Аль-КасимиЮсуф · 12:108–110

Аль-Касими · Тафсир · на арабском

Юсуф 12:108–110

12:108Страница 248

قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٠٨

Скажи: «Таков мой путь. Я и мои последователи призываем к Аллаху согласно убеждению. Пречист Аллах, и я не являюсь одним из многобожников».

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠٨ ] ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أيْ هَذِهِ السَّبِيلُ، الَّتِي هي الدَّعْوَةُ إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ، سَبِيلِي، أيْ طَرِيقِي ومَسْلَكِي وسُنَّتِي. والسَّبِيلُ والطَّرِيقُ يُذَكَّرانِ ويُؤَنَّثانِ. ثُمَّ فَسَّرَ سَبِيلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾ أيْ: إلى دِينِهِ وتَوْحِيدِهِ، ومَعْرِفَتِهِ بِصِفاتِ كَمالِهِ، ونُعُوتِ جَلالِهِ: ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أيْ: مَعَ حُجَّةٍ واضِحَةٍ، غَيْرِ عَمْياءَ ﴿أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ أيْ: آمَنَ بِي، يَدْعُونَ إلى اللَّهِ أيْضًا عَلى بَصِيرَةٍ، لا عَلى هَوًى. ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ﴾ أيْ: وأُنَزِّهُهُ (p-٣٦١١)وأُجِلُّهُ وأُقَدِّسُهُ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ، أوْ نِدٌّ أوْ كُفْءٌ أوْ ولَدٌ أوْ صاحِبَةٌ، تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: عَلى دِينِهِمْ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ السَّمِينُ ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وهو الظّاهِرُ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الياءِ، و﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ " أدْعُو" . أيْ: أدْعُو كائِنًا عَلى بَصِيرَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ عَطْفٌ عَلى فاعِلِ " أدْعُو" ولِذَلِكَ أكَّدَ بِالضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ومَنِ اتَّبَعَنِي يَدْعُو أيْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ خَبَرًا مُقَدَّمًا، و" أنا" مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا و" مَنِ اتَّبَعَنِي" عَطْفٌ عَلَيْهِ، ومَفْعُولُ " أدْعُو" إمّا مَنوِيٌّ، أيِ النّاسُ، أوْ مَنسِيٌّ.

الثّانِي: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ عَلى مَزِيَّةِ هَذا الدِّينِ الحَنِيفِ، ونَهْجِهِ الَّذِي انْفَرَدَ بِهِ، وهو أنَّهُ لَمْ يَطْلُبِ التَّسْلِيمَ بِهِ لِمُجَرَّدِ أنَّهُ جاءَ بِحِكايَتِهِ، ولَكِنَّهُ ادَّعى وبَرْهَنَ وحَكى مَذاهِبَ المُخالِفِينَ، وكَرَّ عَلَيْها بِالحُجَّةِ، وخاطَبَ العَقْلَ، واسْتَنْهَضَ الفِكْرَ، وعَرَضَ نِظامَ الأكْوانِ، وما فِيها مِنَ الإحْكامِ والإتْقانِ، عَلى أنْظارِ العُقُولِ، وطالَبَها بِالإمْعانِ فِيها لِتَصِلَ بِذَلِكَ إلى اليَقِينِ بِصِحَّةِ ما ادَّعاهُ ودَعا إلَيْهِ -انْظُرْ (رِسالَةَ التَّوْحِيدِ) في تَتِمَّةِ ذَلِكَ.

الثّالِثُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ سِيرَةَ أتْباعِهِ ﷺ، الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ.

قالَ الرّازِيُّ: كُلُّ مَن ذَكَرَ الحُجَّةَ، وأجابَ عَنِ الشُّبْهَةِ؛ فَقَدْ دَعا بِمِقْدارِ وُسْعِهِ إلى اللَّهِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الدُّعاءَ إلى اللَّهِ تَعالى إنَّما يَحْسُنُ ويَجُوزُ مَعَ هَذا الشَّرْطِ، وهو أنْ يَكُونَ عَلى بَصِيرَةٍ مِمّا يَقُولُ، وعَلى هُدًى ويَقِينٍ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَهو مَحْضُ الغُرُورِ. انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ إنَّما هي بِنَشْرِ مَطالِبِ الدِّينِ، وإذاعَةِ آدابِهِ وتَعْلِيمِهِ.

قالَ بَعْضُهُمْ: يَنْبَغِي لِلْعالَمِ أنْ يَكُونَ حَدِيثُهُ مَعَ العامَّةِ، في حالِ مُخالَطَتِهِ ومُجالَسَتِهِ لَهُمْ، في بَيانِ الواجِباتِ والمُحَرَّماتِ، ونَوافِلِ الطّاعاتِ، وذِكْرِ الثَّوابِ والعِقابِ، عَلى الإحْسانِ (p-٣٦١٢)والإساءَةِ. ويَكُونُ كَلامُهُ مَعَهم بِعِبارَةٍ قَرِيبَةٍ واضِحَةٍ يَعْرِفُونَها ويَفْهَمُونَها، ويَزِيدُ بَيانًا لِلْأُمُورِ الَّتِي يَعْلَمُ أنَّهم مُلابِسُونَ لَها، ولا يَسْكُتُ حَتّى يَسْألَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ العِلْمِ، وهو يَعْلَمُ أنَّهم مُحْتاجُونَ إلَيْهِ، ومُضْطَرُّونَ إلَيْهِ، فَإنَّ عِلْمَهُ بِذَلِكَ سُؤالٌ مِنهم بِلِسانِ الحالِ. والعامَّةُ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِمُ التَّساهُلُ بِأمْرِ الدِّينِ، عِلْمًا وعَمَلًا، فَلا يَنْبَغِي لِلْعُلَماءِ أنْ يُساعِدُوهم عَلى ذَلِكَ بِالسُّكُوتِ عَنْ تَعْلِيمِهِمْ وإرْشادِهِمْ، فَيَعُمُّ الهَلاكُ، ويَعْظُمُ البَلاءُ. وقَلَّما تَخْتَبِرُ عامِّيًّا -وأكْثَرُ النّاسِ عامَّةٌ- إلّا وجَدْتَهُ جاهِلًا بِالواجِباتِ والمُحَرَّماتِ، وبِأُمُورِ الدِّينِ الَّتِي لا يَجُوزُ ولا يَسُوغُ الجَهْلُ بِشَيْءٍ مِنها. وإنْ لَمْ يُوجَدْ جاهِلًا بِالكُلِّ، وُجِدَ جاهِلًا بِالبَعْضِ. وإنْ عَلِمَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وجَدْتَ عِلْمَهُ بِهِ عِلْمًا مَسْمُوعًا مِن ألْسِنَةِ النّاسِ، لَوْ أرَدْتَ أنْ تَقْلِبَهُ لَهُ جَهْلًا فَعَلْتَ ذَلِكَ بِأيْسَرِ مَؤُونَةٍ، لِعَدَمِ الأصْلِ والصِّحَّةِ فِيما يَعْلَمُهُ. وعَلى الجُمْلَةِ، فَيَتَأكَّدُ عَلى العُلَماءِ أنْ يُجالِسُوا النّاسَ بِالعِلْمِ، ويُحَدِّثُوهم بِهِ، ويَبُثُّوهُ لَهُمْ، ويَكُونُ كَلامُ العالِمِ مَعَهم في بَيانِ الأمْرِ الَّذِي جاؤُوا مِن أجْلِهِ، مِثْلَ ما إذا جاؤُوا لِعَقْدِ نِكاحٍ، يَكُونُ كَلامُهُ مَعَهم فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ النِّساءِ مِنَ الصَّداقِ والنَّفَقَةِ والمُعاشَرَةِ بِالمَعْرُوفِ. أوْ لِعَقْدِ بَيْعٍ، يَكُونُ كَلامُهُ في صَحِيحِ البُيُوعِ وآدابِها، وفَوائِدِ التِّجارَةِ النّافِعَةِ، واجْتِنابِ الغِشِّ والخِداعِ وهَكَذا. ولا يَنْبَغِي لِلْعالِمِ أنْ يَخُوضَ مَعَ الخائِضِينَ، ولا أنْ يَصْرِفَ شَيْئًا مِن أوْقاتِهِ في غَيْرِ إقامَةِ الدِّينِ. وبِالسُّكُوتِ عَنِ التَّذْكِيرِ والتَّعْلِيمِ، يَغْلِبُ الفَسادُ، ويَعُمُّ الضَّرَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

12:109Страница 248

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰٓۗ أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۗ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٠٩

До тебя Мы направляли посланниками только мужей из селений, которым мы внушали откровение. Разве они не странствовали по земле и не видели, каким был конец тех, которые жили до них? Воистину, обитель в Последней жизни лучше для богобоязненных. Неужели они не разумеют?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠٩ ] ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أفَلا تَعْقِلُونَ﴾

﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ أيْ لا مَلائِكَةَ (p-٣٦١٣)مِن أهْلِ السَّماءِ، رَدٌّ لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا لأنْـزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤] وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وما كانُوا خالِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] الآيَةَ.

واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا رِجالا﴾ عَلى أنَّهُ لَمْ يَنْتَظِمْ في سِلْكِ النُّبُوَّةِ امْرَأةٌ.

والقُرى: جَمْعُ قَرْيَةٍ، وهي عَلى ما في (القامُوسِ): المَصْرُ الجامِعُ، وفي (كِفايَةِ المُتَحَفِّظِ): القَرْيَةُ كُلُّ مَكانٍ اتَّصَلَتْ بِهِ الأبْنِيَةُ، واتَّخَذَ قَرارًا. وتَقَعُ عَلى المُدُنِ وغَيْرِهِما. انْتَهى.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والمُرادُ بِالقُرى هُنا المُدُنُ. أيْ: لا أنَّهم مِن أهْلِ البَوادِي الَّذِينَ هم أجْفى النّاسِ طِباعًا وأخْلاقًا. وهَذا هو المَعْهُودُ المَعْرُوفُ: أنَّ أهْلَ المُدُنِ أرَقُّ طِباعًا، وألْطَفُ مِن أهْلِ بِوادِيهِمْ. وأهْلُ الرِّيفِ والسَّوادِ أقْرَبُ حالًا مِنَ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ في البَوادِي. ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ [التوبة: ٩٧] الآيَةَ.

قالَ قَتادَةُ: إنَّما كانُوا مِن أهْلِ القُرى؛ لِأنَّهم أعْلَمُ وأحْلَمُ مِن أهْلِ العُمُورِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ المُكَذِّبُونَ، ﴿فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ أيْ نَظَرُ تَفَكُّرٍ ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ [الحج: ٤٦] الآيَةَ، فَإذا اسْتَمَعُوا خَبَرَ ذَلِكَ؛ رَأوْا أنَّ اللَّهَ أهْلَكَ الكافِرِينَ، ونَجّى المُؤْمِنِينَ. وهَذِهِ كانَتْ سُنَّتَهُ تَعالى في خَلْقِهِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ: الشِّرْكَ والفَواحِشَ، وآمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ وكُتُبِهِ.

(p-٣٦١٤)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: وكَما نَجَّيْنا المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، كَذَلِكَ كَتَبْنا لَهُمُ النَّجاةَ في الدّارِ الآخِرَةِ، وهي خَيْرٌ لَهم مِنَ الدُّنْيا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١]

﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ تَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَكُمْ، فَتَعْلَمُوا أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ، أوْ تَعْلَمُوا كَيْفَ عاقِبَةُ أُولَئِكَ.

12:110Страница 248

حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسۡتَيۡـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُواْ جَآءَهُمۡ نَصۡرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُۖ وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُنَا عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١١٠

Когда же посланники приходили в отчаяние и понимали, что их сочли лжецами, к ним приходила Наша помощь, и спасались те, кого Мы хотели спасти. Наше наказание нельзя отвратить от грешных людей!

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ العاقِبَةَ لِرُسُلِهِ، وأنَّ نَصْرَهُ يَأْتِيهِمْ إذا تَمادى تَكْذِيبُهُمْ، تَثْبِيتًا لِفُؤادِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٠ ] ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ ولا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾

﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ أيْ: مِن إجابَةِ قَوْمِهِمْ ﴿وظَنُّوا﴾ أيْ: عَلِمُوا وتَيَقَّنُوا، يَعْنِي: الرُّسُلَ ﴿أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا﴾ يُقْرَأُ (كُذِّبُوا) بِضَمِّ الكافِ وتَشْدِيدِ الذّالِ. أيْ: كَذَّبَهم قَوْمُهم بِما جاءُوا بِهِ؛ لِطُولِ البَلاءِ عَلَيْهِمْ. ويُقْرَأُ بِضَمِّ الكافِ وتَخْفِيفِ الذّالِ، فالضَّمِيرُ في ﴿ظَنُّوا﴾ [الجن: ٧] -عَلى ما اخْتارُوهُ- لِلْقَوْمِ. أيْ: ظَنُّوا أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كُذِّبُوا. أيْ: ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ النَّصْرِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الضَّمِيرَ لِلرُّسُلِ. أيْ: وظَنُّوا حِينَ ضَعُفُوا وغُلِبُوا أنَّهم قَدْ أُخْلِفُوا ما وعَدَهُمُ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ. وقالَ: كانُوا بَشَرًا، وتَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] وقَدِ اسْتَشْكَلُوهُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، وتَأوَّلُوا لِكَلامِهِ وُجُوهًا.

(p-٣٦١٥)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ بِالظَّنِّ ما يَخْطُرُ بِالبالِ، ويَهْجِسُ في القَلْبِ، مِن شُبَهِ الوَسْوَسَةِ، وحَدِيثِ النَّفْسِ، عَلى ما عَلَيْهِ البَشَرِيَّةُ. انْتَهى.

وقِيلَ: المُرادُ بِظَنِّهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ذَلِكَ؛ المُبالَغَةُ في التَّراخِي والإمْهالِ، عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، بِأنْ شَبَّهَ المُبالَغَةَ في التَّراخِي بِظَنِّ الكَذِبِ، بِاعْتِبارِ اسْتِلْزامِ كُلٍّ مِنهُما؛ لِعَدَمِ تَرَتُّبِ المَطْلُوبِ، فاسْتُعْمِلَ ما لِأحَدِهِما لِلْآخَرِ.

وقالَ الخَطّابِيُّ: لا شَكَّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ لا يُجِيزُ عَلى الرُّسُلِ أنَّها تُكْذَبُ بِالوَحْيِ، ولا تَشُكُّ في صِدْقِ المُخْبِرِ، فَيُحْمَلُ كَلامُهُ عَلى أنَّهُ أرادَ أنَّهُمْ، لِطُولِ البَلاءِ عَلَيْهِمْ، وإبْطاءِ النَّصْرِ، وشِدَّةِ اسْتِنْجازِ ما وُعِدُوا بِهِ- تَوَهَّمُوا أنَّ الَّذِي جاءَهم مِنَ الوَحْيِ كانَ حُسْبانًا مِن أنْفُسِهِمْ، وظَنُّوا عَلَيْها الغَلَطَ في تَلَقِّي ما ورَدَ عَلَيْهِمْ مِن ذَلِكَ، فَيَكُونُ الَّذِي بُنِيَ لَهُ الفِعْلُ أنْفُسَهُمْ، لا الآتِيَ بِالوَحْيِ. والمُرادُ بِـ (الكَذِبِ): الغَلَطُ، لا حَقِيقَةُ الكَذِبِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: كَذَّبَتْكَ نَفْسُكَ.

قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مُجاهِدٍ: ((وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كَذَبُوا)) بِفَتْحِ أوَّلِهِ مَعَ التَّخْفِيفِ أيْ: غَلِطُوا. ويَكُونُ فاعِلُ (وظَنُّوا) الرُّسُلَ.

وقالَ أبُو نَصْرٍ القُشَيْرِيُّ: ولا يَبْعُدُ أنَّ المُرادَ خَطَرَ بِقَلْبِ الرُّسُلِ، فَصَرَفُوهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ. أوِ المَعْنى: قَرُبُوا مِنَ الظَّنِّ، كَما يُقالُ: بَلَغْتُ المَنزِلَ، إذا قَرُبْتَ مِنهُ.

وقالَ التِّرْمِذِيُّ الحَكِيمُ: وجْهُهُ: أنَّ الرُّسُلَ كانَتْ تَخافُ بَعْدَ أنْ وعَدَهُمُ اللَّهُ النَّصْرَ؛ أنْ يَتَخَلَّفَ النَّصْرُ، لا مِن تُهْمَةٍ بِوَعْدِ اللَّهِ، بَلْ لِتُهْمَةِ النُّفُوسِ أنْ تَكُونَ قَدْ أحْدَثَتْ حَدَثًا يَنْقُضُ ذَلِكَ الشَّرْطَ، فَكانَ الأمْرُ إذا طالَ، واشْتَدَّ البَلاءُ عَلَيْهِمْ؛ دَخَلَهُمُ الظَّنُّ مِن هَذِهِ الجِهَةِ.

وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّهُ قالَ: ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ غَيْرُ مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ، وأنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِهِ، بَلْ تُؤُوِّلُ عَلَيْهِ.

(p-٣٦١٦)قالَ ابْنُ حَجَرٍ: وعَجَبٌ لِابْنِ الأنْبارِيِّ في جَزْمِهِ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ ثُمَّ لِلزَّمَخْشَرِيِّ في تَوَقُّفِهِ عَنْ صِحَّةِ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَإنَّهُ صَحَّ عَنْهُ، أيْ: فَرَواهُ البُخارِيُّ في تَفْسِيرِ البَقَرَةِ بِلَفْظِ: ذَهَبَ بِها هُناكَ، وأشارَ إلى السَّماءِ، وزادَ الإسْماعِيلِيُّ عَنْهُ: كانُوا بَشَرًا ضَعُفُوا وأيِسُوا وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كَذَّبُوا.

ورَوى البُخارِيُّ أنَّ عائِشَةَ كانَتْ تُقْرَأُ (كَذَّبُوا) مُشَدَّدَةً، وتَتَأوَّلُها عَلى المَعْنى الأوَّلِ، وأنَّ عُرْوَةَ قالَ لَها: لَعَلَّها (كَذَبُوا) مُخَفَّفَةٌ، فَقالَتْ: مَعاذَ اللَّهِ!.

قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وهَذا ظاهِرٌ في أنَّها أنْكَرَتِ القِراءَةَ بِالتَّخْفِيفِ، ولَعَلَّها لَمْ تَبْلُغْها مِمَّنْ يَرْجِعُ إلَيْهِ في ذَلِكَ، وقَدْ قَرَأها بِالتَّخْفِيفِ أئِمَّةُ الكُوفَةِ مِنَ القُرّاءِ: عاصِمٌ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ. ووافَقَهم مِنَ الحِجازِيِّينَ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ. وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلْمِيِّ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في آخَرِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ﴾ وهُمُ الرُّسُلُ والمُؤْمِنُونَ بِهِمْ. وقُرِئَ (فَنُنْجِي) بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ. وقُرِئَ (فَنَجا).

﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُنا﴾ أيْ: عَذابُنا. ﴿عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: إذا نَزَلَ بِهِمْ.

وفِيهِ بَيانُ مَن شاءَ اللَّهُ نَجاتَهُمْ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ مِنَ المُقابَلَةِ أنَّهم مَن لَيْسُوا بِمُجْرِمِينَ، وهم مَن تَقَدَّمَ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English