Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
العلق
Al-'Alaq
The Clot · Meccan · 19 ayahs
96:1–5Page 597
ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ١
Recite in the name of your Lord who created –
خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ ٢
Created man from a clinging substance.
ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ ٣
Recite, and your Lord is the most Generous -
ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ ٤
Who taught by the pen –
عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ ٥
Taught man that which he knew not.
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أمَّا بعد، فهذا هو اللقاء الثاني والثمانون من اللقاء المعبَّر عنه بلقاء الباب المفتوح، والذي يكون كلَّ يوم خميس من كلِّ أسبوع، وهذا هو الخميس العشرون من شهر رجب عام خمسة عشر وأربع مئة وألف، وكان من عادتنا أن نبدأ هذا اللقاء بتفسير آياتٍ من كتاب الله عز وجل؛ لأن كتاب الله سبحانه وتعالى نزل لعدَّة حِكَم:
منها: التعبُّد لله تعالى بتلاوته؛ فإنَّ تلاوة كتاب الله مما يقرِّب إلى الله، والحرف الواحد منه ثوابه عشر حسنات.
ونزل أيضًا من أجل التدبُّر لمعانيه؛ حيث قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩]، وهذه الحكمة غفل عنها كثيرٌ من الناس، لا أقول: من عامَّة الناس؛ حتى من طلبة العلم، تجد بعض الطلاب يعتنون بشرح الأحاديث أو كلام الفقهاء أو غيرهم من علماء الشريعة، لكن لا يعتنون بتفسير كتاب الله عز وجل، مع أنَّ كتاب الله هو أمُّ الكُتُب كلِّها وإليه مرجع الكتب، وكتاب الله عز وجل هو الذي كُلِّفْنا بأن نتدبَّر آياته وأن نتَّعظ بها، لهذا نرى أنَّه لا يليق بطالب العلم أن يُعرِض عن تفسير كتاب الله وهو يعتني بتفسير كلام غير الله عز وجل.
وابتدأنا هذا التفسير بسورة النبأ؛ لأنَّ هذا الجزء كثيرًا ما يُقرأ في الصلوات كصلاة المغرب والعشاء فيسمعه العامة، فيَحْسن أن يعرفوا معاني هذا الجزء من كتاب الله عز وجل.
وآيات الله سبحانه وتعالى في الكتاب العزيز متشابهة، ربما تجد بعضَ الآيات بنصِّها ولفظها في موضعٍ آخر؛ مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة ٧٣، التحريم ٩]، هذه الآية وردتْ بلفظها في مكانٍ آخر في كتاب الله، وردتْ في التوبة ووردتْ في سورة التحريم، فكتاب الله تعالى يشبه بعضُه بعضًا.
هذا اللقاءُ اليومَ سيكون الذي نتكلَّم عليه من كتاب الله هو سورة (اقرأ)؛ إذ إنَّنا -ولله الحمد- أكملنا ما سبق.
يقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق ١].
وفي البسملة بحثٌ سبقت الإشارة إليه لكنْ لا مانع من إعادته، وهو: هل البسملة آيةٌ من السورة التي تليها أم هي آيةٌ مستقلَّة؟
الصحيح أنها آيةٌ مستقلَّة وأنها ليست من السورة التي تليها، فلا هي من الفاتحة ولا من البقرة ولا من آل عمران، بل هي آيةٌ مستقلَّة، ولهذا لو أنَّ الإنسان في الصلاة قرأ الفاتحة بدون البسملة فصلاته صحيحة لأنَّ البسملة ليستْ منها، لكن سورة براءة لم تُكتب فيها البسملة لأنها لم تنزل البسملة بينها وبين سورة الأنفال، لكن اشتبه على الصحابة حين جمعوا القرآن فجعلوا فاصلًا بين سورة الأنفال وسورة براءة ولم يكتبوا البسملة.
يقول الله عز وجل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ١ - ٥] هذه الآيات أولُ ما نزل على الرسول عليه الصلاة والسلام من القرآن، هي أولُ ما نزل عليه من القرآن، نزلتْ عليه وهو يتعبَّد في غار حراء، وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أول ما بُدئ به الوحي أنَّه يرى الرؤيا في المنام، يراها في المنام فتأتي مثل فَلَق الصبح[[أخرج البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠ / ٢٥٢)، من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان أول ما بُدِئ به رسولُ الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح...» الحديث.]]؛ يعني يحدث ما يصدِّق هذه الرؤيا، وأول ما كان يرى هذه الرؤيا في ربيع الأول، فبقي ستة أشهر يرى مثل هذه الرؤيا ويراها تجيء مثل فَلَق الصبح[[قال الخطابي في معالم السنن (٤ / ١٣٩): فأمَّا تحديد أجزائها بالعدد المذكور فقد قال في ذلك بعضُ أهل العلم قولًا؛ زعم أنَّ رسول الله ﷺ بقي منذ بدء الوحي إلى أن مات ثلاثًا وعشرين سنة، أقام بمكة منها ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين، وكان يوحى إليه في منامه في أول الأمر بمكة ستة أشهر، وهي نصف سنة، فصارت هذه المدة جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.]]، وفي رمضان نزل الوحي الذي يكون في اليقظة، والمدَّة بين ربيع الأول ورمضان ستة شهور، وزمن الوحي ثلاثٌ وعشرون سنة، ولهذا جاء في الحديث أنَّ «الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»[[أخرجه البخاري (٦٩٨٩) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]].
لَمَّا كان يرى هذه الرؤيا التي تجيء مثل فَلَق الصبح حُبِّب إليه الخلاء؛ يعني أن يخلو بنفسه ويبتعد عن هذا المجتمع الجاهلي، فرأى عليه الصلاة والسلام أنَّ أحسن ما يخلو به هذا الغار الذي في جبل حراء، وهو غارٌ في قمَّة الجبل لا يكاد يصعد إليه الإنسان القويُّ إلا بمشقة، فكان يصعده عليه الصلاة والسلام ويتحنَّث -يتعبَّد لله عز وجل- بما فتح الله عليه في هذا الغار الليالِيَ ذوات العدد؛ يعني عدَّة ليالٍ، ومعه زادٌ أخذه يتزوَّد به من طعامٍ وشرابٍ، ثم ينزل ويتزوَّد لمثلها من أهله ويرجع ويتحنَّث لله عز وجل إلى أن نزل عليه الوحي وهو في هذا الغار، أتاه جبريل وأمَرَه أن يقرأ فقال: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ». ومعنى «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» يعني: لستُ من ذوي القراءة، وليس مراده المعصية لأمر جبريل، لكنَّه لا يستطيع، ليس من ذوي القراءة؛ إذْ إنَّه هو ﷺ كان أُمِّيًّا كما قال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ [الأعراف ١٥٨]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢]، فكان لا يقرأ ولا يكتب، وهذا من حكمة الله أنَّه لا يقرأ ولا يكتب حتى تتبيَّن حاجته وضرورته إلى هذه الرسالة، وحتى لا يبقى لشاكٍّ شكٌّ في صِدْقه، وقد أشار الله إلى هذه في قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت ٤٨].
قال له: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، فغطَّه مرَّتين أو ثلاثًا ثم قال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ١ - ٥] خمس آياتٍ نزلتْ، فرجع بها النبي ﷺ يَرجُف فؤادُه من الخوف والفزع حتى أتى إلى خديجة. وحديث الوحي وابتدائه موجودٌ في أول صحيح البخاري[[أخرج البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠ / ٢٥٢) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان أول ما بُدِئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنَّث فيه -وهو التعبد- الليالي أولات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزوَّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوَّد لمثلها، حتى فَجِئه الحقُّ وهو في غار حراء، فجاءه الملَك فقال: اقرأ. قال: «ما أنا بقارئ». قال: فأخذني فغطَّني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. قال: قلتُ: «ما أنا بقارئ». قال: فأخذني فغطَّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: «ما أنا بقارئ». فأخذني فغطَّني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]...» الحديث.]]، من أحبَّ أن يرجع إليه فليرجعْ.
يقول الله عز وجل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، قوله: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ قيل: معناه: متلبِّسًا بذلك. وقيل: مستعينًا بذلك؛ يعني: اقرأْ مستعينًا باسم الله؛ لأن أسماءَ الله تعالى كلَّها خيرٌ، كلها إعانٌة، يستعين بها الإنسان، ولذلك يستعين بها الإنسانُ على وضوئه، ويستعين بها على أكْله، ويستعين بها على جِماعه، فهي كلُّها عَونٌ.
﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ...﴾ إلى آخره، وقال: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ دون أن يقول: (باسم الله) لأنَّ المقامَ مقامُ ربوبيَّةٍ وتصرُّفٍ وتدبيرٍ للأمور وابتداءِ رسالةٍ، فلهذا قال: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إشارةً إلى أنَّه عليه الصلاة والسلام قد ربَّاه الله تعالى تربيةً خاصةً وربَّه كذلك ربوبيةً خاصَّة.
﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ خَلَق أيَّ شيءٍ؟ خَلَق كلَّ شيءٍ؛ كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان ٢]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر ٦٢]، فما من شيءٍ في السماء ولا في الأرض مِن خفيٍّ وظاهرٍ وصغيرٍ وكبيرٍ إلا وهو مخلوقٌ لِمَن؟ لله عز وجل، ولهذا قال: ﴿خَلَقَ﴾ وحذَفَ المفعولَ إشارةً للعموم؛ لأن حذْف المفعولِ يفيد العموم؛ إذْ لو ذُكِر المفعول لتقيَّد الفعل به. مفهوم هذا الكلام؟ يعني لو قال: (خَلَق كذا) تقيَّد الخلْق بما ذُكِر فقط، لكن إذا قال: (خَلَقَ) وأطلقَ صار عامًّا، فهو خالقُ كلِّ شيءٍ جل وعلا.
ثم قال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ فنصَّ وخصَّ خلْقَ الإنسانِ تكريمًا للإنسان وتشريفًا للإنسان؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٧٠]. فلهذا نصَّ على خلْق الإنسان.
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ أي: ابتدأ خلْقه.
﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ اسمُ جمع (عَلَقة)، كـ(شَجَر) اسم جمع (شجرة). فما هو العَلَق؟
العَلَق هو عبارة عن دودةٍ حمراءَ من الدم صغيرةٍ، وهذا المنشأُ الذي به الحياة؛ لأنَّ الإنسان دمٌ، لو تفرَّغ من الدم لَهلك، وقد بيَّن الله عز وجل أنَّه خلقَ الإنسانَ من عَلَقٍ ولكنَّه يتطوَّر، وبيَّن في آياتٍ أخرى أنَّه خَلَق الإنسانَ من تراب، وفي آياتٍ أخرى خَلَقه من طين، وفي آيةٍ أخرى من صلصالٍ كالفخَّار، وفي آيةٍ أخرى من ماءٍ دافق، وفي آيةٍ أخرى من ماءٍ مهين، وفي هذه الآية من عَلَق، فهل في هذا تناقض؟
الجواب: لا، ولا يمكن أن يكون في كلام الله تعالى أو ما صحَّ عن رسوله ﷺ شيءٌ من التناقض أبدًا؛ فإنَّ الله يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]، لكنَّه سبحانه وتعالى يذكر أحيانًا مبدأَ الخلْق من وجهٍ، ومبدأَ الخلْق من وجهٍ آخَر؛ فخَلَقه من ترابٍ يعني أول ما خُلِق الإنسانُ من التراب، ثم صُبَّ عليه الماءُ فكان طينًا، ثم استمرَّ مدَّةً فكان حمأً مسنونًا، ثم طالت مدَّته فكان صلصالًا؛ يعني إذا ضربْتَه بيدك تسمع له صلصلةً كالفخَّار، ثم خَلَقه عز وجل لحمًا، وعظمًا، وعصَبًا إلى آخره، هذا ابتداءُ الخلْق المتعلِّق بآدم.
الخلْق الآخَر من بَنِيه أولُ مَنْشئهم من نُطْفة، وهي الماء المهين، وهي الماء الدافق، هذه النُّطْفة تبقى في الرَّحِم أربعين يومًا ثم تتحوَّل شيئًا فشيئًا، وبتمام الأربعين تنقلب بالتطوُّر والتدريج حتى تكون دمًا؛ عَلَقةً، ثم تبدأ بالنمو والثخونة وتتطوَّر شيئًا فشيئًا، فإذا تَمَّت ثمانين يومًا انتقلتْ إلى مُضْغة؛ قطعة من لحمٍ بقدر ما يمضغه الإنسان، وتبقى كذلك أربعين يومًا، فهذه مئةٌ وعشرون يومًا، وهي بالأشهر كم؟ أربعة أشهر. بعد أربعة أشهر يبعث الله إليه الملَك الموكَّل بالأرحام فينفخ فيه الروح، فتدخل الروح في الجسد بإذْن الله عز وجل، والروح لا نستطيع أن نعرف كُنهها وحقيقتها ومادَّتها، ما ندري مِن أيِّ مادَّة هي، الجسد عرفنا أنه منين؟ أصله من التراب، ثم في أرحام النساء من النُّطْفة. لكن الروح ما نعرف من أيِّ جوهرٍ هي، ولا من أيِّ مادَّة؛ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥]، فينفخ الملَكُ الروحَ في هذا الجنين فيبدأ يتحرَّك؛ لأنَّ نماءه الأول كنماء الأشجار بدون إحساس، بعد أن تُنفخ فيه الروح يكون آدميًّا يتحرك، ولهذا إذا سقط الحمْل من البطن قبل أربعة أشهر دُفِن في أيِّ مكانٍ من الأرض بدون تغسيلٍ ولا تكفينٍ ولا صلاةٍ عليه، ولا يُبعَث هذا لأنَّه ليس آدميًّا، وبعد أربعة أشهر إذا سقط يجب أن يُغَسَّل ويُكَفَّن ويُصلَّى عليه ويُدفَن في المقابر لأنَّه صار إنسانًا، ويُسَمَّى أيضًا لأنَّه يوم القيامة سيُدعى باسمه، ويُعَقُّ عنه، لكن العقيقة عنه ليستْ في التأكيد كالعقيقة عمَّن بلغَ سبعةَ أيام بعد خروجه.
على كلِّ حال هذا الجنين في بطن أمه يتطوَّر حتى يكون بشرًا، ثم يأذنُ الله عز وجل له بعد المدَّة التي أكثر ما تكون عادةً تسعة أشهرٍ فيخرج إلى الدنيا.
وبهذه المناسبة أودُّ أن أُبَيِّن أنَّ للإنسان أربعَ دورٍ: الدار الأولى في بطن أُمِّه، والثانية في الدنيا، والثالثة في البرزخ، والرابعة في الجنة أو النار، وهي المنتهى.
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ويش قلنا في العَلَق؟ اسم جمع (عَلَقة)، وهي دودة من الدم معروفة، وهذا أول نشأة الإنسان الذي يتكوَّن منه مادَّة الحياة وهو الدم.
﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ٣ - ٥].
﴿اقْرَأْ﴾ تكرار للأولى، لكن هل هي توكيد أو هي تأسيس؟
الصحيح أنها تأسيس، وأنَّ الأولى ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ قُرِنتْ بما يتعلَّق بالربوبية، و﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ بما يتعلَّق بالشرع، فالأولى بما يتعلَّق بالقدر والثانية بما يتعلَّق بالشرع؛ لأنَّ التعليم بالقلم أكثر ما يعتمد الشرع عليه؛ إذْ إنَّ الشرع يُكتب ويُحفظ، القرآن يُكتب ويُحفظ، السُّنَّة تُكتب وتُحفظ، كلام العلماء يُكتب ويُحفظ، فلهذا أعادها الله مرَّةً ثانيةً، ويأتي إن شاء الله بقيَّة الكلام على هذه الآية؛ لأن (...).
96:6–7Page 597
كـَلَّآ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَيَطۡغَىٰٓ ٦
No! [But] indeed, man transgresses
أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰٓ ٧
Because he sees himself self-sufficient.
نبتدئ هذا اللقاء بما يسَّر الله سبحانه وتعالى من تفسير سورة (اقرأ)؛ سورة العَلَق، انتهينا فيها إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ٥].
قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق ٦، ٧].
﴿كَلَّا﴾ في القرآن الكريم تَرِدُ على عدَّة معانٍ، منها أن تكون بمعنى حقًّا كما في هذه الآية، فـ﴿كَلَّا﴾ بمعنى حقًّا؛ يعني أنَّ الله تعالى يُثبت هذا إثباتًا لا مِرية فيه.
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾، ﴿الْإِنْسَانَ﴾ ليس شخصًا معيَّنًا، بل المراد الجنس؛ كلُّ إنسانٍ من بني آدم إذا رأى نفسَه استغنى فإنَّه يطغى؛ من الطُّغيان وهو مجاوزة الحد، إذا رأى أنَّه استغنى عن رحمة الله طغى ولم يُبالِ، إذا رأى أنَّه استغنى عن الله عز وجل في كَشْف الكُرُبات وحصول المطلوبات صار لا يلتفت إلى الله ولا يبالي، إذا رأى أنَّه استغنى بالصحة نَسِيَ المرض، وإذا رأى أنَّه استغنى بالشبع نَسِيَ الجوع، إذا رأى أنَّه استغنى بالكسوة نَسِيَ العُري ... وهكذا، فالإنسان من طبيعته الطُّغيان والتمرُّد متى رأى نفسَه في غِنًى، ولكن هذا يخرج منه المؤمن؛ لأنَّ المؤمن لا يرى أنه استغنى عن الله طرفة عين، فهو دائمًا مفتقرٌ إلى الله سبحانه وتعالى، يسألُ ربَّه كلَّ حاجة، ويلجأُ إليه عند كلِّ مكروه، ويرى أنَّه إنْ وَكَله الله إلى نفسه وَكَله إلى ضعفٍ وعجْزٍ وعورةٍ وأنَّه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، هذا هو المؤمن، لكن الإنسان من حيث هو إنسانٌ من طبيعته الطغيان، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢].
ثم قال عز وجل مهدِّدًا هذا الطاغية: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق ٨] أي: المرجع؛ يعني مهما طغيتَ وعلوتَ واستكبرتَ واستغنيتَ فإنَّ مرجعك إلى الله عز وجل؛ كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية ٢٣ - ٢٦]، وإذا كان المرجع إلى الله في كلِّ الأمور فإنَّه لا يمكن لأحدٍ أن يفرَّ من قضاء الله أبدًا ولا من ثواب الله وعدله.
وقوله: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ ربما نقول: إنَّه أعمُّ من الوعيد والتهديد؛ يعني أنَّه يشمل الوعيد والتهديد، لكنَّه ربما يشمل ما هو أعمُّ، فيكون المعنى أنَّ إلى الله المرجع في كلِّ شيءٍ؛ في الأمور الشرعية التحاكم إلى أيِّ شيء؟ إلى الكتاب والسُّنَّة؛ ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩]، والأمور الكونية المرجع فيها إلى مَن؟ إلى الله؛ ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال ٩]، فلا رجوع للعبد إلا إلى الله، كلُّ الأمور ترجع إلى الله عز وجل، يفعل ما يشاء، حتى ما يحصل بين الناس من الحروب والفِتَن والشرور فإنَّ الله هو الذي قدَّرها، لكنَّه قدَّرها لحكمةٍ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾ [البقرة ٢٥٣].
إذَنْ ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ يكون فيها تهديدٌ لهذا الإنسان الذي طغى حين رأى نفسَه مستغنيًا عن ربِّه، وفيها أيضًا ما هو أشمل وأعمُّ؛ وهو أنَّ المرجع إلى الله تعالى في كلِّ الأمور.
96:9–14Page 597
أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يَنۡهَىٰ ٩
Have you seen the one who forbids
عَبۡدًا إِذَا صَلَّىٰٓ ١٠
A servant when he prays?
أَرَءَيۡتَ إِن كَانَ عَلَى ٱلۡهُدَىٰٓ ١١
Have you seen if he is upon guidance
أَوۡ أَمَرَ بِٱلتَّقۡوَىٰٓ ١٢
Or enjoins righteousness?
أَرَءَيۡتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰٓ ١٣
Have you seen if he denies and turns away -
أَلَمۡ يَعۡلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ ١٤
Does he not know that Allāh sees?
ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق ٩، ١٠] يعني: أخبِرْني عن حال هذا الرجُل وتعجَّبْ من حال هذا الرجُل الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى. فعندنا الآن ناهٍ وعندنا مَنْهيٌّ، فمن هو الناهي؟
الناهي هو طاغيةُ قريشٍ أبو جهل، وكان يُسمَّى في قريشٍ أبا الحَكَم لأنهم يتحاكمون إليه ويرجعون إليه، فاغترَّ بنفسه-والعياذ بالله- وشرق بالإسلام ومات على الكفر كما هو معروف، هذا الرجل سَمَّاه النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبا جهل ضد تسميتهم إيَّاه أبا الحكم.
وأمَّا المنهيُّ فهو محمدٌ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو العبد؛ ﴿عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾. أبو جهلٍ قيل له: إنَّ محمدًا يصلِّي عند الكعبة أمام الناس، يَفْتن الناس ويصدُّهم عن أصنامهم وآلهتهم. فمرَّ به ذات يومٍ وهو ساجدٌ، فنهى النبيَّ عليه الصلاة والسلام وقال: لقد نهيتُك، فلماذا تفعل؟ فانتهره النبيُّ عليه الصلاة والسلام فرجع، ثم قيل لأبي جهل: إنَّه -أي: محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مازال يصلي. فقال: واللهِ لئن رأيتُه لأطأنَّ عُنُقَه بقَدَمي ولأُرغمنَّ وجهه في التراب. فلمَّا رآه ذات يومٍ ساجدًا تحت الكعبة وأقبلَ عليه يريد أن يبرَّ بيمينه وقَسَمه، لَمَّا أقبلَ عليه وجد بينه وبينه خندقًا من النار وأهوالًا عظيمة، فنكص على عَقِبيه وعجز أن يَصِل إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم[[أخرج مسلم (٢٧٩٧ / ٣٨) من حديث أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يُعفِّر محمدٌ وجهَه بين أظهركم؟ قال فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيتُه يفعل ذلك لأطأنَّ على رقبته أو لأعفِّرن وجهَه في التراب. قال: فأتى رسولَ الله ﷺ وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فَجِئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إنَّ بيني وبينه لَخندقًا من نارٍ وهولًا وأجنحةً. فقال رسول الله ﷺ: «لو دنا مني لاختطفتْه الملائكة عضوًا عضوًا».]]، هذا العبد الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى يُتعجَّب من حاله، كيف يفعل هذا؟! ولهذا جاء في آخِر الآيات: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق ١٤] وأنَّه سيُجازيه.
ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ [العلق ١١، ١٢] ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق ١٤].
﴿أَرَأَيْتَ﴾ يعني: أخبِرْني أيُّها المخاطَب.
﴿إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ مَن يعني به: الناهي أبا جهل، أو الساجدَ محمدًا ﷺ؟
يعني به الثاني؛ يقول: أرأيتَ إن كان هذا الساجدُ على الهدى، فكيف تنهاه عنه؟!
﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ قال بعض المفسرين ﴿أَوْ﴾ هنا بمعنى الواو؛ يعني: وأَمَر بالتقوى. ولكن الصحيح أنها على بابها للتنويع؛ يعني: أرأيتَ إن كان على الهدى فيما فَعَل من السجود والصلاة أو أَمَر غيره بالتقوى؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمر بالتقوى بلا شك، فهو صالحٌ بنفسه مصلحٌ لغيره.
﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ يعني: يرى المنهيَّ وهو الساجد؛ محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم الآمرَ بالتقوى، ويرى هذا العبدَ الطاغيةَ الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى.
﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ يرى سبحانه وتعالى عِلْمًا ورؤيةً؛ فهو سبحانه وتعالى يرى كلَّ شيءٍ مهما خَفِيَ ودقَّ، ويعلم كلَّ شيءٍ مهما بَعُد ومهما كثُر أو قلَّ، فيعلم الآمرَ والناهيَ، ويعلم المصلِّيَ والساجدَ، ويعلم مَن طغى ومَن خضع لله عز وجل، وسيجازي كلَّ إنسانٍ بعمله. والمقصود من هذا تهديدُ هذا الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى، وبيانُ أنَّ الله تعالى يعلم بحاله وحال مَن ينهاه، وسيجازي كلًّا منهما بما يستحقُّ.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإيَّاكم من الساجدين لله، الآمِرين بتقوى الله على هُدًى من الله ونورٍ، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.
* * *
(...) نفتتحه بالكلام على ما بَقِيَ من تفسير سورة العَلَق.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق ٩ - ١٤] كلُّ هذا للتهديد، تهديدِ هذا الرجُل الذي كان ينهى رسولَ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الصلاة، حتى إنَّه توعَّده وقال لأطأنَّ عُنُقَه إذا سجد، ولكنْ أَبَى الله تعالى ذلك؛ فقد همَّ به، ولكنَّه نكص على عَقِبيه ورأى أهوالًا عظيمةً حالت بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم[[أخرج مسلم (٢٧٩٧ / ٣٨) من حديث أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يُعفِّر محمدٌ وجهَه بين أظهركم؟ قال فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيتُه يفعل ذلك لأطأنَّ على رقبته أو لأعفِّرن وجهَه في التراب. قال: فأتى رسولَ الله ﷺ وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فَجِئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إنَّ بيني وبينه لَخندقًا من نارٍ وهولًا وأجنحةً. فقال رسول الله ﷺ: «لو دنا مني لاختطفتْه الملائكة عضوًا عضوًا».]].
وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ يحتمل أن تكون من الرؤية بالعَيْنِ، ويحتمل أن تكون من رؤية العِلْم، وكلاهما صحيح؛ فالربُّ عز وجل يرى بعِلْمه ويرى ببصره جل وعلا، لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء.
والمرادُ بهذه الجملةِ التهديدُ؛ يعني: ألَمْ يعلمْ هذا الرجُل أنَّ الله تعالى يراه ويعلمه، وهو سبحانه وتعالى محيطٌ بعمله فيُجازيه عليه إمَّا في الدنيا وإمَّا في الدنيا والآخرة.
96:15Page 597
كـَلَّا لَئِن لَّمۡ يَنتَهِ لَنَسۡفَعَۢا بِٱلنَّاصِيَةِ ١٥
No! If he does not desist, We will surely drag him by the forelock1 –
ثم قال: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق ١٥] ﴿كَلَّا﴾ هذه بمعنى حقًّا. ويحتمل أن تكون للرَّدْع؛ أي: لِرَدْعه عن فِعْله السيئ الذي كان يقوم به تجاه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أو بمعنى: حقًّا لَنَسْفَعنْ بالناصية.
وجملة ﴿لَنَسْفَعًا﴾ جوابٌ لقَسَمٍ مقدَّر، والتقدير: واللهِ لئنْ لم يَنْتَهِ لَنَسْفَعنْ بالناصية. وحُذِف جوابُ الشرط وبقي جواب القَسَم لأنَّ هذه هي القاعدة في اللغة العربية: أنَّه إذا اجتمع قَسَمٌ وشرطٌ فإنَّه يُحذَف جوابُ المؤخَّر؛ قال ابن مالك في ألفيته:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــــــوَابَ مَا أَخَّـــــرْتَ فَـــــهْوَمُــــــلْتَــــزَمْ
وهُنا المتأخِّر هو الشرط ﴿لَئِنْ﴾، والقَسَم مقدَّر قبله؛ إذْ تقديره: واللهِ لئنْ لم يَنْتَهِ لَنَسْفَعنْ.
ومعنى ﴿لَنَسْفَعًا﴾ أي: لَنأخُذَنَّ بشِدَّة. و(النَّاصِية) مقدَّم الرأس، و(أل) فيها -أي: في الناصية- (أل) للعهد. أيُّ عهدٍ هو؟ العهد الذهني. والمراد بالناصية هنا ناصية أبي جهلٍ الذي توعَّد النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم على صلاته ونهاه عنها؛ أي: لَنَسْفَعَنْ بناصيته.
وهل المراد الأخذ بالناصية في الدنيا، أو في الآخرة يُجَرُّ بناصيته إلى النار؟
يحتمل هذا وهذا، يحتمل أنَّه يؤخَذ بالناصية، وقد أُخِذ بناصيته في يوم بدر حين قُتِل مع مَن قُتِل من المشركين، ويحتمل أن يكون يؤخَذ بناصيته يوم القيامة فيُقذَف في النار؛ كما قال الله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن ٤١]، وإذا كانت الآية صالحةً لمعنيَيْنِ لا يناقض أحدُهما الآخَر فإنَّ الواجب حملُها على المعنيَيْنِ جميعًا كما هو المعروف والذي قرَّرْناه سابقًا ونقرِّره الآن: أنَّ الآية إذا كانت تحتمل معنيَيْنِ لا ينافي أحدُهما الآخَر فالواجب الأخذ بالمعنيَيْنِ جميعًا.
قوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق ١٦] ﴿نَاصِيَةٍ﴾ بدلٌ من الناصية الأولى، وهي بدلُ نكرة من معرفة، وهي جائزة في اللغة العربية، وإنما قال: ﴿نَاصِيَةٍ﴾ من أجْل أن يكون ذلك توطئةً للوصف الآتي بعدها وهو قوله: ﴿كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾.
﴿كَاذِبَةٍ﴾ أيْ إنها موصوفةٌ بالكذب، ولا شكَّ أنَّ مِن أكبر ما يكون كذبًا ما يحصل من الكفار الذين يدَّعون أنَّ مع الله آلهةً أخرى، فإنَّ هذا أكذبُ القولِ وأقبحُ الفعل.
﴿خَاطِئَةٍ﴾ أي: مرتكبةٍ للخطأ عمدًا. وليُعلَم أنَّ هناك فرقًا بين (خاطئ) و(مخطئ)؛ الخاطئ مَن ارتكبَ الخطأَ عمدًا، والمخطئ مَن ارتكبه جهلًا، والثاني معذورٌ، والأول غير معذور؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة ٣٧] أي: المذنبون ذنبًا عن عمدٍ، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] فقال الله: «قَدْ فَعَلْتُ»[[أخرجه مسلم (١٢٦ / ٢٠٠) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]]، ومثل ذلك القاسط والمقْسِط؛ القاسط هو الجائر، والمقْسِط هو العادل؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات ٩]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن ١٥] إذَن ﴿خَاطِئَةٍ﴾ أي: مرتكبةٍ للإثم عمدًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences