Аль-Касими · Тафсир · на арабском
Ан-Нахль 16:76–86
16:76Страница 275
وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٦
Аллах также привел притчу о двух мужах, один из которых - немой, ни на что не способен и обременяет своего господина. Куда бы его ни послали, он не приносит добра. Разве он равен тому, кто отдает справедливые приказы и следует прямым путем?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٦] ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ أيْ: مَثَلًا آخَرَ يَدُلُّ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَثَلُ السّابِقُ عَلى وجْهٍ أوْضَحَ: ﴿رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ﴾ أيْ: أخْرَسُ: ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ أيْ: مِمّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ المِنطِيقُ المُفْصِحُ عَمّا في نَفْسِهِ: ﴿وهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ﴾ أيْ: ثَقِيلٌ عَلى مَن يَلِي أمْرَهُ، لِعَدَمِ اهْتِمامِهِ بِإقامَةِ مَصالِحِ نَفْسِهِ: ﴿أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ أيْ: حَيْثُ يُرْسِلُهُ في أمْرٍ لا يَأْتِ بِنَجْحِهِ وكِفايَةِ مُهِمِّهِ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ أيْ: ومَن هو بَلِيغٌ مِنطِيقٌ ذُو كِفايَةٍ ورُشْدٍ لِيَنْفَعَ النّاسَ، بِحَثِّهِمْ عَلى العَدْلِ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الفَضائِلِ.
{ وهو } أيْ: في نَفْسِهِ مَعَ ما ذَكَرَ مِن نَفْعِهِ العامِّ: ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ: عَلى سِيرَةٍ صالِحَةٍ ودِينٍ قَوِيمٍ، لا يَتَوَجَّهُ إلى مَطْلَبٍ إلّا ويَبْلُغُهُ بِأقْرَبِ سَعْيٍ وأسْهَلِهِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: ضَرَبَ تَعالى مَثَلًا لِلصَّنَمِ الَّذِي عَبَدُوهُ وهو لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، فَهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ؛ لِأنَّهُ يَحْمِلُهُ إذا ظَعَنَ فَيُحَوِّلُهُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ. فَقالَ اللَّهُ تَعالى: هَلْ يَسْتَوِي هَذا الصَّنَمُ الكَلُّ، ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ ؟ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّوْبِيخُ، كَأنَّهُ قالَ: لا تُسَوُّوا بَيْنَ الصَّنَمِ وبَيْنَ الخالِقِ جَلَّ جَلالُهُ. انْتَهى.
(p-٣٨٣٦)وإلَيْهِ أشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ، ولِما يُفِيضُ عَلى عِبادِهِ ويَشْمَلُهم مَعَ آثارِ رَحْمَتِهِ وألْطافِهِ ونِعَمِهِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ. ولِلْأصْنامِ الَّتِي هي أمْواتٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ. انْتَهى.
وناقَشَ الرّازِيُّ في حَمْلِهِ عَلى الصَّنَمِ بِأنَّ الوَصْفَ بِالرَّجُلِ وبِالبُكْمِ وبِالكَلِّ وبِالتَّوَجُّهِ في جِهاتِ المَنافِعِ، يَمْنَعُ مِن حَمْلِها عَلى الوَثَنِ. وكَذا الوَصْفُ في الثّانِي بِأنَّهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، يَمْنَعُ مِن حَمْلِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى. انْتَهى.
وقَدْ يُقالُ في جَوابِهِ: بِأنَّ الأوْصافَ الأُوَلَ، وإنْ كانَتْ ظاهِرَةً في الإنْسانِ ) والأصْلُ في الإطْلاقِ ما يَتَبادَرُ وهو الحَقِيقَةُ ) إلّا أنَّ المُقامَ صَرَفَها إلى الوَثَنِ؛ لِأنَّ الآياتِ في بَيانِ حَقارَةِ ما يُعْبَدُ مِن دُونِهِ تَعالى، وكَوْنِهِ لا يَصْلُحُ لِلْأُلُوهِيَّةِ بِوَجْهٍ ما؛ لِما فِيهِ مِن صِفاتِ النَّقْصِ. وأمّا الوَصْفُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] فَصَحَّ الحَمْلُ.
ثُمَّ رَأيْتُ لِلْإمامِ ابْنِ القَيِّمِ في (أعْلامُ المُوقِّعِينَ) ما يُؤَيِّدُ ما اعْتَمَدْناهُ حَيْثُ قالَ في بَحْثِ أمْثالِ القُرْآنِ، في هَذَيْنِ المَثَلَيْنِ ما صُورَتُهُ:
فالمَثَلُ الأوَّلُ: يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ [النحل: ٧٥] الآيَةَ، ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِنَفْسِهِ ولِلْأوْثانِ. فاللَّهُ سُبْحانَهُ هو المالِكُ لِكُلِّ شَيْءٍ. يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ عَلى عَبِيدِهِ سِرًّا وجَهْرًا ولَيْلًا ونَهارًا. يَمِينُهُ مَلْأى لا يُغِيضُها نَفَقَةٌ، سَحّاءُ اللَّيْلَ والنَّهارَ. والأوْثانُ مَمْلُوكَةٌ عاجِزَةٌ لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، فَكَيْفَ يَجْعَلُونَها شُرَكاءَ إلَيَّ ويَعْبُدُونَها مِن دُونِي، مَعَ هَذا التَّفاوُتِ العَظِيمِ والفَرْقِ المُبِينِ ؟ هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، ومَثَلُ المُؤْمِنِ في الخَيْرِ الَّذِي عِنْدَهُ ثُمَّ رَزَقَهُ مِنهُ حَسَنًا، فَهو يُنْفِقُ مِنهُ عَلى نَفْسِهِ وعَلى غَيْرِهِ سِرًّا وجَهْرًا. والكافِرُ بِمَنزِلَةِ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ (p-٣٨٣٧)عاجِزٍ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ لا خَيْرَ عِنْدَهُ. فَهَلْ يَسْتَوِي الرَّجُلانِ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ ؟ والقَوْلُ الأوَّلُ أشْبَهُ بِالمُرادِ، فَإنَّهُ أظْهَرُ في بُطْلانِ الشِّرْكِ، وأوْضَحُ عِنْدَ المُخاطَبِ، وأعْظَمُ في إقامَةِ الحُجَّةِ، وأقْرَبُ نَسَبًا بِقَوْلِهِ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣] ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] ثُمَّ قالَ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] ومِن لَوازِمِ هَذا المَثَلِ وأحْكامِهِ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ المُوَحِّدُ مِمَّنْ رَزَقَهُ مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا. والكافِرُ المُشْرِكُ كالعَبْدِ المَمْلُوكِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ. فَهَذا مِمّا يُنَبِّهُ عَلَيْهِ المَثَلُ وأرْشَدَ إلَيْهِ. فَذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ مُنَبِّهًا عَلى إرادَتِهِ، لا أنَّ الآيَةَ اخْتُصَّتْ بِهِ. فَتَأمَّلْهُ فَإنَّكَ تَجِدُهُ كَثِيرًا في كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ في فَهْمِ القُرْآنِ. فَيَظُنُّ الظّانُّ أنَّ ذَلِكَ هو مَعْنى الآيَةِ الَّتِي لا مَعْنى لَها غَيْرُهُ، فَيَحْكِيهِ قَوْلُهُ.
وأمّا المَثَلُ الثّانِي، فَهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِنَفْسِهِ ولِما يَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ أيْضًا. فالصَّنَمُ الَّذِي يُعْبَدُ مِن دُونِهِ بِمَنزِلَةِ رَجُلٍ أبْكَمَ لا يَعْقِلُ ولا يَنْطِقُ. بَلْ وهو أبْكَمُ القَلْبِ واللِّسانِ، قَدْ عُدِمَ النُّطْقَ القَلْبِيَّ واللِّسانِيَّ، مَعَ هَذا فَهو عاجِزٌ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ البَتَّةَ. وعَلى هَذا فَأيْنَما أرْسَلْتَهُ لا يَأْتِيكَ بِخَيْرٍ، ولا يَقْضِي لَكَ حاجَةً. واللَّهُ سُبْحانَهُ حَيٌّ قادِرٌ مُتَكَلِّمٌ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وهَذا وصْفٌ لَهُ بِغايَةِ الكَمالِ والحَمْدِ. فَإنَّ أمْرَهُ بِالعَدْلِ، وهو الحَقُّ يَتَضَمَّنُ أنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِهِ مُعْلِمٌ لَهُ، راضٍ بِهِ آمِرٌ لِعِبادِهِ بِهِ، مُحِبٌّ لِأهْلِهِ لا يَأْمُرُ بِسِواهُ، بَلْ تَنَزَّهَ عَنْ ضِدِّهِ الَّذِي هو الجَوْرُ والظُّلْمُ والسَّفَهُ والباطِلُ. بَلْ أمْرُهُ وشَرْعُهُ عَدْلٌ كُلُّهُ. وأهْلُ العَدْلِ هم أوْلِياؤُهُ وأحِبّاؤُهُ. وهُمُ المُجاوِرُونَ لَهُ عِنْدَ يَمِينِهِ، عَلى مَنابِرَ مِن نُورٍ. وأمْرُهُ بِالعَدْلِ يَتَناوَلُ الأمْرَ الشَّرْعِيَّ الدِّينِيَّ والأمْرَ القَدَرِيَّ الكَوْنِيَّ. وكِلاهُما عَدْلٌ لا جَوْرَ فِيهِ بِوَجْهٍ. كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أمَتِكَ، ناصِيَتِي بِيَدِكَ، ماضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضاؤُكَ»» . فَقَضاؤُهُ (p-٣٨٣٨)هُوَ أمْرُهُ الكَوْنِيُّ: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] فَلا يَأْمُرُ إلّا بِحَقٍّ وعَدْلٍ. وقَضاؤُهُ وقَدَرُهُ القائِمُ بِهِ حَقٌّ وعَدْلٌ. وإنْ كانَ في المَقْضِيِّ المُقَدَّرِ ما هو جَوْرٌ وظُلْمٌ، فالقَضاءُ غَيْرُ المَقْضِي، والقَدَرُ غَيْرُ المُقَدَّرِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِ رَسُولِهِ شُعَيْبٍ: ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] وقَوْلُهُ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ [هود: ٥٦] نَظِيرُ قَوْلِهِ (ناصِيَتِي بِيَدِكَ) وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] نَظِيرُ قَوْلِهِ (عَدْلٌ فِيَّ قَضاؤُكَ) فالأوَّلُ مِلْكُهُ، والثّانِي حَمْدُهُ. وهو سُبْحانُهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ. وكَوْنُهُ سُبْحانَهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يَقْتَضِي أنَّهُ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ، ولا يَأْمُرُ إلّا بِالعَدْلِ، ولا يَفْعَلُ إلّا ما هو مَصْلَحَةٌ ورَحْمَةٌ وحِكْمَةٌ وعَدْلٌ. فَهو عَلى الحَقِّ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ. فَلا يَقْضِي عَلى العَبْدِ بِما يَكُونُ ظالِمًا بِهِ ولا يُؤْخَذُ بِغَيْرِ ذَنْبِهِ. ولا يَنْقُصُهُ مِن حَسَناتِهِ شَيْئًا. ولا يَحْمِلُ عَلَيْهِ مِن سَيِّئاتِ غَيْرِهِ الَّتِي لَمْ يَعْمَلْها، ولَمْ يَتَسَبَّبْ إلَيْها شَيْئًا. ولا يُؤاخِذُ أحَدًا بِذَنْبِ غَيْرِهِ، ولا يَفْعَلُ قَطُّ ما لا يُحْمَدُ عَلَيْهِ ويُثْنى بِهِ عَلَيْهِ ويَكُونُ لَهُ فِيهِ العَواقِبُ الحَمِيدَةُ والغاياتُ المَطْلُوبَةُ. فَإنَّ كَوْنَهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يَأْبى ذَلِكَ كُلَّهُ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] يَقُولُ: إنَّ رَبِّي عَلى طَرِيقِ الحَقِّ يُجازِي المُحْسِنَ مِن خَلْقِهِ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لا يَظْلِمُ أحَدًا مِنهم ولا يَقْبَلُ مِنهم إلّا الإسْلامَ لَهُ والإيمانَ بِهِ.
ثُمَّ حُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ مِن طَرِيقِ شِبْلِ بْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] قالَ: الحَقُّ. وكَذَلِكَ رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْهُ.
(p-٣٨٣٩)وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] وهَذا اخْتِلافُ عِبارَةٍ. فَإنَّ كَوْنَهُ بِالمِرْصادِ هو مُجازاةُ المُحْسِنِ بِإحْسانِهِ والمُسِيءِ بِإساءَتِهِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: إنَّ رَبِّي يَحُثُّكم عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ويَحُضُّكم عَلَيْهِ. وهَؤُلاءِ إنْ أرادُوا أنَّ هَذا مَعْنى الآيَةِ الَّتِي أُرِيدَ بِها. فَلَيْسَ كَما زَعَمُوا ولا دَلِيلَ عَلى هَذا المُقَدَّرِ. وقَدْ فَرَّقَ سُبْحانَهُ بَيْنَ كَوْنِهِ آمِرًا بِالعَدْلِ وبَيْنَ كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وإنْ أرادُوا أنَّ حَثَّهُ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ مِن جُمْلَةِ كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَقَدْ أصابُوا.
وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: مَعْنى كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ: أنَّ مَرَدَّ العِبادِ والأُمُورِ كُلِّها إلى اللَّهِ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنها. وهَؤُلاءِ إنْ أرادُوا أنَّ هَذا مَعْنى الآيَةِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ. وإنْ أرادُوا أنَّ هَذا مِن لَوازِمَ كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ومِن مُقْتَضاهُ ومُوجِبِهِ، فَهو حَقٌّ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: مَعْناهُ كُلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وقَهْرِهِ في مِلْكِهِ وقَبْضَتِهِ، وهَذا وإنْ كانَ حَقًّا فَلَيْسَ هو مَعْنى الآيَةِ. وقَدْ فَرَّقَ شُعَيْبٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ [هود: ٥٦] وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] فَهُما مَعْنَيانِ مُسْتَقِلّانِ.
فالقَوْلُ قَوْلُ مُجاهِدٍ. وهو قَوْلُ أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ. ولا تَحْتَمِلُ العَرَبِيَّةُ غَيْرَهُ إلّا عَلى اسْتِكْراهٍ.
وقالَ جَرِيرٌ يَمْدَحُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ:
؎أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلى صِراطٍ إذا اعْوَجَّ المَوارِدُ مُسْتَقِيمٍ
وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩] (p-٣٨٤٠)وإذا كانَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي جَعَلَ رُسُلَهُ وأتْباعَهم عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ في أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ فَهو سُبْحانُهُ أحَقُّ بِأنْ يَكُونَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ. وإنْ كانَ صِراطُ الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ هو مُوافَقَةَ أمْرِهِ، فَصِراطُهُ الَّذِي هو سُبْحانَهُ عَلَيْهِ، هو ما يَقْتَضِيهِ حَمْدُهُ وكَمالُهُ ومَجْدُهُ مِن قَوْلِهِ الحَقَّ وفِعْلِهِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وفِي الآيَةِ قَوْلٌ ثانٍ مِثْلَ الآيَةِ الأُولى سَواءً: إنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ما في هَذا القَوْلِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. انْتَهى بِحُرُوفِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
16:77Страница 275
وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَآ أَمۡرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمۡحِ ٱلۡبَصَرِ أَوۡ هُوَ أَقۡرَبُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٧٧
Аллаху принадлежит сокровенное на небесах и на земле. Наступление Часа подобно мгновению ока или даже быстрее. Воистину, Аллах способен на всякую вещь!
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٧] ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وما أمْرُ السّاعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وما أمْرُ السّاعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
الآيَةُ إمّا جَوابٌ لِاسْتِعْجالِهِمْ ما يُوعَدُونَ، أوْ لِاسْتِبْطائِهِمُ السّاعَةَ، أوْ لِبَيانِ كَمالِهِ في العِلْمِ والقُدْرَةِ؛ تَعْرِيضًا بِأنَّ مَعْبُوداتِهِمْ عَرِيَّةٌ مِنهُما. فَأشارَ إلى الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: يَخْتَصُّ بِهِ عِلْمُ ما غابَ فِيهِما عَنِ العِبادِ وخَفِيَ عَلَيْهِمْ عِلْمُهُ، أوْ غَيْبُهُما: هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَإنَّ عِلْمَهُ غائِبٌ عَنْ أهْلِهِما، لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنهم، وأشارَ إلى الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾ و(السّاعَةُ): الوَقْتُ الَّذِي تَقُومُ فِيهِ القِيامَةُ. و(اللَّمْحُ): النَّظَرُ بِسُرْعَةٍ. أيْ: كَرَجْعِ الطَّرْفِ مِن أعْلى الحَدَقَةِ إلى أسْفَلِها ) أوْ هو أقْرَبُ ) مِن ذَلِكَ، أيْ: أسْرَعُ زَمانًا، بِأنْ يَقَعَ في بَعْضِ زَمانِهِ. وفِيهِ مِن كَمالِ تَقْرِيرِ قُدْرَتِهِ تَعالى ما لا يَخْفى. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لَهُ، إشارَةً إلى أنَّ مَقْدُوراتِهِ تَعالى لا تَتَناهى، وأنَّ ما يُذْكَرُ بَعْضٌ مِنها. وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٣٨٤١)
16:78–79Страница 275
وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٧٨
Аллах вывел вас из чрева ваших матерей, когда вы ничего не знали. Он наделил вас слухом, зрением и сердцами, - быть может, вы будете благодарны.
أَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ مُسَخَّرَٰتٖ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٧٩
Неужели они не видели птиц, покорно летающих в небе? Никто не удерживает их, кроме Аллаха. Воистину, в этом - знамения для людей верующих.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٨-٧٩] ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلا اللَّهُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٩] .
﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [النحل: ٧٢] مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في سِلْكِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [النحل: ٦٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ [النحل: ٧٠] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ [النحل: ٧١] أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. و(شَيْئًا) مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْ مَفْعُولُ (تَعْلَمُونَ) والنَّفْيُ مُنْصَبٌّ عَلَيْهِ. أيْ: لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا أصْلًا مِن حَقِّ المُنْعِمِ وغَيْرِهِ.
﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ أيْ: فَتُدْرِكُونَ بِهِ الأصْواتَ: ﴿والأبْصارَ﴾ فَتُحِسُّونَ المَرْئِيّاتِ: ﴿والأفْئِدَةَ﴾ أيِ: العُقُولَ: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: لِتَصْرِفُوها فِيما خُلِقَتْ لَهُ مِنَ التَّوْحِيدِ والِاعْتِبارِ بِها، والمَشْيِ عَلى السُّنَنِ الكَوْنِيَّةِ. ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عَلى آيَتِهِ في خَلْقِهِ الطَّيْرَ بِقَوْلِهِ:
﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ﴾ [النحل: ٧٩] أيْ: مُذَلَّلاتٍ: ﴿فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلا اللَّهُ﴾ [النحل: ٧٩] أيْ: ما يُمْسِكُهُنَّ في الجَوِّ مِن غَيْرِ تَعَلُّقٍ بِمادَّةٍ ولا اعْتِمادٍ عَلى جِسْمٍ ثَقِيلٍ إلّا هو سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٩] قالَ الحُجَّةُ الغَزالِيُّ في " الحِكْمَةِ في خَلْقِ المَخْلُوقاتِ "، في حِكْمَةِ الطَّيْرِ، في هَذِهِ الآيَةِ، ما مِثالُهُ:
اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الطَّيْرَ وأحْكَمَهُ حِكْمَةً تَقْتَضِي الخِفَّةَ لِلطَّيَرانِ. ولَمْ يَخْلُقْ فِيهِ ما يُثْقِلُهُ. وخَلَقَ فِيهِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ وما فِيهِ قِوامُهُ وصَرْفُ غِذائِهِ، فَقَسَّمَ لِكُلِّ عُضْوٍ مِنهُ ما يُناسِبُهُ. فَإنْ كانَ رَخْوًا أوْ يابِسًا أوْ بَيْنَ ذَلِكَ، انْصَرَفَ إلى كُلِّ عُضْوٍ مِن غِذائِهِ ما هو لائِقٌ بِهِ. (p-٣٨٤٢)فَخَلَقَ لِلطَّيْرِ الرِّجْلَيْنِ دُونَ اليَدَيْنِ لِضَرُورَةِ مَشْيِهِ وتَنَقُّلِهِ، وإعانَةً لَهُ في ارْتِفاعِهِ عَنِ الأرْضِ وقْتَ طَيَرانِهِ، واسِعَةَ الأسْفَلِ لِيَثْبُتَ في مَوْطِنٍ عَلى الأرْضِ وهي خُفٌّ فِيهِ. أوْ بَعْضُ أصابِعَ مَخْلُوقَةٍ مِن جِلْدٍ رَقِيقٍ صُلْبٍ مِن نِسْبَةِ جِلْدِ ساقَيْهِ. وجَعَلَ جِلْدَ ساقَيْهِ غَلِيظًا مُتْقَنًا جِدًّا لِيَسْتَغْنِيَ بِهِ عَنِ الرِّيشِ في الحَرِّ والبَرْدِ. وكانَ مِنَ الحِكْمَةِ، خَلْقُهُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأنَّهُ في رَعْيِهِ وطَلَبِ قُوتِهِ لا يَسْتَغْنِي عَنْ مَواضِعَ فِيها الطِّينُ والماءُ، فَلَوْ كُسِيَتْ ساقاهُ بِرِيشٍ لِتَضَرَّرَ بِبَلَلِهِ وتَلْوِيثِهِ. فَأغْناهُ سُبْحانَهُ عَنِ الرِّيشِ في مَوْضِعٍ لا يَلِيقُ بِهِ حَتّى يَكُونَ مُخَلَّصًا لِلطَّيَرانِ. وما خَلَقَ مِنَ الطَّيْرِ ذا أرْجُلٍ طِوالٍ جُعِلَتْ رَقَبَتُهُ طَوِيلَةً لِيَنالَ غِذاءَهُ مِن غَيْرِ حَرَجٍ بِها. إذْ لَوْ طالَتْ رِجْلُهُ وقَصُرَ عُنُقُهُ لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّعْيُ في البَرارِيِّ ولا في البَحائِرِ حَتّى يَنْكَبَّ عَلى صَدْرِهِ. وكَثِيرًا ما يُعانُ بِطُولِ المِنقارِ أيْضًا مَعَ طُولِ العُنُقِ؛ لِيَزْدادَ مَطْلَبُهُ عَلَيْهِ سُهُولَةً. ولَوْ طالَ عُنُقُهُ وقَصُرَتْ رِجْلاهُ أثْقَلَهُ عُنُقُهُ واخْتَلَّ رَعْيُهُ. وخَلَقَ صَدْرَهُ ودائِرَهُ مَلْفُوفًا عَلى عَظْمٍ كَهَيْئَةِ نِصْفِ دائِرَةٍ، حَتّى يَخْرُقَ في الهَواءِ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ، وكَذَلِكَ رُؤُوسُ أجْنِحَتِهِ مُدَوَّرَةٌ إعانَةً لَهُ عَلى الطَّيَرانِ. وجَعَلَ لِكُلِّ جِنْسٍ مِنَ الطَّيْرِ مِنقارًا يُناسِبُ رَعْيَهُ ويَصْلُحُ لِما يَغْتَذِي بِهِ مِن تَقْطِيعٍ ولَقْطٍ وحَفْرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. فَمِنهُ مِخْلَبٌ لِتَقْطِيعٍ خَصَّ بِهِ الكَواسِرَ وما قُوتُهُ اللَّحْمُ. ومِنهُ عَرِيضٌ مُشَرْشَرٌ جَوانِبُهُ تَنْطَبِقُ عَلى ما يَلْتَقِطُهُ انْطِباقًا مُحْكَمًا. ومِنهُ مُعْتَدِلُ اللَّقْطِ وأكْلُ الخُضْرِ. ومِنهُ طَوِيلُ المِنقارِ جَعَلَهُ صُلْبًا شَدِيدًا شِبْهَ العَظْمِ وفِيهِ لُيُونَةٌ، وما هي في العَظْمِ؛ لِكَثْرَةِ الحاجَةِ إلى اسْتِعْمالِهِ. وهو مَقامُ الأسْنانِ في غَيْرِ الطَّيْرِ مِنَ الحَيَوانِ. وقَوّى سُبْحانَهُ أصْلَ الرِّيشِ وجَعَلَهُ قَصَبًا مَنسُوبًا فِيما يُناسِبُهُ مِنَ الجِلْدِ الصُّلْبِ في الأجْنِحَةِ ولِأجْلِ كَثْرَةِ الطَّيَرانِ، ولِأنَّ حَرَكَةَ الطَّيَرانِ قَوِيَّةٌ فَهو مُحْتاجٌ إلى الإتْقانِ لِأجْلِ الرِّيشِ. وجَعَلَ رِيشَهُ وِقايَةً مِمّا يَضُرُّهُ مِن حَرٍّ أوْ بَرْدٍ. ومَعُونَةُ مُتَخَلِّلَةِ الهَواءِ لِلطَّيَرانِ. وخَصَّ الأجْنِحَةَ بِأقْوى الرِّيشِ وأثْبَتِهِ وأتْقَنِهِ؛ لِكَثْرَةِ دُعاءِ الحاجَةِ إلَيْهِ. وجَعَلَ في سائِرِ بَدَنِهِ رِيشًا غَيْرَهُ كُسْوَةً ووِقايَةً وجَمالًا لَهُ. وجَعَلَ في رِيشِهِ مِنَ الحِكْمَةِ، أنَّ البَلَلَ لا يُفْسِدُهُ والأدْرانُ لا تُوَسِّخُهُ. فَإنْ أصابَهُ ماءٌ كانَ أيْسَرُ انْتِفاضٍ (p-٣٨٤٣)يَطْرُدُ عَنْهُ بَلَلَهُ، فَيَعُودُ إلى خِفَّتِهِ. وجَعَلَ لَهُ مَنفَذًا واحِدًا لِلْوِلادَةِ وخُرُوجِ فَضَلاتِهِ لِأجْلِ خِفَّتِهِ. وخَلَقَ رِيشَ ذَنَبِهِ مَعُونَةً لَهُ عَلى اسْتِقامَتِهِ في طَيَرانِهِ، فَلَوْلاهُ لَما مالَتْ بِهِ الأجْنِحَةُ في حالِ الطَّيَرانِ يَمِينًا وشِمالًا، فَكانَ لَهُ بِمَنزِلِ رِجْلِ السَّفِينَةِ الَّذِي يَعْدِلُ بِها سَيْرَها. وخَلَقَ في طِباعِهِ الحَذَرَ وِقايَةً لِسَلامَتِهِ. ولَمّا كانَ طَعامُهُ يَبْتَلِعُهُ بَلْعًا بِلا مَضْغٍ، جَعَلَ لِبَعْضِهِ مِنقارًا صُلْبًا يَقْطَعُ بِهِ اللَّحْمَ ويَقُومُ لَهُ مَقامَ ما يُقْطَعُ بِالمُدْيَةِ. وصارَ يَزْدَرِدُ ما يَأْكُلُهُ صَحِيحًا. وأُعِينَ بِفَضْلِ حَرارَةٍ في جَوْفِهِ تَطْحَنُ الطَّعامَ طَحْنًا يَسْتَغْنِي بِهِ عَنِ المَضْغِ وثِقَلِ الأسْنانِ. واعْتُبِرَ ذَلِكَ بِحَبِّ العِنَبِ وغَيْرِهِ. فَإنَّهُ يَخْرُجُ مِن بُطُونِ الحَيَوانِ صَحِيحًا، ويَنْسَحِقُ في أجْوافِ الطَّيْرِ. ثُمَّ إنَّهُ خَلَقَهُ يَبِيضُ ولا يَلِدُ، لِئَلّا يَثْقُلَ عَنِ الطَّيَرانِ. فَإنَّهُ لَوْ خُلِقَتْ فِراخُهُ في جَوْفِهِ حَتّى يَكْمُلَ خَلْقُها لَثَقُلَ بِها وتَعَوَّقَ عَنِ النُّهُوضِ لِلطَّيَرانِ. أفَلا تَرى كَيْفَ دَبَّرَ كُلَّ شَيْءٍ مِن خَلْقِهِ بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الحِكْمَةِ ؟ ! انْتَهى مُلَخَّصًا.
16:80Страница 276
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ بُيُوتٗا تَسۡتَخِفُّونَهَا يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ وَمِنۡ أَصۡوَافِهَا وَأَوۡبَارِهَا وَأَشۡعَارِهَآ أَثَٰثٗا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ ٨٠
Аллах сделал для вас дома жилищами. Он также сделал для вас жилища из шкур домашнего скота, которые не обременяют вас, когда вы отправляетесь в путь или делаете привал. Он даровал вам утварь и всякие предметы из шерсти, пуха и волоса, чтобы вы пользовались ими до определенного времени.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى نِعْمَتَهُ عَلى البَشَرِ لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، بِقَوْلِهِ، عَطْفًا عَلى ما مَرَّ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٠] ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم ويَوْمَ إقامَتِكم ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ .
﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا﴾ أيْ: مَوْضِعًا تَسْكُنُونَ فِيهِ وتَأْوُونَ إلَيْهِ لِما لا يُحْصى مِن وُجُوهِ مَنافِعِكم: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ أيْ: بُيُوتًا أُخْرى وهي الخِيامُ والفَساطِيطُ والقِبابُ المُتَّخَذَةُ مِنَ الجُلُودِ نَفْسِها، أوْ مِنَ الوَبَرِ والصُّوفِ (p-٣٨٤٤)والشَّعْرِ أيْضًا. فَإنَّها مِن حَيْثُ كَوْنُها نابِتَةً عَلى جُلُودِها يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها مِن جُلُودِها أوِ الجُلُودِ مَجازٌ عَنِ المَجْمُوعِ: ﴿تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم ويَوْمَ إقامَتِكُمْ﴾ أيْ: تَجِدُونَها خَفِيفَةَ المَحْمَلِ وقْتَ تَرْحالِكم ووَقْتَ نُزُولِكم في مَراحِلِكم. لا يَثْقُلُ عَلَيْكم ضَرْبُها. أوْ هي خَفِيفَةٌ عَلَيْكم في أوْقاتِ السَّفَرِ والحَضَرِ جَمِيعًا. قِيلَ: والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ ظُهُورَ المِنَّةِ في خِفَّتِها إنَّما يَتَحَقَّقُ في حالِ السَّفَرِ. وأمّا المُسْتَوْطِنُ فَغَيْرُ مُثْقَلٍ: ﴿ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها﴾ أيْ: وجَعَلَ لَكم مِن أصْوافِ الضَّأْنِ وأوْبارِ الإبِلِ وأشْعارِ المَعْزِ: ﴿أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ الأثاثُ ما يُتَّخَذُ لِلِاسْتِعْمالِ بِلُبْسٍ أوْ فَرْشٍ. والمَتاعُ ما يَتَّخِذُهُ لِلتِّجارَةِ. وقِيلَ هُما بِمَعْنًى. ومَعْنى (إلى حِينٍ) أيْ: إلى أنْ تَقْضُوا مِنهُ أوْطارَكم. أوْ إلى أنْ يَبْلى ويَفْنى. أوْ إلى أنْ تَمُوتُوا.
تَنْبِيهٌ:
اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى طَهارَةِ جُلُودِ المَأْكُولاتِ وأصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها، إذا خَرَجَتْ في الحَياةِ أوْ بَعْدَ التَّذْكِيَةِ.
واسْتَدَلَّ بِعُمُومِ الآيَةِ مَن أباحَها مُطْلَقًا ولَوْ مِن غَيْرِ مُذَكّاةٍ. كَذا في (الإكْلِيلُ) .
16:81Страница 276
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ ٨١
Аллах даровал вам тень от того, что Он сотворил. Он устроил для вас убежища в горах, сотворил для вас одеяния, которые оберегают вас от жары, и доспехи, которые защищают вас от причиняемого вами вреда. Так Он доводит до конца Свою милость к вам, - быть может, вы станете мусульманами.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨١] ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالا وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكم كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ .
﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ﴾ أيْ: مِنَ الشَّجَرِ والجِبالِ والأبْنِيَةِ وغَيْرِها: ﴿ظِلالا﴾ أيْ: أفْياءٌ تَسْتَظِلُّونَ بِها مِن حَرِّ الشَّمْسِ: ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا﴾ أيْ: بُيُوتًا ومَعاقِلَ وحُصُونًا تَسْتَتِرُونَ بِها: ﴿وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ جَمْعُ سِرْبالٍ، وهو كُلُّ (p-٣٨٤٥)ما يُلْبَسُ مِنَ القُطْنِ والصُّوفِ ونَحْوِها. وإنَّما خَصَّ الحَرَّ؛ اكْتِفاءً بِذِكْرِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ. أوْ لِأنَّ الوِقايَةَ مِنَ الحَرِّ أهَمُّ عِنْدَ العَرَبِ؛ لِشِدَّتِهِ بِأكْثَرِ بِلادِهِمْ وخُصُوصًا قُطّانُ الحِجازِ وهُمُ الأصْلُ في هَذا الخِطابِ. قِيلَ: يُبْعِدُهُ ذِكْرُ وِقايَةِ البَرْدِ سابِقًا في قَوْلِهِ: ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] وهو وجْهُ الِاقْتِصارِ عَلى الحَرِّ هُنا، لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ خِلافِهِ: ﴿وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ كالدُّرُوعِ مِنَ الحَدِيدِ والزَّرَدِ ونَحْوِها، الَّتِي يُتَّقى بِها سِلاحُ العَدُوِّ في الحَرْبِ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ أيْ: إرادَةَ أنْ تَنْظُرُوا فِيما أسْبَغَ عَلَيْكم مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ والأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ، فَتُسْلِمُوا وُجُوهَكم إلَيْهِ تَعالى، وتُؤْمِنُوا بِهِ وحْدَهُ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وإفْرادُ النِّعْمَةِ، إمّا لِأنَّ المُرادَ بِها المَصْدَرُ، أوْ لِإظْهارِ أنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى جانِبِ الكِبْرِياءِ شَيْءٌ قَلِيلٌ. وقُرِئَ (تَسْلَمُونَ) بِفَتْحِ اللّامِ أيْ: مِنَ العَذابِ أوِ الجِراحِ.
16:82–84Страница 276
فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٨٢
Если же они отвернутся, то ведь на тебя возложена только ясная передача откровения.
يَعۡرِفُونَ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٣
Они узнают милость Аллаха, а затем отрицают ее, поскольку большинство из них - неверующие.
وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا ثُمَّ لَا يُؤۡذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٨٤
В тот день, когда Мы выставим из каждой общины свидетеля, неверующим не позволят оправдываться, и от них не потребуют покаяния.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٢-٨٤] ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤] .
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا البَيانِ وهَذا الِامْتِنانِ: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾
﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٨٣] أيِ: الَّتِي عُدِّدَتْ، وأنَّها بِخَلْقِهِ: ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ [النحل: ٨٣] أيْ: بِعِبادَتِهِمْ غَيْرَ المُنْعِمِ بِها، وقَوْلِهِمْ: هي مِنَ اللَّهِ، ولَكِنَّها بِشَفاعَةِ آلِهَتِنا: ﴿وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣]
(p-٣٨٤٦)ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ شَأْنِهِمْ في مَعادِهِمْ بِقَوْلِهِ:
﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [النحل: ٨٤] وهو نَبِيُّها يَشْهَدُ عَلَيْها بِما أجابَتْهُ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ فِيما بَلَغَها: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النحل: ٨٤] أيْ: في الِاعْتِذارِ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ بُطْلانَهُ وكَذِبَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤] أيْ: لا يُطْلَبُ مِنهُمُ العُتْبى. أيْ: إزالَةُ عَتَبِ رَبِّهِمْ وغَضَبِهِ. ) والعُتْبى ) بِالضَّمِّ: الرِّضا وهو الرُّجُوعُ عَنِ الإساءَةِ إلى ما يُرْضِي العاتِبَ. يُقالُ: اسْتَعْتَبَهُ: أعْطاهُ العُتْبى بِالرُّجُوعِ إلى مَسَرَّتِهِ. والعَتَبُ: لَوْمُكَ الرَّجُلَ عَلى إساءَةٍ كانَتْ لَهُ إلَيْكَ، والمَرْءُ إنَّما يَطْلُبُ العِتابَ مِن خَصْمِهِ؛ لِيُزِيلَ ما في نَفْسِهِ عَلَيْهِ مِنَ المَوْجِدَةِ والغَضَبِ ويَرْجِعُ إلى الرِّضا عَنْهُ، فَإذا لَمْ يَطْلُبِ العِتابَ مِنهُ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ ثابِتٌ عَلى غَضَبِهِ عَلَيْهِ.
16:85–86Страница 276
وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلۡعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٨٥
Когда же беззаконники увидят мучения, то не будет им ни облегчения, ни отсрочки.
وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ شُرَكَآءَهُمۡ قَالُواْ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدۡعُواْ مِن دُونِكَۖ فَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلَ إِنَّكُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٨٦
Когда многобожники увидят своих сотоварищей, они скажут: «Господь наш! Вот сотоварищи, к которым мы взывали вместо Тебя». Но они отбросят их слова и скажут: «Воистину, вы - лжецы!».
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٥-٨٦] ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ [النحل: ٨٦] .
﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ: يُؤَخَّرُونَ.
﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ﴾ [النحل: ٨٦] يَعْنِي أوْثانَهُمُ الَّتِي عَبَدُوها: ﴿قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ﴾ [النحل: ٨٦] أيْ: أرْبابًا أوْ نَعْبُدُها: ﴿فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ [النحل: ٨٦] أيْ: أجابُوهم بِالتَّكْذِيبِ في تَسْمِيَتِهِمْ شُرَكاءَ وآلِهَةً؛ تَنْزِيهًا لِلَّهِ عَنِ الشِّرْكِ. أوْ بِالتَّكْذِيبِ في دَعْواهم أنَّهم حَمَلُوهم عَلى عِبادَتِهِمْ.
قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: مَقْصُودُ المُشْرِكِينَ إحالَةُ هَذا الذَّنْبِ عَلى هَذِهِ الأصْنامِ. وظَنُّوا (p-٣٨٤٧)أنَّ ذَلِكَ يُنْجِيهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى أوْ يَنْقُصُ مِن عَذابِهِمْ. فَعِنْدَ هَذا تُكَذِّبُهم بِتِلْكَ الأصْنامُ. وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥] ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٦] وقالَ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ [مريم: ٨١] ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] وقَوْلُهُ تَعالى:
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии