Ibn 'UthayminAl-'Alaq · 96:17–19

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-'Alaq 96:17–19

96:17–18Page 597

فَلۡيَدۡعُ نَادِيَهُۥ ١٧

Then let him call his associates;

سَنَدۡعُ ٱلزَّبَانِيَةَ ١٨

We will call the angels of Hell.1

﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٧، ١٨] اللام هنا للتحدِّي؛ يعني: إنْ كان صادقًا وعنده قوَّة وعنده قدرة فلْيدعُ نادِيَه.

والنادي هو مجتمَع القوم للتحدُّث بينهم والتخاطب والتفاهم ولاستئناس بعضِهم ببعض، وكان أبو جهلٍ معظَّمًا في قريش وله نادٍ يجتمع الناسُ إليه فيه ويتكلَّمون في شؤونهم، فهُنا يقول الله عز وجل: إنْ كان صادقًا فلْيدعُ نادِيَه. وهذا لا شكَّ أنَّه تحدٍّ؛ كما تقول لعدوِّك: إنْ كان لك قومٌ فتقدَّمْ، وما أشبهَ ذلك من الكلمات الدالَّة على التحدِّي.

قال: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ يعني: عندنا مَن هُم أعظم من نادي هذا الرجُل، وهم الزبانية ملائكة النار، نسأل الله العافية.

وقد وَصَف الله تعالى ملائكةَ النار بأنهم ﴿غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ غِلاظٌ في الطباع، شِدادٌ في القوة، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾، بل يمتثلون كلَّ ما أَمَرهم الله به؛ ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦]، لا يعجزون عن ذلك، فوصفهم بوصفين: أنَّهم في تمام الانقياد لله عز وجل ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾، وأنهم في تمام القدرة ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.

وعَدَم تنفيذ أمْر الله عز وجل إمَّا أن يكون للعَجْز، وإمَّا أن يكون للمعصية؛ فمثلًا الذي لا يصلِّي الفرضَ قائمًا قد يكون للعجز وقد يكون للعناد، فهو لا ينفِّذ أمْرَ الله، لكن الملائكة الذين على النار ليس عندهم عجْز، عندهم قوَّة، عندهم قدرة، وليس عندهم استكبار عن الأمر، بل عندهم تمامُ التذَلُّل والخضوع، هؤلاء الزبانية لا يمكن لهذا وقومه وناديه أن يقابلوهم أبدًا، ولهذا قال: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾.

فإن قال قائل: أين الواو في قوله: ﴿سَنَدْعُ﴾؟

قلنا: إنها محذوفة لالتقاء الساكنين؛ لأنَّ الواو ساكنة، والهمزة -همزة الوصل- ساكنة، وإذا التقى ساكنانِ فإنَّه إن كان الحرف صحيحًا كُسِر، وإن كان غير صحيحٍ حُذِف؛ قال ابن مالك رحمه الله في الكافية:

إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُــــنْ لَيْنًا فَحَــــذْفَهُاسْتَــحَـــقّْ

يعني: إذا التقى ساكنانِ إن كان الحرف الأول صحيحًا ليس من حروف العِلَّة كُسِر؛ مثل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة ١] وأصلها (لم يكنْ) لأنَّ (لَمْ) إذا دخلتْ على الفعل جزمتْه كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ٤]، لكن هنا التقى ساكنان وكان الأولُ حرفًا صحيحًا فكُسِر.

أمَّا إذا كان الأولُ حرفَ لين -يعني حرفًا من حروف العِلَّة- فإنَّه يُحذَف كما في هذه الآية ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾.

96:19Page 597

كـَلَّا لَا تُطِعۡهُ وَٱسۡجُدۡۤ وَٱقۡتَرِب۩ ١٩

No! Do not obey him. But prostrate and draw near [to Allāh].

﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]. يقال في ﴿كَلَّا﴾ ما قيل في الأولى التي قبلها، والخطاب في قوله: ﴿لَا تُطِعْهُ﴾ أي: لا تُطِعْ هذا الذي ينهاك عن الصلاة، بل اسجُدْ ولا تُبالِ به. وإذا كان الله نهى نبيَّه أن يطيع هذا الرجل فهذا يعني أنَّه جل وعلا سيدافع عنه؛ يعني: افعلْ ما تُؤمَر، ولا يُهِمَّنَّك هذا الرجل، واسجُدْ لله عز وجل. والمراد بالسجود هنا الصلاة، لكنْ عُبِّر بالسجود عن الصلاة لأنَّ السجود ركنٌ في الصلاة لا تصحُّ إلا به، فلهذا عُبِّر به عنها.

وقوله: ﴿وَاقْتَرِبْ﴾ أي: اقتربْ من الله عز وجل؛ لأنَّ الساجد أقربُ ما يكون من ربِّه كما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث قال: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»[[أخرجه مسلم (٤٨٢ / ٢١٥) من حديث أبي هريرة.]]، وقال عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنَ الدُّعَاءِ؛ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ»[[أخرجه مسلم (٤٧٩ / ٢٠٧) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، إلا أنَّه قال: «وأمَّا السجود فاجتهدوا في الدعاء...» الحديث.]]؛ أي: حريٌّ أن يُستجاب لكم.

هذه السورة العظيمة -كما سمعناها- سورةٌ عظيمةٌ ابتدأها الله تعالى بما مَنَّ به على رسوله عليه الصلاة والسلام من الوحي، ثم اختتمها بالسجود والاقتراب من الله عز وجل.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإيَّاكم القيامَ بطاعته والقربَ منه، وأن يجعلنا من أوليائه المتقين، وحزبه المفلحين، وعباده الصالحين.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском