Макки ибн Аби ТалибАль‑Бакара · 2:165–177

Макки ибн Аби Талиб · Тафсир · на арабском

Аль-Бакара 2:165–177

2:165–169Страница 25

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ ١٦٥

Среди людей есть такие, которые приобщают к Аллаху равных и любят их так же, как любят Аллаха. Но те, которые уверовали, любят Аллаха сильнее. Если бы беззаконники, узрев мучения, увидели, что могущество целиком принадлежит Аллаху и что Аллах причиняет тяжкие мучения.

إِذۡ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ وَتَقَطَّعَتۡ بِهِمُ ٱلۡأَسۡبَابُ ١٦٦

Когда те, за кем следовали, отрекутся от тех, кто следовал за ними, и увидят мучения, связи между ними оборвутся.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَتَبَرَّأَ مِنۡهُمۡ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّاۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ ١٦٧

Те, которые следовали за другими, скажут: «Если бы у нас был еще один шанс, то мы отреклись бы от них, подобно тому, как они отреклись от нас». Таким же образом Аллах покажет им их деяния, чтобы это опечалило их. Они никогда не выйдут из Огня.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ ١٦٨

О люди! Вкушайте на земле то, что дозволено и чисто, и не следуйте по стопам дьявола. Воистину, он для вас - явный враг.

إِنَّمَا يَأۡمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلۡفَحۡشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ١٦٩

Воистину, он велит вам творить зло и мерзость и наговаривать на Аллаха то, чего вы не знаете.

قوله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً﴾ إلى قوله: ﴿مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.

أي: ومن الناس من يعبد آلهة وأصناماً من دون الله، يحبون الأصنام كحبهم لله. أي يُسوّون بين الله وبين الأصنام في المحبة، والمؤمنون أشد حباً لله من الكفار لآلهتهم.

وجاءت الهاء والميم للأصنام وهي لا تعقل لأنها كانت عندهم ممن يعقل ويفهم، فخوطبوا على ما كان في ظنهم فأجريت مجرى من يعقل بالهاء والميم.

قال ابن مسعود: "قال رسول الله [عليه السلام]: "مَنْ مَاتَ يَجْعَلُ لله نِداً، أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ"، وأنا أقول: "من مات لا يجعل لله نداً، أدخله الله الجنة".

وقيل: المعنى: يحبون الأصنام كحبكم أنتم الله، وأنتم أشد حباً لله من الكفار لآلهتهم.

وقيل: جاء ضمير الأصنام بالهاء والميم، وهي لا تعقل لأنهم لما عبدوها أنزلوها منزلة من يعقل.

وقال السدي: "الأنداد هنا ساداتهم الذين كانوا يطيعونهم كما يطيعون الله.

* *

ثم قال: ﴿وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ﴾.

أي: ولو ترى يا محمد الذين كفروا وظلموا أنفسهم حين يرون عذاب الله لرأيت أمراً عظيماً، ولعلمت أن القوة لله جميعاً.

فجواب "لو" محذوف، وفتح "أن" على تقدير فعل محذوف وهو جواب "لو".

وقيل: إن "أنْ" فتحت بـ "تَرَى". وهو قول المبرد والأخفش.

و "ترى" بمعنى تعلم، التقدير: "ولو يعلم الذين ظلموا جميعاً لتبينوا ضرر اتخاذهم الآلهة دون الله". وهذا إنما يكون على قراءة من قرأ بالياء.

وقيل: معنى: "ترى" تنظر، وأن التقدير: ولو تنظر يا محمد الذين ظلموا حين يرون العذاب لأقروا أن القوة لله.

وقيل: فتحت "إن" على تقدير اللام أي: لأن القوة لله، والجواب أيضاً محذوف تقديره: لعلموا مبلغ عذاب الله ونحوه.

ومن كسر "إِنّ" كسرها على الابتداء، وجواب "لو" محذوف أيضاً.

وقيل: إنَّ كسرَها على إضمار القول أي: "يَقولونَ: إِنَّ القُوَّةَ للهِ".

* *

ثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ﴾.

والمعنى: وإِن الله شديد العذاب حين تبرأ الذين اتُّبعوا - وهم سادات الكفار وأهل الرأي منهم الجبابرة - من الذين اتَّبعوا - وهم أتباع السادات.

﴿وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ﴾: أي: ورأى الجميع عذاب الله وذلك كله في القيامة.

* *

﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ﴾.

يعني القرابات التي كانت بينهم في الدنيا والصداقات فلم ينتفعوا. هذا قول قتادة وعطاء والربيع.

والهاء في "بِهِمْ" ترجع على التابعين والمتبوعين. وكذلك الهاء في "يُرِيهِمْ" و "أعْمالِهمْ".

وقال السدي: "الذين اتبعوا هم الشياطين تبرأُوا في القيامة ممن اتبعهم من الإنس".

وقيل: الآية عامة في كل من اتبع على شرك تبرأوا في الآخرة ممن اتبعهم.

قال مجاهد: "الأسباب: الوصايل والمودة". وقاله ابن عباس.

قال قتادة: "صارت مواصلتهم في الدنيا عداوة يوم القيامة".

قال تعالى ذكره: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت: ٢٥].

وقال: ﴿ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].

وعن ابن عباس أيضاً: "أن الأسباب هي المنازل التي كانت لهم من أهل الدنيا". وعنه أيضاً: "الأسباب: الأرحام".

وقال السدي: "الأسباب الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا". وقاله ابن زيد.

﴿تَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ﴾: أعمال أهل التقوى.

وقيل: أعطوا [أسباب أعمالهم السيئة، وتقطعت بهم أسباب] أعمال أهل التقوى. وأصل "السبب" الحبل يتعلق به إلى الحاجة التي لا يوصل إليها إلا بالتعلق، ثم يقال لكل ما هو سبب إلى حاجة: سبب وإن لم يكن حبلاً.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾.

أي: وقال الأتباع: لو أن لنا رجعة إلى الدنيا فنبرأ من هؤلاء القادة الجبابرة الذين اتبعناهم في الدنيا على الشرك كما تبرأوا منا الآن.

* *

ثم قال ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ .

أي: كما أراهم الله العذاب وتبرأ بعضهم من بعض كذلك يريهم أعمالهم حسرات عليهم: أي ندامات.

والمعنى: كذلك يريهم الله عذاب أعمالهم السيئة ليتحسروا على عملها. قاله الربيع وابن زيد. وهو اختيار الطبري.

وقيل: المعنى: كذلك يريهم الله ثواب أعمالهم التي افترضها الله عليهم في الدنيا فضيعوها، ولم يعملوا بها ليتحسروا على تركها.

قال السدي: "يرفع الله لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو أنهم أطاعوا الله، فيقال لهم: تلك مساكنكم لو أطعتم الله، ثم تقسم بين المؤمنين فيريهم الله ذلك، فذلك حين يندمون". وقال ابن مسعود: "ليس من نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار وهو يوم الحسرة؛ فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة فيقال لهم: لو عملتم، فتأخذهم الحسرة. ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال لهم: لولا أن الله مَنَّ عليكم".

فالمعنى على هذا: كذلك يريهم الله ثواب أعمالهم التي كانت تلزمهم في الدنيا فتركوها وضيعوها حسرات عليهم.

والحسرة في اللغة: أشد الندامة.

* *

ثم قال: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ﴾.

أي: ليسوا يخرجون من النار أبداً، يعني به القوم الذين تقدمت صفتهم وتبرأ بعضهم من بعض، وتمنى بعضهم الرجعة إلى الدنيا. وهذه الآية تدل على فساد قول من زعم أن عذاب الله عز وجل للكفار له نهاية.

* *

وقوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً﴾.

أي: كلوا مما أحل الله لكم من الأطعمة على لسان محمد ﷺ.

قوله: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾.

قال ابن عباس: "خطواته: عمله".

وقال مجاهد: "خطاياه". وهو قول قتادة والضحاك وابن زيد. أي: خطاياه التي يأمر بها ويدعو إليها.

وقال السدي: "خطوات الشيطان: طاعته".

وقال أبو مجلز: "هي النذور في المعاصي".

* *

قوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾.

أي: ظاهر العداوة، فالمعنى: النهي عن اتباع ما يدعو إليه الشيطان مما هو خلاف لطاعة الله عز وجل.

* *

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ﴾.

أي بما يسوؤكم، ولا تسركم عاقبته.

﴿وَٱلْفَحْشَآءِ﴾: أي: ما فحش ذكره مثل الزنا والكفر.

قال السدي: "السوء: المعصية، والفحشاء: الزنا".

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾. أي ويأمركم أن تقولوا ذلك، وهو تحريم البحائر والسوائب والوصائل والحوام التي كانت أهل الجاهلية تحرمه، ولم يأمر الله بذلك.

2:170–173Страница 26

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٧٠

Когда им говорят: «Следуйте тому, что ниспослал Аллах», - они отвечают: «Нет! Мы будем следовать тому, на чем застали наших отцов». А если их отцы ничего не разумели и не следовали прямым путем?

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ بِمَا لَا يَسۡمَعُ إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٧١

Неверующие подобны скотине, на которую прикрикивает пастух, тогда как она не слышит ничего, кроме зова и крика. Они глухи, немы и слепы. Они ничего не разумеют.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١٧٢

О те, которые уверовали! Вкушайте дозволенные блага, которыми Мы наделили вас, и будьте благодарны Аллаху, если только вы поклоняетесь Ему.

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٧٣

Он запретил вам мертвечину, кровь, мясо свиньи и то, что принесено в жертву не ради Аллаха. Если же кто-либо вынужден пойти на это, не домогаясь запретного, не проявляя ослушания и не преступая пределы необходимого, то нет на нем греха. Воистину, Аллах - Прощающий, Милосердный.

قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾.

إلى قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.

الهاء والميم في "لهُمُ" تعودان على "من" في قوله ﴿مَن يَتَّخِذُ﴾. وقيل: تعودان على "الناس" من قوله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ﴾. وهو اختيار الطبري.

وذكر ابن عباس أن النبي [عليه السلام] دعا نفراً من اليهود إلى الإسلام، ورغبهم وحذرهم عذاب الله. فقالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ﴾ أي: وجدنا.

فأنزل الله عز وجل في ذلك: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا﴾ الآية.

والمعنى: وإذا قيل لهؤلاء الكفار اتبعوا ما أنزل الله؛ أي: اتبعوا ما حرم الله عليكم فحرموه وما [أحل الله] لكم فحللوه، ولا تحدثوا تحريم ما أحل الله لكم مثل البحائر والوصايل والسوائب والحوام التي قد حرمتم من عند أنفسكم، قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فأبوا إلا الكفر واتباع الكفر.

قال الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾.

أي: لا يعقلون شيئاً من الدين، ولا يهتدون إلى شيء من الخير تتبعونهم. فالمعنى: كيف تتركون ما أمركم به الله عز وجل وتتبعون طريق من لا يهتدي للحق ولا يعقل الخير.

* *

ثم قال: ﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ﴾.

أي: مثل الكافر في قلة فهمه لما يتلى عليه من عند الله عز وجل وما يدعى إليه ويوعظ به، مثل البهيمة التي تسمع الصوت إذا نعق بها، ولا تعقل ما يقال لها.

قال عكرمة: "معناه: مثلهم كمثل البعير أو الحمار تدعوه فيسمع الصوت، ولا يفقه ما تقول له".

قال ابن عباس: "معناه: مثل الكافر كمثل البعير أو الحمار أو الشاة، إذا قلت لبعضها: كُلْ، لم تعلم ما تقول، غير أنها تسمع الصوت. كذلك الكافر إن أمرته بخير أو نهيته عن شر أو وعظته لم يعقل ما تقول غير أنه يسمع صوتك".

قال مجاهد: "هذا مثل ضربه الله تعالى للكافر يسمع ما يقال له، ولا يعقل، كمثل البهيمة تسمع النهيق ولا تعقل".

وعلى هذا المعنى فسره كل المفسرين.

وقوله: ﴿إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً﴾.

أي: لا تعقل البهيمة ما يقال لها، إنما تسمع دعاء ونداء، كذلك الكافر. والذي ينعق هو الراعي للغنم، فكما أن الغنم تسمع صوت الراعي إذا دعا بها ولا تفقهه، كذلك الكفار يسمعون ما يقول لهم محمد ﷺ وما يدعوهم إليه ولا يفهمونه ولذلك قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾.

أي: حالهم حال الأصم الأبكم الأعمى، إذ لا ينتفعون بذلك فيما يدعون إليه.

فالمعنى: صم عن سماع الحق [بكم عن قول الحق، عمي عن النظر إلى الحق]. وإنما قدم "صُمّ" في هذا الموضع وفي أول السورة على ما بعده لأنه أشد بلاء مما بعده لأنه يذهب به السمع والعقل. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٤٢] فذكر ذهاب السمع [مع الصّمّ]، وذكر بعده ذهاب البصر مع العمي لا غير.

وعن ابن عباس أن التقدير: "مثل وعظ الذين كفروا وواعظهم، كمثل الناعق بالغنم، والمنعوق بهم".

فأضيف المثل إلى الذين كفروا، وترك ذكر الوعظ والواعظ لدلالة الكلام عليه. وقيل: التقدير: ومثل الذين كفروا في تخلف فهمهم عن الله عز وجل ورسوله كمثل المنعوق بهم من البهائم.

وقال ابن زيد: "معنى الآية: مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة التي لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع، كمثل الصائح في جوف الليل فيجيبه الصدى، فهو يصيح بما لا يسمع ويجيبه بما لا نفع فيه ولا حقيقة".

وقيل: المعنى: مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم وهي لا تفهم عنهم، كمثل الناعق بالغنم ينعق بما لا يفهم عنه قوله. فكما لا ينتفع الناعق بالغنم بأن تفهم عنه، كذلك الكافر مع آلهته.

قال سيبويه: "تقديره: "مثلكم ومثل [الذين] كفروا، كمثل الناعق والمنعوق به الذي لا يسمع. قال: فلم يشبهوا بما ينعق، إنما شبهوا بالمنعوق به". وكذا قال أبو عبيدة.

وقال قطرب: "معناها: مثل الذين كفروا في دعائهم ما لا يعقل ولا يسمع، كمثل الراعي إذا [نعق بغنمه، وهو أن يصوت] بها، وهو لا يدري أين هي".

وهذه الآية عند الطبري نزلت في اليهود. وهو قول عطاء. ومعنى ينعق: يصوت.

* *

ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.

أي من حلال الرزق الذي أحله الله لكم، وذروا ما حرم عليكم. ﴿وَٱشْكُرُواْ للَّهِ﴾. أي: اثنوا عليه بما هو أهله على نعمه عندكم.

﴿إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾: أي: إن كنتم منقادين لأمره سامعين له مطيعين.

* *

ثم قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ﴾.

أي: لم يحرم عليكم شيئاً مما حرمتموه على أنفسكم من البحائر والوصائل والسوائب والحوام التي حرمتموها على أنفسكم، إنما حرم عليكم أكل لحم الميتة ولحم الخنزير وأكل الدم وأكل ما ذبح لغير الله مثل ما يذبح للأصنام والأوثان، وما ترك ذكر اسم الله عليه متعمداً، فإنْ تَرَكَه ناسياً فلا شيء عليه.

وهذا المحرم لفظه عام وفيه تخصيص لأن الميتة من الجراد وصيد البحر والدم المخالط للحم الذي هو غير جار وما نسي عليه التسمية كله حلال أكله.

ومعنى: ﴿وَمَآ أُهِلَّ﴾: ما ذبح لغير الله، يعني للأصنام. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم.

فـ "ما" للأصنام... وقيل: هي للذبائح، للأصنام.

وقيل: للصياح؛ النداءُ الذي ينادى به لغير الله على الذبائح. وأصل الإهلال رفع الصوت.

وقيل: المعنى ما ذكر عليه غير اسم الله.

* *

ثم قال: ﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾.

أي فمن لحقته ضرورة من جوع وجهد وخوف على نفسه من الهلاك، ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ على المسلمين، ولا متعمد للأكل، ﴿وَلاَ عَادٍ﴾، أي متعد على الناس.

وقيل: ﴿وَلاَ عَادٍ﴾ معناه: ولا عائد لأكْلة أخرى لغير ضرورة فيكون من المقلوب، أخرت الياء فصار كقاض.

* *

قوله: ﴿فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. أي: لا حرج عليه في أكل ما يرد به روحه.

وقيل: "معناه: من أكره على أكل شيء من هذا المحرم فلا إثم عليه إنْ أكَله مكرهاً". قاله مجاهد.

وقال ابن عباس: "من أكل شيئاً من هذا وهو مضطر فلا حرج عليه، ومن أكله غير مضطر فقد بغى واعتدى".

قال ابن جبير في قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾، قال: "هو أن يقطع الطريق فلا رخصة له إذا جاع أن يأكل الميتة، وإذا عطش أن يشرب الخمر".

وهو قول قتادة وعكرمة.

وقال ابن زيد: "لا يأكل ذلك بغياً ولا تعدياً من الحلال إلى الحرام". وقال النخعي: "غير باغ على المسلمين".

قال مجاهد: ﴿وَلاَ عَادٍ﴾: ولا متعد عليهم: من خرج يقطع السبل ويقطع الرحم فلا يحل له شيء من ذلك وإن اضطر".

فذهب إلى أن الباغي قاطع الطريق. والعادي قاطع الرحم.

قال الحسن: "غير باغ فيها، ولا متعد فيها يأكلها، وهو عنها غني".

وقيل: المعنى: غير باغ ما حرم الله، ولا عاد. وله في تركها وجه.

وأجاز بكر القاضي لقاطع الطريق أن يأكل منها إذا اضطر، لأن قتله لنفسه معصية أخرى فلا يأمره بها.

قال مسروق: "ومن اضطر إلى الميتة فأبى أن يأكل حتى مات، دخل النار".

وقال مالك: "من اضطُر، أَكَل شِبَعه منها".

وقال غيره: "إنما يأكل منها ما يقيم به الرمق".

وقيل: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: غير خارج على المسلمين بسيفه باغياً عليهم ولا عادياً عليهم بحرب ظلماً.

﴿فَلاۤ إِثْمَ﴾ أي: فلا حرج، إن الله غفور رحيم.

2:174–177Страница 26

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَشۡتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ مَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٧٤

Воистину, те, которые скрывают ниспосланное Аллахом в Писании и покупают за это малую цену, наполняют свои животы огнем. Аллах не станет говорить с ними в День воскресения и не очистит их. Им уготованы мучительные страдания.

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِۚ فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ ١٧٥

Они купили заблуждение за верное руководство и мучения - за прощение. Насколько же они готовы терпеть Огонь!

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ١٧٦

Это потому, что Аллах ниспослал Писание с истиной. А те, которые спорят относительно Писания, находятся в полном разладе с истиной.

۞ لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ١٧٧

Благочестие состоит не в том, чтобы вы обращали ваши лица на восток и запад. Но благочестив тот, кто уверовал в Аллаха, в Последний день, в ангелов, в Писание, в пророков, кто раздавал имущество, несмотря на свою любовь к нему, родственникам, сиротам, бедным, путникам и просящим, расходовал его на освобождение рабов, совершал намаз, выплачивал закят, соблюдал договора после их заключения, проявлял терпение в нужде, при болезни и во время сражения. Таковы те, которые правдивы. Таковы богобоязненные.

قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ﴾. [إلى قوله: ﴿ٱلْمُتَّقُونَ﴾.

هذه الآية عند قتادة وغيره نزلت في أهل الكتاب. كتموا ما أنزل الله عز وجل في كتابهم من أمر محمد ﷺ.

قال ابن عباس: "هم اليهود كتموا اسم محمد ﷺ وأخذوا عليه طمعاً قليلاً". وهو قول السدي والربيع.

وقال عكرمة في هذه الآية وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧]: نزلت جميعاً في يهود".

قال ابن مسعود: "قال النبي ﷺ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْطَعُ بِها مالاً لَقِيَ اللهَ، وهُوَ عَلَيْهِ غَضْبانٌ". وتصديقه في كتاب الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾.

* *

ومعنى ﴿يَشْتَرُونَ﴾ يبتاعون به.

والهاء في: "به" تعود على الكتمان، أي: وابتاعوا بكتمانهم ما أنزل الله عز وجل في كتابهم من ذكر محمد ﷺ.

﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾: أي: أخذوا عليه طمعاً قليلاً، أي: أخذوا الرشوة وكتموا ما أنزل الله عز وجل وبدلوه وحرفوه.

* *

ثم قال تعالى: ﴿أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ﴾.

أي: ما يأكلون في بطونهم من الرشا إلا ما يؤديهم إلى النار، ومثله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء: ١٠] أي: ما يوردهم النار. فاستغنى في الآيتين بذكر النار لفهم السامعين المعنى لأنه لما كان ما يأكلون من الطيبات بالرشا يوردهم النار كانوا كأنهم يأكلون النار. وإنما قال ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾، وقد علم أن الأكل لا يكون إلا في البطن لأن العرب تقول: "جُعْتُ فِي غَيْرِ بَطْنِي" و "شَبِعْتُ في غَيْرِ بَطْنِي". فقيل في الآية: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ للفرق والتأكيد.

* *

وقوله: ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾.

أي: لا يكلمهم بما يحبون ولا بما يشتهون، ويكلمهم بما يكرهون لأنه قد أخبر بأنه يقول لهم ﴿قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وقيل: معنى ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ﴾: يغضب عليهم. يقال: "فُلانٌ لا يُكَلِّمُ فُلاناً" إذا غضب عليه.

وقيل: المعنى: لا يسمعهم كلامه لأن الأبرار يسمعون كلامه.

وقيل: معناه: لا يرسل لهم الملائكة بالتحية.

* *

وقوله: ﴿وَلاَ يُزَكِّيهِمْ﴾: أي لا يطهرهم من دنس ذنوبهم وكفرهم.

﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي موجع.

* *

ثم قال تعالى: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ﴾.

أي: أولئك الذين أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى، وأخذوا ما يوجب لهم عذاب الله يوم القيامة، وتركوا ما يوجب لهم عفوه. فاستغنى بذكر العذاب والمغفرة عن ذكر السبب الذي يوجبهما لفهم سامعي ذلك.

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ﴾.

قال ابن عباس: "معناه: ما الذي صبرهم على النار".

وقال أبو عبيدة: "معناه: ما الذي أصبرهم على النار، ودعاهم إليها، وليس بتعجب". وهو قول السدي.

فَـ "ما" استفهام في القولين جميعاً.

وقال مجاهد والحسن وقتادة: "هو تعجب".

ومعنى التعجب في هذا أن الله جل ذكره يعجب خلقه منهم، ومن جرأتهم على عمل يوردهم النار.

وقال مجاهد: "معناه: ما أعملهم بأعمال أهل النار". أي: ما أشد جرأتهم على عمل يوجب لهم النار.

وقيل: معناه: ما أبقاهم في عذاب الله.

وقيل: معناه: ما أصبرهم على الأعمال التي توجب لهم النار.

* *

ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ﴾.

أي: بالواجب. وحيثما ذكر الحق فمعناه الواجب. أي: ذلك فعلهم، لأن الله نزل الكتاب بالحق.

وقيل: المعنى: ذلك العذاب المذكور لهم، لأن الله نزل الكتاب بالحق. فَـ "ذلك" في موضع رفع في القولين.

وقيل: المعنى: فعلنا ذلك لأن الله نزل الكتاب بالحق، فكفروا به، فـَ "ذَلِكَ" في موضع نصب في هذا القول.

* *

ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِي ٱلْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.

يعني به اليهود والنصارى؛ اختلفوا في الكتاب فكفرت اليهود بما قص الله فيه من قصص عيسى ﷺ وأمه، وصدقت النصارى ببعض ذلك. [و] كفروا جميعاً بما أنزل الله فيه من الأمر بتصديق محمد ﷺ.

والمعنى: [وإنهم لفي] منازعة ومباعدة للحق، بعيدة مِنَ الصواب والرشد.

قال السدي: "﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾: لفي عداوة بعيدة".

* *

ثم قال تعالى: ﴿لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾.

أي: ليس البر الصلاة وحدها، ولكن البر الجمع لفعل هذه الخلال المذكورة بعده.

قال ابن عباس: "هذا حين نزلت الفرائض وحدت الحدود". وقاله الضحاك وغيره. وهو اختيار الطبري، وهو قول الربيع بن أنس.

وقال قتادة: "كانت اليهود تصلي قبل المغرب، والنصارى تصلي قبل المشرق، فأعلموا أن البر ليس هو كله ما يصنعون، ولكن البر عمل هذه الخصال التي بيَّنها بعد".

وقد قيل: إن هذه الآية خصوص في الأنبياء وحدهم صلوات الله عليهم، لأن هذه الأشياء التي وصفت في الآية لا يؤديها بكليتها على حق الواجب فيها إلا الأنبياء صلوات الله عليهم، ولكن الله قد أمر جميع الخلق بالعمل بجميع ما فيها.

* *

وقوله: ﴿وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾.

أي: على محبته إياه وشحه عليه.

فالهاء في "حبه" تعود على المؤمن، أي: على حبه إياه، يعني المال. وقيل: هي راجعة على المال، أي: على حب الرجل المال. فأضيف الحب إلى المال فهو المفعول به. كما تقول: "أَعجبني أكلُ الخبز وشربُ الماء"، أي: أكلُ الرجلِ الخبزَ وشربُ الرجلِ الماءَ.

وقيل: الهاء ترجع على الإيتاء، ودل عليه: "وَآتَى"، والتقدير: على حب الإيتاء أي: على حب الرجل الإيتاء.

وقيل: الهاء تعود على المؤمن، وتنصب "ذَوِي الْقُرْبَى" في هذا الوجه بالحب، أي: على حب المؤمن ذوي القربى. وتنصب "ذَوِي" في الوجوه المتقدمة بـ "آتَى".

وقيل: الهاء ترجع على الله جل ذكره؛ أي: على حُبِّ الله"، وتنصب ذوي بـ "آتَى".

قال ابن مسعود: "هُوَ أنْ يُؤْتِيَهُ وَهُوَ صَحيحٌ شَحِيحٌ يَأْمَلُ العَيْشَ وَيَخَافُ الْفَقْرَ". ورواه ابن مسعود عن النبي [عليه السلام].

وروي عنه ﷺ أنه قال: "فِي المالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكاةِ". وتلا هذه الآية.

قوله تعالى: ﴿ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾: أي ذوي الأرحام.

وسئل النبي [عليه السلام] عن أفضل الصدقة فقال: "جُهْدُ المُقِلِّ عَلَى ذِي القَرَابَةِ الكاشِحِ

وقوله: ﴿وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ﴾. قال قتادة: "هو الضيف".

وقيل: "هو المسلم يمر عليك من بلد إلى بلد". قاله مجاهد وقتادة.

وقيل للمسافر: "ابن السبيل"، لملازمته السبيل وهي الطريق، كما يقال لطير الماء: ابن الماء لملازمته الماء. ويقال للرجل الذي أتت عليه الدهور: هو ابن الأيام والليالي.

وعلى هذا يُتأول حديث النبي [عليه السلام] في قوله: "لا يَدْخُلْ الجَنَّةَ وَلَدُ زِنا"، معناه اللازم للزنا، جعل ابن زنا لملازمته له، كما قيل: ابن السبيل، وابن ماء، وابن الأيام.

* *

وقوله: ﴿وَٱلسَّآئِلِينَ﴾. يعني به المعترضين الطالبين للصدقة.

* *

وقوله: ﴿وَفِي ٱلرِّقَابِ﴾.

يعني: يعان به المكاتبون الذين يسعون في فك رقابهم من العبودية.

* *

وقوله: ﴿وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ﴾. أي: أدام العمل بها بحدودها في أوقاتها.

* *

قوله: ﴿وَآتَى ٱلزَّكَاةَ﴾. أي أعطاها على ما فرضها الله تعالى عليه.

* *

وقوله: ﴿وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ﴾.

رفعت ﴿ٱلْمُوفُونَ﴾ على العطف على "مَنْ" في قوله: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾، أي: "ولكن البارُّ من آمن" على قراءة من خفف أو شدد.

وبعده: ﴿وَٱلصَّابِرِينَ﴾ هو نصب على المدح.

وقيل: ﴿ٱلْمُوفُونَ﴾ رفع على إضمار مبتدأ "وهم الموفون"، تجعله مدحاً للمضمرين داخلاً في صلة "من".

وتنصب "الصابرينَ" على العطف على ﴿ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ أو على "أعني". وأجاز الكسائي رفع ﴿ٱلْمُوفُونَ﴾ على العطف على "مَنْ" في قوله: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ على ما تقدم.

وتنصب ﴿وَٱلصَّابِرِينَ﴾ على العطف على ﴿ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾. وهو خطأ لأنه يفرق بين الصلة والموصول، فيعطف على الموصول، ثم يعطف بعده على ما في الصلة، فيفرق بين الصلة وهي: ﴿وَٱلصَّابِرِينَ﴾ والموصول وهو: "مَنْ"، بـِ "المُوفُونَ": وليس بداخل في الصلة. إنما هو معطوف على الموصول.

وقيل: إن "المُوفُونَ" عطف على المضمر في "آمَنَ"، و "الصَّابِرِينَ" عطف على "ذَوِي القُرْبَى" أو على "أَعْنِي" على المدح.

وقيل: إن "الصَّابِرِينَ" عطف على "السَّائِلِينَ"، ومعنى الكلام: والذين لا ينقضون عهد [الله] بعد المعاهدة، ولكن يوفون به.

* *

وقوله: ﴿وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّآءِ﴾.

أصل الصبر الحبس عن الشيء.

فالمعنى: والحابسين أنفسهم عن ما يكرهه الله عز وجل في البأساء وفي الفقر، والضراء وهي السقم. قاله ابن مسعود.

وعنه: "أن البأساء: الجوع، والضراء: المرض". وعنه: "البأساء: الحاجة". وقال قتادة: "كنا نحدث أن البأساء: البؤس والفقر، والضراء: السقم" وهو قول الربيع.

وقال قتادة أيضاً: "البأساء: البؤس، والضراء: الزمانة في الجسد".

قال الضحاك: "البأساء: الفقر، والضراء: المرض".

* *

وقوله: ﴿وَحِينَ ٱلْبَأْسِ﴾.

قال ابن مسعود: "وحين القتال".

والضُّراء - بالضم - في اللغة الزمانة والمرض. والضَّراء بالفتح ضد النفع. و "البأْساءُ" و "الضَّرَّاءُ" جاءا على "فَعْلاءَ" وليس لهما "أفْعَلُ" لأنه اسم وليس بصفة، كما جاء "أَفْعَلُ" في الكلام وليس له "فَعْلاءُ" نحو "أَحْمَدَ". وقد قالوا في الصفة: "أَفعَلَ"، ولم يأت منه "فَعْلاءُ"؛ قالوا: "أنْتَ مِنْ ذَلِكَ أوْجَلُ"، ولم يقولوا: "وَجْلاءَ".

وقد قيل: البأساء والضراء اسمان للفعل بمعنى المصدر، فهما بمعنى البؤس والضر، يقعان "لمؤنث ولمذكر".

* *

ثم قال: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ﴾.

أي: صدقوا الله في إيمانهم به وحققوا قولهم بفعلهم، لا مَن ولى وجهه قِبَل المشرق والمغرب وهو يخالف أمره ويكتم وحيه ويُكذِّب رسله.

* *

ثم قال: ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾. أي هم الذين اتقوا عقاب الله، فتجنبوا معاصيه، ولم يتعدوا حدوده.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English