Ибн аль-КаййимАль‑Фатх · 48:18

Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском

Аль-Фатх 48:18

48:18Страница 513

۞ لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا ١٨

Аллах остался доволен верующими, когда они присягали тебе под деревом в Худейбии. Он знал, что у них в сердцах, и ниспослал им покой и вознаградил их близкой победой

أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ رِضاهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِدُخُولِهِمْ تَحْتَ البَيْعَةِ لِرَسُولِهِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ عَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ حِينَئِذٍ مِنَ الصِّدْقِ والوَفاءِ وكَمالِ الِانْقِيادِ والطّاعَةِ، وإيثارِ اللَّهِ ورَسُولِهِ عَلى ما سِواهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ السَّكِينَةَ والطُّمَأْنِينَةَ والرِّضى في قُلُوبِهِمْ، وأثابَهم عَلى الرِّضى بِحُكْمِهِ والصَّبْرِ لِأمْرِهِ فَتْحًا قَرِيبًا ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها، وكانَ أوَّلُ الفَتْحِ والمَغانِمِ فَتْحَ خَيْبَرَ ومَغانِمَها، ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ الفُتُوحُ والمَغانِمُ إلى انْقِضاءِ الدَّهْرِ.

[مَنشَأُ أيْمانِ البَيْعَةِ]

وَمِن هَذِهِ الِالتِزاماتِ الَّتِي لَمْ يُلْزِمْ بِها اللَّهُ ولا رَسُولُهُ لِمَن حَلَفَ بِها الأيْمانَ الَّتِي رَتَّبَها الفاجِرُ الظّالِمُ الحَجّاجُ بْنُ يُوسُفَ، وهي أيْمانُ البَيْعَةِ

«وَكانَتْ البَيْعَةُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمُصافَحَةِ، وبَيْعَةُ النِّساءِ بِالكَلامِ، وما مَسَّتْ يَدُهُ الكَرِيمَةُ ﷺ يَدَ امْرَأةٍ لا يَمْلِكُها، فَيَقُولُ لِمَن يُبايِعُهُ: بايَعْتُك، أوْ أُبايِعُك، عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ في العُسْرِ واليُسْرِ والمَنشَطِ والمَكْرَهِ»، كَما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «كُنّا نُبايِعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ، فَيَقُولُ: فِيما اسْتَطَعْت» وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جابِرٍ «كُنّا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ، فَبايَعْناهُ وعُمَرُ آخِذٌ بِيَدِهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، بايَعْناهُ عَلى أنْ لا نَفِرَّ، ولَمْ نُبايِعْهُ عَلى المَوْتِ».

[كَيْفَ كانَتْ بَيْعَةُ النَّبِيِّ لِلنّاسِ؟]

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ «بايَعْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ في العُسْرِ واليُسْرِ والمَنشَطِ والمَكْرَهِ، وعَلى أثَرَةٍ عَلَيْنا، وعَلى أنْ لا نُنازِعَ الأمْرَ أهْلَهُ، وعَلى أنْ نَقُولَ بِالحَقِّ أيْنَما كُنّا، لا تَأْخُذُنا في اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ».

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أيْضًا عَنْ «جُنادَةَ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ قالَ: دَخَلْنا عَلى عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ وهو مَرِيضٌ، فَقُلْنا: حَدِّثْنا أصْلَحَك اللَّهُ بِحَدِيثٍ نَنْتَفِعُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ: دَعانا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبايَعْناهُ، وكانَ فِيما أخَذَ عَلَيْنا أنْ بايَعْناهُ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ في مَنشَطِنا ومَكْرَهِنا وعُسْرِنا ويُسْرِنا وأثَرَةٍ عَلَيْنا، وأنْ لا نُنازِعَ الأمْرَ أهْلَهُ، قالَ إلّا أنْ تَرَوْا كُفْرًا بَواحًا عِنْدَكم مِن اللَّهِ فِيهِ بُرْهانٌ».

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ المُؤْمِناتُ إذا هاجَرْنَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمْتَحِنُهُنَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] إلى آخِرِ الآيَةِ.

قالَتْ عائِشَةُ: فَمَن أقَرَّتْ بِهَذا مِن المُؤْمِناتِ فَقَدْ أقَرَّتْ بِالمِحْنَةِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِن قَوْلِهِنَّ قالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْطَلِقْنَ فَقَدْ بايَعْتُكُنَّ ولا واللَّهِ ما مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأةٍ قَطُّ، غَيْرَ أنَّهُ يُبايِعُهُنَّ بِالكَلامِ».

«قالَتْ عائِشَةُ: واللَّهِ ما أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى النِّساءِ قَطُّ إلّا بِما أمَرَهُ اللَّهُ، وما مَسَّتْ كَفُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَفَّ امْرَأةٍ قَطُّ، وكانَ يَقُولُ لَهُنَّ إذا أخَذَ عَلَيْهِنَّ قَدْ بايَعْتُكُنَّ كَلامًا».

فَهَذِهِ هي البَيْعَةُ النَّبَوِيَّةُ الَّتِي قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيها: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ومَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠] وقالَ فِيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨].

[أيْمانُ البَيْعَةِ الَّتِي أحْدَثَها الحَجّاجُ الثَّقَفِيُّ]

فَأحْدَثَ الحَجّاجُ في الإسْلامِ بَيْعَةً غَيْرَ هَذِهِ تَتَضَمَّنُ اليَمِينَ بِاللَّهِ تَعالى والطَّلاقَ والعَتاقَ وصَدَقَةَ المالِ والحَجَّ؛ فاخْتَلَفَ عُلَماءُ الإسْلامِ في ذَلِكَ عَلى عِدَّةِ أقْوالٍ، ونَحْنُ نَذْكُرُ تَحْرِيرَ هَذِهِ المَسْألَةِ وكَشْفَها؛ فَإنْ كانَ مُرادُ الحالِفِ بِقَوْلِهِ " أيْمانُ البَيْعَةِ تَلْزَمُنِي " البَيْعَةَ النَّبَوِيَّةَ الَّتِي كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبايِعُ عَلَيْها أصْحابَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الطَّلاقُ والإعْتاقُ ولا شَيْءٌ مِمّا رَتَّبَهُ الحَجّاجُ، وإنْ لَمْ يَنْوِ تِلْكَ البَيْعَةَ ونَوى البَيْعَةَ الحَجّاجِيَّةَ فَلا يَخْلُو: إمّا أنْ يَذْكُرَ في لَفْظِهِ طَلاقًا أوْ عَتاقًا أوْ حَجًّا أوْ صَدَقَةً أوْ يَمِينًا بِاللَّهِ أوْ لا يَذْكُرَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ؛ فَإنْ لَمْ يَذْكُرْ في لَفْظِهِ شَيْئًا فَلا يَخْلُو: إمّا أنْ يَكُونَ عارِفًا بِمَضْمُونِها أوْ لا؛ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَإمّا أنْ يَنْوِيَ مَضْمُونَها كُلَّهُ أوْ بَعْضَ ما فِيها أوْ لا يَنْوِيَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَهَذِهِ تَقاسِيمُ هَذِهِ المَسْألَةِ.

[فصل: العِلْمُ والحِلْمُ والوَقارُ والسَّكِينَةُ]

وَأمّا قَوْلُهُ: " أنْ يَكُونَ لَهُ حِلْمٌ ووَقارٌ وسَكِينَةٌ "

فَلَيْسَ صاحِبُ العِلْمِ والفُتْيا إلى شَيْءٍ أحْوَجَ مِنهُ إلى الحِلْمِ والسَّكِينَةِ والوَقارِ؛ فَإنَّها كِسْوَةُ عِلْمِهِ وجَمالِهِ، وإذا فَقَدَها كانَ عِلْمُهُ كالبَدَنِ العارِي مِن اللِّباسِ.

وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: ما قُرِنَ شَيْءٌ إلى شَيْءٍ أحْسَنُ مِن عِلْمٍ إلى حِلْمٍ.

والنّاسُ هاهُنا أرْبَعَةُ أقْسامٍ، فَخِيارُهم مِن أُوتِيَ الحِلْمَ والعِلْمَ، وشِرارُهم مِن عَدَمِهِما، الثّالِثُ: مِن أُوتِيَ عِلْمًا بِلا حِلْمٍ، الرّابِعُ: عَكْسُهُ فالحِلْمُ زِينَةُ العِلْمِ وبَهاؤُهُ وجَمالُهُ.

وَضِدُّ الطَّيْشِ والعَجَلَةِ والحِدَةِ والتَّسَرُّعِ وعَدَمِ الثَّباتِ؛ فالحَلِيمُ لا يَسْتَفِزُّهُ البَدَواتُ، ولا يَسْتَخِفُّهُ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، ولا يُقْلِقُهُ أهْلُ الطَّيْشِ والخِفَّةِ والجَهْلِ.

بَلْ هو وقُورٌ ثابِتٌ ذُو أناةٍ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ وُرُودِ أوائِلِ الأُمُورِ عَلَيْهِ ولا تَمْلِكُهُ أوائِلُها، ومُلاحَظَتُهُ لِلْعَواقِبِ تَمْنَعُهُ مِن أنْ تَسْتَخِفَّهُ دَواعِي الغَضَبِ والشَّهْوَةِ؛ فَبِالعِلْمِ تَنْكَشِفُ لَهُ مَواقِعُ الخَيْرِ والشَّرِّ والصَّلاحِ والفَسادِ، وبِالحِلْمِ يَتَمَكَّنُ مِن تَثْبِيتِ نَفْسِهِ عِنْدَ الخَيْرِ فَيُؤْثِرُهُ ويَصِيرُ عَلَيْهِ وعِنْدَ الشَّرِّ فَيَصْبِرُ عَنْهُ؛ فالعِلْمُ يُعَرِّفُهُ رُشْدَهُ والحِلْمُ يُثَبِّتُهُ عَلَيْهِ، وإذا شِئْتَ أنْ تَرى بَصِيرًا بِالخَيْرِ والشَّرِّ لا صَبْرَ لَهُ عَلى هَذا ولا عَنْ هَذا رَأيْته، وإذا شِئْتَ أنْ تَرى صابِرًا عَلى المَشاقِّ لا بَصِيرَةَ لَهُ رَأيْتَهُ، وإذا شِئْتَ أنْ تَرى مِن لا صَبْرَ لَهُ ولا بَصِيرَةَ رَأيْتَهُ، وإذا شِئْتَ أنْ تَرى بَصِيرًا صابِرًا لَمْ تَكَدْ، فَإذا رَأيْتَهُ فَقَدْ رَأيْتَ إمامَ هُدًى حَقًّا فاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ.

والوَقارُ والسَّكِينَةُ ثَمَرَةُ الحِلْمِ ونَتِيجَتُهُ.

وَلِشِدَّةِ الحاجَةِ إلى السَّكِينَةِ وحَقِيقَتِها وتَفاصِيلِها وأقْسامِها نُشِيرُ إلى ذَلِكَ بِحَسَبِ عُلُومِنا القاصِرَةِ، وأذْهانِنا الجامِدَةِ، وعِباراتِنا النّاقِصَةِ، ولَكِنْ نَحْنُ أبْناءُ الزَّمانِ، والنّاسُ بِزَمانِهِمْ أشْبَهُ مِنهم بِآبائِهِمْ، ولِكُلِّ زَمانٍ دَوْلَةٌ ورِجالٌ.

[حَقِيقَةُ السَّكِينَةِ]

فالسَّكِينَةُ فَعِيلَةٌ مِن السُّكُونِ، وهو طُمَأْنِينَةُ القَلْبِ واسْتِقْرارُهُ، وأصْلُها في القَلْبِ، ويَظْهَرُ أثَرُها عَلى الجَوارِحِ، وهي عامَّةُ وخاصَّةٌ.

فَسَكِينَةُ الأنْبِياءِ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ - أخَصُّ مَراتِبِها وأعْلى أقْسامِها كالسَّكِينَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لِإبْراهِيمَ الخَلِيلِ وقَدْ أُلْقِيَ في المَنجَنِيقِ مُسافِرًا إلى ما أضْرَمَ لَهُ أعْداءُ اللَّهِ مِن النّارِ، فَلِلَّهِ تِلْكَ السَّكِينَةُ الَّتِي كانَتْ في قَلْبِهِ حِينَ ذَلِكَ السَّفَرِ، وكَذَلِكَ السَّكِينَةُ الَّتِي حَصَلَتْ لِمُوسى وقَدْ غَشِيَهُ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ مِن ورائِهِمْ والبَحْرُ أمامَهم وقَدْ اسْتَغاثَ بَنُو إسْرائِيلَ: يا مُوسى إلى أيْنَ تَذْهَبُ بِنا؟ هَذا البَحْرُ أمامَنا وهَذا فِرْعَوْنُ خَلْفَنا، وكَذَلِكَ السَّكِينَةُ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ وقْتَ تَكْلِيمِ اللَّهِ لَهُ نِداءً ونِجاءً كَلامًا حَقِيقَةً سَمِعَهُ حَقِيقَةً بِأُذُنِهِ، وكَذَلِكَ السَّكِينَةُ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ وقَدْ رَأى العَصا ثُعْبانًا مُبِينًا، وكَذَلِكَ السَّكِينَةُ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَيْهِ وقَدْ رَأى حِبالَ القَوْمِ وعِصِيَّهم كَأنَّها تَسْعى فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، وكَذَلِكَ السَّكِينَةُ الَّتِي حَصَلَتْ لِنَبِيِّنا ﷺ وقَدْ أشْرَفَ عَلَيْهِ وعَلى صاحِبِهِ عَدُوُّهُما وهُما في الغارِ فَلَوْ نَظَرَ أحَدُهم إلى تَحْتِ قَدَمَيْهِ لَرَآهُما، وكَذَلِكَ السَّكِينَةُ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَيْهِ في مَواقِفِهِ العَظِيمَةِ وأعْداءُ اللَّهِ قَدْ أحاطُوا بِهِ كَيَوْمِ بَدْرٍ ويَوْمِ حُنَيْنٍ ويَوْمِ الخَنْدَقِ وغَيْرِهِ؛ فَهَذِهِ السَّكِينَةُ أمْرٌ فَوْقَ عُقُولِ البَشَرِ، وهي مِن أعْظَمِ مُعْجِزاتِهِ عِنْدَ أرْبابِ البَصائِرِ، فَإنَّ الكَذّابَ - ولا سِيَّما عَلى اللَّهِ - أقْلَقُ ما يَكُونُ وأخْوَفُ ما يَكُونُ وأشَدُّهُ اضْطِرابًا في مِثْلِ هَذِهِ المَواطِنِ؛ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلرُّسُلِ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ - مِن الآياتِ إلّا هَذِهِ وحْدَها لَكَفَتْهم.

[السَّكِينَةُ الخاصَّةُ]

وَأمّا الخاصَّةُ فَتَكُون لِأتْباعِ الرُّسُلِ بِحَسَبِ مُتابَعَتِهِمْ، وهي سَكِينَةُ الإيمانِ، وهي سَكِينَةٌ تُسَكِّنُ القُلُوبَ عَنْ الرَّيْبِ والشَّكِّ، ولِهَذا أنْزَلَها اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ في أصْعَبِ المَواطِنِ أحْوَجَ ما كانُوا إلَيْها ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ٤]

فَذَكَرَ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ بِالجُنُودِ الخارِجَةِ عَنْهم والجُنُودِ الدّاخِلَةِ فِيهِمْ، وهي السَّكِينَةُ عِنْدَ القَلِقِ والِاضْطِرابِ الَّذِي لَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ مِثْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وذَلِكَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - يَذْكُرُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ بِإنْزالِها أحْوَجَ ما كانُوا إلَيْها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]

لَمّا عَلِمَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ما في قُلُوبِهِمْ مِن القَلِقِ والِاضْطِرابِ لَمّا مَنَعَهم كُفّارُ قُرَيْشٍ مِن دُخُولِ بَيْتِ اللَّهِ، وحَبَسُوا الهَدْيَ عَنْ مَحِلِّهِ، واشْتَرَطُوا عَلَيْهِمْ تِلْكَ الشُّرُوطَ الجائِرَةَ الظّالِمَةَ، فاضْطَرَبَتْ قُلُوبُهُمْ، وقَلِقَتْ ولَمْ تُطِقْ الصَّبْرَ، فَعَلِمَ - تَعالى - ما فِيها، فَثَبَّتَها بِالسَّكِينَةِ رَحْمَةً مِنهُ ورَأْفَةً ولُطْفًا، وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ.

وَتَحْتَمِلُ الآيَةَ وجْهًا آخَرَ، وهو أنَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ مِن الإيمانِ والخَيْرِ ومَحَبَّتِهِ ومَحَبَّةِ رَسُولِهِ فَثَبَّتَها بِالسَّكِينَةِ وقْتَ قَلَقِها واضْطِرابِها، والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ تَعُمُّ الأمْرَيْنِ، وهو أنَّهُ عَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ مِمّا يَحْتاجُونَ مَعَهُ إلى إنْزالِ السَّكِينَةِ وما في قُلُوبِهِمْ مِن الخَيْرِ الَّذِي هو سَبَبُ إنْزالِها، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى وكانُوا أحَقَّ بِها وأهْلَها وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٦]

لَمّا كانَتْ حَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ تُوجِبُ مِن الأقْوالِ والأعْمالِ ما يُناسِبُها جَعَلَ اللَّهُ في قُلُوبِ أوْلِيائِهِ سَكِينَةً تُقابِلُ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ، وفي ألْسِنَتِهِمْ كَلِمَةَ التَّقْوى مُقابِلَةً لِما تُوجِبُهُ حَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ مِن كَلِمَةِ الفُجُورِ، فَكانَ حَظُّ، المُؤْمِنِينَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِهِمْ، وكَلِمَةَ التَّقْوى عَلى ألْسِنَتِهِمْ، وحَظُّ أعْدائِهِمْ حَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ في قُلُوبِهِمْ، وكَلِمَةُ الفُجُورِ والعَدُوّانِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ؛ فَكانَتْ هَذِهِ السَّكِينَةُ وهَذِهِ الكَلِمَةُ جُنْدًا مِن جُنْدِ اللَّهِ أيَّدَ بِها اللَّهُ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ في مُقابَلَةِ جُنْدِ الشَّيْطانِ الَّذِي في قُلُوبِ أوْلِيائِهِ وألْسِنَتِهِمْ.

وَثَمَرَةُ هَذِهِ السَّكِينَةِ الطُّمَأْنِينَةُ لِلْخَيْرِ تَصْدِيقًا وإيقانًا ولِلْأمْرِ تَسْلِيمًا وإذْعانًا، فَلا تَدَعْ شُبْهَةً تُعارِضُ الخَيْرَ ولا إرادَةً تُعارِضُ الأمْرَ، فَلا تَمُرُّ مُعارَضاتُ السُّوءِ بِالقَلْبِ إلّا وهي مُجْتازَةٌ مِن مُرُورِ الوَساوِسِ الشَّيْطانِيَّةِ الَّتِي يُبْتَلى بِها العَبْدُ لِيَقْوى إيمانُهُ، ويَعْلُوَ عِنْدَ اللَّهِ مِيزانُهُ، بِمُدافَعَتِها ورَدِّها وعَدَمِ السُّكُونِ إلَيْها، فَلا يَظُنُّ المُؤْمِنُ أنَّها لِنَقْصِ دَرَجَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ.

[فَصْلٌ: السَّكِينَةُ عِنْدَ القِيامِ بِوَظائِفِ العُبُودِيَّةِ]

وَمِنها السَّكِينَةُ عِنْدَ القِيامِ بِوَظائِف العُبُودِيَّةِ، وهي الَّتِي تُوَرِّثُ الخُضُوعَ والخُشُوعَ وغَضَّ الطَّرَفِ وجَمْعِيَّةَ القَلْبِ عَلى اللَّهِ - تَعالى - بِحَيْثُ يُؤَدِّي عُبُودِيَّتَهُ بِقَلْبِهِ وبَدَنِهِ، والخُشُوعُ نَتِيجَةُ هَذِهِ السَّكِينَةِ وثَمَرَتُها، وخُشُوعُ الجَوارِحِ نَتِيجَةُ خُشُوعِ القَلْبِ، وقَدْ رَأى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ في الصَّلاةِ، فَقالَ «لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذا لَخَشَعَتْ جَوارِحُهُ».

فَإنْ قُلْتَ: قَدْ ذَكَرْتَ أقْسامَها ونَتِيجَتَها وثَمَرَتَها وعَلامَتَها، فَما أسْبابُها الجالِبَةُ لَها؟

[أسْبابُ السَّكِينَةِ]

قُلْتُ: سَبَبُها اسْتِيلاءُ مُراقَبَةِ العَبْدِ لِرَبِّهِ جَلَّ جَلالُهُ حَتّى كَأنَّهُ يَراهُ، وكَلَّما اشْتَدَّتْ هَذِهِ

المُراقَبَةُ أوْجَبَتْ لَهُ مِن الحَياءِ والسَّكِينَةِ والمَحَبَّةِ والخُضُوعِ والخُشُوعِ والخَوْفِ والرَّجاءِ ما لا يَحْصُلُ بِدُونِها، فالمُراقَبَةُ أساسُ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ كُلِّها وعَمُودُها الَّذِي قِيامُها بِهِ، ولَقَدْ جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ أُصُولَ أعْمالِ القَلْبِ، وفُرُوعَها كُلَّها في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، وهي قَوْلُهُ في الإحْسانِ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ» فَتَأمَّلْ كُلَّ مَقامٍ مِن مَقاماتِ الدِّينِ، وكُلَّ عَمَلٍ مِن أعْمالِ القُلُوبِ، كَيْف تَجِدُ هَذا أصْلُهُ ومَنبَعُهُ؟

والمَقْصُودُ أنَّ العَبْدَ مُحْتاجٌ إلى السَّكِينَةِ عِنْدَ الوَساوِسِ المُعْتَرِضَةِ في أصْلِ الإيمانِ لِيَثْبُتَ قَلْبُهُ ولا يَزِيغَ، وعِنْدَ الوَساوِسِ والخَطِراتِ القادِحَةِ في أعْمالِ الإيمانِ لِئَلّا تَقْوى وتَصِيرَ هُمُومًا وغُمُومًا وإراداتٌ يَنْقُصُ بِها إيمانُهُ، وعِنْدَ أسْبابِ المَخاوِفِ عَلى اخْتِلافِها لِيَثْبُتَ قَلْبُهُ ويَسْكُنُ جَأْشُهُ، وعِنْدَ أسْبابِ الفَرَحِ لِئَلّا يَطْمَحَ بِهِ مَرْكَبُهُ فَيُجاوِزَ الحَدَّ الَّذِي لا يُعْبَرُ فَيَنْقَلِبُ تَرَحًا وحُزْنًا، وكَمْ مِمَّنْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِما يُفْرِحُهُ فَجَمَحَ بِهِ مَرْكَبُ الفَرَحِ وتَجاوَزَ الحَدَّ فانْقَلَبَ تَرَحًا عاجِلًا، ولَوْ أُعِينَ بِسَكِينَةٍ تَعْدِلُ فَرَحَهُ لِأُرِيدَ بِهِ الخَيْرُ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وعِنْدَ هُجُومِ الأسْبابِ المُؤْلِمَةِ عَلى اخْتِلافِها الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، فَما أحْوَجَهُ إلى السَّكِينَةِ حِينَئِذٍ، وما أنْفَعَها لَهُ، وأجْداها عَلَيْهِ، وأحْسَنَ عاقِبَتَها،.

والسَّكِينَةُ في هَذِهِ المَواطِنِ عَلامَةٌ عَلى الظَّفَرِ، وحُصُولِ المَحْبُوبِ، وانْدِفاعِ المَكْرُوهِ، وفَقْدُها عَلامَةٌ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، لا يُخْطِئُ هَذا ولا هَذا، واللَّهُ المُسْتَعانُ.

[فَصْلٌ: في قِصّةِ الحُدَيْبِيَةِ]

قالَ نافع: كانَتْ سَنَةَ سِتٍّ في ذِي القَعْدَةِ، وهَذا هو الصَّحِيحُ، وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وقتادة ومُوسى بْنِ عُقْبَةَ ومحمد بن إسحاق وغَيْرِهِمْ.

وَقالَ هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى الحُدَيْبِيَةِ في رَمَضانَ، وكانَتْ في شَوّالٍ، وهَذا وهْمٌ، وإنَّما كانَتْ غَزاةُ الفَتْحِ في رَمَضانَ، وقَدْ قالَ أبو الأسود عَنْ عروة: إنَّها كانَتْ في ذِي القَعْدَةِ، عَلى الصَّوابِ.

وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أنس أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: «اعْتَمَرَ أرْبَعَ عُمَرٍ كُلَّهُنَّ في ذِي القَعْدَةِ».

فَذَكَرَ مِنها عُمْرَةَ الحُدَيْبِيَةِ.

وَكانَ مَعَهُ ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ، هَكَذا في " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ جابر وعَنْهُ فِيهِما: (كانُوا ألْفًا وأرْبَعَمِائَة)، وفِيهِما: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى: " كُنّا ألْفًا وثَلاثَمِائَةٍ ".

قالَ قتادة: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: كَمْ كانَ الَّذِينَ شَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوانِ؟ قالَ: خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةٍ. قالَ: قُلْتُ: فَإنَّ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: كانُوا أرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةٍ. قالَ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ، أوْهَمَ، هو حَدَّثَنِي أنَّهم كانُوا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةٍ. قُلْتُ: وقَدْ صَحَّ عَنْ جابر القَوْلانِ، وصَحَّ عَنْهُ أنَّهم نَحَرُوا عامَ الحُدَيْبِيَةِ سَبْعِينَ بَدَنَةً، البَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قالَ: ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ بِخَيْلِنا ورَجْلِنا.

يَعْنِي فارِسَهم وراجِلَهُمْ، والقَلْبُ إلى هَذا أمْيَلُ، وهو قَوْلُ البَراءِ بْنِ عازِبٍ ومَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ وسَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ في أصَحِّ

الرِّوايَتَيْنِ.

وَقَوْلُ المسيب بن حزن: قالَ شعبة: عَنْ قتادة، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أبِيهِ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ».

وَغَلِطَ غَلَطًا بَيِّنًا مَن قالَ: كانُوا سَبْعَمِائَةٍ، وعُذْرُهُ أنَّهم نَحَرُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ بَدَنَةً، والبَدَنَةُ قَدْ جاءَ إجْزاؤُها عَنْ سَبْعَةٍ وعَنْ عَشَرَةٍ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى ما قالَهُ هَذا القائِلُ؛ فَإنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِأنَّ البَدَنَةَ كانَتْ في هَذِهِ العُمْرَةِ عَنْ سَبْعَةٍ، فَلَوْ كانَتِ السَّبْعُونَ عَنْ جَمِيعِهِمْ لَكانُوا أرْبَعَمِائَةٍ وتِسْعِينَ رَجُلًا، وقَدْ قالَ في تَمامِ الحَدِيثِ بِعَيْنِهِ: إنَّهم (كانُوا ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ)

[فَصْلٌ: في تَقْلِيدُهُ ﷺ الهَدْيَ بِذِي الحُلَيْفَةِ وبَعْثُهُ عَيْنًا لَهُ ابْنَ خُزاعَةَ إلى قُرَيْشٍ]

«فَلَمّا كانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ قَلَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الهَدْيَ وأشْعَرَهُ، وأحْرَمَ بِالعُمْرَةِ، وبَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَيْنًا لَهُ مِن خُزاعَةَ يُخْبِرُهُ عَنْ قُرَيْشٍ، حَتّى إذا كانَ قَرِيبًا مِن عُسْفانَ أتاهُ عَيْنُهُ فَقالَ: إنِّي تَرَكْتُ كعب بن لؤي قَدْ جَمَعُوا لَكَ الأحابِيشَ، وجَمَعُوا لَكَ جُمُوعًا، وهم مُقاتِلُوكَ وصادُّوكَ عَنِ البَيْتِ ومانِعُوكَ، واسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ وقالَ: أتَرَوْنَ أنْ نَمِيلَ إلى ذَرارِيِّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أعانُوهم فَنُصِيبَهُمْ، فَإنْ قَعَدُوا قَعَدُوا مَوْتُورِينَ مَحْرُوبِينَ، وإنْ يَجِيئُوا تَكُنْ عُنُقًا قَطَعَها اللَّهُ، أمْ تَرَوْنَ أنْ نَؤُمَّ البَيْتَ، فَمَن صَدَّنا عَنْهُ قاتَلْناهُ؟

فَقالَ أبو بكر: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، إنَّما جِئْنا مُعْتَمِرِينَ، ولَمَ نَجِئْ لِقِتالِ أحَدٍ، ولَكِنْ مَن حالَ بَيْنَنا وبَيْنَ البَيْتِ قاتَلْناهُ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (فَرُوحُوا إذًا) فَراحُوا حَتّى إذا كانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قالَ النَّبِيُّ ﷺ:

" إنَّ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ بِالغَمِيمِ في خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً فَخُذُوا ذاتَ اليَمِينِ "

فَواللَّهِ ما شَعَرَ بِهِمْ خالد حَتّى إذا هم بِقَتَرَةِ الجَيْشِ فانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ، وسارَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى إذا كانَ بِالثَّنِيِّةِ الَّتِي يَهْبِطُ عَلَيْهِمْ مِنها بَرَكَتْ بِهِ راحِلَتُهُ، فَقالَ النّاسُ: حَلْ حَلْ. فَألَحَّتْ، فَقالُوا: خَلَأتِ القَصْواءُ خَلَأتِ القَصْواءُ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (ما خَلَأتِ القَصْواءُ وما ذاكَ لَها بِخُلُقٍ، ولَكِنْ حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ).

ثُمَّ قالَ (والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَسْألُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيها حُرُماتِ الله إلّا أعْطَيْتُهم إيّاها)، ثُمَّ زَجَرَها فَوَثَبَتْ بِهِ، فَعَدَلَ حَتّى نَزَلَ بِأقْصى الحُدَيْبِيَةِ عَلى ثَمَدٍ قَلِيلِ الماءُ إنَّما يَتَبَرَّضُهُ النّاسُ تَبَرُّضًا، فَلَمْ يُلْبِثْهُ النّاسُ أنْ نَزَحُوهُ، فَشَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ العَطَشَ، فانْتَزَعَ سَهْمًا مِن كِنانَتِهِ ثُمَّ أمَرَهم أنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ. قالَ: فَواللَّهِ ما زالَ يَجِيشُ لَهم بِالرِّيِّ حَتّى صَدَرُوا عَنْهُ.

وَفَزِعَتْ قُرَيْشٌ لِنُزُولِهِ عَلَيْهِمْ، فَأحَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ، فَدَعا عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لِيَبْعَثَهُ إلَيْهِمْ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ لِي بِمَكَّةَ أحَدٌ مِن بَنِي كَعْبٍ يَغْضَبُ لِي إنْ أُوذِيتُ، فَأرْسِلْ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ فَإنَّ عَشِيرَتَهُ بِها، وإنَّهُ مُبَلِّغٌ ما أرَدْتَ. فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ فَأرْسَلَهُ إلى قُرَيْشٍ وقالَ: أخْبِرْهم أنّا لَمْ نَأْتِ لِقِتالٍ، وإنَّما جِئْنا عُمّارًا، وادْعُهم إلى الإسْلامِ، وأمَرَهُ أنْ يَأْتِيَ رِجالًا بِمَكَّةَ مُؤْمِنِينَ ونِساءً مُؤْمِناتٍ فَيَدْخُلَ عَلَيْهِمْ، ويُبَشِّرَهم بِالفَتْحِ، ويُخْبِرَهم أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مُظْهِرٌ دِينَهُ بِمَكَّةَ، حَتّى لا يُسْتَخْفى فِيها بِالإيمانِ، فانْطَلَقَ عثمان فَمَرَّ عَلى قُرَيْشٍ بِبَلْدَحَ فَقالُوا: أيْنَ تُرِيدُ؟

فَقالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أدْعُوكم إلى اللَّهِ وإلى الإسْلامِ، وأُخْبِرُكم أنّا لِمَ نَأْتِ لِقِتالٍ، وإنَّما جِئْنا عُمّارًا. فَقالُوا: قَدْ سَمِعْنا ما تَقُولُ، فانْفُذْ لِحاجَتِكَ، وقامَ إلَيْهِ أبانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ العاصِ فَرَحَّبَ بِهِ وأسْرَجَ فَرَسَهُ، فَحَمَلَ عثمان عَلى الفَرَسِ، وأجارَهُ، وأرْدَفَهُ أبانٌ حَتّى جاءَ مَكَّةَ، وقالَ المُسْلِمُونَ قَبْلَ أنْ يَرْجِعَ عثمان: خَلَصَ عثمان قَبْلَنا إلى البَيْتِ وطافَ بِهِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (ما أظُنُّهُ طافَ بِالبَيْتِ ونَحْنُ مَحْصُورُونَ ". فَقالُوا: وما يَمْنَعُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ وقَدْ خَلَصَ؟ قالَ " ذاكَ ظَنِّي بِهِ ألّا يَطُوفَ بِالكَعْبَةِ حَتى نَطُوفَ مَعَهُ)»

«واخْتَلَطَ المُسْلِمُونَ بِالمُشْرِكِينَ في أمْرِ الصُّلْحِ، فَرَمى رَجُلٌ مِن أحَدِ الفَرِيقَيْنِ رَجُلًا مِنَ الفَرِيقِ الآخَرِ، وكانَتْ مَعْرَكَةً، وتَرامَوْا بِالنَّبْلِ والحِجارَةِ، وصاحَ الفَرِيقانِ كِلاهُما، وارْتَهَنَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِمَن فِيهِمْ، وبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنَّ عثمان قَدْ قُتِلَ، فَدَعا إلى البَيْعَةِ، فَثارَ المُسْلِمُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَبايَعُوهُ عَلى ألّا يَفِرُّوا، فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِ نَفْسِهِ وقالَ: (هَذِهِ عَنْ عثمان) ولَمّا تَمَّتِ البَيْعَةُ رَجَعَ عثمان فَقالَ لَهُ المُسْلِمُونَ: اشْتَفَيْتَ يا أبا عبد الله مِنَ الطَّوافِ بِالبَيْتِ؟

فَقالَ: (بِئْسَ ما ظَنَنْتُمْ بِي، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ مَكَثْتُ بِها سَنَةً، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقِيمٌ بِالحُدَيْبِيَةِ ما طُفْتُ بِها حَتّى يَطُوفَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ولَقَدْ دَعَتْنِي قُرَيْشٌ إلى الطَّوافِ بِالبَيْتِ فَأبَيْتُ).

فَقالَ المُسْلِمُونَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كانَ أعْلَمَنا بِاللَّهِ وأحْسَنَنا ظَنًّا، (وَكانَ عمر آخِذًا بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْبَيْعَةِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَبايَعَهُ المُسْلِمُونَ كُلُّهم إلّا الجد بن قيس).

(وَكانَ مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ آخِذًا بِغُصْنِها يَرْفَعُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ أوَّلَ مَن بايَعَهُ أبو سنان الأسدي)

وَبايَعَهُ سَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ ثَلاثَ مَرّاتٍ في أوَّلِ النّاسِ وأوْسَطِهِمْ وآخِرِهِمْ.

فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ جاءَ بديل بن ورقاء الخزاعي في نَفَرٍ مِن خُزاعَةَ، وكانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أهْلِ تِهامَةَ، فَقالَ: إنِّي تَرَكْتُ كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نَزَلُوا أعْدادَ مِياهِ الحُدَيْبِيَةِ مَعَهُمُ العُوذُ المَطافِيلُ:، وهم مُقاتِلُوكَ وصادُّوكَ عَنِ البَيْتِ.

قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إنّا لَمْ نَجِئْ لِقِتالِ أحَدٍ ولَكِنْ جِئْنا مُعْتَمِرِينَ، وإنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهَكَتْهُمُ الحَرْبُ وأضَرَّتْ بِهِمْ، فَإنْ شاءُوا مادَدْتُهم ويُخَلُّوا بَيْنِي وبَيْنَ النّاسِ، وإنْ شاءُوا أنْ يَدْخُلُوا فِيما دَخَلَ فِيهِ النّاسُ فَعَلُوا وإلّا فَقَدْ جَمُّوا، وإنْ هم أبَوْا إلّا القِتالَ فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقاتِلَنَّهم عَلى أمْرِي هَذا حَتّى تَنْفَرِدَ سالِفَتِي أوْ لَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أمْرَه)

قالَ بديل: سَأُبْلِغُهم ما تَقُولُ. فانْطَلَقَ حَتّى أتى قُرَيْشًا فَقالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُكم مِن عِنْدِ هَذا الرَّجُلِ، وقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ قَوْلًا، فَإنْ شِئْتُمْ عَرَضْتُهُ عَلَيْكم. فَقالَ سُفَهاؤُهُمْ: لا حاجَةَ لَنا أنْ تُحَدِّثَنا عَنْهُ بِشَيْءٍ. وقالَ ذَوُو الرَّأْيِ مِنهُمْ: هاتِ ما سَمِعْتَهُ. قالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذا وكَذا. فَحَدَّثَهم بِما قالَ النَّبِيُّ ﷺ. فَقالَ عروة بن مسعود الثقفي: إنَّ هَذا قَدْ عَرَضَ عَلَيْكم خُطَّةَ رُشْدٍ فاقْبَلُوها ودَعُونِي آتِهِ. فَقالُوا: ائْتِهِ. فَأتاهُ فَجَعَلَ يُكَلِّمُهُ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوًا مِن قَوْلِهِ لبديل، فَقالَ لَهُ عروة عِنْدَ ذَلِكَ: أيْ مُحَمَّدٌ، أرَأيْتَ لَوِ اسْتَأْصَلْتَ قَوْمَكَ، هَلْ سَمِعْتَ بِأحَدٍ مِنَ العَرَبِ اجْتاحَ أهْلَهُ قَبْلَكَ؟ وإنْ تَكُنِ الأُخْرى فَواللَّهِ إنِّي لَأرى وُجُوهًا وأرى أوْشابًا مِنَ النّاسِ خَلِيقًا أنْ يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ. فَقالَ لَهُ أبو بكر: امْصُصْ بَظْرَ اللّاتِ، أنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ ونَدَعُهُ؟! قالَ: مَن ذا؟ قالُوا: أبو بكر.

قالَ: أما والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلا يَدٌ كانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أجْزِكَ بِها لَأجَبْتُكَ. وجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ وكُلَّما كَلَّمَهُ أخَذَ بِلِحْيَتِهِ، والمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ عِنْدَ رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ ومَعَهُ السَّيْفُ وعَلَيْهِ المِغْفَرُ، فَكُلَّما أهْوى عروة إلى لِحْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ وقالَ: أخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَرَفَعَ عروة رَأْسَهُ وقالَ: مَن ذا؟ قالُوا: المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ.

فَقالَ: أيْ غُدَرُ، أوَلَسْتُ أسْعى في غَدْرَتِكَ؟ وكانَ المغيرة صَحِبَ قَوْمًا في الجاهِلِيَّةِ فَقَتَلَهم وأخَذَ أمْوالَهم ثُمَّ جاءَ فَأسْلَمَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (أمّا الإسْلامُ فَأقْبَلُ، وأمّا المالُ فَلَسْتُ مِنهُ في شَيْء)

ثُمَّ إنَّ عروة جَعَلَ يَرْمُقُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَيْنَيْهِ، فَواللَّهِ ما تَنَخَّمَ النَّبِيُّ ﷺ نُخامَةً إلّا وقَعَتْ في كَفِّ رَجُلٍ مِنهُمْ، فَدَلَكَ بِها جِلْدَهُ ووَجْهَهُ، وإذا أمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أمْرَهُ، وإذا تَوَضَّأ كادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلى وضُوئِهِ، وإذا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أصْواتَهم عِنْدَهُ، وما يُحِدُّونَ إلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، فَرَجَعَ عروة إلى أصْحابِهِ فَقالَ: أيْ قَوْمُ، واللَّهِ لَقَدْ وفَدْتُ عَلى المُلُوكِ عَلى كِسْرى وقيصر والنَّجاشِيِّ، واللَّهِ ما رَأيْتُ مَلِكًا يُعَظِّمُهُ أصْحابُهُ ما يُعَظِّمُ أصْحابُ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا، واللَّهِ إنْ تَنَخَّمَ نُخامَةً إلّا وقَعَتْ في كَفِّ رَجُلٍ مِنهُمْ، فَدَلَكَ بِها وجْهَهُ وجِلْدَهُ، وإذا أمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أمْرَهُ، وإذا تَوَضَّأ كادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلى وُضُوئِهِ، وإذا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أصْواتَهم عِنْدَهُ، وما يُحِدُّونَ إلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، وقَدْ عَرَضَ عَلَيْكم خُطَّةَ رُشْدٍ فاقْبَلُوها، فَقالَ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ: دَعُونِي آتِهِ. فَقالُوا: ائْتِهِ. فَلَمّا أشْرَفَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (هَذا فُلانٌ، وهو مِن قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ البُدْنَ، فابْعَثُوها لَهُ. فَبَعَثُوها لَهُ، واسْتَقْبَلَهُ القَوْمُ يُلَبُّونَ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ، ما يَنْبَغِي لِهَؤُلاءِ أنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ) فَرَجَعَ إلى أصْحابِهِ فَقالَ: رَأيْتُ البُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ وأُشْعِرَتْ وما أرى أنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ. فَقامَ مكرز بن حفص فَقالَ: دَعُونِي آتِهِ. فَقالُوا: ائْتِهِ. فَلَمّا أشْرَفَ عَلَيْهِمْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: (هَذا مكرز بن حفص، وهو رَجُلٌ فاجِرٌ).

فَجَعَلَ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَبَيْنا هو يُكَلِّمُهُ إذْ جاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (قَدْ سُهِّلَ لَكم مِن أمْرِكُمْ) فَقالَ: هاتِ اكْتُبْ بَيْنَنا وبَيْنَكم كِتابًا.

فَدَعا الكاتِبَ فَقالَ: " اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ".

فَقالَ سهيل: أمّا الرَّحْمَنُ فَواللَّهِ ما نَدْرِي ما هُوَ، ولَكِنِ اكْتُبْ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ كَما كُنْتَ تَكْتُبُ. فَقالَ المُسْلِمُونَ: واللَّهِ لا نَكْتُبُها إلّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (اكْتُبْ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ ".

ثُمَّ قالَ: اكْتُبْ: هَذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ). فَقالَ سهيل: فَواللَّهِ لَوْ كُنّا نَعْلَمُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ما صَدَدْناكَ عَنِ البَيْتِ ولا قاتَلْناكَ، ولَكِنِ اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (إنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وإنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه). فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: عَلى أنْ تُخَلُّوا بَيْنَنا وبَيْنَ البَيْتِ فَنَطُوفَ بِهِ.

فَقالَ سهيل واللَّهِ لا تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أنّا أُخِذْنا ضَغْطَةً، ولَكِنْ ذَلِكَ مِنَ العامِ المُقْبِلِ. فَكَتَبَ، فَقالَ سهيل: عَلى أنْ لا يَأْتِيَكَ مِنّا رَجُلٌ وإنْ كانَ عَلى دِينِكَ إلّا رَدَدْتَهُ إلَيْنا.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English