Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском
Ат-Тавба 9:117–118, продолжение
وَنَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُسْلِمِينَ عَنْ كَلامِنا - أيُّها الثَّلاثَةُ - مِن بَيْنِ مَن تَخَلَّفَ عَنْهُ، فاجْتَنَبَنا النّاسُ وتَغَيَّرُوا لَنا، حَتّى تَنَكَّرَتْ لِيَ الأرْضُ، فَما هي بِالَّتِي أعْرِفُ، فَلَبِثْنا عَلى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأمّا صاحِبايَ فاسْتَكانا وقَعَدا في بُيُوتِهِما يَبْكِيانِ، وأمّا أنا فَكُنْتُ أشَبَّ القَوْمِ وأجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أخْرُجُ فَأشْهَدُ الصَّلاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، وأطُوفُ في الأسْواقِ، ولا يُكَلِّمُنِي أحَدٌ، وآتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وهو في مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاةِ فَأقُولُ في نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلامِ عَلَيَّ أمْ لا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنهُ فَأُسارِقُهُ النَّظَرَ، فَإذا أقْبَلْتُ عَلى صَلاتِي أقْبَلَ إلَيَّ، وإذا التَفَتُّ نَحْوَهُ أعْرَضَ عَنِّي، حَتّى إذا طالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِن جَفْوَةِ المُسْلِمِينَ مَشَيْتُ حَتّى تَسَوَّرْتُ جِدارَ حائِطِ أبي قتادة، وهو ابْنُ عَمِّي، وأحَبُّ النّاسِ إلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَواللَّهِ ما رَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ، فَقُلْتُ: يا أبا قتادة، أنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﷺ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَناشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَناشَدْتُهُ، فَقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَفاضَتْ عَيْنايَ، وتَوَلَّيْتُ حَتّى تَسَوَّرْتُ الجِدارَ فَبَيْنا أنا أمْشِي بِسُوقِ المَدِينَةِ، إذا نَبَطِيٌّ مِن أنْباطِ الشّامِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعامِ يَبِيعُهُ بِالمَدِينَةِ يَقُولُ: مَن يَدُلُّ عَلى كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، فَطَفِقَ النّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ، حَتّى إذا جاءَنِي دَفَعَ إلَيَّ كِتابًا مِن مَلِكِ غَسّانَ، فَإذا فِيهِ أمّا بَعْدُ: فَإنَّهُ بَلَغَنِي أنَّ صاحِبَكَ قَدْ جَفاكَ، ولَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدارِ هَوانٍ ولا مَضْيَعَةٍ، فالحَقْ بِنا نُواسِكَ، فَقُلْتُ لَمّا قَرَأْتُها: وهَذا أيْضًا مِنَ البَلاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بِها التَّنُّورَ فَسَجَرْتُها، حَتّى إذا مَضَتْ أرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الخَمْسِينَ إذا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْتِينِي فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أنْ تَعْتَزِلَ امْرَأتَكَ، فَقُلْتُ: أُطَلِّقُها أمْ ماذا؟ قالَ: لا، ولَكِنِ اعْتَزِلْها ولا تَقْرَبْها، وأرْسَلَ إلى صاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لِامْرَأتِي: الحَقِي بِأهْلِكِ فَكُونِي عِنْدَهم حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ في هَذا الأمْرِ، فَجاءَتِ امْرَأةُ هلال بن أمية فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هلال بن أمية شَيْخٌ ضائِعٌ لَيْسَ لَهُ خادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أنْ أخْدُمَهُ؟ قالَ: لا، ولَكِنْ لا يَقْرَبُكِ، قالَتْ: إنَّهُ واللَّهِ ما بِهِ حَرَكَةٌ إلى شَيْءٍ، واللَّهِ ما زالَ يَبْكِي مُنْذُ كانَ مِن أمْرِهِ ما كانَ إلى يَوْمِهِ هَذا، قالَ كعب: فَقالَ لِي بَعْضُ أهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في امْرَأتِكَ كَما أذِنَ لِامْرَأةِ هلال بن أمية أنْ تَخْدُمَهُ، فَقُلْتُ: واللَّهِ لا أسْتَأْذِنُ فِيها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وما يُدْرِينِي ما يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيها وأنا رَجُلٌ شابٌّ، ولَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيالٍ حَتّى كَمُلَتْ لَنا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِن حِينِ نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَلامِنا، فَلَمّا صَلَّيْتُ صَلاةَ الفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلى سَطْحِ بَيْتٍ مِن بُيُوتِنا، بَيْنا أنا جالِسٌ عَلى الحالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى - قَدْ ضاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي وضاقَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ - سَمِعْتُ صَوْتَ صارِخٍ أوْفى عَلى جَبَلٍ سَلْعٍ بِأعْلى صَوْتِهِ: يا كَعْبُ بْنَ مالِكٍ أبْشِرْ، فَخَرَرْتُ ساجِدًا، فَعَرَفْتُ أنْ قَدْ جاءَ فَرَجٌ مِنَ اللَّهِ، وآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنا حِينَ صَلّى الفَجْرَ، فَذَهَبَ النّاسُ يُبَشِّرُونَنا، وذَهَبَ قِبَلَ صاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، ورَكَضَ إلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا، وسَعى ساعٍ مِن أسْلَمَ فَأوْفى عَلى ذِرْوَةِ الجَبَلِ - وكانَ الصَّوْتُ أسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ - فَلَمّا جاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبِي فَكَسَوْتُهُ إيّاهُما بِبُشْراهُ، واللَّهِ ما أمْلِكُ غَيْرَهُما، واسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُما، فانْطَلَقْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَلَقّانِي النّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنِّئُونِي بِالتَّوْبَةِ يَقُولُونَ: لِيَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، قالَ كعب: حَتّى دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَإذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ في المَسْجِدِ حَوْلَهُ النّاسُ، فَقامَ إلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ، حَتّى صافَحَنِي وهَنَّأنِي، واللَّهِ ما قامَ إلَيَّ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ غَيْرُهُ، ولَسْتُ أنْساها لطلحة، فَلَمّا سَلَّمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ - وهو يَبْرُقُ وجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ ـ: (أبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ ولَدَتْكَ أُمُّكَ، قالَ: قُلْتُ: أمِن عِنْدَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ أمْ مِن عِنْدِ اللَّهِ؟ قالَ: " لا، بَلْ مِن عِنْدِ اللَّهِ)، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا سُرَّ اسْتَنارَ وجْهُهُ حَتّى كَأنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وكُنّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنهُ، فَلَمّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ مِن تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِن مالِي صَدَقَةً إلى اللَّهِ وإلى رَسُولِهِ، فَقالَ: أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مالِكَ فَهو خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: فَإنِّي أُمْسِكُ سَهْمِيَ الَّذِي بِخَيْبَرَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ إنَّما نَجّانِي بِالصِّدْقِ، وإنَّ مِن تَوْبَتِي ألّا أُحَدِّثَ إلّا صِدْقًا ما بَقِيتُ، فَواللَّهِ ما أعْلَمُ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ أبْلاهُ اللَّهُ في صِدْقِ الحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى يَوْمِي هَذا ما أبْلانِي، واللَّهِ ما تَعَمَّدْتُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى يَوْمِي هَذا كَذِبًا، وإنِّي لَأرْجُوُ أنْ يَحْفَظَنِيَ اللَّهُ فِيما بَقِيتُ
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى رَسُولِهِ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى قَوْلِهِ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]، فَواللَّهِ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ نِعْمَةً قَطُّ بَعْدَ أنْ هَدانِي لِلْإسْلامِ أعْظَمَ في نَفْسِي مِن صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، أنْ لا أكُونَ كَذَبْتُهُ فَأهْلِكَ كَما هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، فَإنَّ اللَّهَ قالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أنْزَلَ الوَحْيَ شَرَّ ما قالَ لِأحَدٍ، قالَ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٩٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦]
قالَ كعب: وكانَ تَخَلُّفُنا أيُّها الثَّلاثَةُ عَنْ أمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَبايَعَهم واسْتَغْفَرَ لَهم وأرْجَأ أمْرَنا حَتّى قَضى اللَّهُ فِيهِ، فَبِذَلِكَ قالَ اللَّهُ: ﴿وَعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] ولَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمّا خَلَّفَنا عَنِ الغَزْوِ، وإنَّما هو تَخْلِيفُهُ إيّانا وإرْجاؤُهُ أمْرَنا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ واعْتَذَرَ إلَيْهِ فَقَبِلَ مِنهُ»
وَقالَ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ: حَدَّثَنا عبد الله بن صالح، حَدَّثَنِي معاوية بن صالح، عَنْ علي بن أبي طلحة، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] قالَ: كانُوا عَشَرَةَ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمّا حَضَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوْثَقَ سَبْعَةٌ مِنهم أنْفُسَهم بِسَوارِي المَسْجِدِ، وكانَ يَمُرُّ النَّبِيُّ ﷺ إذا رَجَعَ في المَسْجِدِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا رَآهم قالَ: مَن هَؤُلاءِ المُوثِقُونَ أنْفُسَهم بِالسَّوارِي؟ قالُوا: هَذا أبو لبابة وأصْحابٌ لَهُ، تَخَلَّفُوا عَنْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، أوْثَقُوا أنْفُسَهم حَتّى يُطْلِقَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ويَعْذِرَهُمْ، قالَ: وأنا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لا أُطْلِقُهم ولا أعْذِرُهم حَتّى يَكُونَ اللَّهُ هو الَّذِي يُطْلِقُهُمْ، رَغِبُوا عَنِّي وتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَ، فَلَمّا بَلَغَهم ذَلِكَ قالُوا: ونَحْنُ لا نُطْلِقُ أنْفُسَنا حَتّى يَكُونَ اللَّهُ هو الَّذِي يُطْلِقُنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾
وَعَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ ﴿إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] فَلَمّا نَزَلَتْ أرْسَلَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَأطْلَقَهم وعَذَرَهُمْ، فَجاءُوا بِأمْوالِهِمْ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا فَتَصَدَّقْ بِها عَنّا واسْتَغْفِرْ لَنا، قالَ: ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ أمْوالَكُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٣ - ]
يَقُولُ: اسْتَغْفِرْ لَهم ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] فَأخَذَ مِنهُمُ الصَّدَقَةَ واسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وكانَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ لَمْ يُوثِقُوا أنْفُسَهم بِالسَّوارِي، فَأُرْجِئُوا لا يَدْرُونَ أيُعَذَّبُونَ أمْ يُتابُ عَلَيْهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨] تابَعَهُ عَطِيَّةُ بْنُ سَعْدٍ.
[فَصْلٌ: في الإشارَةِ إلى بَعْضِ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الغَزْوَةُ مِنَ الفِقْهِ والفَوائِدِ]
فَمِنها: جَوازُ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ إنْ كانَ خُرُوجُهُ في رَجَبٍ مَحْفُوظًا عَلى ما قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، ولَكِنْ هاهُنا أمْرٌ آخَرُ، وهو أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَمْ يَكُونُوا يُحَرِّمُونَ الشَّهْرَ الحَرامَ، بِخِلافِ العَرَبِ، فَإنَّها كانَتْ تُحَرِّمُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ في نَسْخِ تَحْرِيمِ القِتالِ فِيهِ قَوْلَيْنِ وذَكَرْنا حُجَجَ الفَرِيقَيْنِ.
وَمِنها: تَصْرِيحُ الإمامِ لِلرَّعِيَّةِ وإعْلامُهم بِالأمْرِ الَّذِي يَضُرُّهم سَتْرُهُ وإخْفاؤُهُ؛ لِيَتَأهَّبُوا لَهُ ويُعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ، وجَوازُ سَتْرِ غَيْرِهِ عَنْهم والكِنايَةِ عَنْهُ لِلْمَصْلَحَةِ
وَمِنها: أنَّ الإمامَ إذا اسْتَنْفَرَ الجَيْشَ لَزِمَهُمُ النَّفِيرُ، ولَمْ يَجُزْ لِأحَدٍ التَّخَلُّفُ إلّا بِإذْنِهِ، ولا يُشْتَرَطُ في وُجُوبِ النَّفِيرِ تَعْيِينُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِعَيْنِهِ، بَلْ مَتى اسْتَنْفَرَ الجَيْشَ لَزِمَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُمُ الخُرُوجُ مَعَهُ، وهَذا أحَدُ المَواضِعِ الثَّلاثَةِ الَّتِي يَصِيرُ فِيها الجِهادُ فَرْضَ عَيْنٍ.
والثّانِي: إذا حَضَرَ العَدُوُّ البَلَدَ.
والثّالِثُ: إذا حَضَرَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ.
وَمِنها: وُجُوبُ الجِهادِ بِالمالِ كَما يَجِبُ بِالنَّفْسِ، وهَذا إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحمد، وهي الصَّوابُ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ، فَإنَّ الأمْرَ بِالجِهادِ بِالمالِ شَقِيقُ الأمْرِ بِالجِهادِ بِالنَّفْسِ في القُرْآنِ، وقَرِينُهُ - بَلْ جاءَ مُقَدَّمًا عَلى الجِهادِ بِالنَّفْسِ - في كُلِّ مَوْضِعٍ إلّا مَوْضِعًا واحِدًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجِهادَ بِهِ أهَمُّ وآكَدُ مِنَ الجِهادِ بِالنَّفْسِ، ولا رَيْبَ أنَّهُ أحَدُ الجِهادَيْنِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن جَهَّزَ غازِيًا فَقَدْ غَزا» فَيَجِبُ عَلى القادِرِ عَلَيْهِ كَما يَجِبُ عَلى القادِرِ بِالبَدَنِ، ولا يَتِمُّ الجِهادُ بِالبَدَنِ إلّا بِبَذْلِهِ، ولا يَنْتَصِرُ إلّا بِالعَدَدِ والعُدَدِ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ أنْ يُكْثِرَ العَدَدَ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَمُدَّ بِالمالِ والعُدَّةِ، وإذا وجَبَ الحَجُّ بِالمالِ عَلى العاجِزِ بِالبَدَنِ فَوُجُوبُ الجِهادِ بِالمالِ أوْلى وأحْرى
وَمِنها: ما بَرَزَ بِهِ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ مِنَ النَّفَقَةِ العَظِيمَةِ في هَذِهِ الغَزْوَةِ، وسَبَقَ بِهِ النّاسَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يا عثمان ما أسْرَرْتَ وما أعْلَنْتَ، وما أخْفَيْتَ وما أبْدَيْتَ، ثُمَّ قالَ: ما ضَرَّ عثمان ما فَعَلَ بَعْدَ اليَوْمِ» وكانَ قَدْ أنْفَقَ ألْفَ دِينارٍ وثَلاثَمِائَةِ بَعِيرٍ بِعُدَّتِها وأحْلاسِها وأقْتابِها
وَمِنها: أنَّ العاجِزَ بِمالِهِ لا يُعْذَرُ حَتّى يَبْذُلَ جُهْدَهُ ويَتَحَقَّقَ عَجْزُهُ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ إنَّما نَفى الحَرَجَ عَنْ هَؤُلاءِ العاجِزِينَ بَعْدَ أنْ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيَحْمِلَهم فَقالَ: ﴿لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢] فَرَجَعُوا يَبْكُونَ لِما فاتَهم مِنَ الجِهادِ، فَهَذا العاجِزُ الَّذِي لا حَرَجَ عَلَيْهِ
وَمِنها: اسْتِخْلافُ الإمامِ إذا سافَرَ رَجُلًا مِنَ الرَّعِيَّةِ عَلى الضُّعَفاءِ والمَعْذُورِينَ والنِّساءِ والذُّرِّيَّةِ، ويَكُونُ نائِبُهُ مِنَ المُجاهِدِينَ؛ لِأنَّهُ مِن أكْبَرِ العَوْنِ لَهُمْ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَخْلِفُ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ فاسْتَخْلَفَهُ بِضْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً
وَأمّا في غَزْوَةِ تَبُوكَ فالمَعْرُوفُ عِنْدَ أهْلِ الأثَرِ أنَّهُ اسْتَخْلَفَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ كَما في " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «خَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عليا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ تُخَلِّفُنِي مَعَ النِّساءِ والصِّبْيانِ؟ فَقالَ: أما تَرْضى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى، غَيْرَ أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي» ولَكِنَّ هَذِهِ كانَتْ خِلافَةً خاصَّةً عَلى أهْلِهِ ﷺ، وأمّا الِاسْتِخْلافُ العامُّ فَكانَ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ الأنْصارِيِّ، ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ المُنافِقِينَ لَمّا أرْجَفُوا بِهِ وقالُوا: خَلَّفَهُ اسْتِثْقالًا أخَذَ سِلاحَهُ ثُمَّ لَحِقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: «كَذَبُوا، ولَكِنْ خَلَّفْتُكَ لِما تَرَكْتُ ورائِي، فارْجِعْ فاخْلُفْنِي في أهْلِي وأهْلِكَ»
وَمِنها: جَوازُ الخَرْصِ لِلرُّطَبِ عَلى رُءُوسِ النَّخْلِ، وأنَّهُ مِنَ الشَّرْعِ، والعَمَلِ بِقَوْلِ الخارِصِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في غَزاةِ خَيْبَرَ، وأنَّ الإمامَ يَجُوزُ أنْ يَخْرِصَ بِنَفْسِهِ كَما خَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيقَةَ المَرْأةِ
وَمِنها: أنَّ الماءَ الَّذِي بِآبارِ ثَمُودَ لا يَجُوزُ شُرْبُهُ، ولا الطَّبْخُ مِنهُ، ولا العَجِينُ بِهِ، ولا الطَّهارَةُ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُسْقى البَهائِمَ إلّا ما كانَ مِن بِئْرِ النّاقَةِ، وكانَتْ مَعْلُومَةً باقِيَةً إلى زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ عِلْمُ النّاسِ بِها قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ إلى وقْتِنا هَذا، فَلا يَرِدُ الرُّكُوبُ بِئْرًا غَيْرَها، وهي مَطْوِيَّةٌ مُحْكَمَةُ البِناءِ واسِعَةُ الأرْجاءِ، آثارُ العِتْقِ عَلَيْها بادِيَةٌ، لا تَشْتَبِهُ بِغَيْرِها
وَمِنها: أنَّ مَن مَرَّ بِدِيارِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والمُعَذَّبِينَ لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أنْ يَدْخُلَها ولا يُقِيمَ بِها، بَلْ يُسْرِعُ السَّيْرَ ويَتَقَنَّعُ بِثَوْبِهِ حَتّى يُجاوِزَها، ولا يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ إلّا باكِيًا مُعْتَبِرًا
وَمِن هَذا إسْراعُ النَّبِيِّ ﷺ السَّيْرَ في وادِي مُحَسِّرٍ بَيْنَ مِنًى وعَرَفَةَ، فَإنَّهُ المَكانُ الَّذِي أهْلَكَ اللَّهُ فِيهِ الفِيلَ وأصْحابَهُ
وَمِنها: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ في السَّفَرِ، وقَدْ جاءَ جَمْعُ التَّقْدِيمِ في هَذِهِ القِصَّةِ في حَدِيثِ معاذ كَما تَقَدَّمَ، وذَكَرْنا عِلَّةَ الحَدِيثِ ومَن أنْكَرَهُ، ولَمْ يَجِئْ جَمْعُ التَّقْدِيمِ عَنْهُ في سَفَرٍ إلّا هَذا، وصَحَّ عَنْهُ جَمْعُ التَّقْدِيمِ بِعَرَفَةَ قَبْلَ دُخُولِهِ إلى عَرَفَةَ، فَإنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ في وقْتِ الظُّهْرِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ لِأجْلِ النُّسُكِ كَما قالَ أبو حنيفة، وقِيلَ: لِأجْلِ السَّفَرِ الطَّوِيلِ، كَما قالَهُ الشّافِعِيُّ وأحمد، وقِيلَ: لِأجْلِ الشُّغْلِ وهو اشْتِغالُهُ بِالوُقُوفِ واتِّصالُهُ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، قالَ أحمد: يَجْمَعُ لِلشُّغْلِ، وهو قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ
وَمِنها: جَوازُ التَّيَمُّمِ بِالرَّمْلِ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ قَطَعُوا الرِّمالَ الَّتِي بَيْنَ المَدِينَةِ وتَبُوكَ ولَمْ يَحْمِلُوا مَعَهم تُرابًا بِلا شَكٍّ، وتِلْكَ مَفاوِزُ مُعْطِشَةٌ شَكَوْا فِيها العَطَشَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَطْعًا كانُوا يَتَيَمَّمُونَ بِالأرْضِ الَّتِي هم فِيها نازِلُونَ، هَذا كُلُّهُ مِمّا لا شَكَّ فِيهِ، مَعَ قَوْلِهِ ﷺ: «فَحَيْثُما أدْرَكَتْ رَجُلًا مِن أُمَّتِي الصَّلاةُ فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وطَهُورُهُ»
وَمِنها: «أنَّهُ ﷺ أقامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلاةَ» ولَمْ يَقُلْ لِلْأُمَّةِ: لا يَقْصُرُ الرَّجُلُ الصَّلاةَ إذا أقامَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، ولَكِنِ اتَّفَقَتْ إقامَتُهُ هَذِهِ المُدَّةَ وهَذِهِ الإقامَةُ في حالِ السَّفَرِ لا تَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ السَّفَرِ، سَواءٌ طالَتْ أوْ قَصُرَتْ إذا كانَ غَيْرَ مُسْتَوْطِنٍ ولا عازِمٍ عَلى الإقامَةِ بِذَلِكَ المَوْضِعِ
وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ والخَلَفُ في ذَلِكَ اخْتِلافًا كَثِيرًا.
وَمِنها: قَوْلُهُ ﷺ: «ما أنا حَمَلْتُكم ولَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ» قَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ الجَبْرِيُّ، ولا مُتَعَلِّقَ لَهُ بِهِ، وإنَّما هَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: «واللَّهِ لا أُعْطِي أحَدًا شَيْئًا ولا أمْنَعُ، وإنَّما أنا قاسِمٌ أضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ» فَإنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، إنَّما يَتَصَرَّفُ بِالأمْرِ، فَإذا أمَرَهُ رَبُّهُ بِشَيْءٍ نَفَّذَهُ، فاللَّهُ هو المُعْطِي والمانِعُ والحامِلُ، والرَّسُولُ مُنَفِّذٌ لِما أمَرَ بِهِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] فالمُرادُ بِهِ القَبْضَةُ مِنَ الحَصْباءِ الَّتِي رَمى بِها وُجُوهَ المُشْرِكِينَ فَوَصَلَتْ إلى عُيُونِ جَمِيعِهِمْ، فَأثْبَتَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ الرَّمْيَ بِاعْتِبارِ النَّبْذِ والإلْقاءِ، فَإنَّهُ فَعَلَهُ، ونَفاهُ عَنْهُ بِاعْتِبارِ الإيصالِ إلى جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، وهَذا فِعْلُ الرَّبِّ تَعالى لا تَصِلُ إلَيْهِ قُدْرَةُ العَبْدِ، والرَّمْيُ يُطْلَقُ عَلى الخَذْفِ، وهو مَبْدَؤُهُ، وعَلى الإيصالِ، وهو نِهايَتُهُ
[فصل تَرْكُهُ ﷺ قَتْلَ المُنافِقِينَ]
فَصْلٌ
وَمِنها: تَرْكُهُ قَتْلَ المُنافِقِينَ، وقَدْ بَلَغَهُ عَنْهُمُ الكُفْرُ الصَّرِيحُ، فاحْتَجَّ بِهِ مَن قالَ: لا يُقْتَلُ الزِّنْدِيقُ إذا أظْهَرَ التَّوْبَةَ؛ لِأنَّهم حَلَفُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهم ما قالُوا، وهَذا إذا لَمْ يَكُنْ إنْكارًا فَهو تَوْبَةٌ وإقْلاعٌ، وقَدْ قالَ أصْحابُنا وغَيْرُهُمْ: ومَن شُهِدَ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ فَشَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَمْ يَكْشِفْ عَنْ شَيْءٍ عَنْهُ بَعْدُ، وقالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: إذا جَحَدَ الرِّدَّةَ كَفاهُ جَحْدُها، ومَن لَمْ يَقْبَلْ تَوْبَةَ الزِّنْدِيقِ قالَ: هَؤُلاءِ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِمْ بَيِّنَةٌ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِعِلْمِهِ، والَّذِي بَلَّغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهم قَوْلَهم لَمْ يُبَلِّغْهم إيّاهُ نِصابُ البَيِّنَةِ، بَلْ شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِمْ واحِدٌ فَقَطْ، كَما شَهِدَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ وحْدَهُ عَلى عبد الله بن أبي، وكَذَلِكَ غَيْرُهُ أيْضًا إنَّما شَهِدَ عَلَيْهِ واحِدٌ
وَفِي هَذا الجَوابِ نَظَرٌ، فَإنَّ نِفاقَ عبد الله بن أبي وأقْوالَهُ في النِّفاقِ كانَتْ كَثِيرَةً جِدًّا كالمُتَواتِرَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، وبَعْضُهم أقَرَّ بِلِسانِهِ وقالَ: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، وقَدْ واجَهَهُ بَعْضُ الخَوارِجِ في وجْهِهِ بِقَوْلِهِ: إنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ، والنَّبِيُّ ﷺ لَمّا قِيلَ لَهُ: ألا تَقْتُلُهُمْ؟ لَمْ يَقُلْ: ما قامَتْ عَلَيْهِمْ بَيِّنَةٌ، بَلْ قالَ: لا يَتَحَدَّثُ النّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ
فالجَوابُ الصَّحِيحُ إذَنْ، أنَّهُ كانَ في تَرْكِ قَتْلِهِمْ في حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ مَصْلَحَةٌ تَتَضَمَّنُ تَأْلِيفَ القُلُوبِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وجَمْعَ كَلِمَةِ النّاسِ عَلَيْهِ، وكانَ في قَتْلِهِمْ تَنْفِيرٌ، والإسْلامُ بَعْدُ في غُرْبَةٍ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ أحْرَصُ شَيْءٍ عَلى تَأْلِيفِ النّاسِ، وأتْرَكُ شَيْءٍ لِما يُنَفِّرُهم عَنِ الدُّخُولِ في طاعَتِهِ، وهَذا أمْرٌ كانَ يَخْتَصُّ بِحالِ حَياتِهِ ﷺ، وكَذَلِكَ تَرْكُ قَتْلِ مَن طَعَنَ عَلَيْهِ في حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ في قِصَّةِ الزبير وخَصْمِهِ: أنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ
وَفِي قَسْمِهِ بِقَوْلِهِ: إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ، وقَوْلُ الآخَرِ لَهُ: إنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ، فَإنَّ هَذا مَحْضُ حَقِّهِ، لَهُ أنْ يَسْتَوْفِيَهِ، ولَهُ أنْ يَتْرُكَهُ، ولَيْسَ لِلْأُمَّةِ بَعْدَهُ تَرْكُ اسْتِيفاءِ حَقِّهِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمُ اسْتِيفاؤُهُ، ولا بُدَّ ولِتَقْرِيرِ هَذِهِ المَسائِلِ مَوْضِعٌ آخَرُ، والغَرَضُ التَّنْبِيهُ والإشارَةُ
[فصل في إذا أحْدَثَ أحَدٌ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ حَدَثًا فِيهِ ضَرَرٌ عَلى المُسْلِمِينَ انْتَقَضَ عَهْدُهُ]
فَصْلٌ
وَمِنها: أنَّ أهْلَ العَهْدِ والذِّمَّةِ إذا أحْدَثَ أحَدٌ مِنهم حَدَثًا فِيهِ ضَرَرٌ عَلى الإسْلامِ انْتَقَضَ عَهْدُهُ في مالِهِ ونَفْسِهِ، وأنَّهُ إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ الإمامُ فَدَمُهُ ومالُهُ هَدْرٌ، وهو لِمَن أخَذَهُ، كَما قالَ في صُلْحِ أهْلِ أيْلَةَ: فَمَن أحْدَثَ مِنهم حَدَثًا فَإنَّهُ لا يَحُولُ مالُهُ دُونَ نَفْسِهِ، وهو لِمَن أخَذَهُ مِنَ النّاسِ، وهَذا لِأنَّهُ بِالأحْداثِ صارَ مُحارَبًا حُكْمُهُ حُكْمُ أهْلِ الحَرْبِ
[فصل في جَوازُ الدَّفْنِ لَيْلًا]
فَصْلٌ
وَمِنها: جَوازُ الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ كَما دَفَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذا البجادين لَيْلًا.
وَقَدْ سُئِلَ أحمد عَنْهُ فَقالَ: وما بَأْسٌ بِذَلِكَ، وقالَ: أبو بكر دُفِنَ لَيْلًا، وعلي دَفَنَ فاطمة لَيْلًا، وقالَتْ عائشة: (سَمِعْنا صَوْتَ المَساحِي مِن آخِرِ اللَّيْلِ في دَفْنِ النَّبِيِّ ﷺ. انْتَهى. ودُفِنَ عثمان وعائشة وابْنُ مَسْعُودٍ لَيْلًا
وَفِي الترمذي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ قَبْرًا لَيْلًا فَأُسْرِجَ لَهُ سِراجٌ فَأخَذَهُ مِن قِبَلِ القِبْلَةِ، وقالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ، إنْ كُنْتَ لَأوّاهًا تَلّاءً لِلْقُرْآنِ» قالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ
وَفِي البُخارِيِّ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَألَ عَنْ رَجُلٍ، فَقالَ: مَن هَذا؟ قالُوا: فُلانٌ دُفِنَ البارِحَةَ، فَصَلّى عَلَيْهِ»
فَإنْ قِيلَ: فَما تَصْنَعُونَ بِما رَواهُ مسلم في " صَحِيحِهِ " «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ في كَفَنٍ غَيْرِ طائِلٍ وقُبِرَ لَيْلًا، فَزَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتّى يُصَلّى عَلَيْهِ، إلّا أنْ يَضْطَرَّ إنْسانٌ إلى ذَلِكَ» قالَ الإمامُ أحْمَدُ: إلَيْهِ أذْهَبُ
قِيلَ: نَقُولُ بِالحَدِيثَيْنِ بِحَمْدِ اللَّهِ، ولا نَرُدُّ أحَدَهُما بِالآخَرِ، فَنَكْرَهُ الدَّفْنَ بِاللَّيْلِ، بَلْ نَزْجُرُ عَنْهُ، إلّا لِضَرُورَةٍ أوْ مَصْلَحَةٍ راجِحَةٍ، كَمَيِّتٍ ماتَ مَعَ المُسافِرِينَ بِاللَّيْلِ ويَتَضَرَّرُونَ بِالإقامَةِ بِهِ إلى النَّهارِ، وكَما إذا خِيفَ عَلى المَيِّتِ الِانْفِجارَ ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ المُرَجِّحَةِ لِلدَّفْنِ لَيْلًا. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[فصل في ثَوابُ مَن حَبَسَهُ العُذْرُ]
فَصْلٌ
وَمِنها: قَوْلُهُ ﷺ: «إنَّ بِالمَدِينَةِ أقْوامًا ما سِرْتُمْ مَسِيرًا ولا قَطَعْتُمْ وادِيًا إلّا كانُوا مَعَكُمْ»، فَهَذِهِ المَعِيَّةُ هي بِقُلُوبِهِمْ وهِمَمِهِمْ، لا كَما يَظُنُّهُ طائِفَةٌ مِنَ الجُهّالِ أنَّهم مَعَهم بِأبْدانِهِمْ، فَهَذا مُحالٌ؛ لِأنَّهم قالُوا لَهُ: وهم بِالمَدِينَةِ؟ قالَ: (وَهم بِالمَدِينَةِ حَبَسَهُمُ العُذْرُ) وكانُوا مَعَهُ بِأرْواحِهِمْ وبِدارِ الهِجْرَةِ بِأشْباحِهِمْ، وهَذا مِنَ الجِهادِ بِالقَلْبِ، وهو أحَدُ مَراتِبِهِ الأرْبَعِ، وهِيَ: القَلْبُ واللِّسانُ والمالُ والبَدَنُ، وفي الحَدِيثِ: «جاهِدُوا المُشْرِكِينَ بِألْسِنَتِكم وقُلُوبِكم وأمْوالِكُمْ»
[فصل في تَحْرِيقُ أمْكِنَةِ المَعْصِيَةِ وهَدْمُها]
فَصْلٌ
وَمِنها: تَحْرِيقُ أمْكِنَةِ المَعْصِيَةِ الَّتِي يُعْصى اللَّهُ ورَسُولُهُ فِيها وهَدْمُها، كَما حَرَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَسْجِدَ الضِّرارِ وأمَرَ بِهَدْمِهِ، وهو مَسْجِدٌ يُصَلّى فِيهِ ويُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ فِيهِ؛ لَمّا كانَ بِناؤُهُ ضِرارًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ ومَأْوًى لِلْمُنافِقِينَ، وكُلُّ مَكانٍ هَذا شَأْنُهُ فَواجِبٌ عَلى الإمامِ تَعْطِيلُهُ، إمّا بِهَدْمٍ وتَحْرِيقٍ، وإمّا بِتَغْيِيرِ صُورَتِهِ وإخْراجِهِ عَمّا وُضِعَ لَهُ، وإذا كانَ هَذا شَأْنَ مَسْجِدِ الضِّرارِ فَمَشاهِدُ الشِّرْكِ الَّتِي تَدْعُو سَدَنَتُها إلى اتِّخاذِ مَن فِيها أنْدادًا مِن دُونِ اللَّهِ أحَقُّ بِالهَدْمِ وأوْجَبُ، وكَذَلِكَ مَحالُّ المَعاصِي والفُسُوقِ كالحاناتِ وبُيُوتِ الخَمّارِينَ وأرْبابِ المُنْكَراتِ
وَقَدْ حَرَقَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قَرْيَةً بِكَمالِها يُباعُ فِيها الخَمْرُ، وحَرَقَ حانُوتَ رويشد الثقفي وسَمّاهُ فُوَيْسِقًا، وحَرَقَ قَصْرَ سعد عَلَيْهِ لَمّا احْتَجَبَ فِيهِ عَنِ الرَّعِيَّةِ. وهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَحْرِيقِ بُيُوتِ تارِكِي حُضُورِ الجَماعَةِ والجُمُعَةِ.
وَمِنها: جَوازُ إنْشادِ الشِّعْرِ لِلْقادِمِ فَرَحًا وسُرُورًا بِهِ، ما لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مُحَرَّمٌ مِن لَهْوٍ كَمِزْمارٍ وشَبّابَةٍ وعُودٍ، ولَمْ يَكُنْ غِناءً يَتَضَمَّنْ رُقْيَةَ الفَواحِشِ وما حَرَّمَ اللَّهُ، فَهَذا لا يُحَرِّمُهُ أحَدٌ، وتَعَلُّقُ أرْبابِ السَّماعِ الفِسْقِيِّ بِهِ، كَتَعَلُّقِ مَن يَسْتَحِلُّ شُرْبَ الخَمْرِ المُسْكِرِ قِياسًا عَلى أكْلِ العِنَبِ وشُرْبِ العَصِيرِ الَّذِي لا يُسْكِرُ، ونَحْوِ هَذا مِنَ القِياساتِ الَّتِي تُشْبِهُ قِياسَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥]
وَمِنها: اسْتِماعُ النَّبِيِّ ﷺ مَدْحَ المادِحِينَ لَهُ وتَرْكُ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، ولا يَصِحُّ قِياسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ في هَذا؛ لِما بَيْنَ المادِحِينَ والمَمْدُوحِينَ مِنَ الفُرُوقِ، وقَدْ قالَ: «احْثُوا في وُجُوهِ المَدّاحِينَ التُّرابَ» ومِنها: ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ قِصَّةُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا مِنَ الحِكَمِ والفَوائِدِ الجَمَّةِ، فَنُشِيرُ إلى بَعْضِها:
فَمِنها: جَوازُ إخْبارِ الرَّجُلِ عَنْ تَفْرِيطِهِ وتَقْصِيرِهِ في طاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وعَنْ سَبَبِ ذَلِكَ، وما آلَ إلَيْهِ أمْرُهُ، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّحْذِيرِ والنَّصِيحَةِ وبَيانِ طُرُقِ الخَيْرِ والشَّرِّ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها، ما هو مِن أهَمِّ الأُمُورِ
وَمِنها: جَوازُ مَدْحِ الإنْسانِ نَفْسَهُ بِما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ إذا لَمْ يَكُنْ عَلى سَبِيلِ الفَخْرِ والتَّرَفُّعِ.
وَمِنها: تَسْلِيَةُ الإنْسانِ نَفْسَهُ عَمّا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ مِنَ الخَيْرِ بِما قُدِّرَ لَهُ مِن نَظِيرِهِ أوْ خَيْرٍ مِنهُ
وَمِنها: أنَّ بَيْعَةَ العَقَبَةِ كانَتْ مِن أفْضَلِ مَشاهِدِ الصَّحابَةِ، حَتّى إنَّ كعبا كانَ لا يَراها دُونَ مَشْهَدِ بَدْرٍ
وَمِنها: أنَّ الإمامَ إذا رَأى المَصْلَحَةَ في أنْ يَسْتُرَ عَنْ رَعِيَّتِهِ بَعْضَ ما يَهُمُّ بِهِ ويَقْصِدُهُ مِنَ العَدُوِّ ويُوَرِّي بِهِ عَنْهُ اسْتُحِبَّ لَهُ ذَلِكَ أوْ يَتَعَيَّنُ بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ
وَمِنها: أنَّ السَّتْرَ والكِتْمانَ إذا تَضَمَّنَ مَفْسَدَةً لَمْ يَجُزْ
وَمِنها: أنَّ الجَيْشَ في حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهم دِيوانٌ وأوَّلُ مَن دَوَّنَ الدِّيوانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وهَذا مِن سُنَّتِهِ الَّتِي أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِاتِّباعِها، وظَهَرَتْ مَصْلَحَتُها وحاجَةُ المُسْلِمِينَ إلَيْها
وَمِنها: أنَّ الرَّجُلَ إذا حَضَرَتْ لَهُ فُرْصَةُ القُرْبَةِ والطّاعَةِ فالحَزْمُ كُلُّ الحَزْمِ في انْتِهازِها والمُبادَرَةِ إلَيْها، والعَجْزُ في تَأْخِيرِها والتَّسْوِيفِ بِها، ولا سِيَّما إذا لَمْ يَثِقْ بِقُدْرَتِهِ وتَمَكُّنِهِ مِن أسْبابِ تَحْصِيلِها، فَإنَّ العَزائِمَ والهِمَمَ سَرِيعَةُ الِانْتِقاضِ قَلَّما ثَبَتَتْ، واللَّهُ سُبْحانَهُ يُعاقِبُ مَن فَتَحَ لَهُ بابًا مِنَ الخَيْرِ فَلَمْ يَنْتَهِزْهُ، بِأنْ يَحُولَ بَيْنَ قَلْبِهِ وإرادَتِهِ، فَلا يُمْكِنُهُ بَعْدُ مِن إرادَتِهِ عُقُوبَةً لَهُ، فَمَن لَمْ يَسْتَجِبْ لِلَّهِ ورَسُولِهِ إذا دَعاهُ حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَلْبِهِ وإرادَتِهِ، فَلا يُمْكِنُهُ الِاسْتِجابَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكم واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] وقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهَذا في قَوْلِهِ: ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] وقالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقالَ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٥] وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ
وَمِنها: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلّا أحَدُ رِجالٍ ثَلاثَةٍ؛ إمّا مَغْمُوصٌ عَلَيْهِ في النِّفاقِ أوْ رَجُلٌ مِن أهْلِ الأعْذارِ، أوْ مَن خَلَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واسْتَعْمَلَهُ عَلى المَدِينَةِ، أوْ خَلَّفَهُ لِمَصْلَحَةٍ
وَمِنها: أنَّ الإمامَ والمُطاعَ لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُهْمِلَ مَن تَخَلَّفَ عَنْهُ في بَعْضِ الأُمُورِ، بَلْ يُذَكِّرُهُ لِيُراجِعَ الطّاعَةَ ويَتُوبَ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ بِتَبُوكَ: ما فَعَلَ كعب؟ ولَمْ يَذْكُرْ سِواهُ مِنَ المُخَلَّفِينَ اسْتِصْلاحًا لَهُ ومُراعاةً، وإهْمالًا لِلْقَوْمِ المُنافِقِينَ
وَمِنها: جَوازُ الطَّعْنِ في الرَّجُلِ بِما يَغْلِبُ عَلى اجْتِهادِ الطّاعِنِ حَمِيَّةً أوْ ذَبًّا عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ومِن هَذا طَعْنُ أهْلِ الحَدِيثِ فِيمَن طَعَنُوا فِيهِ مِنَ الرُّواةِ، ومِن هَذا طَعْنُ ورَثَةِ الأنْبِياءِ وأهْلِ السُّنَّةِ في أهْلِ الأهْواءِ والبِدَعِ لِلَّهِ لا لِحُظُوظِهِمْ وأغْراضِهِمْ
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии