Ибн аль-КаййимАль‑Фатх · 48:18

Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском

Аль-Фатх 48:18, продолжение

فَقالَ المُسْلِمُونَ: سُبْحانَ اللَّهِ، كَيْفَ يُرَدُّ إلى المُشْرِكِينَ وقَدْ جاءَ مُسْلِمًا؟! بَيْنا هم كَذَلِكَ إذْ جاءَ أبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ في قُيُودِهِ، قَدْ خَرَجَ مِن أسْفَلِ مَكَّةَ حَتّى رَمى بِنَفْسِهِ بَيْنَ ظُهُورِ المُسْلِمِينَ، فَقالَ سهيل: هَذا يا مُحَمَّدُ أوَّلُ ما أُقاضِيكَ عَلَيْهِ أنْ تَرُدَّهُ إلَيَّ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنّا لَمْ نَقْضِ الكِتابَ بَعْدُ.

فَقالَ: فَواللَّهِ إذًا لا أُصالِحُكَ عَلى شَيْءٍ أبَدًا.

فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَأجِزْهُ لِي.

قالَ: ما أنا بِمُجِيزِهِ لَكَ.

قالَ: بَلى فافْعَلْ. قالَ: ما أنا بِفاعِلٍ. قالَ مكرز: بَلى قَدْ أجَزْناهُ، فَقالَ أبُو جَنْدَلٍ: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إلى المُشْرِكِينَ وقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا، ألا تَرَوْنَ ما لَقِيتُ؟!

وَكانَ قَدْ عُذِّبَ في اللَّهِ عَذابًا شَدِيدًا.

قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: واللَّهِ ما شَكَكْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ إلّا يَوْمَئِذٍ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قالَ: بَلى.

قُلْتُ: ألَسْنا عَلى الحَقِّ وعَدُوُّنا عَلى الباطِلِ؟ قالَ: بَلى.

فَقُلْتُ: عَلامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا إذًا ونَرْجِعُ ولَمّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنا وبَيْنَ أعْدائِنا؟ فَقالَ: (إنِّي رَسُولُ اللَّهِ وهو ناصِرِي ولَسْتُ أعْصِيهِ). قُلْتُ: أوَلَسْتَ كُنْتَ تُحَدِّثُنا أنّا سَنَأْتِي البَيْتَ ونَطُوفُ بِهِ؟ قالَ: بَلى، أفَأخْبَرْتُكَ أنَّكَ تَأْتِيهِ العامَ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: فَإنَّكَ آتِيهِ ومُطَّوِّفٌ بِهِ.

قالَ فَأتَيْتُ أبا بكر فَقُلْتُ لَهُ كَما قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ورَدَّ عَلَيَّ أبو بكر كَما رَدَّ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَواءً، وزادَ: فاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ حَتّى تَمُوتَ فَواللَّهِ إنَّهُ لَعَلى

الحَقِّ.

قالَ عمر: فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أعْمالًا.

فَلَمّا فُرِغَ مِن قَضِيِّةِ الكِتابِ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (قُومُوا فانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا).

فَواللَّهِ ما قامَ مِنهم رَجُلٌ واحِدٌ حَتّى قالَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَلَمّا لَمْ يَقُمْ مِنهم أحَدٌ قامَ فَدَخَلَ عَلى أم سلمة، فَذَكَرَ لَها ما لَقِيَ مِنَ النّاسِ، فَقالَتْ أم سلمة: يا رَسُولَ اللَّهِ، أتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ ثُمَّ لا تُكَلِّمْ أحَدًا مِنهم كَلِمَةً حَتّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ وتَدْعُوَ حالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ. فَقامَ فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أحَدًا مِنهم حَتّى فَعَلَ ذَلِكَ: نَحَرَ بُدْنَهُ ودَعا حالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمّا رَأى النّاسُ ذَلِكَ قامُوا فَنَحَرُوا، وجَعَلَ بَعْضُهم يَحْلِقُ بَعْضًا حَتّى كادَ بَعْضُهم يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا، ثُمَّ جاءَهُ نِسْوَةٌ مُؤْمِناتٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، حَتّى بَلَغَ ﴿بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ فَطَلَّقَ عمر يَوْمَئِذٍ امْرَأتَيْنِ كانَتا لَهُ في الشِّرْكِ، فَتَزَوَّجَ إحْداهُما معاوية والأُخْرى صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ إلى المَدِينَةِ، وفي مَرْجِعِهِ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا - لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا - ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾

فَقالَ عمر: أوَفَتْحٌ هو يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: نَعَمْ. فَقالَ الصَّحابَةُ: هَنِيئًا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما لَنا؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾»

«وَلَمّا رَجَعَ إلى المَدِينَةِ جاءَهُ أبو بصير - رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ - مُسْلِمًا، فَأرْسَلُوا في طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، وقالُوا: العَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنا. فَدَفَعَهُ إلى الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجا بِهِ حَتّى بَلَغا ذا الحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِن تَمْرٍ لَهُمْ، فَقالَ أبو بصير لِأحَدِ الرَّجُلَيْنِ: واللَّهِ إنِّي لَأرى سَيْفَكَ هَذا جَيِّدًا. فاسْتَلَّهُ الآخَرُ، فَقالَ: أجَلْ واللَّهِ إنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ.

فَقالَ أبو بصير: أرِنِي أنْظُرْ إلَيْهِ. فَأمْكَنَهُ مِنهُ، فَضَرَبَهُ بِهِ حَتّى بَرَدَ، وفَرَّ الآخَرُ يَعْدُو حَتّى بَلَغَ المَدِينَةَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَآهُ: " لَقَدْ رَأى هَذا ذُعْرًا ".

فَلَمّا انْتَهى إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: قُتِلَ واللَّهِ صاحِبِي، وإنِّي لَمَقْتُولٌ. فَجاءَ أبو بصير فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، قَدْ واللَّهِ أوْفى اللَّهُ ذِمَّتَكَ، قَدْ رَدَدْتَنِي إلَيْهِمْ فَأنْجانِي اللَّهُ مِنهم.

فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " ويْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كانَ لَهُ أحَدٌ ". فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أنَّهُ سَيَرُدُّهُ إلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتّى أتى سِيفَ البَحْرِ، ويَنْفَلِتُ مِنهم أبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَلَحِقَ بأبي بصير، فَلا يَخْرُجُ مِن قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أسْلَمَ إلّا لَحِقَ بأبي بصير، حَتّى اجْتَمَعَتْ مِنهم عِصابَةٌ، فَواللَّهِ لا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ خَرَجَتْ إلى الشّامِ إلّا اعْتَرَضُوا لَها فَقَتَلُوهم وأخَذُوا أمْوالَهُمْ، فَأرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ تُناشِدُهُ اللَّهَ والرَّحِمَ لَما أرْسَلَ إلَيْهِمْ، فَمَن أتاهُ مِنهم فَهو آمِنٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤]، حَتّى بَلَغَ ﴿حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٤]، وكانَتْ حَمِيَّتُهم أنَّهم لَمْ يُقِرُّوا أنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ، ولَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وحالُوا بَيْنَهم وبَيْنَ البَيْتِ».

قُلْتُ: في " الصَّحِيحِ ": أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «تَوَضَّأ ومَجَّ في بِئْرِ الحُدَيْبِيَةِ مِن فَمِهِ، فَجاشَتْ بِالماء»

كَذَلِكَ قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ وسَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ في " الصَّحِيحَيْنِ ".

وَقالَ عروة: عَنْ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ والمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أنَّهُ «غَرَزَ فِيها سَهْمًا مِن كِنانَتِه»، وهو في " الصَّحِيحَيْنِ " أيْضًا.

وَفِي مَغازِي أبي الأسود عَنْ عروة: تَوَضَّأ في الدَّلْوِ، ومَضْمَضَ فاهُ، ثُمَّ مَجَّ فِيهِ، وأمَرَ أنْ يُصَبَّ في البِئْرِ، ونَزَعَ سَهْمًا مِن كِنانَتِهِ وألْقاهُ في البِئْرِ، ودَعا اللَّهَ تَعالى فَفارَتْ بِالماءِ، حَتّى جَعَلُوا يَغْتَرِفُونَ بِأيْدِيهِمْ مِنها وهم جُلُوسٌ عَلى شِقِّها، فَجَمَعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وهَذا أشْبَهُ. واللهُ أعْلَمُ.

وَفِي " صَحِيحِ البُخارِيِّ ": عَنْ جابر قالَ:

«عَطِشَ النّاسُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ يَتَوَضَّأُ مِنها، إذْ جَهَشَ النّاسُ نَحْوَهُ، فَقالَ: ما لَكُمْ؟ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما عِنْدَنا ماءٌ نَشْرَبُ، ولا ما نَتَوَضَّأُ إلّا ما بَيْنَ يَدَيْكَ، فَوَضَعَ يَدَهُ في الرَّكْوَةِ فَجَعَلَ الماءُ يَفُورُ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ أمْثالَ العُيُونِ، فَشَرِبُوا وتَوَضَّئُوا، وكانُوا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةٍ»

وَهَذِهِ غَيْرُ قِصَّةِ البِئْرِ.

وَفِي هَذِهِ الغَزْوَةِ أصابَهم لَيْلَةً مَطَرٌ، فَلَمّا صَلّى النّبِيّ ﷺ الصُّبْحَ قالَ:

«أتَدْرُونَ ماذا قالَ رَبُّكُمُ اللَّيْلَةَ؟ "

قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ.

قالَ: " أصْبَحَ مِن عِبادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافِرٌ، فَأمّا مَن قالَ: مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وأمّا مَن قالَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا، فَذَلِكَ كافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَب».

[فصل في ما جرى عليه صلح الحديبية]

وَجَرى الصُّلْحُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وأهْلِ مَكَّةَ عَلى وضْعِ الحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ، وأنْ يَأْمَنَ النّاسُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، وأنْ يَرْجِعَ عَنْهم عامَهُ ذَلِكَ، حَتّى إذا كانَ العامُ المُقْبِلُ قَدِمَها وخَلَّوْا بَيْنَهُ وبَيْنَ مَكَّةَ فَأقامَ بِها ثَلاثًا، وأنْ لا يَدْخُلَها إلّا بِسِلاحِ الرّاكِبِ والسُّيُوفُ في القِرَبِ، وأنَّ مَن أتانا مِن أصْحابِكَ لَمْ نَرُدُّهُ عَلَيْكَ، ومَن أتاكَ مِن أصْحابِنا رَدَدْتَهُ عَلَيْنا، وأنَّ بَيْنَنا وبَيْنَكَ عَيْبَةً مَكْفُوفَةً، وأنَّهُ لا إسْلالَ ولا إغْلالَ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، نُعْطِيهِمْ هَذا؟ فَقالَ: «مَن أتاهم مِنّا فَأبْعَدَهُ اللَّهُ، ومَن أتانا مِنهم فَرَدَدْناهُ إلَيْهِمْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا ومَخْرَجًا».

وَفِي قِصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ أنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فِدْيَةَ الأذى لِمَن حَلَقَ رَأْسَهُ بِالصِّيامِ أوِ الصَّدَقَةِ أوِ النُّسُكِ في شَأْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ.

وَفِيها دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُحَلِّقِينَ بِالمَغْفِرَةِ ثَلاثًا، ولِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً.

وَفِيها نَحَرُوا البَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، والبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ.

وَفِيها أهْدى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في جُمْلَةِ هَدْيِهِ جَمَلًا كانَ لأبي جهل كانَ في أنْفِهِ بُرَةٌ مِن فِضَّةٍ؛ لِيَغِيظَ بِهِ المُشْرِكِينَ.

وَفِيها أُنْزِلَتْ سُورَةُ الفَتْحِ، ودَخَلَتْ خُزاعَةُ في عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَهْدِهِ، ودَخَلَتْ بَنُو بَكْرٍ في عَقْدِ قُرَيْشٍ وعَهْدِهِمْ، وكانَ في الشَّرْطِ أنَّ مَن شاءَ أنْ يَدْخُلَ في عَقْدِهِ ﷺ دَخَلَ، ومَن شاءَ أنْ يَدْخُلَ في عَقْدِ قُرَيْشٍ دَخَلَ.

وَلَمّا رَجَعَ إلى المَدِينَةِ جاءَهُ نِساءٌ مُؤْمِناتٌ، مِنهُنَّ أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فَجاءَ أهْلُها يَسْألُونَها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالشَّرْطِ الَّذِي كانَ بَيْنَهُمْ، فَلَمْ يُرْجِعْها إلَيْهِمْ، ونَهاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ ذَلِكَ.

فَقِيلَ: هَذا نَسْخٌ لِلشَّرْطِ في النِّساءِ.

وَقِيلَ: تَخْصِيصٌ لِلسُّنَّةِ بِالقُرْآنِ، وهو عَزِيزٌ جِدًّا.

وَقِيلَ: لَمْ يَقَعِ الشَّرْطُ إلّا عَلى الرِّجالِ خاصَّةً، وأرادَ المُشْرِكُونَ أنْ يُعَمِّمُوهُ في الصِّنْفَيْنِ فَأبى اللَّهُ ذَلِكَ.

[فَصْلٌ: في بَعْضِ ما في قِصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ مِنَ الفَوائِدِ الفِقْهِيَّةِ]

فَمِنها: اعْتِمارُ النَّبِيِّ ﷺ في أشْهُرِ الحَجِّ، فَإنَّهُ خَرَجَ إلَيْها في ذِي القَعْدَةِ.

وَمِنها: أنَّ الإحْرامَ بِالعُمْرَةِ مِنَ المِيقاتِ أفْضَلُ، كَما أنَّ الإحْرامَ بِالحَجِّ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ أحْرَمَ بِهِما مِن ذِي الحُلَيْفَةِ، وبَيْنَها وبَيْنَ المَدِينَةِ مِيلٌ أوْ نَحْوُهُ، وأمّا حَدِيثُ «مَن أحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ»

وَفِي لَفْظٍ: «كانَتْ كَفّارَةً لِما قَبْلَها مِنَ الذُّنُوبِ» فَحَدِيثٌ لا يَثْبُتُ، وقَدِ اضْطُرِبَ فِيهِ إسْنادًا ومَتْنًا اضْطِرابًا شَدِيدًا.

وَمِنها: أنَّ سَوْقَ الهَدْيِ مَسْنُونٌ في العُمْرَةِ المُفْرَدَةِ كَما هو مَسْنُونٌ في القِرانِ.

وَمِنها: أنَّ إشْعارَ الهَدْيِ سُنَّةٌ لا مُثْلَةٌ مَنهِيٌّ عَنْها.

وَمِنها: اسْتِحْبابُ مُغايَظَةِ أعْداءِ اللَّهِ؛ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ أهْدى في جُمْلَةِ هَدْيِهِ جَمَلًا لأبي جهل في أنْفِهِ بُرَةٌ مِن فِضَّةٍ يَغِيظُ بِهِ المُشْرِكِينَ، وقَدْ قالَ تَعالى في صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ: ﴿وَمَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]

وَقالَ عَزَّ وجَلَّ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا إلّا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠].

وَمِنها: أنَّ أمِيرَ الجَيْشِ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَبْعَثَ العُيُونَ أمامَهُ نَحْوَ العَدُوِّ.

وَمِنها: أنَّ الِاسْتِعانَةَ بِالمُشْرِكِ المَأْمُونِ في الجِهادِ جائِزَةٌ عِنْدَ الحاجَةِ؛ لِأنَّ عينه الخزاعي كانَ كافِرًا إذْ ذاكَ، وفِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ أنَّهُ أقْرَبُ إلى اخْتِلاطِهِ بِالعَدُوِّ وأخْذِهِ أخْبارَهم.

وَمِنها: اسْتِحْبابُ مَشُورَةِ الإمامِ رَعِيَّتَهُ وجَيْشَهُ اسْتِخْراجًا لِوَجْهِ الرَّأْيِ واسْتِطابَةً لِنَفُوسِهِمْ، وأمْنًا لِعَتَبِهِمْ وتَعَرُّفًا لِمَصْلَحَةٍ يَخْتَصُّ بِعِلْمِها بَعْضُهم دُونَ بَعْضٍ، وامْتِثالًا لِأمْرِ الرَّبِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]

وَقَدْ مَدَحَ سُبْحانَهُ وتَعالى عِبادَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].

وَمِنها: جَوازُ سَبْيِ ذَرارِيِّ المُشْرِكِينَ إذا انْفَرَدُوا عَنْ رِجالِهِمْ قَبْلَ مُقاتَلَةِ الرِّجالِ.

وَمِنها: رَدُّ الكَلامِ الباطِلِ، ولَوْ نُسِبَ إلى غَيْرِ مُكَلَّفٍ، فَإنَّهم لَمّا قالُوا: خَلَأتِ القَصْواءُ. يَعْنِي حَرَنَتْ وألَحَّتْ فَلَمْ تَسِرْ، والخِلاءُ في الإبِلِ بِكَسْرِ الخاءِ والمَدِّ، نَظِيرُ الحِرانِ في الخَيْلِ، فَلَمّا نَسَبُوا إلى النّاقَةِ ما لَيْسَ مِن خُلُقِها وطَبْعِها رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وقالَ:

«ما خَلَأتْ وما ذاكَ لَها بِخُلُقٍ»

ثُمَّ أخْبَرَ ﷺ عَنْ سَبَبِ بُرُوكِها، وأنَّ الَّذِي حَبَسَ الفِيلَ عَنْ مَكَّةَ حَبَسَها لِلْحِكْمَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ بِسَبَبِ حَبْسِها وما جَرى بَعْدَهُ.

وَمِنها: أنَّ تَسْمِيَةَ ما يُلابِسُهُ الرَّجُلُ مِن مَراكِبِهِ ونَحْوِها سُنَّةٌ.

وَمِنها: جَوازُ الحَلِفِ، بَلِ اسْتِحْبابُهُ عَلى الخَبَرِ الدِّينِيِّ الَّذِي يُرِيدُ تَأْكِيدَهُ، وقَدْ حُفِظَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الحَلِفُ في أكْثَرَ مِن ثَمانِينَ مَوْضِعًا، وأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالحَلِفِ عَلى تَصْدِيقِ ما أخْبَرَ بِهِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ: في (سُورَةِ يُونُسَ) و (سَبَأ) و (التَّغابُنِ).

وَمِنها: أنَّ المُشْرِكِينَ وأهْلَ البِدَعِ والفُجُورِ والبُغاةِ والظَّلَمَةِ إذا طَلَبُوا أمْرًا يُعَظِّمُونَ فِيهِ حُرْمَةً مِن حُرُماتِ اللَّهِ تَعالى، أُجِيبُوا إلَيْهِ وأُعْطُوهُ وأُعِينُوا عَلَيْهِ، وإنْ مَنَعُوا غَيْرَهُ فَيُعاوَنُونَ عَلى ما فِيهِ تَعْظِيمُ حُرُماتِ اللَّهِ تَعالى، لا عَلى كُفْرِهِمْ وبَغْيِهِمْ، ويُمْنَعُونَ مِمّا سِوى ذَلِكَ، فَكُلُّ مَنِ التَمَسَ المُعاوَنَةَ عَلى مَحْبُوبٍ لِلَّهِ تَعالى مُرْضٍ لَهُ، أُجِيبَ إلى ذَلِكَ كائِنًا مَن كانَ، ما لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلى إعانَتِهِ عَلى ذَلِكَ المَحْبُوبِ مَبْغُوضٌ لِلَّهِ أعْظَمُ مِنهُ، وهَذا مِن أدَقِّ المَواضِعِ وأصْعَبِها وأشَقِّها عَلى النُّفُوسِ، ولِذَلِكَ ضاقَ عَنْهُ مِنَ الصَّحابَةِ مَن ضاقَ، وقالَ عمر ما قالَ، حَتّى عَمِلَ لَهُ أعْمالًا بَعْدَهُ، والصِّدِّيقُ تَلَقّاهُ بِالرِّضى والتَّسْلِيمِ، حَتّى كانَ قَلْبُهُ فِيهِ عَلى قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأجابَ عمر عَمّا سَألَ عَنْهُ مِن ذَلِكَ بِعَيْنِ جَوابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصِّدِّيقَ رَضِيَ الله عَنْهُ أفْضَلُ الصَّحابَةِ وأكْمَلُهم وأعْرَفُهم بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ، وأعْلَمُهم بِدِينِهِ وأقْوَمُهم بِمَحابِّهِ وأشَدُّهم مُوافَقَةً لَهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَسْألْ عمر عَمّا عَرَضَ لَهُ إلّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وصِدِّيقَهُ خاصَّةً دُونَ سائِرِ أصْحابِهِ.

وَمِنها: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَدَلَ ذاتَ اليَمِينِ إلى الحُدَيْبِيَةِ. قالَ الشّافِعِيُّ: بَعْضُها مِنَ الحِلِّ وبَعْضُها مِنَ الحَرَمِ.

وَرَوى الإمامُ أحْمَدُ في هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كانَ يُصَلِّي في الحَرَمِ، وهو مُضْطَرِبٌ في الحِلِّ»، وفي هَذا كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ مُضاعَفَةَ الصَّلاةِ بِمَكَّةَ تَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الحَرَمِ، لا يُخَصُّ بِها المَسْجِدُ الَّذِي هو مَكانُ الطَّوافِ، وأنَّ قَوْلَهُ: «صَلاةٌ في المَسْجِدِ الحَرامِ أفْضَلُ مِن مِائَةِ صَلاةٍ في مَسْجِدِي»، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [التوبة: ٢٨] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وكانَ الإسْراءُ مِن بَيْتِ أم هانئ.

وَمِنها: أنَّ مَن نَزَلَ قَرِيبًا مِن مَكَّةَ فَإنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنْزِلَ في الحِلِّ، ويُصَلِّيَ في الحَرَمِ، وكَذَلِكَ كانَ ابْنُ عُمَرَ يَصْنَعُ.

وَمِنها: جَوازُ ابْتِداءِ الإمامِ بِطَلَبِ صُلْحِ العَدُوِّ، إذا رَأى المَصْلَحَةَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ، ولا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ الطَّلَبِ مِنهم.

وَفِي قِيامِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَلى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالسَّيْفِ - ولَمْ يَكُنْ عادَتَهُ أنْ يُقامَ عَلى رَأْسِهِ وهو قاعِدٌ - سُنَّةٌ يُقْتَدى بِها عِنْدَ قُدُومِ رُسُلِ العَدُوِّ مِن إظْهارِ العِزِّ والفَخْرِ وتَعْظِيمِ الإمامِ وطاعَتِهِ ووِقايَتِهِ بِالنُّفُوسِ، وهَذِهِ هي العادَةُ الجارِيَةُ عِنْدَ قُدُومِ رُسُلِ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ، وقُدُومِ رُسُلِ الكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ، ولَيْسَ هَذا مِن هَذا النَّوْعِ الَّذِي ذَمَّهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ:

«مَن أحَبَّ أنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجالُ قِيامًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ»

كَما أنَّ الفَخْرَ والخُيَلاءَ في الحَرْبِ لَيْسا مِن هَذا النَّوْعِ المَذْمُومِ في غَيْرِهِ، وفي بَعْثِ البُدْنِ في وجْهِ الرَّسُولِ الآخَرِ دَلِيلٌ عَلى اسْتِحْبابِ إظْهارِ شَعائِرِ الإسْلامِ لِرُسُلِ الكُفّارِ.

وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ للمغيرة: «أمّا الإسْلامُ فَأقْبَلُ، وأمّا المالُ فَلَسْتُ مِنهُ في شَيْءٍ» دَلِيلٌ عَلى أنَّ مالَ المُشْرِكِ المُعاهَدِ مَعْصُومٌ، وأنَّهُ لا يُمْلَكُ بَلْ يُرَدُّ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ المغيرة كانَ قَدْ صَحِبَهم عَلى الأمانِ ثُمَّ غَدَرَ بِهِمْ وأخَذَ أمْوالَهُمْ، فَلَمْ يَتَعَرَّضِ النَّبِيُّ ﷺ لِأمْوالِهِمْ ولا ذَبَّ عَنْها، ولا ضَمِنَها لَهُمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ إسْلامِ المغيرة.

وَفِي قَوْلِ الصِّدِّيقِ لعروة: امْصُصْ بَظْرَ اللّاتِ. دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّصْرِيحِ بِاسْمِ العَوْرَةِ إذا كانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ تَقْتَضِيها تِلْكَ الحالُ، كَما أذِنَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُصَرِّحَ لِمَنِ ادَّعى دَعْوى الجاهِلِيَّةِ بِهَنِ أبِيهِ، ويُقالُ لَهُ: اعْضُضْ أيْرَ أبِيكَ، ولا يُكَنِّى لَهُ، فَلِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ.

وَمِنها: احْتِمالُ قِلَّةِ أدَبِ رَسُولِ الكُفّارِ وجَهْلِهِ وجَفْوَتِهِ، ولا يُقابَلُ عَلى ذَلِكَ؛ لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ العامَّةِ، ولَمْ يُقابِلِ النَّبِيُّ ﷺ عروة عَلى أخْذِهِ بِلِحْيَتِهِ وقْتَ خِطابِهِ، وإنْ كانَتْ تِلْكَ عادَةَ العَرَبِ، لَكِنَّ الوَقارَ والتَّعْظِيمَ خِلافُ ذَلِكَ.

وَكَذَلِكَ لَمْ يُقابِلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَسُولَيْ مسيلمة حِينَ قالا: نَشْهَدُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وقالَ: «لَوْلا أنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُما»

وَمِنها: طَهارَةُ النُّخامَةِ سَواءٌ كانَتْ مِن رَأْسٍ أوْ صَدْرٍ.

وَمِنها: طَهارَةُ الماءِ المُسْتَعْمَلِ.

وَمِنها: اسْتِحْبابُ التَّفاؤُلِ، وأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الطِّيَرَةِ المَكْرُوهَةِ؛ لِقَوْلِهِ لَمّا جاءَ سهيل " «سَهُلَ أمْرُكُمْ» ".

وَمِنها: أنَّ المَشْهُودَ عَلَيْهِ إذا عُرِفَ بِاسْمِهِ واسْمِ أبِيهِ أغْنى ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِ الجَدِّ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزِدْ عَلى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وقَنِعَ مِن سهيل بِذِكْرِ اسْمِهِ واسْمِ أبِيهِ خاصَّةً، واشْتِراطُ ذِكْرِ الجَدِّ لا أصْلَ لَهُ، ولَمّا اشْتَرى العداء بن خالد مِنهُ ﷺ الغُلامَ، فَكَتَبَ لَهُ: «هَذا ما اشْتَرى العداء بن خالد بن هوذة»، فَذَكَرَ جَدَّهُ، فَهو زِيادَةُ بَيانٍ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ جائِزٌ لا بَأْسَ بِهِ، ولا تَدُلُّ عَلى اشْتِراطِهِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ في الشُّهْرَةِ بِحَيْثُ يُكْتَفى بِاسْمِهِ واسْمِ أبِيهِ ذَكَرَ جَدَّهُ، فَيُشْتَرَطُ ذِكْرُ الجَدِّ عِنْدَ الِاشْتِراكِ في الِاسْمِ واسْمِ الأبِ، وعِنْدَ عَدَمِ الِاشْتِراكِ اكْتُفِيَ بِذِكْرِ الِاسْمِ واسْمِ الأبِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

وَمِنها: أنَّ مُصالَحَةَ المُشْرِكِينَ بِبَعْضِ ما فِيهِ ضَيْمٌ عَلى المُسْلِمِينَ جائِزَةٌ لِلْمَصْلَحَةِ الرّاجِحَةِ، ودَفْعِ ما هو شَرٌّ مِنهُ، فَفِيهِ دَفْعُ أعْلى المَفْسَدَتَيْنِ بِاحْتِمالِ أدْناهُما.

وَمِنها: أنَّ مَن حَلَفَ عَلى فِعْلِ شَيْءٍ أوْ نَذَرَهُ أوْ وعَدَ غَيْرَهُ بِهِ، ولَمْ يُعَيِّنْ وقْتًا، لا بِلَفْظِهِ ولا بِنِيَّتِهِ، لَمْ يَكُنْ عَلى الفَوْرِ، بَلْ عَلى التَّراخِي.

وَمِنها: أنَّ الحِلاقَ نُسُكٌ، وأنَّهُ أفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ، وأنَّهُ نُسُكٌ في العُمْرَةِ كَما هو نُسُكٌ في الحَجِّ، وأنَّهُ نُسُكٌ في عُمْرَةِ المَحْصُورِ كَما هو نُسُكٌ في عُمْرَةِ غَيْرِهِ.

وَمِنها: أنَّ المُحْصَرَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ حَيْثُ أُحْصِرَ مِنَ الحِلِّ أوِ الحَرَمِ، وأنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُواعِدَ مَن يَنْحَرُهُ في الحَرَمِ إذا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ، وأنَّهُ لا يَتَحَلَّلُ حَتّى يَصِلَ إلى مَحَلِّهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥].

وَمِنها: أنَّ المَوْضِعَ الَّذِي نَحَرَ فِيهِ الهَدْيَ كانَ مِنَ الحِلِّ، لا مِنَ الحَرَمِ؛ لِأنَّ الحَرَمَ كُلَّهُ مَحِلُّ الهَدْيِ.

وَمِنها: أنَّ المُحْصَرَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ القَضاءُ؛ لِأنَّهُ ﷺ أمَرَهم بِالحَلْقِ والنَّحْرِ، ولَمْ يَأْمُرْ أحَدًا مِنهم بِالقَضاءِ، والعُمْرَةُ مِنَ العامِ القابِلِ لَمْ تَكُنْ واجِبَةً، ولا قَضاءً عَنْ عُمْرَةِ الإحْصارِ، فَإنَّهم كانُوا في عُمْرَةِ الإحْصارِ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ، وكانُوا في عُمْرَةِ القَضِيَّةِ دُونَ ذَلِكَ، وإنَّما سُمِّيَتْ عُمْرَةَ القَضِيَّةِ والقَضاءِ لِأنَّها العُمْرَةُ الَّتِي قاضاهم عَلَيْها، فَأُضِيفَتِ العُمْرَةُ إلى مَصْدَرِ فِعْلِهِ.

وَمِنها: أنَّ الأمْرَ المُطْلَقَ عَلى الفَوْرِ وإلّا لَمْ يَغْضَبْ لِتَأْخِيرِهِمُ الِامْتِثالَ عَنْ وقْتِ الأمْرِ، وقَدِ اعْتُذِرَ عَنْ تَأْخِيرِهِمُ الِامْتِثالَ بِأنَّهم كانُوا يَرْجُونَ النَّسْخَ، فَأخَّرُوا مُتَأوِّلِينَ لِذَلِكَ، وهَذا الِاعْتِذارُ أوْلى أنْ يُعْتَذَرَ عَنْهُ، وهو باطِلٌ؛ فَإنَّهُ ﷺ لَوْ فَهِمَ مِنهم ذَلِكَ لَمْ يَشْتَدَّ غَضَبُهُ لِتَأْخِيرِ أمْرِهِ، ويَقُولُ:

«ما لِي لا أغْضَبُ وأنا آمُرُ بِالأمْرِ فَلا أُتَّبَعُ»

وَإنَّما كانَ تَأْخِيرُهم مِنَ السَّعْيِ المَغْفُورِ لا المَشْكُورِ، وقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وغَفَرَ لَهم وأوْجَبَ لَهُمُ الجَنَّةَ.

وَمِنها: أنَّ الأصْلَ مُشارَكَةُ أُمَّتِهِ لَهُ في الأحْكامِ، إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، ولِذَلِكَ قالَتْ أم سلمة: «اخْرُجْ ولا تُكَلِّمْ أحَدًا حَتّى تَحْلِقَ رَأْسَكَ وتَنْحَرَ هَدْيَكَ»، وعَلِمَتْ أنَّ النّاسَ سَيُتابِعُونَهُ.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ فَعَلُوا ذَلِكَ اقْتِداءً بِفِعْلِهِ ولَمْ يَمْتَثِلُوهُ حِينَ أمَرَهم بِهِ؟ قِيلَ: هَذا هو السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ ظَنَّ مَن ظَنَّ أنَّهم أخَّرُوا الِامْتِثالَ طَمَعًا في النَّسْخِ، فَلَمّا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ عَلِمُوا حِينَئِذٍ أنَّهُ حُكْمٌ مُسْتَقِرٌّ غَيْرُ مَنسُوخٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ فَسادُ هَذا الظَّنِّ، ولَكِنْ لَمّا تَغَيَّظَ عَلَيْهِمْ وخَرَجَ ولَمْ يُكَلِّمْهم وأراهم أنَّهُ بادَرَ إلى امْتِثالِ ما أُمِرَ بِهِ، وأنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْ كَتَأْخِيرِهِمْ، وأنَّ اتِّباعَهم لَهُ وطاعَتَهم تُوجِبُ اقْتِداءَهم بِهِ، بادَرُوا حِينَئِذٍ إلى الِاقْتِداءِ بِهِ وامْتِثالِ أمْرِهِ.

وَمِنها: جَوازُ صُلْحِ الكُفّارِ عَلى رَدِّ مَن جاءَ مِنهم إلى المُسْلِمِينَ، وألّا يُرَدَّ مَن ذَهَبَ مِنَ المُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ، هَذا في غَيْرِ النِّساءِ، وأمّا النِّساءُ فَلا يَجُوزُ اشْتِراطُ رَدِّهِنَّ إلى الكُفّارِ، وهَذا مَوْضِعُ النَّسْخِ خاصَّةً في هَذا العَقْدِ بِنَصِّ القُرْآنِ، ولا سَبِيلَ إلى دَعْوى النَّسْخِ في غَيْرِهِ بِغَيْرِ مُوجِبٍ.

وَمِنها: أنَّ خُرُوجَ البُضْعِ مِن مِلْكِ الزَّوْجِ مُتَقَوِّمٌ، ولِذَلِكَ أوْجَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَدَّ المَهْرِ عَلى مَن هاجَرَتِ امْرَأتُهُ وحِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَها، وعَلى مَنِ ارْتَدَّتِ امْرَأتُهُ مِنَ المُسْلِمِينَ إذا اسْتَحَقَّ الكُفّارُ عَلَيْهِمْ رَدَّ مُهُورِ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ مِن أزْواجِهِمْ، وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ حُكْمُهُ الَّذِي حَكَمَ بِهِ بَيْنَهم ثُمَّ لَمْ يَنْسَخْهُ شَيْءٌ، وفي إيجابِهِ رَدَّ ما أعْطى الأزْواجُ مِن ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى تَقَوُّمِهِ بِالمُسَمّى، لا بِمَهْرِ المِثْلِ.

وَمِنها: أنَّ رَدَّ مَن جاءَ مِنَ الكُفّارِ إلى الإمامِ لا يَتَناوَلُ مَن خَرَجَ مِنهم مُسْلِمًا إلى غَيْرِ بَلَدِ الإمامِ، وأنَّهُ إذا جاءَ إلى بَلَدِ الإمامِ لا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ بِدُونِ الطَّلَبِ؛ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرُدَّ أبا بصير حِينَ جاءَهُ، ولا أكْرَهَهُ عَلى الرُّجُوعِ، ولَكِنْ لَمّا جاءُوا في طَلَبِهِ مَكَّنَهم مِن أخْذِهِ ولَمْ يُكْرِهْهُ عَلى الرُّجُوعِ.

وَمِنها أنَّ المُعاهَدِينَ إذا تَسَلَّمُوهُ وتَمَكَّنُوا مِنهُ فَقَتَلَ أحَدًا مِنهم لَمْ يَضْمَنهُ بِدِيَةٍ ولا قَوَدٍ، ولَمْ يَضْمَنهُ الإمامُ، بَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ في ذَلِكَ حُكْمَ قَتْلِهِ لَهم في دِيارِهِمْ، حَيْثُ لا حُكْمَ لِلْإمامِ عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّ أبا بصير قَتَلَ أحَدَ الرَّجُلَيْنِ المُعاهَدَيْنِ بِذِي الحُلَيْفَةِ، وهي مِن حُكْمِ المَدِينَةِ، ولَكِنْ كانَ قَدْ تَسَلَّمُوهُ وفُصِلَ عَنْ يَدِ الإمامِ وحُكْمِهِ.

وَمِنها: أنَّ المُعاهَدِينَ إذا عاهَدُوا الإمامَ فَخَرَجَتْ مِنهم طائِفَةٌ، فَحارَبَتْهم وغَنِمَتْ أمْوالَهُمْ، ولَمْ يَتَحَيَّزُوا إلى الإمامِ، لَمْ يَجِبْ عَلى الإمامِ دَفْعُهم عَنْهم ومَنعُهم مِنهُمْ، وسَواءٌ دَخَلُوا في عَقْدِ الإمامِ وعَهْدِهِ ودِينِهِ أوْ لَمْ يَدْخُلُوا، والعَهْدُ الَّذِي كانَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ لَمْ يَكُنْ عَهْدًا بَيْنَ أبي بصير وأصْحابِهِ وبَيْنَهُمْ، وعَلى هَذا فَإذا كانَ بَيْنَ بَعْضِ مُلُوكِ المُسْلِمِينَ وبَعْضِ أهْلِ الذِّمَّةِ مِنَ النَّصارى وغَيْرِهِمْ عَهْدٌ جازَ لِمَلِكٍ آخَرَ مِن مُلُوكِ المُسْلِمِينَ أنْ يَغْزُوَهم ويَغْنَمَ أمْوالَهم إذا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَهْدٌ، كَما أفْتى بِهِ شَيْخُ الإسْلامِ في نَصارى مَلَطْيَةَ وسَبْيِهِمْ، مُسْتَدِلًّا بِقِصَّةِ أبي بصير مَعَ المُشْرِكِينَ.

[فَصْلٌ: في الإشارَةِ إلى بَعْضِ الحِكَمِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها هَذِهِ الهُدْنَةُ]

وَهِيَ أكْبَرُ وأجَلُّ مِن أنْ يُحِيطَ بِها إلّا اللَّهُ الَّذِي أحْكَمَ أسْبابَها، فَوَقَعَتِ الغايَةُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وحَمْدُهُ.

فَمِنها: أنَّها كانَتْ مُقَدِّمَةً بَيْنَ يَدَيِ الفَتْحِ الأعْظَمِ الَّذِي أعَزَّ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ وجُنْدَهُ، ودَخَلَ النّاسُ بِهِ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، فَكانَتْ هَذِهِ الهُدْنَةُ بابًا لَهُ ومِفْتاحًا ومُؤْذِنًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وهَذِهِ عادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في الأُمُورِ العِظامِ الَّتِي يَقْضِيها قَدَرًا وشَرْعًا أنْ يُوَطِّئَ لَها بَيْنَ يَدَيْها مُقَدِّماتٍ وتَوْطِئاتٍ تُؤْذِنُ بِها وتَدُلُّ عَلَيْها.

وَمِنها: أنَّ هَذِهِ الهُدْنَةَ كانَتْ مِن أعْظَمِ الفُتُوحِ؛ فَإنَّ النّاسَ أمِنَ بَعْضُهم بَعْضًا، واخْتَلَطَ المُسْلِمُونَ بِالكُفّارِ، وبادَءُوهم بِالدَّعْوَةِ وأسْمَعُوهُمُ القُرْآنَ، وناظَرُوهم عَلى الإسْلامِ جَهْرَةً آمِنِينَ، وظَهَرَ مَن كانَ مُخْتَفِيًا بِالإسْلامِ، ودَخَلَ فِيهِ في مُدَّةَ الهُدْنَةِ مَن شاءَ اللَّهُ أنْ يَدْخُلَ، ولِهَذا سَمّاهُ اللَّهُ فَتْحًا مُبِينًا. قالَ ابن قتيبة: قَضَيْنا لَكَ قَضاءً عَظِيمًا. وقالَ مجاهد: هو ما قَضى اللَّهُ لَهُ بِالحُدَيْبِيَةِ.

وَحَقِيقَةُ الأمْرِ أنَّ الفَتْحَ - في اللُّغَةِ - فَتْحُ المُغْلَقِ، والصُّلْحُ الَّذِي حَصَلَ مَعَ المُشْرِكِينَ بِالحُدَيْبِيَةِ كانَ مَسْدُودًا مُغْلَقًا حَتّى فَتَحَهُ اللَّهُ، وكانَ مِن أسْبابِ فَتْحِهِ صَدُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ عَنِ البَيْتِ، وكانَ في الصُّورَةِ الظّاهِرَةِ ضَيْمًا وهَضْمًا لِلْمُسْلِمِينَ، وفي الباطِنِ عِزًّا وفَتْحًا ونَصْرًا، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ إلى ما وراءَهُ مِنَ الفَتْحِ العَظِيمِ والعِزِّ والنَّصْرِ مِن وراءِ سِتْرٍ رَقِيقٍ، وكانَ يُعْطِي المُشْرِكِينَ كُلَّ ما سَألُوهُ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي لَمْ يَحْتَمِلْها أكْثَرُ أصْحابِهِ ورُءُوسُهُمْ، وهو ﷺ يَعْلَمُ ما في ضِمْنِ هَذا المَكْرُوهِ مِن مَحْبُوبٍ ﴿وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦].

؎وَرُبَّما كانَ مَكْرُوهُ النُّفُوسِ إلى ∗∗∗ مَحْبُوبِها سَبَبًا ما مِثْلُهُ سَبَبُ

فَكانَ يَدْخُلُ عَلى تِلْكَ الشُّرُوطِ دُخُولَ واثِقٍ بِنَصْرِ اللَّهِ لَهُ وتَأْيِيدِهِ، وأنَّ العاقِبَةَ لَهُ، وأنَّ تِلْكَ الشُّرُوطَ واحْتِمالَها هو عَيْنُ النُّصْرَةِ، وهو مِن أكْبَرِ الجُنْدِ الَّذِي أقامَهُ المُشْتَرِطُونَ ونَصَبُوهُ لِحَرْبِهِمْ وهم لا يَشْعُرُونَ، فَذَلُّوا مِن حَيْثُ طَلَبُوا العِزَّ، وقُهِرُوا مِن حَيْثُ أظْهَرُوا القُدْرَةَ والفَخْرَ والغَلَبَةَ، وعَزَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعَساكِرُ الإسْلامِ مِن حَيْثُ انْكَسَرُوا لِلَّهِ واحْتَمَلُوا الضَّيْمَ لَهُ وفِيهِ، فَدارَ الدَّوْرُ وانْعَكَسَ الأمْرُ وانْقَلَبَ العِزُّ بِالباطِلِ ذُلًّا بِحَقٍّ، وانْقَلَبَتِ الكَسْرَةُ لِلَّهِ عِزًّا بِاللَّهِ، وظَهَرَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ وآياتُهُ وتَصْدِيقُ وعْدِهِ ونُصْرَةُ رَسُولِهِ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ وأكْمَلِها الَّتِي لا اقْتِراحَ لِلْعُقُولِ وراءَها.

وَمِنها: ما سَبَّبَهُ سُبْحانَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن زِيادَةِ الإيمانِ والإذْعانِ والِانْقِيادِ عَلى ما أحَبُّوا وكَرِهُوا، وما حَصَلَ لَهم في ذَلِكَ مِنَ الرِّضى بِقَضاءِ اللَّهِ وتَصْدِيقِ مَوْعُودِهِ، وانْتِظارِ ما وُعِدُوا بِهِ، وشُهُودِ مِنَّةِ اللَّهِ ونِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِالسَّكِينَةِ الَّتِي أنْزَلَها في قُلُوبِهِمْ أحْوَجَ ما كانُوا إلَيْها في تِلْكَ الحالِ الَّتِي تُزَعْزَعُ لَها الجِبالُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن سَكِينَتِهِ ما اطْمَأنَّتْ بِهِ قُلُوبُهم وقَوِيَتْ بِهِ نُفُوسُهم وازْدادُوا بِهِ إيمانًا.

وَمِنها: أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ هَذا الحُكْمَ الَّذِي حَكَمَ بِهِ لِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ سَبَبًا لِما ذَكَرَهُ مِنَ المَغْفِرَةِ لِرَسُولِهِ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، ولِإتْمامِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ، ولِهِدايَتِهِ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ، ونَصْرِهِ النَّصْرَ العَزِيزَ، ورِضاهُ بِهِ، ودُخُولِهِ تَحْتَهُ، وانْشِراحِ صَدْرِهِ بِهِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الضَّيْمِ وإعْطاءِ ما سَألُوهُ، كانَ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي نالَ بِها الرَّسُولُ وأصْحابُهُ ذَلِكَ، ولِهَذا ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ جَزاءً وغايَةً، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ عَلى فِعْلٍ قامَ بِالرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ عِنْدَ حُكْمِهِ تَعالى وفَتْحِهِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English