاشاه من ذلك، لو كان كاتمًا ما أنزل الله إليه لَكَتَم قولَ الله تعالى: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب ٣٧].
ثالثًا: أن نقول: إذا تبيَّن أنها بدعةٌ فإنه لا يحلُّ لأحدٍ أن يُقيمها؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ»[[أخرجه أبو داود (٤٦٠٧) من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه دون قوله: «وكل ضلالةٍ في النار» فهو من حديثٍ آخر أخرجه النسائي (١٥٧٨) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]، ولو اتَّبع الحقُّ أهواءهم وصار كلُّ مَن عنَّ له أنَّ في هذا مشروعية شرعه، لَاختلفت الأُمَّة، ولَتمزَّق الدين، ولَكان كلُّ قومٍ لهم دينٌ معيَّن، وهذا خلافُ ما جاءت به الشريعة الإسلامية من وجوب الاتفاق على كلمة الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
رابعًا: نقول: هذه البدعة لم تقتصر على مجرَّد الاجتماع والصلاة على النبي ﷺ وذِكر محاسنه وذِكر مآثره وذِكر شريعته، بل عُدِل عن هذا إلى شيءٍ آخَر، إلى قصائد المديح البالغة في الغُلوِّ غايته، بل المتجاوزة لطبيعة البشر إلى حقوق الإله عز وجل؛ فقد كان هؤلاء الذين يجتمعون يترنَّمون بقصيدة البوصيري الذي كان يقول فيها يخاطب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقول:
يَا أَكْــرمَ الْخَـــلْقِ مَــا لِي مَنْ أَلُــوذُبِهِ ∗∗∗ سِوَاكَ عِنْدَ حُلُولِ الْحَادِثِ الْعَمِمِ؎إِنْ لَمْ تَكُنْ آخِذًا يَوْمَ الْمَعَادِ يَدِي ∗∗∗ عَـــــــــــفْوًا وَإِلَّا فَقُـــــلْ يَا زَلَّةَالْقَـــــــدَمِ؎فَإِنَّ مِــنْ جُـــــودِكَ الدُّنْيَاوَضَـــرَّتَهَــا ∗∗∗ ............................(ضرَّتها) ما هي؟
* طلبة: الآخرة.
* الشيخ: الآخرة.
......................... ∗∗∗ وَمِنْ عُلُومِكَ عِلْمَ اللَّوْحِوَالْقَلَمِ
قال بعض العلماء: إذا كان الأمر هكذا لم يبق لله شيء. ولم يكن الله تعالى هو الملجأ عند الشدائد والفزع، بل كان الرسول عليه الصلاة والسلام الذي لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شاء الله هو الملجأ، وهذا غاية ما يكون من الغُلُوِّ الذي نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام، فصار هؤلاء الذين يدَّعون أنهم يتقرَّبون إلى الله بمثل هذه الاحتفالات وأنهم المحبُّون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، صاروا في الحقيقة هم الذين يبتعدون عن الله عز وجل بما أشركوا به ما لم يُنَزِّل به سلطانًا، ولا شك أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يرضى بمثل هذا أبدًا.
فإذا قالوا: إنَّ منشأ هذا هو محبَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أجْل أن نبيِّن للنصارى أننا نعتني برسولنا كما كانوا يعتنون برسولهم فيجعلون لميلاده عيدًا.
قلنا: إذا كنتم صادقين في محبَّة الله ورسوله فهنا ميزانُ قِسْط عادلٌ هو قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١]، ولهذا كلما كان الإنسان أشدَّ حبًّا لله كان أشدَّ اتِّباعًا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكلما كان أقلَّ حبًّا لله كان أقلَّ اتباعًا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا رأيتَ الرجلَ يدَّعي محبَّة الله ورسوله ولكنَّه لا يلتزم بالشريعة فاعلمْ أنَّه كاذب؛ لأنَّ محبَّة الله ورسوله تُنتج انتاجًا لازمًا اتِّباعَ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
فالحاصل أنَّه يجب على طلبة العلم هنا في السعودية وفي غيرها من البلاد الإسلامية أن يبيِّنوا للعامَّة ولغير العامَّة أنَّ هذا الاحتفال ليس له أصلٌ من السُّنة، وأنَّه بدعة، وأنَّه لا يزيد الإنسانَ إلا بُعدًا من الله عز وجل؛ لأنَّه شرع في دين الله ما ليس منه.
فإن قال قائل: أليست الصلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام مشروعةً كلَّ وقت؟
فالجواب: بلى، أكثِرْ من الصلاة على الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُعْظِم الله لكم بها أجرًا، ومَن صلَّى عليه مرَّةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا، لكن ترتيبها في ليلةٍ معيَّنةٍ، والاجتماع إليها، وذِكر المدائح والقصائد الغالية البالغة في الغلوِّ غايتَه، هذا هو الممنوع.
ونحن لا نقول: لا تصلُّوا على الرسول، نقول: أكثِروا من الصلاة، ولا نقول: لا تحب الرسول، نقول: أحبُّوا الرسول أكثر مما تحبُّون أنفسَكم، ولا يتمُّ إيمانُكم إلا بذلك، لكن لا تُحْدثوا في دينه ما ليس منه.
فالواجب على طلبة العلم أن يبيِّنوا للناس وأن يقولوا لهم: اشتغِلوا بالعبادات الشرعية الصحيحة، اذكروا الله، صلُّوا على النبي في كلِّ وقت، أقيموا الصلاة، آتوا الزكاة، أحسِنوا إلى المسلمين في كلِّ وقت، أمَّا أن تجعلوا عيدًا معيَّنًا في السَّنَة -والله تعالى لم يجعل في السَّنَة إلا ثلاثة أعياد فقط: عيد الأضحى، وعيد الفِطْر، وعيد الأسبوع وهو الجمعة- أمَّا أن تُحْدثوا أعيادًا أخرى فإنكم تُحْدثون في دين الله ما لم يشرعه.
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، ﴿لَهُمْ أَجْرٌ﴾ أي: ثواب، ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير مقطوع، بل هو مستمرٌّ أبد الآبدين، والآيات في تأبيد الجنَّة كثيرة معلومة في الكتاب والسُّنة، وليست من الصعوبة بحيث نسوقها إليكم الآن لأنها واضحة ولله الحمد.
فأجر الآخرة لا ينقطع أبدًا، ليس كالدنيا فيه وقت تُثمر الأشجار ووقت لا تُثمر، أو وقت تُنبت الأرض ووقت لا تُنبت، لا، الأجر فيها دائم؛ ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢].
نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإيَّاكم من المؤمنين العاملين بالصالحات، المجتنبين للسيِّئات، إنَّه جوادٌ كريم، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences