Аль-Касими · Тафсир · на арабском
النحل
Ан-Нахль
Пчелы · Мекканская · 128 аятов
16:1Страница 267
أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١
Веление Аллаха придет, и не пытайтесь это ускорить. Преславен Он и превыше того, что они приобщают в сотоварищи!
(p-٣٧٧٦)سُورَةُ اَلنَّحْلِ
سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِها عَلى قَوْلِهِ تَعالى: وأوْحى رَبُّكَ إلى اَلنَّحْلِ، اَلْمُشِيرِ إلى أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُلْهِمَ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَعْضَ خَواصِّ عِبادِهِ، أنْ يَسْتَخْرِجُوا اَلْفَوائِدَ اَلْحُلْوَةَ اَلشّافِيَةَ مِن هَذا اَلْكِتابِ. بِحَمْلِ كَلِماتِهِ عَلى مَواضِعِ اَلشَّرَفِ. وعَلى اَلْمَعانِي اَلْمُثْمِرَةِ، وعَلى اَلتَّصَرُّفاتِ اَلْعالِيَةِ. مَعَ تَحْصِيلِ اَلْأخْلاقِ اَلْفاضِلَةِ وسُلُوكِ سَبِيلِ اَلتَّصْفِيَةِ والتَّزْكِيَةِ. وهَذا أكْمَلُ ما يُعْرَفُ بِهِ فَضائِلُ اَلْقُرْآنِ ويُدْرَكُ بِهِ مَقاصِدُهُ. قالَهُ المَهايِمِيُّ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: تَسْمِيَةُ اَلسُّورَةِ بِذَلِكَ تَسْمِيَةً بِالأمْرِ اَلْمُهِمِّ. لِيَتُفَطَّنَ اَلْغَرَضُ اَلَّذِي يُرْمى إلَيْهِ. كَـ (الجُمُعَةِ) لِأهَمِيَّةِ اَلِاجْتِماعِ اَلْأُسْبُوعِيِّ وما يَنْجُمُ عَنْهُ مِن مَصالِحِ اَلْأُمُورِ اَلْعامَّةِ، والحَدِيدِ لِمَنافِعِهِ اَلْعَظِيمَةِ. و(النَّحْلِ) . و(العَنْكَبُوتِ) . و(النَّمْلِ) . لِلتَّفَطُّنِ لِصِغارِ اَلْحَيَواناتِ اَلْحَكِيمَةِ اَلصَّنائِعِ. وهَكَذا. وسَيَأْتِي طَرَفٌ مِن حِكْمَةِ اَلنَّحْلِ وأسْرارِهِ عِنْدَ آيَتِهِ في هَذِهِ اَلسُّورَةِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. واسْتَثْنى اِبْنُ عَبّاسٍ آخِرَها. وعَنِ اَلشَّعْبِيِّ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: وإنْ عاقَبْتُمُ، اَلْآياتِ وعَنِ اَلشَّعْبِيِّ: إلّا قَوْلَهُ تَعالى: واَلَّذِينَ هاجَرُوا في اَللَّهِ، اَلْآياتِ. وآياتُها مِائَةٌ وثَمانٌ وعِشْرُونَ.
وعَنْ قَتادَةَ: تُسَمّى سُورَةَ اَلنِّعَمِ. وذَلِكَ لِما عَدَّدَ اَللَّهُ فِيها مِنَ اَلنِّعَمِ عَلى عِبادِهِ.
(p-٣٧٧٧)بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١] ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .
﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تَقَرَّرَ في غَيْرِ ما آيَةٍ، أنَّ اَلْمُشْرِكِينَ كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ ما وُعِدُوا مِن قِيامِ اَلسّاعَةِ أوْ إهْلاكِهِمْ، كَما فُعِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، اِسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا بِالوَعْدِ. فَقِيلَ لَهم: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ: ما تُوعَدُونَهُ مِمّا ذُكِرَ. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِـ: { أمْرُ اَللَّهِ }؛ لِلتَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ. ولِلْإيذانِ بِأنَّ تَحَقُّقَهُ في نَفْسِهِ وإتْيانَهُ مَنُوطٌ بِحُكْمِهِ اَلنّافِذِ وقَضائِهِ اَلْغالِبِ. وإتْيانُهُ عِبارَةٌ عَنْ دُنُوِّهِ واقْتِرابِهِ، عَلى طَرِيقَةِ نَظْمِ اَلْمُتَوَقَّعِ في سَلْكِ اَلْواقِعِ. أوْ عَنْ إتْيانِ مَبادِيهِ اَلْقَرِيبَةِ، عَلى نَهْجِ إسْنادِ حالِ اَلْأسْبابِ إلى اَلْمُسَبِّباتِ. والآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] وقَوْلِهِ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١] وقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ بِهِ غَيْرَهُ، وعِبادَتِهِمْ مَعَهُ ما سِواهُ، مِنَ اَلْأوْثانِ والأنْدادِ، اَلَّذِي أفْضى بِهِمْ إلى اَلِاسْتِهْزاءِ والعِنادِ، واعْتِقادِهِمْ أنَّها شُفَعاؤُهم إذا جاءَ اَلْمِيعادُ.
16:2Страница 267
يُنَزِّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرُوٓاْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ ٢
Он ниспосылает ангелов с духом (откровением) по Своему велению тому из Своих рабов, кому пожелает: «Предостерегайте тем, что нет божества, кроме Меня. Бойтесь же Меня».
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢] ﴿يُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاتَّقُونِ﴾ .
﴿يُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاتَّقُونِ﴾ (p-٣٧٧٨)رَدٌّ لِاسْتِبْعادِهِمُ اَلنُّبُوَّةَ، بِأنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ لَهُ تَعالى. ولِذا ذَكَرَ صِيغَةَ اَلِاسْتِقْبالِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا ومِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] والرُّوحُ هو اَلْوَحْيُ، اَلَّذِي مِن جُمْلَتِهِ اَلْقُرْآنُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشورى: ٥٢] والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالرُّوحِ عَلى نَهْجِ اَلِاسْتِعارَةِ. فَإنَّهُ يُحْيِي اَلْقُلُوبَ اَلْمَيِّتَةَ بِالجَهْلِ. و: ﴿مِن أمْرِهِ﴾ بَيانٌ لِلرُّوحِ، أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ صِفَةٌ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يُنَزِّلُ) و( مِن) لِلسَّبَبِيَّةِ. و: ﴿أنْ أنْذِرُوا﴾ بَدَلٌ مِنَ اَلرُّوحِ. أيْ: أخْبِرُوهم بِالتَّوْحِيدِ والتَّقْوى. فَقَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُونِ﴾ مِن جُمْلَةِ اَلْمُنْذَرِ بِهِ. أوْ هو خِطابٌ لِلْمُسْتَعْجِلِينَ، عَلى طَرِيقَةِ اَلِالتِفاتِ، والفاءُ فَصِيحَةٌ، أيْ: إذا كانَتْ سُنَّتُهُ تَعالى ذَلِكَ، فاتَّقَوْنِ، بِما يُنافِيهِ مِنَ اَلْإشْراكِ وفُرُوعَهُ مِنَ اَلِاسْتِعْجالِ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، بِما ذُكِرَ، مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، مِن خَلْقِ اَلسَّماواتِ والأرْضِ، وخَلْقِ اَلْإنْسانِ وما يُصْلِحُهُ، وما لا بُدَّ لَهُ مِنهُ مِن خَلْقِ اَلْبَهائِمِ لِأكْلِهِ ورُكُوبِهِ، وجَرِّ أثْقالِهِ وسائِرِ حاجاتِهِ، وخَلْقِ ما لا يَعْلَمُونَ مِن أصْنافِ خَلائِقِهِ. ومِثْلُهُ مُتَعالٍ عَنْ أنْ يُشْرَكَ بِهِ غَيْرُهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
(p-٣٧٧٩)
16:3–6Страница 267
خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ تَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣
Он сотворил небеса и землю ради истины. Он превыше тех, кого они приобщают в сотоварищи!
خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ ٤
Он сотворил человека из капли, и после этого тот открыто пререкается.
وَٱلۡأَنۡعَٰمَ خَلَقَهَاۖ لَكُمۡ فِيهَا دِفۡءٞ وَمَنَٰفِعُ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٥
Он также сотворил скот, который приносит вам тепло и пользу. Вы также употребляете его в пищу.
وَلَكُمۡ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسۡرَحُونَ ٦
Они украшают вас, когда вы пригоняете их обратно вечерами и выводите на пастбище по утрам.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣-٦] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤] ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] .
﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالحِكْمَةِ، كَما تَقَدَّمَ: ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ [النحل: ٤] أيْ: مُهِينَةٍ ضَعِيفَةٍ: ﴿فَإذا هُوَ﴾ [النحل: ٤] بَعْدَ تَكامُلِهِ بَشَرًا: ﴿خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤] أيْ: مُخاصِمٌ لِخالِقِهِ مُجادِلٌ، يَجْحَدُ وحْدانِيَّتَهُ ويُحارِبُ رُسُلَهُ. وهو إنَّما خُلِقَ لِيَكُونَ عَبْدًا لا ضِدًّا.
﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ﴾ [النحل: ٥] أيْ: لِمَصالِحِكم، وهي اَلْأزْواجُ اَلثَّمانِيَةُ اَلْمُفَصَّلَةُ في سُورَةِ اَلْأنْعامِ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وأكْثَرُ ما تَقَعُ عَلى اَلْإبِلِ.
﴿فِيها دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] أيْ: ما يُدْفِئُ، أيْ: يُسَخَّنُ بِهِ مِن صُوفٍ أوْ وبَرٍ أوْ شَعْرٍ، فَيَقِي اَلْبَرْدَ ﴿ومَنافِعُ﴾ [النحل: ٥] أيْ: مِن نَسْلِها ودَرِّها ورُكُوبِ ظَهْرِها: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾ [النحل: ٦] أيْ: زِينَةٌ: ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ [النحل: ٦] أيْ: تَرُدُّونَها مِن مَراعِيها إلى مُراحِها (بِضَمِّ اَلْمِيمِ) وهو مَقَرُّها في دُورِ أهْلِها بِالعَشِيِّ: ﴿وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] أيْ: تُخْرِجُونَها بِالغَداةِ إلى اَلْمَراعِي.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: مَنَّ اَللَّهُ بِالتَّجَمُّلِ بِها كَما مَنَّ بِالِانْتِفاعِ بِها؛ لِأنَّهُ مِن أغْراضِ أصْحابِ اَلْمَواشِي، بَلْ هو مِن مَعاظِمِها؛ لِأنَّ اَلرُّعْيانَ، إذا رَوَّحُوها بِالعَشِيِّ، وسَرَّحُوها بِالغَداةِ، فَزَيَّنَتْ بِإراحَتِها وتَسْرِيحِها اَلْأفْنِيَةَ، وتَجاوَبَ فِيها اَلثُّغاءُ والرُّغاءُ؛ أنْسَتْ أهْلُها وفَرِحَتْ أرْبابُها، وأجْلَتْهم في عُيُونِ اَلنّاظِرِينَ إلَيْها، وكَسَبَتْهُمُ اَلْجاهَ والحُرْمَةَ عِنْدَ اَلنّاسِ. ونَحْوُهُ: ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ﴿يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦]
(p-٣٧٨٠)فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قُدِّمَتِ اَلْإراحَةُ عَلى اَلتَّسْرِيحِ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ اَلْجَمالَ في اَلْإراحَةِ أظْهَرُ، إذا أقْبَلَتْ، مَلْأى اَلْبُطُونِ، حافِلَةَ اَلضُّرُوعِ، ثُمَّ أوَتْ إلى اَلْحَظائِرِ لِأهْلِها. اِنْتَهى.
ثُمَّ أشارَ إلى فائِدَةٍ جامِعَةٍ لِلْحاجَةِ والزِّينَةِ فَقالَ:
16:7–8Страница 268
وَتَحۡمِلُ أَثۡقَالَكُمۡ إِلَىٰ بَلَدٖ لَّمۡ تَكُونُواْ بَٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلۡأَنفُسِۚ إِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٧
Они перевозят ваши грузы в края, достичь которых вы могли бы только ценой больших усилий. Воистину, Господь ваш - Сострадательный, Милосердный.
وَٱلۡخَيۡلَ وَٱلۡبِغَالَ وَٱلۡحَمِيرَ لِتَرۡكَبُوهَا وَزِينَةٗۚ وَيَخۡلُقُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨
Он сотворил коней, мулов и ослов, чтобы вы ездили на них верхом и для украшения. Он творит также то, о чем вы не ведаете.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧-٨] ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] .
﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكُمْ﴾ أيْ: أحْمالَكم: ﴿إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ بِكَسْرِ اَلشِّينِ اَلْمُعْجَمَةِ وفَتْحِها، قِراءَتانِ، وهُما لُغَتانِ في مَعْنى (اَلْمَشَقَّةِ) أيْ: لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ بِأنْفُسِكم إلّا بِجُهْدٍ ومَشَقَّةٍ، فَضْلًا عَنْ أنْ تَحْمِلُوا عَلى ظُهُورِكم أثْقالَكم: ﴿إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: حَيْثُ سَخَّرَها لِمَنافِعِكم.
ثُمَّ أشارَ إلى ما هو أتَمُّ في دَفْعِ اَلْمَشَقَّةِ وإفادَةِ اَلزِّينَةِ، فَقالَ:
﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ﴾ [النحل: ٨] عَطَفَ عَلى (اَلْأنْعامَ): ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨] عَطْفَ مَحَلٍّ (لِتَرْكَبُوها) فَهي مَفْعُولٌ لَهُ، أوْ مَصْدَرٌ لِمَحْذُوفٍ. أيْ: وتَتَزَيَّنُوا بِها زِينَةً، أوْ مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ اَلْحالِ مِن فاعِلِ (تَرْكَبُوها) أوْ مَفْعُولِهِ. أيْ: مُتَزَيِّنِينَ بِها، أوْ مُتَزَيِّنًا بِها. وسِرُّ اَلتَّصْرِيحِ بِاللّامِ في اَلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، دُونَ اَلْمَعْطُوفِ؛ هو اَلْإشارَةُ إلى أنَّ اَلْمَقْصُودَ اَلْمُعْتَبَرُ اَلْأصْلِيُّ في اَلْأصْنافِ؛ هو اَلرُّكُوبُ. وأمّا اَلتَّزَيُّنُ بِها فَأمْرٌ تابِعٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ قَصْدَ اَلرُّكُوبِ. فاقْتَرَنَ اَلْمَقْصُودُ اَلْمُهِمُّ بِاللّامِ اَلْمُفِيدَةِ لِلتَّعْلِيلِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أهَمُّ اَلْغَرَضَيْنِ وأقْوى اَلسَّبَبَيْنِ. وتَجَرَّدَ اَلتَّزَيُّنُ مِنها تَنْبِيهًا عَلى تَبَعِيَّتِهِ أوْ قُصُورِهِ عَنِ اَلرُّكُوبِ. واَللَّهُ أعْلَمُ. كَذا في (اَلِانْتِصافِ) .
تَنْبِيهٌ:
اِسْتَدَلَّ بِهَذِهِ اَلْآيَةِ اَلْقائِلُونَ بِتَحْرِيمِ لُحُومِ اَلْخَيْلِ، قائِلِينَ بِأنَّ اَلتَّعْلِيلَ بِالرُّكُوبِ يَدُلُّ عَلى (p-٣٧٨١)أنَّها مَخْلُوقَةٌ لِهَذِهِ اَلْمَصْلَحَةِ دُونَ غَيْرِها. قالُوا: ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ إفْرادُ هَذِهِ اَلْأنْواعِ اَلثَّلاثَةِ بِالذِّكْرِ وإخْراجُها عَنِ اَلْأنْعامِ. فَيُفِيدُ ذَلِكَ اِتِّحادَ حُكْمِها في تَحْرِيمِ اَلْأكْلِ. قالُوا: ولَوْ كانَ أكْلُ اَلْخَيْلِ جائِزًا؛ لَكانَ ذِكْرُهُ والِامْتِنانُ بِهِ أوْلى مِن ذِكْرِ اَلرُّكُوبِ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ فائِدَةً مِنهُ. وأجابَ اَلْمُجَوِّزُونَ لِأكْلِها، بِأنَّهُ لا حُجَّةَ في اَلتَّعْلِيلِ بِالرُّكُوبِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ ما هو اَلْأغْلَبُ مِن مَنافِعِها لا يُنافِي غُيْرَهُ.
ولا نُسَلِّمُ أنَّ اَلْأكْلَ أكْثَرُ فائِدَةٍ مِنَ اَلرُّكُوبِ حَتّى يُذْكَرَ ويَكُونَ ذِكْرُهُ أقْدَمَ مِن ذِكْرِ اَلرُّكُوبِ. وأيْضًا لَوْ كانَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ تَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ اَلْخَيْلِ؛ لَدَلَّتْ عَلى تَحْرِيمِ اَلْحُمُرِ اَلْأهْلِيَّةِ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ ثَمَّ حاجَةٌ لِتَجْدِيدِ اَلتَّحْرِيمِ لَها عامَ خَيْبَرَ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذِهِ اَلسُّورَةَ مَكِّيَّةٌ.
والحاصِلُ: أنَّ اَلْأدِلَّةَ اَلصَّحِيحَةَ قَدْ دَلَّتْ عَلى حِلِّ أكْلِ لُحُومِ اَلْخَيْلِ. فَلَوْ سَلَّمْنا أنَّ هَذِهِ اَلْآيَةَ مُتَمَسَّكًا لِلْقائِلِينَ بِالتَّحْرِيمِ؛ لَكانَتِ اَلسُّنَّةُ اَلْمُطَهَّرَةُ اَلثّابِتَةُ رافِعَةً لِهَذا اَلِاحْتِمالِ، ودافِعَةً لِهَذا اَلِاسْتِدْلالِ. وقَدْ ورَدَ في حِلِّ أكْلِ لُحُومِ اَلْخَيْلِ، أحادِيثُ مِنها ما في اَلصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أسْماءَ قالَتْ: «نَحَرْنا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَرَسًا، فَأكَلْناهُ» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ واَلتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ جابِرٍ قالَ: «أطْعَمْنا رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لُحُومَ اَلْخَيْلِ، ونَهانا عَنْ لُحُومِ اَلْحُمُرِ اَلْأهْلِيَّةِ» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ (p-٣٧٨٢)نَحْوَهُ. وثَبَتَ أيْضًا في اَلصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ قالَ: «نَهى رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ لُحُومِ اَلْحُمُرِ اَلْأهْلِيَّةِ، وأذِنَ في اَلْخَيْلِ» .
وأمّا ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ خالِدِ بْنِ اَلْوَلِيدِ قالَ: «نَهى رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ اَلسِّباعِ، وعَنْ لُحُومِ اَلْخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ». فَفي إسْنادِهِ صالِحُ بْنُ يَحْيى، فِيهِ مَقالٌ. ولَوْ فُرِضَ صِحَّتُهُ لَمْ يَقْوَ عَلى مُعارَضَةِ أحادِيثِ اَلْحَلِّ. عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلى يَوْمِ خَيْبَرَ، فَيَكُونُ مَنسُوخًا. كَذا في " فَتْحِ اَلْبَيانِ " .
وفِي (اَلْإكْلِيلِ): أخَذَ اَلْمالِكِيَّةُ، مِنَ اَلِاقْتِرانِ اَلْمَذْكُورِ، رَدًّا عَلى اَلْحَنَفِيَّةِ في قَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ اَلزَّكاةِ فِيها. أيِ: اَلْخَيْلِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] أيْ: مِنَ اَلْمَخْلُوقاتِ في اَلْقِفارِ والبِحارِ، وصِيغَةُ اَلِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى اَلتَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ. أوْ لِاسْتِحْضارِ اَلصُّورَةِ.
16:9Страница 268
وَعَلَى ٱللَّهِ قَصۡدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنۡهَا جَآئِرٞۚ وَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩
Аллах указывает на прямой путь, но есть дороги, которые уводят в сторону. Если бы Аллах пожелал, то Он вас всех наставил бы на прямой путь.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩] ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ .
﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ في اَلْآيَةِ فَوائِدُ:
اَلْأُولى: قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: لَمّا ذَكَرَ تَعالى مِنَ اَلْحَيَواناتِ ما يُسارُ عَلَيْهِ في اَلسُّبُلِ اَلْحِسِّيَّةِ، (p-٣٧٨٣)نَبَّهَ عَلى اَلطُّرُقِ اَلْمَعْنَوِيَّةِ اَلدِّينِيَّةِ، وكَثِيرًا ما يَقَعُ في اَلْقُرْآنِ اَلْعُبُورُ مِنَ اَلْأُمُورِ اَلْحِسِّيَّةِ إلى اَلْأُمُورِ اَلْمَعْنَوِيَّةِ اَلدِّينِيَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ [البقرة: ١٩٧] وقالَ تَعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْـزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ اَلسُّورَةِ اَلْحَيَواناتِ مِنَ اَلْأنْعامِ وغَيْرِها، اَلَّتِي يَرْكَبُونَها ويَبْلُغُونَ عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِهِمْ، وتَحْمِلُ أثْقالَهم إلى اَلْبِلادِ والأماكِنِ اَلْبَعِيدَةِ والأسْفارِ اَلشّاقَّةِ؛ شَرَعَ في ذِكْرِ اَلطُّرُقِ اَلَّتِي يَسْلُكُها اَلنّاسُ إلَيْهِ، فَبَيَّنَ أنَّ اَلْحَقَّ مِنها مُوَصِّلَةٌ إلَيْهِ، فَقالَ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقالَ: ﴿هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] اِنْتَهى. وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢]
اَلثّانِيَةُ: قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: (اَلْقَصْدُ): مَصْدَرٌ بِمَعْنى اَلْفاعِلِ. يُقالُ: سَبِيلُ قَصْدٍ وقاصِدٍ: أيْ: مُسْتَقِيمٍ. عَلى طَرِيقَةِ اَلِاسْتِعارَةِ أوْ عَلى نَهْجِ إسْنادِ حالِ سالِكِهِ إلَيْهِ، كَأنَّهُ يَقْصِدُ اَلْوَجْهَ اَلَّذِي يَؤُمُّهُ اَلسّالِكُ لا يَعْدِلُ عَنْهُ. أيْ: حَقٌّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، بِمُوجِبِ رَحْمَتِهِ ووَعْدِهِ اَلْمَحْتُومِ، بَيانُ اَلطَّرِيقِ اَلْمُسْتَقِيمِ اَلْمُوَصِّلِ لِمَن يَسْلُكُهُ إلى اَلْحَقِّ، اَلَّذِي هو اَلتَّوْحِيدُ: بِنَصْبِ اَلْأدِلَّةِ وإرْسالِ اَلرُّسُلِ وإنْزالِ اَلْكُتُبِ لِدَعْوَةِ اَلنّاسِ إلَيْهِ. أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى اَلْإقامَةِ والتَّعْدِيلِ. قالَهُ أبُو اَلْبَقاءِ. أيْ: عَلَيْهِ، عَزَّ وجَلَّ، تَقْوِيمُها وتَعْدِيلُها. أيْ: جَعْلُها بِحَيْثُ يَصِلُ سالِكُها إلى اَلْحَقِّ. لَكِنْ لا بَعْدَ ما كانَتْ في نَفْسِها مُنْحَرِفَةً عَنْهُ، بَلْ إبْداعُها اِبْتِداءً كَذَلِكَ عَلى نَهْجِ ( سُبْحانَ مَن صَغَّرَ اَلْبَعُوضَ، وكَبَّرَ اَلْفِيلَ) . وحَقِيقَتُهُ راجِعَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن نَصْبِ اَلْأدِلَّةِ. وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ حَيْثُ أبْدَعَ هَذِهِ اَلْبَدائِعَ اَلَّتِي كُلُّ واحِدٍ مِنها لاحِبٌ يُهْتَدى بِمَنارِهِ، وعَلَمٌ يُسْتَضاءُ بِنارِهِ، وأرْسَلَ (p-٣٧٨٤)رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبًا مِن جُمْلَتِها هَذا اَلْوَحْيُ اَلنّاطِقُ بِحَقِيقَةِ اَلْحَقِّ، اَلْفاحِصُ عَنْ كُلِّ ما جَلَّ مِنَ اَلْأسْرارِ ودَقَّ، اَلْهادِي إلى سَبِيلِ اَلِاسْتِدْلالِ بِتِلْكَ اَلْأدِلَّةِ اَلْمُفْضِيَةِ إلى مَعالِمِ اَلْهُدى، اَلْمُنَجِّيَةِ عَنْ فَيافِي اَلضَّلالَةِ ومَهاوِي اَلرَّدى.
اَلثّالِثَةُ: اَلضَّمِيرُ في: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾ لِلسَّبِيلِ. فَإنَّها تُؤَنَّثُ. أيْ: وبَعْضُ اَلسَّبِيلِ مائِلٌ عَنِ اَلْحَقِّ، مُنْحَرِفٌ عَنْهُ، لا يُوَصِّلُ سالِكَهُ إلَيْهِ. وهو طُرُقُ اَلضَّلالَةِ اَلَّتِي لا يَكادُ يُحْصى عَدَدُها، اَلْمُنْدَرِجُ كُلُّها تَحْتَ اَلْجائِرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]
قالَ أبُو اَلسُّعُودِ، بَعْدَ ما تَقَدَّمَ، أيْ: وعَلى اَللَّهِ تَعالى بَيانُ اَلطَّرِيقِ اَلْمُسْتَقِيمِ اَلْمُوَصِّلِ إلى اَلْحَقِّ وتَعْدِيلُهُ، بِما ذُكِرَ مِن نَصْبِ اَلْأدِلَّةِ لِيَسْلُكَهُ اَلنّاسُ بِاخْتِيارِهِمْ ويَصِلُوا إلى اَلْمَقْصِدِ. وهَذا هو اَلْهِدايَةُ اَلْمُفَسِّرَةُ بِالدَّلالَةِ عَلى ما يُوصِّلُ إلى اَلْمَطْلُوبِ، لا اَلْهِدايَةُ اَلْمُسْتَلْزَمَةُ لِلِاهْتِداءِ اَلْبَتَّةَ. فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لَيْسَ بِحَقٍّ عَلى اَللَّهِ تَعالى. لا بِحَسْبِ ذاتِهِ ولا بِحَسْبِ رَحْمَتِهِ، بَلْ هو مُخِلٌّ بِحِكْمَتِهِ، حَيْثُ يَسْتَدْعِي تَسْوِيَةَ اَلْمُحْسِنِ والمُسِيءِ، والمُطِيعِ والعاصِي، بِحَسْبِ اَلِاسْتِعْدادِ. وإلَيْهِ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: لَوْ شاءَ أنْ يَهْدِيَكم إلى ما ذُكِرَ مِنَ اَلتَّوْحِيدِ، هِدايَةً مُوَصِّلَةً إلَيْهِ اَلْبَتَّةَ، مُسْتَلْزَمَةً لِاهْتِدائِكم أجْمَعِينَ؛ لَفَعَلَ ذَلِكَ، ولَكِنْ لَمْ يَشَأْهُ؛ لِأنَّ مَشِيئَتَهُ تابِعَةٌ لِلْحِكْمَةِ اَلدّاعِيَةِ إلَيْها. ولا حِكْمَةَ في تِلْكَ اَلْمَشِيئَةِ؛ لِما أنَّ اَلَّذِي عَلَيْهِ يُدَوِّرُ فَلَكَ اَلتَّكْلِيفِ، وإلَيْهِ يَنْسَحِبُ اَلثَّوابُ والعِقابُ، إنَّما هو اَلِاخْتِيارُ اَلَّذِي عَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ اَلْأعْمالُ، اَلَّتِي بِها نِيطَ اَلْجَزاءُ.
ولَمّا كانَ أشْرَفُ أجْسامِ اَلْعِلْمِ اَلسُّفْلِيِّ، بَعْدَ اَلْحَيَوانِ، اَلنَّباتَ، تَأثَّرَ ما مَرَّ مِنَ اَلْإنْعامِ بِالأنْعامِ والدَّوابِّ، اَلَّتِي يُسْتَدِلُّ بِها عَلى وحْدَتِهِ تَعالى، بِذِكْرِ عَجائِبِ أحْوالِ اَلنَّباتِ، لِلْحِكْمَةِ نَفْسِها، فَقالَ سُبْحانَهُ:
(p-٣٧٨٥)
16:10–11Страница 268
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗۖ لَّكُم مِّنۡهُ شَرَابٞ وَمِنۡهُ شَجَرٞ فِيهِ تُسِيمُونَ ١٠
Он - Тот, Кто ниспосылает с неба воду. Она служит для вас питьем, и благодаря ей произрастают растения, среди которых вы пасете скот.
يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرۡعَ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلۡأَعۡنَٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ١١
Он взращивает для вас злаки, маслины, финики, виноград и всевозможные плоды. Воистину, в этом - знамение для людей размышляющих.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠-١١] ﴿هُوَ الَّذِي أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١] .
﴿هُوَ الَّذِي أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾ أيِ: اَلْمُزْنَ: ﴿ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ﴾ يُسَكِّنُ حَرارَةَ اَلْعَطَشِ: ﴿ومِنهُ شَجَرٌ﴾ أيْ: ومِنهُ يَحْصُلُ شَجَرٌ. والمُرادُ بِهِ: ما يَنْبُتُ مِنَ اَلْأرْضِ، سَواءٌ كانَ لَهُ ساقٌ أوْ لا ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ أيْ: تَرْعَوْنَ أنْعامَكم.
﴿يُنْبِتُ﴾ [النحل: ١١] أيِ: اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَكم بِهِ الزَّرْعَ﴾ [النحل: ١١] أيِ: اَلَّذِي فِيهِ قُوتُ اَلْإنْسانِ: ﴿والزَّيْتُونَ﴾ [النحل: ١١] أيِ: اَلَّذِي فِيهِ إدامُهُ.: ﴿والنَّخِيلَ والأعْنابَ﴾ [النحل: ١١] أيِ: اَللَّذَيْنِ فِيهِما، مَعَ ذَلِكَ، مَزِيدُ اَلتَّلَذُّذِ: ﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ [النحل: ١١] أيْ: يُخْرِجُها بِهَذا اَلْماءِ اَلْواحِدِ، عَلى اِخْتِلافِ صُنُوفِها وطَعُومِها وألْوانِها ورَوائِحِها. ولِهَذا قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ [النحل: ١١] أيْ: في إنْزالِ وإنْباتِ ما فَصَّلَ: ﴿لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١] أيْ: دَلالَةً وحَجَّةً عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى. كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْـزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠]
قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: وأصْلُهُ لِلرّازِيِّ في شَرْحِ كَوْنِ ما ذَكَرَهُ حُجَّةً؛ فَإنَّ مَن تَفَكَّرَ في أنَّ اَلْحَبَّةَ أوِ اَلنَّواةَ تَقَعُ في اَلْأرْضِ وتَصِلُ إلَيْها نَداوَةٌ تَنْفُذُ فِيها فَيَنْشَقُّ أسْفَلَها فَيَخْرُجُ مِنهُ عُرُوقٌ تَنْبَسِطُ في أعْماقِ اَلْأرْضِ، ويَنْشَقُّ أعْلاها وإنْ كانَتْ مُنْتَكِسَةً في اَلْوُقُوعِ، ويَخْرُجُ مِنهُ ساقٌ فَيَنْمُو ويَخْرُجُ مِنهُ اَلْأوْراقُ والأزْهارُ والحُبُوبُ والثِّمارُ اَلْمُشْتَمِلَةُ عَلى أجْسامٍ مُخْتَلِفَةِ اَلْأشْكالِ والألْوانِ والخَواصِّ والطَّبائِعِ، وعَلى نَواةٍ قابِلَةٍ لِتَوْلِيدِ اَلْأمْثالِ عَلى اَلنَّمَطِ اَلْمُحَرَّرِ، لا إلى نِهايَةٍ، (p-٣٧٨٦)مَعَ اِتِّحادِ اَلْمَوادِّ واسْتِواءِ نِسْبَةِ اَلطَّبائِعِ اَلسُّفْلِيَّةِ والتَّأْثِيراتِ اَلْعُلْوِيَّةِ، بِالنِّسْبَةِ إلى اَلْكُلِّ؛ عَلِمَ أنَّ مَن هَذِهِ أفْعالُهُ وآثارُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُشْبِهَهُ شَيْءٌ في شَيْءٍ مِن صِفاتِ اَلْكَمالِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يُشارِكَهُ أخَسُّ اَلْأشْياءِ في أخَصِّ صِفاتِهِ، اَلَّتِي هي اَلْأُلُوهِيَّةُ واسْتِحْقاقُ اَلْعِبادَةِ. تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وحَيْثُ اِفْتَقَرَ سُلُوكُ هَذِهِ اَلطَّرِيقَةِ إلى تَرْتِيبِ اَلْمُقَدِّماتِ اَلْفِكْرِيَّةِ، قَطَعَ اَلْآيَةَ اَلْكَرِيمَةَ بِالتَّفَكُّرِ. اِنْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:
16:12Страница 268
وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتُۢ بِأَمۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ١٢
Он покорил вам ночь и день, солнце и луну. Звезды также покорны по Его воле. Воистину, в этом - знамения для людей разумеющих.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢] ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ أيْ: لِمَنامِكم ومَعاشِكم ولِعَقْدِ اَلثِّمارِ وإنْضاجِها: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ لِإصْلاحِ ما نِيطَ بِهِما صَلاحُهُ مِنَ اَلْمُكَوِّناتِ: ﴿والنُّجُومُ﴾ لِيُهْتَدى بِها في ظُلُماتِ اَلْبَرِّ والبَحْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ﴾ حالٌ مِنَ اَلْجَمِيعِ، عَلى مَعْنى جَعَلَها مُسَخَّراتٍ؛ لِأنَّ في اَلتَّسْخِيرِ مَعْنى (اَلْجَعْلِ) فَصَحَّتْ عَلى أنَّهُ تَجْرِيدٌ. أوْ عَلى أنَّ اَلتَّسْخِيرَ لَهم نَفْعٌ خاصٌّ.
فَمَعْناهُ: نَفْعُكم حالَ كَوْنِها مُسَخَّراتٍ لِما خُلِقَتْ لَهُ، مِمّا هو طَرِيقٌ لِنَفْعِكم. فَـ (سَخَّرَ) بِمَعْنى (نَفَعَ ) عَلى اَلِاسْتِعارَةِ أوِ اَلْمَجازِ اَلْمُرْسَلِ؛ لِأنَّ اَلنَّفْعَ مِن لَوازِمِ اَلتَّسْخِيرِ. أوْ عَلى أنَّ (مُسَخَّراتٌ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ. وسَخَّرَها مُسَخَّراتٍ، عَلى مِنوالِ ضَرْبْتُهُ ضَرَباتٍ، أوْ يُجْعَلُ قَوْلُهُ: ﴿مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ﴾ بِمَعْنى مُسْتَمِرَّةٌ عَلى اَلتَّسْخِيرِ بِأمْرِهِ اَلْإيجادِيِّ؛ لِأنَّ اَلْإحْداثَ لا يَدُلُّ عَلى اَلِاسْتِمْرارِ. وقُرِئَ بِنَصْبِ اَللَّيْلِ والنَّهارِ وحْدَهُما، ورَفْعِ ما بَعْدَهُما عَلى اَلِابْتِداءِ والخَبَرِ. وقُرِئَ: ﴿والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ﴾ بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وما قَبْلَهُ بِالنَّصْبِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: تَسْخِيرُ ما ذُكِرَ: ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
ولَمّا نَبَّهَ تَعالى عَلى مَعالِمِ اَلسَّماواتِ، نَبَّهَ عَلى ما خَلَقَ في اَلْأرْضِ مِنَ اَلْأُمُورِ اَلْعَجِيبَةِ، (p-٣٧٨٧)والأشْياءِ اَلْمُخْتَلِفَةِ، مِنَ اَلْحَيَواناتِ والمَعادِنِ والنَّباتاتِ والجَماداتِ، عَلى اِخْتِلافِ ألْوانِها وأشْكالِها، وما فِيها مِنَ اَلْمَنافِعِ والخَواصِّ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
16:13Страница 268
وَمَا ذَرَأَ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ ١٣
Он сотворил для вас на земле разнообразие цветов. Воистину, в этом - знамение для людей поминающих.
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣] ﴿وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ .
﴿وما ذَرَأ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والنُّجُومُ﴾ [النحل: ١٢] رَفْعًا ونَصْبًا، عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ (لِجَعَلَ ) أيْ: وما خَلَقَ: ﴿لَكم في الأرْضِ﴾ أيْ: مِن حَيَوانٍ ونَباتٍ: ﴿مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾
ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى مُمْتَنًّا عَلى تَسْخِيرِهِ اَلْبَحْرَ، وتَعْدادِ اَلنِّعَمِ بِهِ إثْرَ اِمْتِنانِهِ بِنِعَمِ اَلْبَرِّ، بِقَوْلِهِ:
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии