Ibn 'UthayminAl‑Fajr · 89:22–30

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Fajr 89:22–30

89:22Page 593

وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلۡمَلَكُ صَفّٗا صَفّٗا ٢٢

And your Lord has come1 and the angels, rank upon rank,

وذكَّر الله سبحانه وتعالى ما يكون في هذا اليوم فقال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر ٢٢] أي: صفًّا بعد صفٍّ.

﴿جَاءَ رَبُّكَ﴾، وهذا المجيء هو مجيئُه هو عز وجل؛ لأن الفعل أُسنِدَ إلى الله، وكلُّ فعلٍ يُسند إلى الله فهو قائمٌ به لا بغيره، هذه هي القاعدة في اللغة العربية والقاعدة في أسماء الله وصفاته؛ كلُّ ما أَسنَدَهُ الله إلى نفسه فهو له نفسه لا لغيره، وعلى هذا فالذي يأتي هو الله عز وجل، وليس كما حرَّفه أهل التعطيل حيث قالوا: إنه جاء أمْر الله. فإن هذا إخراجٌ للكلام عن ظاهره بلا دليل، فنحن من عقيدتنا أن نُجري كلام الله ورسوله على ظاهره وألَّا نُحَرِّف فيه، ونقول: إن الله تعالى يجيء يوم القيامة هو نفسه، ولكن كيف هذا المجيء؟ هذا هو الذي لا عِلْم لنا به، لا ندري كيف يجيء، والسؤال عن مِثْل هذا بدعةٌ كما قال الإمام مالك رحمه الله حين سُئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، كيف استوى؟ سائلٌ يسأل يقول: كيف استوى؟ يعني: ويش لون الاستواء؟ فأَطْرقَ مالكٌ برأسه حتى علاه الرُّحَضاء -يعني العَرَق- لشدة هذا السؤال على قلبه؛ لأنه سؤالٌ عظيمٌ، سؤالُ متنطِّعٍ، سؤالُ متعنِّتٍ أو مبتدعٍ يريد السوء، ثم رفع رأسه وقال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة»[[أخرج البيهقي في الأسماء والصفات (٨٦٧) عن يحيى بن يحيى قال: كُنَّا عند مالك بن أنسٍ، فجاء رجلٌ فقال: يا أبا عبد الله، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فكيف استوى؟ قال: فأَطْرقَ مالكٌ برأسه حتى علاه الرُّحَضَاءُ ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا. فأمر به أن يُخْرَج.]]. الشاهد الكلمة الأخيرة: «السؤال عنه بدعة»، واعتبِرْ هذا في جميع صفات الله، فلو سألنا سائلٌ قال: إن الله يقول: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥] يعني آدم، كيف خَلَقه بيده؟

نقول: هذا السؤال بدعة.

قال: أنا أريد العلم، لا أحبُّ أن يخفى عليَّ شيء من صفات ربي، فأريد أن أعلم كيف خَلَقه.

نقول: نحن نسألك أسئلة سهلة: هل أنت أَحْرصُ على العلم من الصحابة رضي الله عنهم؟

إما أن يقول: نعم، وإما أن يقول: لا، والمتوقَّع أن يقول أيش؟ لا.

طيب، هل الذي وجهتَ إليه السؤال أعلم بكيفية صفات الله عز وجل أم الرسول عليه الصلاة والسلام؟

سيقول: الرسول.

إذَن الصحابة أَحْرصُ منك على العلم، والمسؤول الذي يوجَّه إليه السؤال أعلمُ مِن الذي تسأله، ومع ذلك ما سألوا؛ لأنهم يلتزمون الأدبَ مع الله عز وجل، ويقولون بقلوبهم وربما بألسنتهم: إن الله أجلُّ وأعظمُ مِن أن تحيط أفهامُنا وعقولُنا بكيفيات صفاته. والله عز وجل يقول في كتابه في الأمور المعقولة: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه ١١٠]، وفي الأمور المحسوسة: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام ١٠٣]، فنقول: يا أخي، الزَم الأدبَ، لا تسأل كيف خَلَق الله آدم بيده؛ فإن هذا بدعة، وكذلك بقية الصفات لو سأل كيف عين الله عز وجل؟ قلنا له: هذا بدعة، لو سأل كيف اليد؛ يد الله عز وجل؟ قلنا: هذا بدعة، وعليك أن تلزم الأدب وألَّا تسأل عن كيفية صفات الله عز وجل.

لما قال هنا في الآية الكريمة: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ وسأل: كيف يجيء؟ ماذا نقول له؟ أجيبوا.

* طالب: هذا بدعة.

* الشيخ: نقول: هذا بدعة. هذه القاعدة، التزموها، هذا السؤال بدعة، وكلُّ إنسانٍ يسأل عن كيفية صفات الله فهو مبتدع متنطِّع، سائل عمَّا لا يمكن الوصول إليه، فموقفنا من مثل هذه الآية ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ أن نؤمن بأن الله يجيء، لكن على أيِّ كيفية؟ الله أعلم.

طيب، لو قال قائل: هل يحتمل أن يكون مجيئُه كمجيء الإنسان أو كمجيء الملِك إلى مكان الاحتفال؟

الجواب: لا، هذا نعلم أنه لا يكون؛ الدليل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، فنحن نعلم النفي ولا نعلم الإثبات؛ يعني نعلم أنه لا يمكن أن يأتي على كيفية إتيان البشر، ولكننا لا نُثبت الكيفية، وهذا هو الواجب علينا.

وقوله: ﴿وَالْمَلَكُ﴾ (أل) هنا للعموم؛ يعني جميع الملائكة يأتون، ينزلون ويحيطون بالخلْق، تنزل ملائكة السماء الدنيا ثم ملائكة السماء الثانية وهلُمَّ جرًّا، يحيطون بالخلْق إظهارًا للعظمة، وإلا فإنَّ الخلق لا يمكن أن يفرُّوا يمينًا ولا شمالًا، لكن إظهارًا لعظمة الله وتهويلًا لهذا اليوم العظيم تنزل الملائكة يحيطون بالخلق، وهذا اليوم يومٌ مشهودٌ يشهده الملائكة والإنس والجن والحشرات وكلُّ شيء؛ ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير ٥]، فهو يومٌ عظيمٌ، لا ندركه الآن، ولا نتصوَّره؛ لأنه أعظم مما يُتَصوَّر.

89:23Page 593

وَجِاْيٓءَ يَوۡمَئِذِۭ بِجَهَنَّمَۚ يَوۡمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكۡرَىٰ ٢٣

And brought [within view], that Day, is Hell - that Day, man will remember, but how [i.e., what good] to him will be the remembrance?

الأمر الثالث مما به الإنذار في هذا اليوم بعد أن عرفْنا الأمرَ الأول وهو مجيء الله، ثم صفوف الملائكة قال: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر ٢٣] ﴿جِيءَ يَوْمَئِذٍ﴾ ولم يذكر الجائي، لكن قد دلَّت السُّنة أنه يؤتى بالنار تُقاد بسبعين ألف زِمام، كلُّ زِمامٍ منها يقوده سبعون ألف مَلَك[[أخرجه مسلم (2842 / 29)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]، وما أدراك ما قوة الملائكة؟! قوةٌ ليست كقوة البشر ولا كقوة الجن، بل هي أعظم وأعظم بكثير، ولهذا لَمَّا قال عفريتٌ من الجن لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ بعرش بلقيس ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل ٣٩، ٤٠] فرآه مستقِرًّا عنده، قال العلماء: لأن الرجل هذا دعا الله، فحَمَلَتْه الملائكة فجاءت به إلى سليمان في الشام من اليمن، فقوَّة الملائكة عظيمة، وهم يجرُّون هذه النار بسبعين ألف زِمام، كل زِمام يجرُّه سبعون ألف مَلَك، إذَن هي عظيمة، نسأل الله العافية، ونسأل الله أن يُجيرنا وإياكم منها، هذه النار ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾ أي: رأتْ أهلها ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان ١٢]، وليس كزفير الطائرات أو المعدَّات، زفيرٌ تنخلع منه القلوب والعياذ بالله، ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك ٨]، وقال الله عز وجل: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك ٨] تكاد تقطَّع من شدة الغيظ على أهلها والعياذ بالله، فلهذا أنذرنا الله تعالى منها، فهذه ثلاثة أمور كلُّها إنذار: مجيء الربِّ جل جلاله، صفوف الملائكة، الثالث: الإتيان بجهنم.

﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر ٢٣] ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ يتَّعظ، لكن أنَّى له الاتعاظ، فات الأوان، انقطع الاتعاظ بحضور الأجَل في الدنيا قبل أن يَصِل الإنسانُ إلى الآخرة، ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء ١٨]، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من المتَّعظين بآياته، ونسأله تعالى أن يرزقنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا ورزقًا طيبًا واسعًا.

* * *

(...) كان من عادتنا أن نتكلم على ما يسَّر الله عز وجل من تفسير القرآن الكريم، وقد انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر ٢٤-٢٦]، وهذا هو آخر سورة الفجر.

يقول الله عز وجل: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ يعني إذا جاء الله يوم القيامة، وجاء الملائكة صفوفًا صفوفًا وأحاطوا بالخلْق، وحصلت الأهوال والأفزاع، يتذكَّر الإنسان، يتذكَّر أنه وُعِد بهذا اليوم، وأنه أُعلِم به من قِبَل الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأَنْذروا وخَوَّفوا، ولكن من حقَّتْ عليه كلمة العذاب فإنه لا يؤمن ولو جاءتْه كلُّ آيةٍ، والعياذ بالله، حينئذٍ يتذكَّر، لكن يقول الله عز وجل: ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾، أين يكون له الذكرى في هذا اليوم الذي رأى فيه ما أُخبِر عنه يقينا! والإيمان عن المشاهدة لا ينفع؛ لأن كلَّ إنسان يؤمن بما شاهد، الإيمان النافع هو الإيمان بالغيب؛ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة ٣]، فيصدِّق بما أخبرتْ به الرسل عن الله عز وجل وعن اليوم الآخر، في ذلك اليوم يتذكَّر الإنسان، ولكن قال الله عز وجل: ﴿أَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ أي: بعيدٌ أن ينتفع بهذه الذكرى التي حصلت منه حين شاهد الحق.

89:24Page 594

يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي قَدَّمۡتُ لِحَيَاتِي ٢٤

He will say, "Oh, I wish I had sent ahead [some good] for my life."1

﴿يَقُولُ﴾ الإنسان ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر ٢٤] يتمنى أنه قدَّم لحياته.

وما هي حياته؟ أتظنون أنه يريد حياة الدنيا؟ لا واللهِ، حياة الدنيا انتهت وقضت، وليست الحياة الدنيا حياةً في الواقع، الواقع أنها همومٌ وأكدار، كلُّ صَفْوٍ يَعْقبه كَدَر، كلُّ عافيةٍ يتبعها مرض، كلُّ اجتماعٍ يَعْقبه تفرُّق، انظروا ما حصل؛ أين الآباء؟! أين الإخوان؟! أين الأبناء؟! أين الأزواج؟! هل هذه حياة؟! أبدًا، ولهذا قال بعض الشعراء الحكماء:

لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُهُ بِادِّكَــــــارِ الْمَـــوْتِوَالْهَــــــــرَمِ

كلُّ إنسانٍ يتذكَّر أن مآله أحد أمرين: إمَّا الموت، وإمَّا الهرم.

نحن نعرف أُناسًا كانوا شبابًا في عُنفوان الشباب عُمِّروا لكن رجعوا إلى أرذل العمر، يَرِقُ لهم الإنسان إذا رآهم، في حالة بؤس، حتى وإن كان عندهم من الأموال ما عندهم وعندهم من الأهل ما عندهم لكنهم في حال بؤس، وهكذا كلُّ إنسان إما أن يموت مبكِّرًا، وإما أن يُعَمَّر فيُرَدَّ إلى أرذل العمر، فهل هذه حياة؟!

الحياة هي ما بيَّنه الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ يعني: لَهِي الحياة التامَّة ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت ٦٤]. يقول هذا: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ يتمني، لكن ما يحصل، ﴿أَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾.

89:25–30Page 594

فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٞ ٢٥

So on that Day, none will punish [as severely] as His punishment,

وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُۥٓ أَحَدٞ ٢٦

And none will bind [as severely] as His binding [of the evildoers].

يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ ٢٧

[To the righteous it will be said], "O reassured soul,

ٱرۡجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ مَّرۡضِيَّةٗ ٢٨

Return to your Lord, well-pleased and pleasing [to Him],

فَٱدۡخُلِي فِي عِبَٰدِي ٢٩

And enter among My [righteous] servants

وَٱدۡخُلِي جَنَّتِي ٣٠

And enter My Paradise."

قال تعالى: ﴿﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ [الفجر: ٢٥، ٢٦]، يعني في هذا اليوم لا أحدَ يُعَذَّب عذابَه، ولا أحدَ يُوثَق وثاقَه، ومعلومٌ أن هذا الكافر -المؤمن، يأتينا ذكْر المؤمن إن شاء الله- الكافر لا يعذَّب أحدٌ عذابَه في ذلك اليوم، وأُخبِركم لماذا؟ لأنه يُلقَى على أهل النار في الموقف العطشُ الشديدُ، فينظرون إلى النار كأنها السَّراب، والسراب هو ما يشاهده الإنسان في أيام الصيف في عزة الحرِّ من البقاع حتى يُخَيَّل إليه أنه ماء، ينظرون إلى النار كأنها سرابٌ وهم عِطاش فيتهافتون عليها، يذهبون إليها سِراعًا يريدون أي شيء؟ يريدون الشُّرب، فإذا جاؤوها ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر ٧١]، قد قامت عليكم الحجَّة، فيُوَبِّخونهم قبل أن يدخلوا النار، والتوبيخ عذابٌ قلبيٌّ وألَمٌ نفسيٌّ قبل أن يذوقوا ألَمَ النار والعياذ بالله، أعاذني الله وإياكم منها.

في النار يوبِّخهم الجبار عز وجل توبيخًا أعظم من هذا؛ يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٦، ١٠٧]، قال الله تعالى وهو أرحم الراحمين: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، أبلغ من هذا الإذلال والعياذ بالله! ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ يقولها أرحم الراحمين، فمَن يرحمهم بعد الرحمن؟! لا راحِمَ لهم. وقد أخبر النبي ﷺ «بأنَّ أهونَ أهل النار عذابًا مَن عليه نعلانِ يغلي منهما دِماغُه، ولا يرى أن أحدًا أشدُّ منه عذابًا، يرى أنه أشدُّ الناسِ عذابًا وهو أهونهم عذابًا، وعليه نعلانِ يغلي منهما الدماغ»[[أخرج مسلم في صحيحه (٢١٣ / ٣٦٤) بسنده عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ، مَا يَرَى أَنَّ أَحدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا، وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا».]]، النعلان في أسفل البدن والدماغ في أعلاه، فإذا كان أعلى البدن يغلي من أسفله فالوسط من بابِ أشد، أجارنا الله وإياكم من النار.

﴿﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ لأنهم -والعياذُ بالله- يُوثَقون؛ ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة ٣٢]. أَدخِلوه في هذه السلسلة، تُغَلُّ أيديهم، نسأل الله العافية، ولا أحد يتصوَّر الآن ما هم فيه من البؤس والشقاء والعذاب، واللهِ إن الإنسان أحيانًا يتمنى أنه لم يُخلَق خوفًا من النار؛ «كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: ليت أمِّي لم تلدْني، ليتني شجرةٌ تُعْضَد»[[الشطر الأول: "ليت أُمِّي لم تلدْني" أخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٤٨٠) من قول عمر رضي الله عنه، أما الشطر الثاني: "يا ليتني شجرةٌ تُعضَد" فأخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٥٢١) من قول ابن مسعود، وأخرجه أحمد في الزهد (٧٨٦) من قول أبي ذر، وأخرجه ابن أبي الدنيا في المتمنين (١٠) من قول أبي بكر، وأخرجه البيهقي في الشُّعَب (٧٦٨) من قول أبي الدرداء، رضي الله عنهم.]]. لأن الإنسان ما يدري؛ أولًا: ما يدري ما هو عليه الآن، هل هو على صواب أو على خطأ؟ هل في عباداته رياء؟ هل في عباداته بدعة؟ ثم لا يرى أيضًا -وهو أخطر- لا يرى ماذا يُختَم له به؛ «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٩٤)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]. مَن الذي يأمن عند الموت أن يُصَدَّ و يُضَلَّ ويأتيه الشيطان يقول: أنا أبوك، اتركْ يا بُنَيَّ الإسلامَ وكنْ نصرانيًّا أو يهوديًّا، لأن بعض الناس -والعياذ بالله- عند الموت يُفتَن؛ تُعرَض عليه الأديان ويقال: اختر النصارى، اختر اليهود، أعرِضْ عن الإسلام. ولهذا (...) ومن فتنة المحيا وأيش؟ والممات، ومَن الذي يأمن؟ أسأل الله أن يُحسِن لي ولكم الخاتمة، من الذي يأمن؟ إذَن على الإنسان أن يستعد، ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾.

ثم ختم الله تعالى هذه السورة بما يبهج القلب ويشرح الصدر فقال: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾، اللهمَّ اجعلْ نفوسَنا مطمئنة، ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر ٢٧، ٢٨]. ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ يُقال هذا القول للإنسان عند النَّزْع في آخِر لحظةٍ من الدنيا، يُقال لروحه: اخرجي أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى رحمةٍ من الله ورضوان، فتستبشر، تفرح، ويسهل خروجها من البدن؛ لأنها بُشِّرت بما هو أنعم مما في الدنيا كلِّها، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٣٢٥٠) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.]]. سوط الإنسان: العصا القصيرة، موضع السوط في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، وليست دنياك أنت، الدنيا من أولها إلى آخِرها بما فيها من النعيم والْمُلْك والرفاهية وغيرها، موضعُ سوطٍ خيرٌ من الدنيا وما فيها، فكيف بِمَن ينظر في مُلْكه مسيرة ألفيْ عام، ألفيْ سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه! نعيمٌ لا يمكن أن ندركه بنفوسنا ولا بتصوُّرنا؛ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧].

معنى ﴿الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ يعني المؤمنة الآمنة؛ لأنك لا تجد أطْمَنَ نفسًا من نفس المؤمن أبدًا، المؤمن يا إخواني نفسُه طيِّبة مطمئنة، ولهذا تعجَّب الرسول ﷺ من المؤمن، قال: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٩٩) من حديث صهيب رضي الله عنه.]]، مطمئن، ماشٍ مع الله بقضائه وقدره، لا يسخط عند المصائب، ولا يَبْطر عند النعم، بل هو شاكرٌ عند النعم صابرٌ عند البلاء، فتجده مطمئنًّا، لكن الكافر أو ضعيف الإيمان لا يطمئنُّ؛ إذا أصابه البلاء جزعَ وسخِطَ ورأى أنه مظلومٌ من قِبَل اللهِ، والعياذ بالله، حتى إن بعضهم ينتحر، ما يصبر، ما يطمئن، يكون دائمًا في قلق، ينظر إلى نفسه وإذا هو قليل المال، قليل العيال، ليس عنده زوجة، ليس له قومٌ يحمونه، فيقول: أنا لستُ في نعمة؛ لأن فلانًا عنده مال، عنده زوجات، عنده أولاد، عنده قبيلة تحميه، أنا ليس عندي. فلا يرى لله عليه نعمة؛ لأنه ضعيف الإيمان، فليس بمطمئن، دائمًا في قلق، ولهذا نجد الناسَ الآن يذهبون إلى كل مكانٍ ليُرَفِّهوا عن أنفسهم، ليُزيلوا عنها الأَلَم، التَّعَب، لكن ما فيه، لا يُزيل ذلك عنك إلا أيش؟ إلا الإيمان الحقيقي، هو الذي يؤدِّي إلى الطمأنينة، فالنفس المطمئنة هي المؤمِنة، أيش؟ الآمنة، مؤمِنة في الدنيا، آمِنة من عذاب الله يوم القيامة، اللهمَّ اجعلْ نفوسَنا هكذا.

يا إخواني، قال بعض السلف كلمةً عجيبةً، قال: «لو يعلم الملوكُ وأبناءُ الملوك ما نحن فيه لَجالَدُونا عليه بالسيوف»[[القول لإبراهيم بن أدهم الزاهد، وقد أخرجه البيهقي في الزهد الكبير (٨٠).]]. هل تجدون أنعم في الدنيا من الملوك وأبنائهم؟ أجيبوا.

* الطلبة: لا.

* الشيخ: لا، لا يوجد أحد أنعم منهم في الظاهر؛ يعني نعومة الجسد أو نعمة الجسد، لكن قلوبهم ليست كقلوب المؤمنين، المؤمن الذي ليس عليه إلا ثوبٌ مُرَقَّع وكوخٌ لا يحميه من المطر ولا من الحر ولكنه مؤمن، دُنياه ونعيمه في الدنيا أفضل من الملوك وأبناء الملوك؛ لأن قلبه مستنيرٌ بنور الله، بنور الإيمان.

شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- حُبِس وأُوذِي في الله عز وجل، فلمَّا أُدخِل الحبسَ وأغلقوا عليه الباب قال رحمه الله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد ١٣]. يقول هذا تحدُّثًا بنعمة الله لا افتخارًا، ثم قال: ما يصنع أعدائي بي؟! أيُّ شيءٍ يصنعون؟! إن جَنَّتي في صدري. ما هي الجنة؟ الإيمان والعلم واليقين، وإن حَبْسي خَلْوة، ونَفْيي -إن نَفَوه من البلد- سياحة، وقتلي شهادة. سبحان الله! هذا اليقين، هذه الطمأنينة، الإنسان لو دخل الحبس عندنا كان يُخَمِّس ويُسَدِّس: ما مستقبلي! ما مستقبل أولادي! أهلي! قومي! هذا يقول: جَنَّتي في صدري. وصَدَق، ولعل هذا هو السر في قوله تبارك وتعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان ٥٦]، يعني في الجنة ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾، معلومٌ الجنة ما فيها موتة لا أولى ولا ثانية، لكن لَمَّا كان نعيم القلب ممتدًّا من الدنيا إلى دخول الجنة صارتْ كأنَّ الدنيا والآخرة كلها جنة، وليس فيها إلا موتة واحدة، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يُحسِن لنا ولكم الخاتمة، وأن يجمعنا وإياكم وإخواننا المسلمين الذين أنعم الله عليهم في الجنة من النبيِّين والصديقين والشهداء والصالحين، إنه على كل شيء قدير.

يقول تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾. ﴿رَاضِيَةً﴾ بما أعطاكِ الله من النعيم، ﴿مَرْضِيَّةً﴾ عند الله عز وجل؛ كما قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة ١١٩].

﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر ٢٩] أي: ادخلي في عبادي الصالحين، من جملتهم؛ لأن الصالحين عباد الله هم خير طبقات البشر، البشر طبقاته ثلاث: مُنعَمٌ عليهم، ومغضوبٌ عليهم، وضالُّون. كلُّ هذه الطبقات مذكورة في سورة، ما هي؟

* الطلبة: الفاتحة.

* الشيخ: سورة الفاتحة؛ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٦، ٧].

وأنا بأسألكم، هل أنتم عندما تقرؤون هذه الآية، هل أحدكم يشعر بأن الذين أنعمَ اللهُ عليهم هم النبيُّون والصديقون والشهداء والصالحون ويشعر بأنه يسأل الله أن يهديه صِراطَ هؤلاء؟

أكثر الناس لا يشعر، أكثر الناس يقرؤها هكذا، لكن ما يشعر أن هذه تاريخ؛ يعني تُشير إلى تاريخ الأُمَم.

وأمَّا الطبقة الثانية ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ هم اليهود وأشباه اليهود مِن كلِّ مَن عَلِمَ الحقَّ وخالفه، كلُّ مَن عَلِمَ الحقَّ وخالفه ففيه شَبَهٌ من اليهود كما قال سفيان بن عيينة رحمه الله، قال: «مَن فَسَدَ من علمائنا ففيه شَبَهٌ من اليهود»[[ذكره ابن كثير (٤ / ١٣٨) عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤].]].

(الضالون) مَن؟ النصارى، هم الذين جَهِلوا الحقَّ، أرادوه لكن عموا عنه، والعياذ بالله، ما اهتدوا إليه، قال ابن عيينة: «وكلُّ مَن فَسَدَ مِن عُبَّادنا ففيه شَبَهٌ من النصارى»[[السابق.]]. لأنهم -العُبَّاد- يريدون الخير، يريدون العبادة، لكن ما عندهم عِلْم، فهم ضالُّون.

فأقول يا إخواني: الناس طبقاتٌ ثلاث: المنعَم عليهم، والمغضوب عليهم، والضالون.

وهنا يقول: ﴿ادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ مَن العِباد؟ المراد أيُّ الطبقات؟ الطبقة الأولى المنعم عليهم.

﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر ٣٠] جنَّته التي أعدَّها الله عز وجل لأوليائه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها، أضافها الله إلى نفسه تشريفًا لها وتعظيمًا، وإعلامًا للخَلْق بعنايته بها جل وعلا، والله سبحانه وتعالى قد خَلَقَها خلقًا غير خَلْق الدنيا، خَلَقَ لنا في الدنيا فاكهةً ونخلًا ورُمَّانًا، في الجنة فاكهةٌ ونخلٌ ورُمَّانٌ، أتظنُّون أن ما في الجنة كالذي في الدنيا؟ أبدًا، لا يمكن؛ لأن الله يقول: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧]، ولو كان ما في الجنة كالذي في الدنيا لكُنَّا نعلم، إذا هو مِثْله في الاسم، لكن ليس مِثْلَه في الحقيقة ولا في الكيفية، ولهذا قال: ﴿ادْخُلِي جَنَّتِي﴾ فأضافها الله إلى نفسه للدلالة على شَرَفِها وعنايةِ الله بها، وهذا يُوجِب للإنسان أن يَرْغب فيها غايةَ الرغبة، كما أنه يرغب في بيوت الله اللي هي المساجد لأنه أضافها لنفسه، فكذلك يرغب في هذه الدار التي أضافها الله إلى نفسه، والأمر يسيرٌ؛ «قال رجلٌ للرسول ﷺ: دُلَّني على عملٍ يُدخِلُني الجنةَ ويُباعِدُني من النار. فقال: «لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ». هو صحيح عظيم؛ ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥]، ولكن «وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ» اللهمَّ يَسِّرنا لليُسرى «لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ ...»[[أخرجه أحمد (٢٢٠١٦) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.]]، وذكر الحديث، المهمُّ أن الدين -والحمد لله- يسيرٌ وسهلٌ، لكن النفوسُ الأمَّارةُ بالسوء هي التي تحول بيننا وبين ديننا، والشهواتُ، والشبهاتُ. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة ٢٠١]، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران ٨].

* * *

يقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد ١، ٢].

ولي تعريجة يسيرة على ما سبق في الدرس الماضي في قوله تعالى: ﴿﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ [الفجر: ٢٥، ٢٦]، فإني قرأتُها هكذا، وفسَّرتُها على هذه القراءة؛ لأنَّ في الآيتين المذكورتين قراءتين: القراءة الأولى التي في المصحف: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ أي: لا يُعَذِّب عذابَ اللهِ أحدٌ، بل عذابُ اللهِ أشدُّ، ولا يُوثِق وثاقَ اللهِ أحدٌ، بل هو أشدُّ.

أمَّا على قراءة ﴿﴿لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ أي: لا يعذَّب عذابَ هذا الرجلِ ولا يُوثَق وثاقَ هذا الرجلِ، وهذا هو الذي قرأنا الآية عليه وفسَّرناها به، فلأجل هذا جرى التنبيه.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском