Ибн аль-КаййимАт‑Тавба · 9:117–118

Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском

Ат-Тавба 9:117–118

9:117–118Страница 205

لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ مِنۢ بَعۡدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٖ مِّنۡهُمۡ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّهُۥ بِهِمۡ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١١٧

Аллах принял покаяния Пророка, мухаджиров и ансаров, которые последовали за ним в трудный час, после того, как сердца некоторых из них чуть было не уклонились в сторону. Он принял их покаяния, ибо Он - Сострадательный, Милосердный.

وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١١٨

Аллах простил и тех троих, которым было отсрочено до тех пор, пока земля не стала тесной для них, несмотря на ее просторы. Их души сжались, и они поняли, что им негде укрыться от Аллаха, кроме как у Него. Затем Он простил их, чтобы они могли раскаяться. Воистину, Аллах - Принимающий покаяния, Милосердный.

(فائدة)

التَّوْبَةُ كَما أنَّها مِن أوَّلِ المَقاماتِ فَهي آخِرُها أيْضًا، بَلْ هي في كُلِّ مَقامٍ مُسْتَصْحَبَةٌ، ولِهَذا جَعَلَها اللَّهُ تَعالى آخِرَ مَقاماتِ خاصَّتِهِ، فَقالَ تَعالى في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهي آخِرُ الغَزَواتِ الَّتِي قَطَعُوا فِيها الأوْدِيَةَ والبِداياتِ والأحْوالَ والنِّهاياتِ ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

فَجَعَلَ التَّوْبَةَ أوَّلَ أمْرِهِمْ وآخِرَهُ.

(فصل)

اعْلَمِ الآنَ: أنَّ التَّوْبَةَ نِهايَةُ كُلِّ عارِفٍ، وغايَةُ كُلِّ سالِكٍ، وكَما أنَّها بِدايَةٌ فَهي نِهايَةٌ، والحاجَةُ إلَيْها في النِّهايَةِ أشَدُّ مِنَ الحاجَةِ إلَيْها في البِدايَةِ، بَلْ هي في النِّهايَةِ في مَحَلِّ الضَّرُورَةِ.

فاسْمَعِ الآنَ ما خاطَبَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ في آخِرِ الأمْرِ عِنْدَ النِّهايَةِ، وكَيْفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في آخِرِ حَياتِهِ أشَدَّ ما كانَ اسْتِغْفارًا وأكْثَرَهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧]

وَهَذا أنْزَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهي آخِرُ الغَزَواتِ الَّتِي غَزاها ﷺ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ التَّوْبَةَ عَلَيْهِمْ شُكْرانًا لِما تَقَدَّمَ مِن تِلْكَ الأعْمالِ، وذَلِكَ الجِهادُ، وقالَ تَعالى في آخِرِ ما أنْزَلَ عَلى رَسُولِهِ: إذا ﴿جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ - ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ١-٣]

وَفِي الصَّحِيحِ أنَّهُ ﷺ ما صَلّى صَلاةً - بَعْدَ ما نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ - إلّا قالَ فِيها: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» وذَلِكَ في نِهايَةِ أمْرِهِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، ولِهَذا فَهِمَ مِنها عُلَماءُ الصَّحابَةِ - كَعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أنَّ أجَلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أعْلَمَهُ اللَّهُ إيّاهُ، فَأمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالِاسْتِغْفارِ في نِهايَةِ أحْوالِهِ، وآخِرِ أمْرِهِ، عَلى ما كانَ عَلَيْهِ ﷺ مَقامًا وحالًا، وآخِرُ ما سُمِعَ مِن كَلامِهِ عِنْدَ قُدُومِهِ عَلى رَبِّهِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وألْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأعْلى وكانَ ﷺ يَخْتِمُ عَلى كُلِّ عَمَلٍ صالِحٍ بِالِاسْتِغْفارِ»، كالصَّوْمِ، والصَّلاةِ، والحَجِّ، والجِهادِ، فَإنَّهُ كانَ إذا فَرَغَ مِنهُ، وأشْرَفَ عَلى المَدِينَةِ، قالَ: «آيِبُونَ، تائِبُونَ، لِرَبِّنا حامِدُونَ» وشَرَّعَ أنْ يُخْتَمَ المَجْلِسُ بِالِاسْتِغْفارِ، وإنْ كانَ مَجْلِسَ خَيْرٍ وطاعَةٍ، وشَرَّعَ أنْ يَخْتِمَ العَبْدُ عَمَلَ يَوْمِهِ بِالِاسْتِغْفارِ، فَيَقُولُ عِنْدَ النَّوْمِ «أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ وأتُوبُ إلَيْهِ» وأنْ يَنامَ عَلى سَيِّدِ الِاسْتِغْفارِ.

والعارِفُ بِاللَّهِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وحُقُوقِهِ يَعْلَمُ أنَّ العَبْدَ أحْوَجُ ما يَكُونُ إلى التَّوْبَةِ في نِهايَتِهِ، وأنَّهُ أحْوَجُ إلى التَّوْبَةِ مِنَ الفَناءِ، والِاتِّصالِ، وجَمْعِ الشَّواهِدِ، وجَمْعِ الوُجُودِ، وجَمْعِ العَيْنِ، وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ أعْلى مَقاماتِ السّالِكِينَ، وغايَةُ مَطْلَبِ المُقَرَّبِينَ، ولَمْ يَأْتِ لَهُ ذِكْرٌ في القُرْآنِ، ولا في السُّنَّةِ، ولا يَعْرِفُهُ إلّا النّادِرُ مِنَ النّاسِ، ولا يَتَصَوَّرُهُ أكْثَرُهم إلّا بِصُعُوبَةٍ ومَشَقَّةٍ، ولَوْ سَمِعَهُ أكْثَرُ الخَلْقِ لَما فَهِمُوهُ، ولا عَرَفُوا المُرادَ مِنهُ إلّا بِتَرْجَمَةٍ؟ فَأيْنَ في كِتابِ اللَّهِ، أوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، أوْ كَلامِ الصَّحابَةِ - الَّذِينَ نِسْبَةُ مَعارِفِ مَن بَعْدَهم إلى مَعارِفِهِمْ كَنِسْبَةِ فَضْلِهِمْ ودِينِهِمْ وجِهادِهِمْ إلَيْهِمْ - ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، أوْ يُشِيرُ إلَيْهِ؟

(فائدة)

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

هَذا مِن أعْظَمِ ما يُعَرِّفُ العَبْدَ قَدْرَ التَّوْبَةِ وفَضْلَها عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّها غايَةُ كَمالِ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أعْطاهم هَذا الكَمالَ بَعْدَ آخِرِ الغَزَواتِ بَعْدَ أنْ قَضَوْا نَحْبَهُمْ، وبَذَلُوا نُفُوسَهم وأمْوالَهم ودِيارَهم لِلَّهِ، وكانَ غايَةَ أمْرِهِمْ أنْ تابَ عَلَيْهِمْ، ولِهَذا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ تَوْبَةِ كَعْبٍ خَيْرَ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْهِ مُنْذُ ولَدَتْهُ أُمُّهُ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، ولا يَعْرِفُ هَذا حَقَّ مَعْرِفَتِهِ إلّا مَن عَرَفَ اللَّهَ، وعَرَفَ حُقُوقَهُ عَلَيْهِ، وعَرَفَ ما يَنْبَغِي لَهُ مِن عُبُودِيَّتِهِ، وعَرَفَ نَفْسَهُ وصِفاتِها وأفْعالَها، وأنَّ الَّذِي قامَ بِهِ مِنَ العُبُودِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى حَقِّ رَبِّهِ عَلَيْهِ كَقَطْرَةٍ في بَحْرٍ، هَذا إذا سَلِمَ مِنَ الآفاتِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، فَسُبْحانَ مَن لا يَسَعُ عِبادَهُ غَيْرُ عَفْوِهِ ومَغْفِرَتِهِ وتَغَمُّدِهِ لَهم بِمَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ، ولَيْسَ إلّا ذَلِكَ أوِ الهَلاكَ، فَإنْ وضَعَ عَلَيْهِمْ عَدْلَهُ فَعَذَّبَ أهْلَ سَماواتِهِ وأرْضِهِ، عَذَّبَهم وهو غَيْرُ ظالِمٍ لَهُمْ، وإنْ رَحِمَهم فَرَحْمَتُهُ خَيْرٌ لَهم مِن أعْمالِهِمْ، ولا يُنْجِي أحَدًا مِنهم عَمَلُهُ.

[فَصْلٌ: في مَعْنى تَكْرِيرِ اللَّهِ لِلَفْظِ (التَّوْبَةِ) في الآيَةِ]

وَتَأمَّلْ تَكْرِيرَهُ سُبْحانَهُ تَوْبَتَهُ عَلَيْهِمْ مَرَّتَيْنِ في أوَّلِ الآيَةِ وآخِرِها، فَإنَّهُ تابَ عَلَيْهِمْ أوَّلًا بِتَوْفِيقِهِمْ لِلتَّوْبَةِ، فَلَمّا تابُوا تابَ عَلَيْهِمْ ثانِيًا بِقَبُولِها مِنهُمْ، وهو الَّذِي وفَّقَهم لِفِعْلِها، وتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِقَبُولِها، فالخَيْرُ كُلُّهُ مِنهُ وبِهِ ولَهُ وفي يَدَيْهِ، يُعْطِيهِ مَن يَشاءُ إحْسانًا وفَضْلًا، ويَحْرِمُهُ مَن يَشاءُ حِكْمَةً وعَدْلًا.

[فَصْلٌ تَوْبَةُ العَبْدِ بَيْنَ تَوْبَتَيْنِ مِن رَبِّهِ]

وَتَوْبَةُ العَبْدِ إلى اللَّهِ مَحْفُوفَةٌ بِتَوْبَةٍ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ قَبْلَها، وتَوْبَةٍ مِنهُ بَعْدَها، فَتَوْبَتُهُ بَيْنَ تَوْبَتَيْنِ مِن رَبِّهِ، سابِقَةٍ ولاحِقَةٍ، فَإنَّهُ تابَ عَلَيْهِ أوَّلًا إذْنًا وتَوْفِيقًا وإلْهامًا، فَتابَ العَبْدُ، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ثانِيًا، قَبُولًا وإثابَةً، قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ - وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهم وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٧-١١٨] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ تَوْبَتَهُ عَلَيْهِمْ سَبَقَتْ تَوْبَتَهُمْ، وأنَّها هي الَّتِي جَعَلَتْهم تائِبِينَ، فَكانَتْ سَبَبًا مُقْتَضِيًا لِتَوْبَتِهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّهم ما تابُوا حَتّى تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، والحُكْمُ يَنْتَفِي لِانْتِفاءِ عِلَّتِهِ.

وَنَظِيرُ هَذا هِدايَتُهُ لِعَبْدِهِ قَبْلَ الِاهْتِداءِ، فَيَهْتَدِي بِهِدايَتِهِ، فَتُوجِبُ لَهُ تِلْكَ الهِدايَةُ هِدايَةً أُخْرى يُثِيبُهُ اللَّهُ بِها هِدايَةً عَلى هِدايَتِهِ، فَإنَّ مِن ثَوابِ الهُدى الهُدى بَعْدَهُ، كَما أنَّ مِن عُقُوبَةِ الضَّلالَةِ الضَّلالَةُ بَعْدَها، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧] فَهَداهم أوْلًا فاهْتَدَوْا، فَزادَهم هُدًى ثانِيًا، وعَكْسُهُ في أهْلِ الزَّيْغِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] فَهَذِهِ الإزاغَةُ الثّانِيَةُ عُقُوبَةٌ لَهم عَلى زَيْغِهِمْ.

وَهَذا القَدْرُ مِن سِرِّ اسْمَيْهِ الأوَّلِ والآخِرِ، فَهو المُعِدُّ، وهو المُمِدُّ، ومِنهُ السَّبَبُ والمُسَبَّبُ، وهو الَّذِي يُعِيذُ مِن نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ، كَما قالَ أعْرَفُ الخَلْقِ بِهِ: «وَأعُوذُ بِكَ مِنكَ،» والعَبْدُ تَوّابٌ، واللَّهُ تَوّابٌ، فَتَوْبَةُ العَبْدِ رُجُوعُهُ إلى سَيِّدِهِ بَعْدَ الإباقِ، وتَوْبَةُ اللَّهِ نَوْعانِ: إذْنٌ وتَوْفِيقٌ، وقَبُولٌ وإمْدادٌ.

[فَصْلٌ مَبْدَأُ التَّوْبَةِ ومُنْتَهاها]

والتَّوْبَةُ لَها مَبْدَأٌ ومُنْتَهًى، فَمَبْدَؤُها الرُّجُوعُ إلى اللَّهِ بِسُلُوكِ صِراطِهِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي نَصَبَهُ لِعِبادِهِ، مُوصِلًا إلى رِضْوانِهِ، وأمَرَهم بِسُلُوكِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وبِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥٢] وبِقَوْلِهِ: ﴿وَهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤].

وَنِهايَتُها الرُّجُوعُ إلَيْهِ في المَعادِ، وسُلُوكُ صِراطِهِ الَّذِي نَصَبَهُ مُوصِلًا إلى جَنَّتِهِ، فَمَن رَجَعَ إلى اللَّهِ في هَذِهِ الدّارِ بِالتَّوْبَةِ رَجَعَ إلَيْهِ في المَعادِ بِالثَّوابِ، وهَذا هو أحَدُ التَّأْوِيلاتِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَمَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا﴾ [الفرقان: ٧١] قالَ البَغَوِيُّ وغَيْرُهُ: يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا يَعُودُ إلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ، مَتابًا حَسَنًا يُفَضَّلُ عَلى غَيْرِهِ فالتَّوْبَةُ الأُولى - وهي قَوْلُهُ: ومَن تابَ - رُجُوعٌ عَنِ الشِّرْكِ، والثّانِيَةُ: رُجُوعٌ إلى اللَّهِ لِلْجَزاءِ والمُكافَأةِ.

والتَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّ الجَزاءَ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الأوامِرِ، والمَعْنى: ومَن عَزَمَ عَلى التَّوْبَةِ وأرادَها، فَلْيَجْعَلْ تَوْبَتَهُ إلى اللَّهِ وحْدَهُ، ولِوَجْهِهِ خالِصًا، لا لِغَيْرِهِ.

التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ لازِمُ هَذا المَعْنى، وهو إشْعارُ التّائِبِ وإعْلامُهُ بِمَن تابَ إلَيْهِ، ورَجَعَ إلَيْهِ، والمَعْنى: فَلْيَعْلَمْ تَوْبَتَهُ إلى مَن؟ ورُجُوعُهُ إلى مَن؟ فَإنَّها إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ.

وَنَظِيرُ هَذا - عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ - قَوْلُهُ تَعالى ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] أيِ اعْلَمْ ما يَتَرَتَّبُ عَلى مَن عَصى أوامِرَهُ ولَمْ يُبَلِّغْ رِسالَتَهُ.

والتَّأْوِيلُ الرّابِعُ: أنَّ التَّوْبَةَ تَكُونُ أوَّلًا بِالقَصْدِ والعَزْمِ عَلى فِعْلِها، ثُمَّ إذا قَوِيَ العَزْمُ وصارَ جازِمًا وجَدَ بِهِ فِعْلَ التَّوْبَةِ، فالتَّوْبَةُ الأُولى بِالعَزْمِ والقَصْدِ لِفِعْلِها، والثّانِيَةُ بِنَفْسِ إيقاعِ التَّوْبَةِ وإيجادِها، والمَعْنى: فَمَن تابَ إلى اللَّهِ قَصْدًا ونِيَّةً وعَزْمًا، فَتَوْبَتُهُ إلى اللَّهِ عَمَلًا وفِعْلًا، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ ﷺ «فَمَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، ومَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها، أوِ امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُها، فَهِجْرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إلَيْهِ».

[فَصْلٌ: مَعْنى كَلِمَةِ (خُلِّفُوا) في الآيَةِ]

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قَدْ فَسَّرَها كعب بِالصَّوابِ، وهو أنَّهم خُلِّفُوا مِن بَيْنِ مَن حَلَفَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، واعْتَذَرَ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ، فَخَلَّفَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ عَنْهُمْ، وأرْجَأ أمْرَهم دُونَهُمْ، ولَيْسَ ذَلِكَ تَخَلُّفَهم عَنِ الغَزْوِ؛ لِأنَّهُ لَوْ أرادَ ذَلِكَ لَقالَ: تَخَلَّفُوا، كَما قالَ تَعالى: ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وذَلِكَ لِأنَّهم تَخَلَّفُوا بِأنْفُسِهِمْ، بِخِلافِ تَخْلِيفِهِمْ عَنْ أمْرِ المُتَخَلِّفِينَ سِواهُمْ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي خَلَّفَهم عَنْهُمْ، ولَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ بِأنْفُسِهِمْ. واللَّهُ أعْلَمُ.

(فصل)

وقد قسم الله خلقه إلى قسمين لا ثالث لهما تائبين وظالمين فقال: ﴿وَمَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾

وكذلك جعلهم قسمين معذبين وتائبين فمن لم يتب فهو معذب ولا بد قال تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾

وأمر جميع المؤمنين من أولهم إلى آخرهم بالتوبة ولا يستثنى من ذلك أحد وعلق فلاحهم بها قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾

وعدد سبحانه من جملة نعمه على خير خلقه وأكرمهم عليه وأطوعهم له وأخشاهم له أن تاب عليه وعلى خواص أتباعه فقال: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ﴾ ثم كرر توبته عليهم فقال: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

وقدم توبته عليهم على توبة الثلاثة الذين خلفوا، وأخبر سبحانه أن الجنة التي وعدها أهلها في التوراة والإنجيل أنها يدخلها التائبون فذكر عموم التائبين أولا ثم خص النبي والمهاجرين والأنصار بها ثم خص الثلاثة الذين خلفوا، فعلم بذلك احتياج جميع الخلق إلى توبته عليهم ومغفرته لهم وعفوه عنهم وقد قال تعالى لسيد ولد آدم وأحب خلقه إليه ﴿عفا الله عنك﴾

فهذا خبر منه وهو أصدق القائلين أو دعاء لرسوله بعفوه عنه وهو طلب من نفسه.

وكان ﷺ يقول في سجوده أقرب ما يكون من ربه:

"أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"

وقال لأطوع نساء الأمة وأفضلهن وخيرهن الصديقة بنت الصديق وقد قالت له: يا رسول الله لئن وافقت ليلة القدر فما أدعو به قال: "قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني"

قال الترمذي حديث حسن صحيح.

وهو سبحانه لمحبته للعفو والتوبة خلق خلقه على صفات وهيئات وأحوال تقتضي توبتهم إليه واستغفارهم وطلبهم عفوه ومغفرته وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم"

والله تعالى يحب التوابين والتوبة من أحب الطاعات إليه ويكفي في محبتها شدة فرحه بها كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني والله للهُ أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في الفلاة" وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود عن رسول الله ﷺ: "للهُ أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه فنام فاستيقظ وقد ذهبت فطلبها حتى أدركه العطش ثم قال أرجع إلى المكان الذي كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ وعنده راحلته عليها زاده وطعامه وشرابه فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده"

وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير يرفعه إلى النبي ﷺ قال: "للهُ أشد فرحا بتوبة عبده من رجل حمل زاده ومزاده على بعير ثم سار حتى كان بفلاة فأدركته القائلة فنزل فقال تحت شجرة فغلبته عينه وانسل بعيره فاستيقظ فسعى شرفا فلم ير شيئا ثم سعى شرفا ثانيا ثم سعى شرفا ثالثا فلم ير شيئا فأقبل حتى أتى إلى مكانه الذي قال فيه فبينا هو قاعد فيه إذ جاء بعيره يمشي حتى وضع خطامه في يده" فالله أشد فرحا بتوبة العبد من هذا حين وجد بعيره.

فتأمل محبته سبحانه لهذه الطاعة التي هي أصل الطاعات وأساسها فإن من زعم أن أحدا من الناس يستغني عنها ولا حاجة به إليها فقد جهل حق الربوبية ومرتبة العبودية وينتقص بمن أغناه بزعمه عن التوبة من حيث زعم أنه معظم له إذ عطله عن هذه الطاعة العظيمة التي هي من أجل الطاعات والقربة الشريفة التي هي من أجل القربات وقال لست من أهل هذه الطاعة ولا حاجة بك إليها فلا قدر الله حق قدره ولا قدر العبد حق قدره وقد جعل بعض عباده غنيا عن مغفرة الله وعفوه وتوبته إليه وزعم أنه لا يحتاج إلى ربه في ذلك.

وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ: "للهُ أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب عن أحدكم من رجل كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع وقد يئس من راحلته فبينا هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح"

وأكمل الخلق أكملهم توبة وأكثرهم استغفارا.

وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:

"والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة"

ولما سمع أبو هريرة هذا من النبي ﷺ كان يقول ما رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد عنه: "إني لأستغفر الله في اليوم والليلة اثني عشر ألف مرة بقدر ديتي"

ثم ساقه من طريق آخر وقال: "بقدر ذنبه"

وقال عبد الله بن الإمام أحمد حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا محمد بن راشد عن مكحول عن رجل عن أبي هريرة قال: "ما جلست إلى أحد أكثر استغفارا من رسول الله ﷺ" قال الرجل: "وما جلست إلى أحد أكثر استغفارا من أبي هريرة"

وفي صحيح مسلم عن الأغر المزني أن رسول الله ﷺ قال: "إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة" وفي السنن والمسند من حديث ابن عمر قال: "كنا نعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم"

قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.

وقال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل ثنا يونس عن حميد بن هلال عن أبي بردة قال جلست إلى الشيخ من أصحاب رسول الله ﷺ في مسجد الكوفة فحدثني قال: سمعت رسول الله أو قال قال رسول الله ﷺ: "يا أيها الناس توبوا إلى الله عز وجل واستغفروه فإني أتوب إلى الله وأستغفره كل يوم مائة مرة"

قال الإمام أحمد وثنا يحيى عن شعبة ثنا عمرو بن مرة قال سمعت أبا بردة قال سمعت الأغر يحدث ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "يا أيها الناس توبوا إلى ربكم عز وجل فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة"

وقال أحمد ثنا يزيد أنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي عثمان النهدي عن عائشة قالت كان النبي ﷺ يقول: "اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساؤا استغفروا" وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ كان يدعو بهذا الدعاء: "اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير".

وحقيقة الأمر أن العبد فقير إلى الله من كل وجه وبكل اعتبار، فهو فقير إليه من جهة ربوبيته له وإحسانه إليه وقيامه بمصالحه وتدبيره له وفقير إليه من جهة إلهيته وكونه معبوده وإلهه ومحبوبه الأعظم الذي لا صلاح له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا بأن يكون أحب شيء إليه فيكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله ووالده وولده ومن الخلق كلهم وفقير إليه من جهة معافاته له من أنواع البلاء فإنه إن لم يعافيه منها هلك ببعضها وفقير إليه من جهة عفوه عنه ومغفرته له فإن لم يعف عن العبد ويغفر له فلا سبيل إلى النجاة فما نجى أحد إلا بعفو الله ولا دخل الجنة إلا برحمة الله وكثير من الناس ينظر إلى نفس ما يتاب منه فيراه نقصا ولا ينظر إلى كمال الغاية الحاصلة بالتوبة وأن العبد بعد التوبة النصوح خير منه قبل الذنب ولا ينظر إلى كمال الربوبية وتفرد الرب بالكمال وحده وأن لوازم البشرية لا ينفك منها البشر وأن التوبة غاية كل أحد من ولد آدم وكماله كما كانت هي غايته وكماله فليس للعبد كمال بدون التوبة ألبتة كما أنه ليس له انفكاك عن سببها فإنه سبحانه هو المتفرد المستأثر بالغنى والحمد من كل وجه وبكل اعتبار والعبد هو الفقير المحتاج إليه المضطر إليه بكل وجه وبكل اعتبار فرحمته للعبد خير له من عمله فإن عمله لا يستقل بنجاته ولا سعادته ولو وكل إلى عمله لم ينج به ألبتة فهذا بعض ما يتعلق بقوله ﷺ: "إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم"

ومما يوضحه أن شكره سبحانه مستحق عليهم بجهة ربوبيته لهم وكونهم عبيده ومماليكه وذلك يوجب عليهم أن يعرفوه ويعظموه ويوحدوه ويتقربوا إليه تقرب العبد المحب الذي يتقلب في نعمه ولا غناء به عنه طرفة عين فهو يدأب في التقرب إليه بجهده ويستفرغ في ذلك وسعه وطاقته ولا يعدل به سواه في شيء من الأشياء ويؤثر رضا سيده على إرادته وهواه بل لا هوى له ولا إرادة إلا فيما يريد سيده ويحبه وهذا يستلزم علوما وأعمالا وإرادات وغرائم لا يعارضها غيرها ولا يبقى له معها التفات إلى غيره بوجه ومعلوم أن ما يطبع عليه البشر لا يفي بذلك وما يستحقه الرب تعالى لذاته وأنه أهل أن يعبد أعظم مما يستحقه لإحسانه فهو المستحق لنهاية العبادة والخضوع والذل لذاته ولإحسانه وإنعامه.

وفي بعض الآثار "لو لم أخلق جنة ولا نارا لكنت أهلا أن أعبد"

ولهذا يقول أعبد خلقه له يوم القيامة وهم الملائكة "سبحانك ما عبدناك حق عبادتك" فمن كرمه وجوده ورحمته أن رضي من عباده بدون اليسير مما ينبغي أن يعبد به ويستحقه لذاته وإحسانه فلا نسبة للواقع منهم إلى ما يستحقه بوجه من الوجوه فلا يسعهم إلا عفوه وتجاوزه وهو سبحانه أعلم بعباده منهم بأنفسهم فلو عذبهم لعذبهم بما يعلمه منهم وإن لم يحيطوا به علما ولو عذبهم قبل أن يرسل رسله إليهم على أعمالهم لم يكن ظالما لهم كما أنه سبحانه لم يظلمهم بمقته لهم قبل إرسال رسوله على كفرهم وشركهم وقبائحهم فإنه سبحانه نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ولكن أوجب على نفسه إذ كتب عليها الرحمة أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه برسالته وسر المسألة أنه لما كان شكر المنعم على قدره وعلى قدر نعمه ولا يقوم بذلك أحد كان حقه سبحانه على كل أحد وله المطالبة به وإن لم يغفر له ويرحمه وإلا عذبه فحاجتهم إلى مغفرته ورحمته وعفوه كحاجتهم إلى حفظه وكلاءته ورزقه فإن لم يحفظهم هلكوا وإن لم يرزقهم هلكوا وإن لم يغفر لهم ويرحمهم هلكوا وخسروا ولهذا قال أبوهم آدم وأمهم حواء: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وهذا شأن ولده من بعده وقد قال موسى كليمه سبحانه: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ وقال: ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ وقال: ﴿أنْتَ ولِيُّنا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ وقال خليله إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ إلى قوله: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ وقال أول رسله إلى أهل الأرض: ﴿رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلاَّ تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وقال لأكرم خلقه عليه وأحبهم إليه: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ وقال: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَق﴾ إلى قوله: ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وقال: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾

وقد تقدم حديث ابن عباس في دعائه ﷺ: "رب أعني ولا تعن عليّ"

وفيه "رب تقبل توبتي واغسل حوبتي" الحديث.

[فصل في اعْتِذارُ المُخَلَّفِينَ]

«وَلَمّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ بَدَأ بِالمَسْجِدِ، فَصَلّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنّاسِ، فَجاءَهُ المُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ ويَحْلِفُونَ لَهُ، وكانُوا بِضْعَةً وثَمانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلانِيَتَهُمْ، وبايَعَهم واسْتَغْفَرَ لَهُمْ، ووَكَلَ سَرائِرَهم إلى اللَّهِ وجاءَهُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، فَلَمّا سَلَّمَ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ، ثُمَّ قالَ لَهُ: تَعالَ، قالَ: فَجِئْتُ أمْشِي حَتّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ لِي: ما خَلَّفَكَ، ألَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟ " فَقُلْتُ: بَلى، إنِّي واللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِن أهْلِ الدُّنْيا لَرَأيْتُ أنْ أخْرُجَ مِن سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، ولَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، ولَكِنِّي واللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ إنْ حَدَّثْتُكَ اليَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضى بِهِ عَلَيَّ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، ولَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إنِّي لَأرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ عَنِّي، واللَّهِ ما كانَ لِي مِن عُذْرٍ، واللَّهِ ما كُنْتُ قَطُّ أقْوى ولا أيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أمّا هَذا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ. فَقُمْتُ، وثارَ رِجالٌ مِن بَنِي سَلَمَةَ فاتَّبَعُونِي يُؤَنِّبُونِي، فَقالُوا لِي: واللَّهِ ما عَلِمْناكَ كُنْتَ أذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذا، ولَقَدْ عَجَزْتَ ألّا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِما اعْتَذَرَ إلَيْهِ المُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كانَ كافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكَ، قالَ: فَواللَّهِ ما زالُوا يُؤَنِّبُونِي حَتّى أرَدْتُ أنْ أرْجِعَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذا مَعِي أحَدٌ؟ قالُوا: نَعَمْ رَجُلانِ، قالا مِثْلَ ما قُلْتَ، فَقِيلَ لَهُما مِثْلَ ما قِيلَ لَكَ، فَقُلْتُ: مَن هُما؟ قالُوا: مرارة بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي، فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صالِحَيْنِ شَهِدا بَدْرًا فِيهِما أُسْوَةٌ، فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُما لِي

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English