And We have already created man and know what his soul whispers to him, and We are closer1 to him than [his] jugular vein.
ثم صورت السورة الكريمة بعد ذلك علم الله - تعالى - الشامل لكل شئ تصويرا يأخذ بالألباب ، وبينت سكرات الموت وغمراته ، وأحوال الإِنسان عند البعث . . بيانا رهيبا مؤثرا . قال - تعالى - : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ . . . اليوم حَدِيدٌ ) .والمراد بالإِنسان فى قوله - تعالى - : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ) جنسه . وقوله : ( تُوَسْوِسُ ) من الوسوسة وهو الصوت الخفى ، والمراد به حديث الإِنسان مع نفسه . قال الشاعر :وأكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزرى بالأمل( مَا ) موصولة ، والضمير عائد عليها والباء صلة ، أى : ونعلم الأمر الذى تحدثه نفسه به . ويصح أن تكون مصدرية ، والضمير للإِنسان ، والباء للتعدية ، أى ونعلم وسوسة نفسه إياه .والمتدبر فى هذه الآية يرى أن افتتاحها يشير إلى مضمونها ، لأن التعبير بخلقنا ، يشعر بالعلم التام بأحوال المخلوق ، إذ خالق الشئ وصانعه أدرى بتركيب جزئياته . أى : والله لقد خلقنا بقدرنا هذا الإِنسان . ونعلم علما تاما شاملا ما تحدثه به نفسه من أفكار وخواطر . .وقوله : ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد ) تقرير وتوكيد لما قبله .وحبل الوريد : عرق فى باطن العنق يسرى فيه الدم ، والإِضافة بيانية . أى : حبل هو الوريد . أى : ونحن بسبب علمنا التام بأحواله كلها ، أقرب إليه من أقرب شئ لديه ، وهو عرق الوريد الذى فى باطن عنقه ، أو اقرب إليه من دمائه التى تسرى فى عروقه .فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن علم الله - تعالى - بأحوال الإِنسان ، أقرب إلى هذا الإِنسان ، من أعضائه ومن دمائه التى تسرى فى تلك الأعضاء .والمقصود من القرب : القرب عن طريق العلم ، لا القرب فى المكان لاستحالة ذلك عليه - تعالى - .قال القرطبى : قوله : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان ) يعنى الناس . ( وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ) أى : ما يختلج فى سره وقلبه وضميره ، وفى هذا زجر عن المعاصى التى استخفى بها . . . ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد ) هو حبل العاتق ، وهو ممتد من ناحية حلقه إلى عاتقه ، وهما وريدان عن يمين وشمال . . والحبل هو الوريد فأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين . . وهذا تمثيل لشدة القرب . أى : ونحن أقرب إليه من حبل وريده الذى هو من نفسه . . وهذا القرب ، هو قرب العلم والقدرة ، وأبعاض الإِنسان يحجب البعضُ البعضَ ، ولا يحجب علم الله - تعالى - شئ .وقال القشيرى : فى هذه الآية هيبة وفزع وخوف لقوم ، وروح وأنس وسكون قلب لقوم .وعلى هذا التفسير الذى سرنا عليه . وسار عليه من قبلنا جمهور المفسرين يكون الضمير ( نَحْنُ ) يعود إلى الله - تعالى - ، وجئ بهذا الضمير بلفظ ( نَحْنُ ) على سبيل التعظيم .ويرى الإِمام ابن كثير أن الضمير هنا يعود إلى الملائكة ، فقد قال - رحمه الله - وقوله : ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد ) يعنى ملائكته - تعالى - أقرب إلى الإِنسان من حبل وريده إليه . ومن تأوله على العلم فإنما فر لئلا يلزم حلول أو اتحاد ، وهما منفيان بالإِجماع - تعالى الله وتقدس - ولكن اللفظ لا يقتضيه فإنه لم يقل : وأنا أقرب إليه من حبل الوريد وإنما قال : ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد ) كما قال فى المحتضر ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ ) يعنى ملائكته .وكذلك الملائكة أقرب إلى الإِنسان من حبل وريده إليه ، بإقدار الله لهم على ذلك .وهذا الذى ذهب إليه ابن كثير وإن كان مقبولا - لأنه قرب الملائكة من العبد بإقدار الله لهم على ذلك - إلا أن ما ذهب إليه الجمهور من أن الضمير ( نَحْنُ ) لله - تعالى - أدل على قرب الله - سبحانه - لأحوال عباده ، وأظهر فى معنى الآية ، وأزجر للإِنسان عن ارتكاب المعاصى .
When the two receivers [i.e., recording angels] receive,1 seated on the right and on the left.
و ( إِذْ ) فى قوله - تعالى - : ( إِذْ يَتَلَقَّى المتلقيان . . ) ظرف منصوب بقوله ( أَقْرَبُ ) أى : ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ، فى الوقت الذى يتلقى فيه ( المتلقيان ) وهما الملكان جميع ما يصدر عن هذا الإِنسان .وهو - سبحانه - وإن كان فى غير حاجة إلى كتابة هذين الملكين لما يصدر عن الإِنسان ، إلا أنه - تعالى - قضى بذلك لحكم متعددة ، منها إقامة الحجة على العبد يوم القيامة ، كما أشار - سبحانه - إلى ذلك فى قوله : ( . . . وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقرأ كتابك كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيباً ) ومفعول التلقى فى الفعل الذى هو يتلقى ، وفى الوصف الذى هو المتلقيان ، محذوف ، والتقدير إذ يتلقى المتلقيان جميع ما يصدر عن الإِنسان فيكتبانه عليه .وقوله : ( عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال قَعِيدٌ ) بيان ليقظة الملكين وحرصهما على تسجيل لكل ما يصدر عن الإِنسان .و ( قَعِيدٌ ) بمعنى المقاعد ، أى الملازم للإِنسان ، كالجليس بمعنى المجالس .والمعنى : عن يمين الإِنسان ملك ملازم له لكتابة الحسنات ، وعن الشماء كذلك ملك آخر ملازم له لكتابة السيئات وحذف لفظ قعيد من الأول لدلالة الثانى عليه ، كما فى قول الشاعر :نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأى مختلفأى : نحن راضون بما عندنا وأنت راض بما عندك . .
He [i.e., man] utters no word except that with him is an observer prepared [to record].
ثم أكد - سبحانه - كل هذه المعانى بقوله : ( مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) أى : ما يتكلم هذا الإِنسان من كلام ، وما يفعل من فعل ، إلا ولديه ملك " رقيب " أى : حفيظ يكتب أقواله " عتيد " أى : مهيأ لذلك ، حاضر عنده لا يفارقه .يقال : عَتُدَ الشئ - ككَرُمَ - عتادة وعتادا ، أى : حضر ، فهو عتَد وعَتِيدٌ ، ويتعدى بالهمزة وبالتضعيف ، فيقال : أعْتَدَه صاحبه وعتَّده ، إذا هيأه وأعده .والمراد أن الملكين اللذين أحدهما عن يمينه والثانى عن شماله ، كلاهما مراقب لأعمال الإِنسان ، حاضر لكتابتها .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ) وقوله - سبحانه - : ( أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بلى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ )وقوله - عز وجل - : ( هذا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) قال بعض العلماء ما ملخصه : وبعض العلماء يرى أن الملكين يكتبان كل شئ حتى الأنين فى المرض . . لأن قوله - تعالى - ( مِن قَوْلٍ ) نكرة فى سياق النفى فتعم كل قول . .وبعضهم يرى أن الملكين لا يكتبان من الأعمال إلا ما فيه ثواب أو عقاب ، وقالوا : إن فى الآية نعتا محذوفا ، سوغ حذفه العلم به ، لأن كل الناس يعلمون أن الجائز لا ثواب فيه ولا عقاب ، وتقدير النعت المحذوف : ما يلفظ من قول مستوجب للجزاء إلا ولديه رقيب عتيد . .
And the intoxication of death will bring the truth; that is what you were trying to avoid.
ثم بين - سبحانه - حالة الإِنسان عند الاحتضار فقال : ( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ) . أى . وجاءت لكل إنسان سكرة الموت وشدنته وغرمته وكرتبه ، ملتبسة بالحق الذى لا شك فيه ولا باطل معه ( ذَلِكَ ) أى : الموت الذى هو نهاية كل حى ( مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ) أى : تميل وتهرب وتفر منه فى يحاتك . يقال : حاد فلان عن الشئ يَحِيدُه حَيْدَةً . . إذا تنحى عنه وابتعد .أخرج الإِمام أحمد وابن جرير عن عبد الله مولى الزبير بن العوام قال : لما حضر أبو بكر الموت ، بكت ابنته عائشة ، وتمثلت بقول الشاعر :لعمرك ما يغنى الحذار عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدرفقال لها أبو بكر - رضى الله عنه - : لا تقولى ذلك يا بنتى ، ولكن قولى : ( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ) .
And the Horn will be blown. That is the Day of [carrying out] the threat.
ثم بين - سبحانه - نهاية هذه الدنيا فقال : ( وَنُفِخَ فِي الصور ) أى : النفخة الأخيرة . . ( ذَلِكَ يَوْمُ الوعيد ) أى : ذلك الوقت الذى يكون فيه النفخ الأخير فى الصور ، هو الوقت الذى توعد الله - تعالى - فيه كل كافر بسوء المصير ، كما وعد كل مؤمن بحسن الجزاء .وخص الوعيد بالذكر ، لتهويل هذا اليوم ، وتحذير العصاة مما سيكون فيه .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences