Аль-Касими · Тафсир · на арабском
Юнус 10:86–97
10:86Страница 218
وَنَجِّنَا بِرَحۡمَتِكَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٨٦
По Своей милости спаси нас от людей неверующих».
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٦ ] ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾
﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: مِن كَيْدِهِمْ، ومِن شُؤْمِ مُشاهَدَتِهِمْ، والعُبُودِيَّةِ لَهم.
قالَ القاضِي: وفي تَقْدِيمِ التَّوَكُّلِ عَلى الدُّعاءِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الدّاعِيَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَتَوَكَّلَ أوَّلًا، لِتُجابَ دَعْوَتُهُ.
10:87Страница 218
وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتٗا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٧
Мы ниспослали откровение Мусе (Моисею) и его брату: «Обеспечьте свой народ жилищами в Египте, превратите свои жилища в места для поклонения и совершайте намаз. Обрадуй же верующих!».
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٧ ] ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾
﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ أيِ اتَّخِذا بِها بُيُوتًا مَباءَةً تُلازِمُونَها لِتَجْتَمِعَ كَلِمَتُكم في شَأْنِكم ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ أيْ مُصَلًّى ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ في بُيُوتِكُمْ، قالَ بَعْضُهُمْ: كانُوا خائِفِينَ، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ كَتْمِ الصَّلاةِ عِنْدَ الخَوْفِ. ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِالنُّصْرَةِ في الدُّنْيا، والجَنَّةِ في العُقْبى.
10:88Страница 218
وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيۡتَ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةٗ وَأَمۡوَٰلٗا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَۖ رَبَّنَا ٱطۡمِسۡ عَلَىٰٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ وَٱشۡدُدۡ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٨٨
Муса (Моисей) сказал: «Господь наш! Ты даровал Фараону и его знати в мирской жизни украшения и богатства. Господь наш! Они сбили других с Твоего пути. Господь наш! Уничтожь их богатство и ожесточи их сердца, чтобы они не могли уверовать, пока не увидят мучительные страдания».
(p-٣٣٨٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٨ ] ﴿وقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً وأمْوالا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾
﴿وقالَ مُوسى﴾ أيْ يَدْعُو اللَّهَ تَعالى في إذْهابِ عِزَّةِ فِرْعَوْنَ ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً﴾ أيْ ما يَتَزَيَّنُ بِهِ مِنَ اللِّباسِ والمَراكِبِ والحُلِيِّ ﴿وأمْوالا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ أيْ بِالتَّكَبُّرِ عَلَيْكَ وعَلى آياتِكَ ورُسُلِكَ. وقَوْلُهُ " لِيُضِلُّوا" مُتَعَلِّقٌ بِـ " آتَيْتَ"، وأُعِيدَ " رَبَّنا" تَوْكِيدًا، و(لامُ) " لِيُضِلُّوا" لامُ العاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ. أيْ: آتَيْتَهُمُ النِّعَمَ المَذْكُورَةَ لِيَشْكُرُوها ويَتَّبِعُوا سَبِيلَكَ، فَكانَ عاقِبَةُ أمْرِهِمْ أنَّهم كَفَرُوا وضَلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ، وتَجْوِيزُ جَعْلِ اللّامِ لِلْعِلَّةِ اسْتِدْراجًا، أوْ لامَ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ -تَوَسُّعٌ في غَيْرِ مُتَّسَعٍ، ونُبُوٌّ عَنْ لُطْفِ المَساقِ وسِرِّهِ، فَإنَّ مُوسى لَمّا رَأى القَوْمَ مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ والعِنادِ أخَذَ في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، ومِن حَقِّ مَن يَدْعُو عَلى الغَيْرِ أنْ يُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيْ دُعائِهِ ما دَفَعَهُ واضْطَرَّهُ إلى الِابْتِهالِ؛ لِتَحِقَّ إجابَتُهُ، ولِذا بَيَّنَ أوَّلًا ضَلالَهم عَنِ السَّبِيلِ بِكُفْرانِهِمْ لِلنِّعَمِ، وعُتُوِّهِمْ عَلى المُحْسِنِ بِها تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ أيْ أهْلِكْها؛ لِأنَّهم يَسْتَعِينُونَ بِنِعْمَتِكَ عَلى مَعْصِيَتِكَ. وأصْلُ (الطَّمْسِ) مَحْوُ الأثَرِ والتَّغْيِيرُ ﴿واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيِ اجْعَلْها قاسِيَةً، واطْبَعْ عَلَيْها، حَتّى لا تَنْشَرِحَ لِلْإيمانِ ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ أيْ يُعايِنُوهُ ويُوقِنُوا بِهِ، بِحَيْثُ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ إذْ ذاكَ، وقَوْلُهُ ﴿فَلا يُؤْمِنُوا﴾ جَوابٌ لِلدُّعاءِ، أوْ دُعاءٌ بِلَفْظِ النَّهْيِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الدَّعْوَةُ كانَتْ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ غَضَبًا لِلَّهِ ولِدِينِهِ عَلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ الَّذِينَ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ لا خَيْرَ فِيهِمْ، ولا يَجِيءُ مِنهم شَيْءٌ. كَما دَعا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ (p-٣٣٩٠)فَقالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلا فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نوح: ٢٧] ولِهَذا اسْتَجابَ تَعالى لِمُوسى فِيهِمْ هَذِهِ الدَّعْوَةَ الَّتِي شَرَكَهُ فِيها أخُوهُ هارُونُ كَما أخْبَرَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
10:89Страница 219
قَالَ قَدۡ أُجِيبَت دَّعۡوَتُكُمَا فَٱسۡتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٨٩
Он сказал: «Ваша молитва принята. Ступайте прямым путем и не следуйте за теми, кто не обладает знанием».
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٩ ] ﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾
﴿قالَ﴾ تَعالى ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما﴾ أيْ عَلى أمْرِي، ولا تَعْجَلا، فَإنَّ مَطْلُوبَكُما كائِنٌ في وقْتِهِ لا مَحالَةَ ﴿ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ في الِاسْتِعْجالِ، أوْ عَدَمِ الوُثُوقِ بِوَعْدِهِ تَعالى، أوْ يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى إجابَتِهِ دُعاءَهُما في إهْلاكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.
10:90Страница 219
۞ وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ وَجُنُودُهُۥ بَغۡيٗا وَعَدۡوًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدۡرَكَهُ ٱلۡغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٩٠
Мы переправили сынов Исраила (Израиля) через море, а Фараон и его войско последовали за ними, бесчинствуя и поступая враждебно. Когда же Фараон стал тонуть, он сказал: «Я уверовал в то, что нет Бога, кроме Того, в Кого уверовали сыны Исраила (Израиля). Я стал одним из мусульман».
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٠ ] ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بَغْيًا وعَدْوًا حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾
﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتْبَعَهُمْ﴾ أيْ لَحِقَهم ﴿فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بَغْيًا وعَدْوًا﴾ أيْ لِأجْلِ البَغْيِ عَلَيْهِمْ والِاعْتِداءِ ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ﴾ يَرْجُو النَّجاةَ مِنَ الغَرَقِ ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ وذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَغِبَ إلى فِرْعَوْنَ أنْ يُطْلِقَ الإسْرائِيلِيِّينَ مِن عُبُودِيَّتِهِ، ويَأْذَنُ لَهم بِالسَّراحِ إلى فِلَسْطِينَ لِيَعْبُدُوا رَبَّهُمْ، أبى وتَمَرَّدَ، فَضَرَبَهُ اللَّهُ وقَوْمَهُ بِالآياتِ التِّسْعِ، كَما (p-٣٣٩١)تَقَدَّمَ في سُورَةِ (الأعْرافِ) فَأذِنَ لِمُوسى وشَعْبِهِ بِالخُرُوجِ مِن مِصْرَ، فارْتَحَلَ بَنُو إسْرائِيلَ جَمِيعًا بِمَواشِيهِمْ وأثاثِهِمْ، ثُمَّ نَدِمَ فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ عَلى إطْلاقِهِمْ مِن خِدْمَتِهِمْ، فاشْتَدَّ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ في أثَرِهِمْ لِيَرُدُّهُمْ، فَأدْرَكَهم وهم نازِلُونَ عِنْدَ البَحْرِ، فَرَهِبَ الإسْرائِيلِيُّونَ مِن مَقْدِمِهِ، وضَجُّوا إلى مُوسى، فَسَكَّنَ رَوْعَهُمْ، وأعْلَمَهم ما يُشاهِدُونَ مِن نَجاتِهِمْ، وهَلاكِ عَدُوِّهِمْ، وأوْحى تَعالى إلى مُوسى أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ البَحْرَ، فانْشَقَّ، ودَخَلَ بَنُو إسْرائِيلَ في وسَطِهِ عَلى اليُبْسِ الَّذِي جَعَلَهُ تَعالى آيَةً كُبْرى، ونَفَذُوا مِنهُ إلى شاطِئِهِ، وتَبِعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، حَتّى إذا تَوَسَّطُوا البَحْرَ، مَدَّ مُوسى يَدَهُ عَلى البَحْرِ، فارْتَدَّ إلى ما كانَ عَلَيْهِ، وغَرِقَ فِرْعَوْنُ بِمَن مَعَهُ. ولَمّا أحَسَّ بِالغَرَقِ، لاذَ إلى الإيمانِ يَبْغِي النَّجاةَ، فَقِيلَ لَهُ:
10:91Страница 219
ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ عَصَيۡتَ قَبۡلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٩١
Аллах сказал: «Только сейчас! А ведь раньше ты ослушался и был одним из распространяющих нечестие.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩١ ] ﴿آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾
﴿آلآنَ﴾ أيْ تُؤْمِنُ وتُسَلِّمُ لِتَنْجُوَ مِنَ الغَرَقِ ﴿وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ أيْ كَفَرْتَ بِاللَّهِ مِن قَبْلِ الغَرَقِ، ﴿وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ بِالضَّلالِ والإضْلالِ، والظُّلْمِ والعُتُوِّ.
10:92Страница 219
فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ ٩٢
Сегодня Мы спасем твое тело, чтобы ты стал знамением для тех, кто будет после тебя». Воистину, многие люди пренебрегают Нашими знамениями.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٢ ] ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾
﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أيْ نُخْرِجُكَ مِنَ البَحْرِ بِجَسَدِكَ الَّذِي لا رُوحَ فِيهِ، فَرَآهُ بَنُو إسْرائِيلَ مُلْقًى عَلى شاطِئِ البَحْرِ مَيِّتًا، وفي التَّعْبِيرِ عَنْ إخْراجِهِ مِنَ القَعْرِ إلى الشّاطِئِ (بِالتَّنْجِيَةِ) الَّتِي هي الخَلاصُ مِنَ المَكْرُوهِ تَهَكُّمٌ واسْتِهْزاءٌ ﴿لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ﴾ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ ﴿آيَةً﴾ أيْ عِبْرَةً مِنَ الطُّغْيانِ والتَّمَرُّدِ عَلى أوامِرِهِ تَعالى. ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ أيْ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها ولا يَعْتَبِرُونَ بِها.
(p-٣٣٩٢)تَنْبِيهٌ:
قالَ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ في (العِنايَةِ): لا يُقْبَلُ إيمانُ المَرْءِ حالَ اليَأْسِ والِاحْتِضارِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ صَرِيحُ الآيَةِ: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٥] وأمّا ما وقَعَ في (الفُصُوصِ) مِن صِحَّةِ إيمانِهِ، وأنَّ قَوْلَهُ ﴿آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠] إيمانٌ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ -فَمُخالِفٌ لِلنَّصِّ والإجْماعِ، وإنْ ذَهَبَ إلى ظاهِرِهِ الجَلالُ الدَّوانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ. ولَهُ رِسالَةٌ فِيهِ طالَعْتُها، وكُنْتُ أتَعَجَّبُ مِنها حَتّى رَأيْتُ في (تارِيخِ حَلَبَ) لِلْفاضِلِ الحَلَبِيِّ أنَّها لَيْسَتْ لَهُ، وإنَّما هي لِرَجُلٍ يُسَمّى مُحَمَّدَ بْنَ هِلالٍ النَّحْوِيَّ. وقَدْ رَدَّها القَزْوِينِيُّ، وشَنَّعَ عَلَيْهِ وقالَ: إنَّما مِثالُهُ مِثالُ رَجُلٍ خامِلِ الذِّكْرِ، لَمّا قَدِمَ مَكَّةَ بالَ في زَمْزَمَ لِيَشْتَهِرَ بَيْنَ النّاسِ، كَما في المَثَلِ (خالِفْ تُعْرَفْ) وفي (فَتاوى ابْنِ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ) أنَّ بَعْضَ فُقَهائِنا كَفَّرَ مَن ذَهَبَ إلى إيمانِ فِرْعَوْنَ، ولِذا قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِفِرْعَوْنَ (فِي كَلامِهِ) النَّفْسُ الأمّارَةُ، وهَذا كُلُّهُ مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ -انْتَهى كَلامُ الشِّهابِ-.
أقُولُ: ذَكَرَ شَيْخُنا العَطّارُ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ (الفَتْحُ المُبِينُ في رَدِّ اعْتِراضِ المُعْتَرِضِ عَلى مُحْيِي الدِّينِ) خاتِمَةٌ في بُطْلانِ ما نُسِبَ إلى هَذا العارِفِ مِنَ القَوْلِ بِصِحَّةِ إيمانِ فِرْعَوْنَ ونَجاتِهِ، قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ:
لِيَعْلَمَ أنَّهُ شاعَ فِيما بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ بِأنَّ حَضْرَةَ مُحْيِي الدِّينِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ بِإيمانِ فِرْعَوْنَ ونَجاتِهِ، والحالُ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، كَما سَتَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِنَ النَّقْلِ عَنْهُ، نَعَمْ، بَحَثَ في صِحَّةِ القَوْلِ بِإيمانِ فِرْعَوْنَ ونَجاتِهِ وعَدَمِها، حَيْثُ الأخْذُ مِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ، فَكانَ ذَلِكَ مِنهُ مُجَرَّدَ بَحْثٍ في الدَّلِيلِ لا غَيْرَ، وما كانَ هَذا قَوْلًا بِإيمانِهِ قَطْعِيًّا، وقَدْ بَنى مَسْألَةَ نَجاةِ فِرْعَوْنَ وإيمانِهِ عَلى أصْلَيْنِ مِن أُصُولِهِ، وافَقَهُ عَلَيْهِما جَمٌّ غَفِيرٌ مِنَ العُلَماءِ الأعْلامِ.
الأصْلُ الأوَّلُ- في بَيانِ حَقِيقَةِ إيمانِ اليَأْسِ، فَإيمانُ اليَأْسِ عِنْدَهُ، وعِنْدَ جَمٍّ غَفِيرٍ مِنَ (p-٣٣٩٣)العُلَماءِ هو ما كانَ عِنْدَ مُشاهَدَةِ العَذابِ البَرْزَخِيِّ، كَحالِ المُحْتَضَرِ لا غَيْرَ، فَفي هَذِهِ الحالَةِ لا يَنْفَعُ الإيمانُ، وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ إيمانَ اليَأْسِ ما كانَ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ دُنْيَوِيًّا أوْ أُخْرَوِيًّا، فالإيمانُ في أيْ حالَةٍ مِنَ الحالَتَيْنِ لا يَنْفَعُ. وعِنْدَ هَذا العارِفِ وجَماعَةٍ: أنَّ رُؤْيَةَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ لا تَمْنَعُ صِحَّةَ الإيمانِ، وإنْ أوْجَبَتِ الهَلاكَ في الدُّنْيا، فَإنَّ سُنَّةَ اللَّهِ قاضِيَةٌ بِأنْ يَتَحَتَّمَ وُقُوعُ الهَلاكِ الدُّنْيَوِيِّ لِمَن رَأى هَذا العَذابَ، وإنْ آمَنَ ونَجا مِن عَذابِ الآخِرَةِ، إلّا قَوْمَ يُونُسَ، فَإنَّهُ تَعالى نَجّاهم مِنهُ، كَما ذَكَرَهُ تَعالى.
الأصْلُ الثّانِي- مِن أُصُولِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الكَلِمَةُ لا يَتَلَفَّظُ بِمادَّةِ الإيمانِ بِقَصْدِ الإيمانِ، وإنَّ تَلَفَّظَ بِها لا يَقْصِدُهُ، فَلا بُدَّ مِن تَكْذِيبِ اللَّهِ تَعالى لَهُ، ولَوْ بِالحِكايَةِ عَنْهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤] وكَما قالَ: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات: ١٤] فَكَذَّبَهم تَعالى في دَعْواهم. وهَذا الأصْلُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٧] فَكَلِمَةُ " حَتّى" لِلْغايَةِ، فَغَيّا تَعالى إيمانَهم إلى حِينِ رُؤْيَةِ العَذابِ الألِيمِ، وهو الأُخْرَوِيُّ لا غَيْرَ، فَإنَّهُ هو الَّذِي يُوصَفُ بِالألِيمِ. ونَفى تَعالى عَنْهم وُقُوعَ الإيمانِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَوُقُوعُهُ مِنهم قَبْلَهُ قَصْدًا، مُحالٌ بِنَصِّ هَذِهِ الآيَةِ.
إذا تَقَرَّرَ هَذانِ الأصْلانِ، فَلْنَرْجِعْ إلى ما قالَهُ هَذا الحَبْرُ في شَأْنِ فِرْعَوْنَ في (الفُتُوحاتِ المَكِّيَّةِ) وفي (الفُصُوصِ). فالَّذِي ذَكَرَهُ في (الفُتُوحاتِ) عِنْدَ ذِكْرِهِ طَبَقاتُ أهْلِ النّارِ فِيها: هو أنَّ فِرْعَوْنَ مِن أهْلِ النّارِ، حَيْثُ قالَ في هَذا البَحْثِ: كَفِرْعَوْنَ وأضْرابِهِ، فَخَصَّ لَهُ ولَهم مِنَ النّارِ طَبَقَةً مَخْصُوصَةً يُؤَبَّدُونَ فِيها. وأشارَ إلى كُفْرِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنها عِنْدَ ذِكْرِهِ هَذا الحَدِيثِ وهُوَ: ««أعُوذُ بِكَ مِنكَ»» قالَ: اسْتَعاذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن مَقامِ (p-٣٣٩٤)الِاتِّحادِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ وهو قَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] وعَلى هَذِهِ الإشارَةِ وما تَقَدَّمَ، يَكُونُ فِرْعَوْنُ كافِرًا عِنْدَهُ، كَما هو عِنْدَ عامَّةِ الخَلْقِ، وعَلى هَذا لا إشْكالَ ولا كَلامَ.
بَقِيَ القَوْلُ عَلى إيمانِ فِرْعَوْنَ ونَجاتِهِ مِن حَيْثُ الدَّلِيلُ، وهو مُجَرَّدُ بَحْثٍ مَعَ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلى كُفْرِهِ قَطْعِيًّا، ولَيْسَ لَهم هَذا القَطْعُ، لِما أنَّ الدَّلِيلَ القُرْآنِيَّ يُعْطِي خِلافَهُ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ﴾ [يونس: ٩٠] الآيَةَ، فَذَكَرَ فِرْعَوْنُ هُنا الإيمانَ ثَلاثَ مَرّاتٍ: اثْنَتانِ في الجَنابِ الإلَهِيِّ، والأخِيرَةُ تَعُمُّهُ، والإيمانُ بِمُوسى حَيْثُ قالَ: ﴿وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] ولَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا إلّا مَن جَمَعَ بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ.
ثُمَّ قالَ شَيْخُنا رَحِمَهُ اللَّهُ: وفي (الفُتُوحاتِ) و(الفُصُوصِ) ما حاصِلُهُ: أنَّ إيمانَهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ اليَأْسِ، لا عَلى مَذْهَبِهِ ومَذْهَبِ مَن وافَقَهُ، ولا عَلى مَذْهَبِ غَيْرِهِ. أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ إيمانَهُ كانَ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ، لا عِنْدَ احْتِضارِهِ، والإيمانُ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ لا يُعَدُّ يَأْسًا عِنْدَهُ، وعِنْدَ جَمْعٍ. وأمّا عَلى الثّانِي، فَلِأنَّ قَوْلَ فِرْعَوْنَ ما كانَ عِنْدَ يَأْسِهِ مِنَ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَإنَّهُ عَلِمَ أنَّ مَن آمَنَ بِما آمَنَ بِهِ قَوْمُ مُوسى كانَ لَهُ المُشارَكَةُ في الطَّرِيقِ اليُبْسِ الَّتِي كانَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقَدْ شارَكَهم في إيمانِهِمْ، فَكانَ الغالِبُ عَلى ظَنِّهِ أوْ يَقِينِهِ المُعامَلَةُ الخاصَّةُ بِالمُؤْمِنِينَ والمُشاهِدَةُ لَهُ، وما عَلِمَ سُنَّةَ اللَّهِ في خَلْقِهِ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الهَلاكِ الدُّنْيَوِيِّ لِمَن كانَتْ حالَتُهُ كَذَلِكَ، والهَلاكُ في الدُّنْيا لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ النَّجاةِ في الآخِرَةِ، وهو ظاهِرٌ. وعَلى هَذا فَإيمانُهُ لَمْ يَكُنْ حالَ اليَأْسِ عَلى المَذْهَبَيْنِ، فالأوَّلُ بِيَقِينٍ، والثّانِي بِحَسَبِ ما يَظْهَرُ، ولا بُعْدَ بِأنَّهُ كانَ طامِعًا في النَّجاةِ بِيَقِينٍ، لِعُمُومِ المُشارَكَةِ. هَذا، وإنَّ مَذْهَبَ هَذا العارِفِ الخاصِّ بِهِ هو البِناءُ عَلى اتِّساعِ الرَّحْمَةِ الإلَهِيَّةِ، والأخْذِ بِالظَّواهِرِ مِنَ الآياتِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمّا ذَكَرَ البَحْثَ في شَأْنِ إيمانِ فِرْعَوْنَ ونَجاتِهِ، مَعَ مَن قالَ بِخِلافِهِما، قالَ: إنَّ الوَقْفَ في شَأْنِ إيمانِ فِرْعَوْنَ هو الأسْلَمُ، لِما شاعَ عِنْدَ الخَلْقِ عامَّةً مِن شَقائِهِ، وهَذا مِنهُ صَرِيحٌ في أنَّهُ كانَ باحِثًا في إيمانِهِ ونَجاتِهِ مِن ظاهِرِ اللَّفْظِ القُرْآنِيِّ بَحْثًا، لا جازِمًا بِهِما -انْتَهى مُلَخَّصًا-.
(p-٣٣٩٥)ثُمَّ أنْبَأ تَعالى عَمّا أنْعَمَ بِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ إثْرَ نِعْمَةِ إنْجائِهِمْ مِن عَدُوِّهِمْ وإهْلاكِهِ، وإخْلالِهِمْ بِشُكْرِها وأداءِ حُقُوقِها بِقَوْلِهِ:
10:93Страница 219
وَلَقَدۡ بَوَّأۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدۡقٖ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ فَمَا ٱخۡتَلَفُواْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٩٣
Мы поселили сынов Исраила (Израиля) в славной стране и одарили их благами. Между ними не было разногласий, пока к ним не явилось знание. Воистину, в День воскресения твой Господь рассудит между ними в том, в чем они расходились во мнениях.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٣ ] ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ أُضِيفَ المَكانُ إلى الصِّدْقِ؛ لِأنَّ عادَةَ العَرَبِ إذا مَدَحَتْ شَيْئًا، أنْ تُضِيفَهُ إلى الصِّدْقِ، تَقُولُ: رَجُلُ صِدْقٍ. وقَدَمُ صِدْقٍ. وقالَ تَعالى: ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] و﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] إذا كانَ عامِلًا في صِفَةٍ صالِحًا لِلْغَرَضِ المَطْلُوبِ مِنهُ، كَأنَّهم لاحَظُوا أنَّ كُلَّ ما يَظُنُّ بِهِ فَهو صادِقٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ وهي المَنُّ والسَّلْوى في التِّيهِ وبَعْدَهُ، مِمّا فاضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأرْضِ الَّتِي تَدُرُّ لَبَنًا وعَسَلًا ﴿فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ أيْ ما تَفَرَّقُوا عَلى مَذاهِبَ شَتّى في أمْرِ دِينِهِمْ، إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ الحاسِمُ لِكُلِّ شُبْهَةٍ، وهو ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ الوَحْيِ، الَّذِي يَتْلُونَهُ. أيْ: وما كانَ حَقُّهم أنْ يَخْتَلِفُوا، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُمْ، وأزاحَ عَنْهُمُ اللَّبْسَ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في النَّعْيِ عَلَيْهِمُ اخْتِلافَهُمْ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] وقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [آل عمران: ١٩] وفِيهِ أكْبَرُ زاجِرٍ وأعْظَمُ واعِظٍ عَنْ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ، والتَّفَرُّقِ فِيهِ.
﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ فَيُمَيِّزُ المُحِقَّ مِنَ المُبْطِلِ بِالإنْجاءِ والإهْلاكِ.
10:94Страница 219
فَإِن كُنتَ فِي شَكّٖ مِّمَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ فَسۡـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقۡرَءُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكَۚ لَقَدۡ جَآءَكَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ٩٤
Если ты сомневаешься в том, что Мы ниспослали тебе, то спроси тех, кто начал читать Писание раньше тебя. Воистину, к тебе явилась истина от твоего Господа. Не будь же в числе тех, кто сомневается.
(p-٣٣٩٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٤ ] ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾
﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ﴾ مِن قِصَصِ مُوسى وفِرْعَوْنَ وبَنِي إسْرائِيلَ ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ فَإنَّهُ عِنْدَهم عَلى نَحْوِ ما أُوحِيَ إلَيْكَ ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ أيِ الشّاكِّينَ في أنَّهُ مُنْزَلٌ مِن عِنْدِهِ.
تَنْبِيهٌ:
لا يُفْهَمُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ثُبُوتُ شَكٍّ لَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَإنَّ صِدْقَ الشَّرْطِيَّةِ لا يَقْتَضِي وُقُوعَها، كَقَوْلِكَ. (إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا، كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ) والسِّرُّ في مِثْلِها تَكْثِيرُ الدَّلائِلِ وتَقْوِيَتِها، لِتَزْدادَ قُوَّةُ اليَقِينِ، وطُمَأْنِينَةِ القَلْبِ، وسُكُونِ الصَّدْرِ، ولِذا أكْثَرَ تَعالى في كِتابِهِ مِن تَقْرِيرِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والرَّجْعَةِ. أوِ السِّرُّ هو الِاسْتِدْلالُ عَلى تَحْقِيقِ ما قَصَّ، والِاسْتِشْهادُ بِما في الكِتابِ المُتَقَدِّمِ، وأنَّ القُرْآنَ مُصَدِّقٌ لِما فِيهِ، أوْ وصْفُ الأحْبارِ بِالرُّسُوخِ في العِلْمِ، بِصِحَّةِ ما أُنْزِلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ، أوْ تَهْيِيجُ الرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وتَحْرِيضُهُ لِيَزْدادَ يَقِينًا، كَما قالَ الخَلِيلُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] وقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ قالَ حِينَ نُزُولِ الآيَةِ: «لا أشُكُّ ولا أسْألُ»» أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ -أوِ الخِطابُ لَهُ ﷺ والمُرادُ غَيْرُهُ، عَلى حَدِّ: (إيّاكَ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ). وفِيهِ مِن قُوَّةِ التَّأْثِيرِ في القُلُوبِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، بِمَثابَةِ (p-٣٣٩٧)ما لَوْ خاطَبَ سُلْطانٌ عامِلًا لَهُ عَلى بَلْدَتِهِ بِحُضُورِ أهْلِها بِوَصاياهُ وأوامِرِهِ الرَّهِيبَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أفْعَلَ في النُّفُوسِ، أوِ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَسْمَعُ. أيْ: إنْ كُنْتَ أيُّها السّامِعُ في شَكٍّ مِمّا نَزَّلْنا عَلى لِسانِ نَبِيِّنا إلَيْكَ... وأيَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي﴾ [يونس: ١٠٤] فَكَأنَّهُ أشارَ إلى أنَّ المَذْكُورَ في أوَّلِ الآيَةِ رَمْزًا، هُمُ المَذْكُورُونَ بَعْدُ صَراحَةً، وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كُلَّ مَن خالَجَتْهُ شُبْهَةٌ في الدِّينِ يَنْبَغِي أنْ يُسارِعَ إلى حَلِّها بِمُقادَحَةِ العُلَماءِ المُنَبِّهِينَ عَلى الحَقِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
10:95Страница 219
وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٩٥
Не будь в числе тех, которые считают ложью знамения Аллаха, а не то окажешься одним из потерпевших убыток.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٥ ] ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ هو أيْضًا مِن بابِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ والتَّثْبِيتِ، وأجْرى بَعْضُهم ها هُنا قاعِدَةً، فَقالَ: النَّهْيُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، إنْ كانَ لِمَن تَلَبَّسَ بِهِ فَمَعْناهُ تَرْكُهُ، وإنْ كانَ لِغَيْرِهِ فَمَعْناهُ الثَّباتُ عَلى عَدَمِهِ، وألّا يَصْدُرَ مِنهُ في المُسْتَقْبَلِ كَما هُنا -انْتَهى- أوْ يَأْتِي الوَجْهانِ الأخِيرانِ قَبْلُ هُنا أيْضًا.
10:96–97Страница 219
إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتۡ عَلَيۡهِمۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ ٩٦
Воистину, те, о которых подтвердилось Слово Аллаха, не уверуют,
وَلَوۡ جَآءَتۡهُمۡ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٩٧
пока их не постигнут мучительные страдания, даже если им явятся любые знамения.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٦ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [ ٩٧ ] ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٧]
﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أيْ قَوْلُهُ الكَرِيمُ، وأمْرُهُ بِعَذابِهِمْ، كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٧] أيْ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وأضْرابِهِمْ. أيْ: وعِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ يَرْتَفِعُ التَّكْلِيفُ فَلا يَنْفَعُهم إيمانُهم.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии