Аль-Касими · Тафсир · на арабском
Аль-Анбия 21:18–29
21:18Страница 323
بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ وَلَكُمُ ٱلۡوَيۡلُ مِمَّا تَصِفُونَ ١٨
Однако Мы бросаем истину в ложь, и та разбивается и исчезает. Горе вам за то, что вы приписываете!
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨] ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ ولَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ .
﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ﴾ إضْرابٌ عَنِ اتِّخاذِ اللَّهْوِ بَلْ عَنْ إرادَتِهِ. وتَنْزِيهٌ مِنهُ لِذاتِهِ العَلِيَّةِ كَأنَّهُ قالَ: سُبْحانَنا أنْ نَتَّخِذَ اللَّهْوَ واللَّعِبَ أوْ نُرِيدَهُ، بَلْ مِن شَأْنِنا أنْ نَدْحَضَ الباطِلَ بِالحَقِّ: فَيَدْمَغُهُ أيْ: يَمْحَقُهُ بِالكُلِّيَّةِ كَما فَعَلْنا بِأهْلِ القُرى المَحْكِيَّةِ: ﴿فَإذا هو زاهِقٌ﴾ أيْ: هالِكٌ بِالكُلِّيَّةِ. وقَدِ اسْتُعِيرَ لِإرْسالِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ (القَذْفُ) الَّذِي هو الرَّمْيُ الشَّدِيدُ بِالجِرْمِ الصُّلْبِ كالصَّخْرَةِ. ولِمَحْقِهِ لِلْباطِلِ. (الدَّمْغُ) الَّذِي هو كَسْرُ الشَّيْءِ الرَّخْوِ الأجْوَفِ. وهو الدِّماغُ بِحَيْثُ يَشُقُّ غِشاءَهُ المُؤَدِّيَ إلى زُهُوقِ الرُّوحِ، اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِغَلَبَةِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ حَتّى يُذْهِبَهُ، بِرَمْيِ جِرْمٍ صُلْبٍ عَلى رَأْسِ دِماغِها رَخْوٍ لِيَشُقَّهُ، وذَكَرَ: ﴿فَإذا هو زاهِقٌ﴾ لِتَرْشِيحِ المَجازِ. لِأنَّ مَن رَمى فَدَمَغَ تَزْهَقُ رُوحُهُ. فَهو مِن لَوازِمِهِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: وفي (إذا) الفُجائِيَّةِ والجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ المُسارَعَةِ في الذَّهابِ والبُطْلانِ، ما لا يَخْفى. فَكَأنَّهُ زاهِقٌ مِنَ الأصْلِ (p-٤٢٥٦)وفِي الآيَةِ إيماءٌ إلى عُلُوِّ الحَقِّ وتَسَفُّلِ الباطِلِ. وأنَّ جانِبَ الأوَّلِ باقٍ والثّانِي فانٍ: ﴿ولَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ أيْ: مِمّا تَصِفُونَهُ بِهِ مِنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ ونَحْوِهِ، مِمّا تَتَنَزَّهُ عَظَمَتُهُ عَنْهُ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ عُبُودِيَّةِ المَلائِكَةِ لَهُ، ودَأْبِهِمْ في طاعَتِهِ لَيْلًا ونَهارًا، وبَراءَتِهِمْ مِنَ البُنُوَّةِ المُفْتَراةِ عَلَيْهِمْ، إثْرَ إخْبارِهِ عَنْ مُلْكِهِ لِلْخَلْقِ كافَّةً، بِقَوْلِهِ:
21:19Страница 323
وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ ١٩
Ему принадлежат все, кто на небесах и на земле. А те, кто находится рядом с Ним, не превозносятся над поклонением Ему и не устают.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩] ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ .
﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: مُلْكًا وتَدْبِيرًا: ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ وهُمُ المَلائِكَةُ: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أيْ: لا يَعْيَوْنَ ولا يَتْعَبُونَ مِنها.
21:20Страница 323
يُسَبِّحُونَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفۡتُرُونَ ٢٠
Они славят Его днем и ночью без устали.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠] ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ .
﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ أيْ: مِن تَنْزِيهِهِ وعِبادَتِهِ،
21:21Страница 323
أَمِ ٱتَّخَذُوٓاْ ءَالِهَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ هُمۡ يُنشِرُونَ ٢١
Или же они стали поклоняться божествам из земли, которые способны воскрешать?
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى تَقْرِيرِ وحْدانِيَّتِهِ في أُلُوهِيَّتِهِ ونَفْيِ الأنْدادِ، إثْرَ تَقْرِيرِهِ أمْرَ الرِّسالَةِ- فَإنَّ ما سَلَفَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ كانَ في تَحْقِيقِ شَأْنِ النُّبُوَّةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١] ﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم يُنْشِرُونَ﴾ .
﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم يُنْشِرُونَ﴾ أيْ: يَبْعَثُونَ المَوْتى ويُخْرِجُونَهم مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ.
أيْ بَلِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم مَعَ حَقارَتِهِمْ وجَمادِيَّتِهِمْ يُنْشِرُونَ المَوْتى. كَلّا فَإنَّ (p-٤٢٥٧)ما اتَّخَذُوها آلِهَةً بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ. فَكَيْفَ جَعَلُوها لِلَّهِ نِدًّا، وعَبَدُوها مَعَهُ؟
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ أنْكَرَ عَلَيْهِمُ اتِّخاذَ آلِهَةٍ تَنْشُرُ، وما كانُوا يَدْعُونَ ذَلِكَ لِآلِهَتِهِمْ؟ كَيْفَ، وهم أبْعَدُ شَيْءٍ عَنْ هَذِهِ الدَّعْوى؟ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا مَعَ إقْرارِهِمْ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِأنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] وبِأنَّهُ القادِرُ عَلى المَقْدُوراتِ كُلِّها وعَلى النَّشْأةِ الأُولى، مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ. ويَقُولُونَ: ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] وكانَ عِنْدَهم مِن قَبِيلِ المُحالِ الخارِجِ عَنْ قُدْرَةِ القادِرِ كَثانِي القَدِيمِ. فَكَيْفَ يَدَّعُونَهُ لِلْجَمادِ الَّذِي لا يُوصَفُ بِالقُدْرَةِ رَأْسًا؟
قُلْتُ: الأمْرُ كَما ذَكَرْتَ. ولَكِنَّهم بِادِّعائِهِمْ لَها الإلَهِيَّةً، يَلْزَمُهم أنْ يَدْعُوا لَها الإنْشارَ. لِأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ هَذا الِاسْمَ إلّا القادِرُ عَلى كُلِّ مَقْدُورٌ. والإنْشارُ مِن جُمْلَةِ المَقْدُوراتِ. انْتَهى.
قالَ في (الِانْتِصافِ): فَيَكُونُ المُنْكَرُ عَلَيْهِمْ صَرِيحَ الدَّعْوى ولازِمَها. وهو أبْلَغُ في الإنْكارِ.
ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ بابٌ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ والتَّوْبِيخِ والتَّجْهِيلِ وإشْعارٌ بِأنَّ ما اسْتَبْعَدُوهُ مِنَ اللَّهِ لا يَصِحُّ اسْتِبْعادُهُ، لِأنَّ الإلَهِيَّةَ لَمّا صَحَّتْ صَحَّ مَعَها الِاقْتِدارُ عَلى الإبْداءِ والإعادَةِ. انْتَهى.
لَطِيفَةٌ:
سِرُّ قَوْلِهِ تَعالى: مِنَ الأرْضِ هو التَّحْقِيرُ، أيْ: تَحْقِيرُ الأصْنامِ بِأنَّها أرْضِيَّةٌ سُفْلِيَّةٌ. وجُوِّزَ إرادَةُ التَّخْصِيصِ. أيِ: الآلِهَةُ الَّتِي مِن جِنْسِ الأرْضِ. لِأنَّها إمّا أنْ تُنْحَتَ مِن بَعْضِ الحِجارَةِ أوْ تُعْمَلَ مِن بَعْضِ جَواهِرِ الأرْضِ. وإنَّما خَصَّصَ الإنْكارَ بِها، لِأنَّ ما هو أرْضِيٌّ مَصْنُوعٌ بِأيْدِيهِمْ كَيْفَ يَدَّعِي أُلُوهِيَّتَهُ؟
21:22Страница 323
لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٢٢
Если бы на них (на небесах и земле) были иные божества наряду с Аллахом, то они (небеса и земля) разрушились бы. Аллах, Господь Трона, пречист и далек от того, что они приписывают Ему!
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بُطْلانَ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ بِإقامَةِ البُرْهانِ عَلى انْتِفائِهِ، بَلْ عَلى اسْتِحالَتِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
(p-٤٢٥٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢] ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ .
﴿لَوْ كانَ فِيهِما﴾ أيْ: يَتَصَرَّفُ في السَّماواتِ والأرْضِ: ﴿آلِهَةٌ إلا اللَّهُ﴾ أيْ: غَيْرُهُ: ﴿لَفَسَدَتا﴾ أيْ: لَبَطَلَتا بِما فِيهِما جَمِيعًا، واخْتَلَّ نِظامُهُما المُشاهَدُ، كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] قالَ أبُو السُّعُودِ: وحَيْثُ انْتَفى التّالِي، عُلِمَ انْتِفاءُ المُقَدَّمِ قَطْعًا. بَيانُ المُلازَمَةِ؛ أنَّ الإلَهِيَّةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْقُدْرَةِ عَلى الِاسْتِبْدادِ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِما عَلى الإطْلاقِ تَغْيِيرًا وتَبْدِيلًا، وإيجادًا وإعْدامًا وإحْياءً وإماتَةً. فَبَقاؤُهُما عَلى ما هُما عَلَيْهِ إمّا بِتَأْثِيرِ كُلٍّ مِنها، وهو مُحالٌ لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِ المَعْلُولِ المُعَيَّنِ بِعِلَلٍ مُتَعَدِّدَةٍ. وإمّا بِتَأْثِيرٍ واحِدٍ مِنها، فالبَواقِي بِمَعْزِلٍ مِنَ الإلَهِيَّةِ قَطْعًا، واعْلَمْ أنَّ جَعْلَ التّالِي فَسادَهُما بَعْدَ وُجُودِهِما، لِما أنَّهُ اعْتُبِرَ في المُقَدَّمِ تَعْدادُ الآلِهَةِ فِيهِما. وإلّا فالبُرْهانُ يَقْضِي بِاسْتِحالَةِ التَّعَدُّدِ عَلى الإطْلاقِ فَإنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَ الإلَهُ، فَإنَّ تَوافُقَ الكُلِّ في المُرادِ، تَطارَدَتْ عَلَيْهِ القُدَرُ، وإنْ تَخالَفَتْ تَعاوَقَتْ. فَلا يُوجَدُ مَوْجُودًا أصْلًا. وحَيْثُ انْتِفاءُ التّالِي تَعَيَّنَ انْتِفاءُ المُقَدَّمِ. انْتَهى.
وتَفْصِيلُهُ كَما في (المَقاصِدِ) أنَّهُ لَوْ وُجِدَ إلَهانِ بِصِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ، فَإذا أرادَ أحَدُهُما أمْرًا كَحَرَكَةِ جِسْمٍ مَثَلًا، فَإمّا أنْ يَتَمَكَّنَ الآخَرُ مِن إرادَةِ ضِدِّهِ أوْ لا. وكِلاهُما مُحالٌ. أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لَوْ فُرِضَ تَعَلُّقُ إرادَتِهِ بِذَلِكَ الضِّدِّ، فَإمّا أنْ يَقَعَ مُرادُهُما وهو مُحالٌ، لِاسْتِلْزامِهِ اجْتِماعَ الضِّدَّيْنِ. أوْ لا يَقَعُ مُرادُ واحِدٍ مِنهُما، وهو مُحالٌ لِاسْتِلْزامِهِ عَجْزَ الإلَهَيْنِ المَوْصُوفَيْنِ بِكَمالِ القُدْرَةِ عَلى ما هو المَفْرُوضُ، ولِاسْتِلْزامِهِ ارْتِفاعَ الضِّدَّيْنِ المَفْرُوضِ امْتِناعُ خُلُوِّ المَحَلِّ عَنْهُما، كَحَرَكَةِ جِسْمٍ وسُكُونِهِ في زَمانٍ مُعَيَّنٍ، أوْ يَقَعُ مُرادُ أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ وهو مُحالٌ. لِاسْتِلْزامِهِ التَّرْجِيحَ بِلا مُرَجَّحٍ، وعَجْزَ مَن فُرِضَ قادِرًا حَيْثُ لَمْ يَقَعْ مُرادُهُ. وهَذا البُرْهانُ يُسَمّى بُرْهانَ التَّمانُعِ. وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ فَإنْ أُرِيدَ بِالفَسادِ عَدَمُ (p-٤٢٥٩)التَّكَوُّنِ، فَتَقْرِيرُهُ أنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَ الإلَهُ لَمْ تَتَكَوَّنِ السَّماءُ والأرْضُ. لِأنَّ تَكَوُّنَهُما إمّا بِمَجْمُوعِ القُدْرَتَيْنِ أوْ بِكُلٍّ مِنهُما أوْ بِأحَدِهِما. والكُلُّ باطِلٌ. أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ مِن شَأْنِ الإلَهِ كَمالَ القُدْرَةِ. وأمّا الآخَرانِ فَلِما مَرَّ. وإنْ أُرِيدَ بِالفَسادِ الخُرُوجُ عَمّا هُما عَلَيْهِ مِنَ النِّظامِ، فَتَقْرِيرُهُ أنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَ الإلَهُ لَكانَ بَيْنَهُما التَّنازُعُ والتَّغالُبُ. وتَمَيَّزَ صُنْعُ كُلٍّ عَنْ صُنْعِ الآخَرِ، بِحُكْمِ اللُّزُومِ العادِيِّ. فَلَمْ يَحْصُلْ بَيْنَ أجْزاءِ العالَمِ هَذا الِالتِئامُ، الَّذِي بِاعْتِبارِهِ صارَ الكُلُّ بِمَنزِلَةِ شَخْصٍ واحِدٍ. ويَخْتَلُّ الِانْتِظامُ الَّذِي بِهِ بَقاءُ الأنْواعِ. وتَرَتُّبُ الآثارِ. انْتَهى.
هَذا وقَدْ قِيلَ: إنَّ المَطْلَبَ هُنا بُرْهانِيٌّ، والمُشارُ إلَيْهِ في الآيَةِ إقْناعِيٌّ. ولا يُفِيدُ العِلْمُ اليَقِينِيُّ فَلا يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى هَذا المَطْلَبِ، ومِمَّنْ فَصَّلَ ذَلِكَ التَّفْتازانِيُّ في (شَرْحِ العَقائِدِ النَّسَفِيَّةِ) قادِحًا لِما أشارَ إلَيْهِ نَفْسُهُ في (شَرْحِ المَقاصِدِ) مِن كَوْنِ الآيَةِ بُرْهانًا، كَما ذَكَرْناهُ عَنْهُ. ومُلَخَّصُ كَلامِهِ أنَّ مُجَرَّدَ التَّعَدُّدِ لا يَسْتَلْزِمُ الفَسادَ بِالفِعْلِ، لِجَوازِ الِاتِّفاقِ عَلى هَذا النِّظامِ، أيْ: بِالِاشْتِراكِ أوْ بِتَفْوِيضِ أحَدِهِما إلى الآخَرِ فَلا يَسْتَلْزِمُ التَّعَدُّدُ التَّمانُعَ بِالفِعْلِ بَلْ بِالإمْكانِ. والإمْكانُ لا يَسْتَلْزِمُ الوُقُوعَ، فَيَجُوزُ أنْ لا يَقَعَ بَيْنَهُما ذَلِكَ التَّمانُعُ بَلْ يَتَّفِقانِ عَلى إيجادِهِما. ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ إمْكانَ التَّمانُعِ يَسْتَلْزِمُ التَّمانُعَ بِالفِعْلِ في كُلِّ مَصْنُوعٍ بِطَرِيقِ إرادَةِ الإيجادِ بِالِاسْتِقْلالِ. وكُلَّما لَزِمَ التَّمانُعُ لَمْ يُوجَدْ مَصْنُوعٌ أصْلًا. فَإنَّهُ لَوْ وُجِدَ عَلى تَقْدِيرِ التَّمانُعِ المَذْكُورِ اللّازِمِ لِلتَّعَدُّدِ فَإمّا بِمَجْمُوعِ القُدْرَتَيْنِ، فَيَلْزَمُ عَجْزُهُما. أوْ بِكُلٍّ مِنهُما فَيَلْزَمُ التَّوارُدُ. أوْ بِأحَدِهِما فَيَلْزَمُ الرُّجْحانُ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ، لِاسْتِواءِ نِسْبَةِ كُلِّ مُمْكِنٍ إلى قُدْرَةِ كُلٍّ مِنَ الإلَهَيْنِ والكُلُّ مَحالٌ ضَرُورَةً، وحاصِلُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَ الآلِهَةُ لَمْ يَتَكَوَّنْ مَصْنُوعٌ لِأنَّ التَّعَدُّدَ مُسْتَلْزَمٌ لِإمْكانِ التَّخالُفِ المُسْتَلْزِمِ لِلتَّوارُدِ أوِ العَجْزِ. فَظَهَرَ أنَّ الآيَةَ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ لِكَوْنِ المُلازَمَةِ فِيها قَطْعِيَّةً. وحَقَّقَ بَعْضُهم قَطْعِيَّةَ المُلازَمَةِ بِالعادَةِ القاضِيَةِ الَّتِي لَمْ يُوجَدْ أخْرَمُها قَطُّ في مَلِكَيْنِ مُقْتَدِرَيْنِ في مَدِينَةٍ واحِدَةٍ، أنْ يَطْلُبَ كُلٌّ الِانْفِرادَ بِالمُلْكِ والعُلُوَّ عَلى الآخَرِ وقَهْرَهُ، فَكَيْفَ بِالإلَهَيْنِ والإلَهُ يُوصَفُ بِأقْصى غاياتِ التَّكَبُّرِ، فَكَيْفَ لا يَطْلُبُ الِانْفِرادَ بِالمُلْكِ كَما أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] ؟ وهَذا إذا تُؤُمِّلَ لا تَكادُ النَّفْسُ تُخْطِرُ نَقِيضَهُ بِالبالِ، فَضْلًا عَنْ إخْطارِ فَرْضِهِ، مَعَ الجَزْمِ بِأنَّ الواقِعَ هو الآخَرُ. (p-٤٢٦٠)فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فالمُلازَمَةُ عِلْمٌ قَطْعِيٌّ. هَذا مُلَخَّصُ ما جاءَ في رَدِّ مَقالَةِ السَّعْدِ في الحَواشِي. وقَدْ شَنَّعَ عَلَيْهِ في مَقالَتِهِ المُتَقَدِّمَةِ غَيْرُ واحِدٍ. وبالَغَ مُعاصِرُهُ عَبْدُ اللَّطِيفِ الكِرْمانِيُّ في الِانْتِقادِ.
قالَ العَلّامَةُ المَرْجانِيُّ: وقَدْ سَبَقَهُ في هَذا أبُو المُعِينِ النَّسَفِيُّ في كِتابِهِ (التَّبْصِرَةُ) وتابَعَهُ صاحِبُ (الكَشْفِ) حَيْثُ شَنَّعَ عَلى أبِي هاشِمٍ الجُبّائِيِّ تَشْنِيعًا بَلِيغًا. حَتّى نَسَبَهُ إلى الكُفْرِ بِقَدْحِهِ في دَلالَةِ الآيَةِ قَطْعًا عَلى هَذا المُدَّعِي، ولا يَخْفى أنَّ الأفْهامَ لا تَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ. ولا تَزالُ تَتَبايَنُ وتَتَخالَفُ ما اخْتَلَفَتِ الصُّوَرُ والألْوانُ، ولا تَكْفِيرَ ولا تَضْلِيلَ، ما دامَ المَرْءُ عَلى سَواءِ السَّبِيلِ.
وقَدْ أوْضَحَ بَيانَ هَذِهِ المُلازَمَةِ مُفْتِي مِصْرَ في رِسالَةِ (التَّوْحِيدِ) إيضاحًا ما عَلَيْهِ مِن مَزِيدٍ، وعِبارَتُهُ: ومِمّا يَجِبُ لَهُ تَعالى صِفَةُ الوَحْدَةِ ذاتًا ووَصْفًا ووُجُودًا وفِعْلًا. أمّا الوَحْدَةُ الذّاتِيَّةُ فَقَدْ أثْبَتْناها فِيما تَقَدَّمَ بِنَفْيِ التَّرْكِيبِ في ذاتِهِ خارِجًا وعَقْلًا. وأمّا الوَحْدَةُ في الصِّفَةِ، أيْ: أنَّهُ لا يُساوِيهِ في صِفاتِهِ الثّابِتَةِ لَهُ مَوْجُودٌ، فَلِما بَيَّنّا مِن أنَّ الصِّفَةَ تابِعَةٌ لِمَرْتَبَةِ الوُجُودِ، ولَيْسَ في المَوْجُوداتِ ما يُساوِي واجِبَ الوُجُودِ في مَرْتَبَةِ الوُجُودِ. فَلا يُساوِيهِ فِيما يَتْبَعُ الوُجُودَ مِنَ الصِّفاتِ. وأمّا الوَحْدَةُ في الوُجُودِ وفي الفِعْلِ، ونَعْنِي بِها التَّفَرُّدَ بِوُجُوبِ الوُجُودِ وما يَتْبَعُهُ مِن إيجادِ المُمْكِناتِ، فَهي ثابِتَةٌ، لِأنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَ واجِبُ الوُجُودِ لَكانَ لِكُلٍّ مِنَ الواجِبَيْنِ تَعَيُّنٌ يُخالِفُ تَعَيُّنَ الآخَرِ بِالضَّرُورَةِ. وإلّا لَمْ يَتَحَصَّلْ مَعْنى التَّعَدُّدِ. وكُلَّما اخْتَلَفَتِ التَّعْيِناتِ اخْتَلَفَتِ الصِّفاتُ الثّابِتَةُ لِلذَّواتِ المُتَعَيِّنَةِ، لِأنَّ الصِّفَةَ إنَّما تَتَعَيَّنُ وتَنالُ تَحَقُّقَها الخاصَّ بِها، بِتَعَيُّنِ ما يَثْبُتُ لَهُ بِالبَداهَةِ. فَيَخْتَلِفُ العِلْمُ والإرادَةُ بِاخْتِلافِ الذَّواتِ الواجِبَةِ. إذْ يَكُونُ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها عِلْمٌ وإرادَةٌ يُبايِنانِ عِلْمَ الأُخْرى وإرادَتَها ويَكُونُ لِكُلِّ واحِدَةٍ عِلْمٌ وإرادَةٌ يُلائِمانِ ذاتَها وتَعَيُّنَها الخاصَّ بِها. هَذا التَّخالُفُ ذاتِيٌّ، لِأنَّ عِلْمَ الواجِبِ وإرادَتَهُ لا زَمانَ لِذاتِهِ مِن ذاتِهِ لا لِأمْرٍ خارِجٍ. فَلا سَبِيلَ إلى التَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ فِيهِما كَما سَبَقَ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ فِعْلَ الواجِبِ إنَّما يَصْدُرُ عَنْهُ عَلى حَسَبِ عِلْمِهِ وحُكْمِ إرادَتِهِ، فَيَكُونُ فِعْلُ كُلٍّ صادِرًا عَلى حُكْمٍ يُخالِفُ (p-٤٢٦١)الآخَرَ مُخالَفَةً ذاتِيَّةً. فَلَوْ تَعَدَّدَ الواجِبُونَ لَتَخالَفَتْ أفْعالُهم بِتَخالُفِ عُلُومِهِمْ وإرادَتِهِمْ. وهو خِلافٌ يَسْتَحِيلُ مَعَهُ الوِفاقُ. وكُلُّ واحِدٍ بِمُقْتَضى وُجُوبِ وُجُودِهِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الصِّفاتِ، لَهُ السُّلْطَةُ عَلى الإيجادِ في عامَّةِ المُمْكِناتِ. فَكُلٌّ لَهُ التَّصَرُّفُ في كُلٍّ مِنها عَلى حَسَبِ عِلْمِهِ وإرادَتِهِ. ولا مُرَجِّحَ لِنَفاذِ إحْدى القُدْرَتَيْنِ دُونَ الأُخْرى. فَتَتَضارَبُ أفْعالُهم حَسَبَ التَّضارُبِ في عُلُومِهِمْ وإرادَتِهِمْ، فَيَفْسُدُ نِظامُ الكَوْنِ، بَلْ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ لَهُ نِظامٌ، بَلْ يَسْتَحِيلُ وُجُودُ مُمْكِنٍ مِنَ المُمْكِناتِ. لِأنَّ كُلَّ مُمْكِنٍ لا بُدَّ أيْ: يَتَعَلَّقُ بِهِ الإيجادُ عَلى حَسَبِ العُلُومِ والإراداتِ المُخْتَلِفَةِ. فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِلشَّيْءِ الواحِدِ وُجُوداتٌ مُتَعَدِّدَةٌ وهو مُحالٌ فَـ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا لَكِنَّ الفَسادَ مُمْتَنِعٌ بِالبَداهَةِ. فَهو جَلَّ شَأْنُهُ واحِدٌ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ لا شَرِيكَ لَهُ في وُجُودِهِ ولا في أفْعالِهِ. انْتَهى.
وأشارَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ في كِتابِ (الِاقْتِصادُ في الِاعْتِقادِ) في بَحْثِ الوَحْدَةِ، إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا أبْيَنَ مِنها في بُرْهانِ التَّوْحِيدِ، وأنَّهُ لا مَزِيدَ عَلى بَيانِ القُرْآنِ. قالَ الكَلَنْبَوِيُّ: الفَسادُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ إمّا بِمَعْنى خُرُوجِ السَّماءِ والأرْضِ عَنْ هَذا النِّظامِ المُشاهَدِ مِن بَقاءِ الأنْواعِ وتَرْتِيبِ الآثارِ كَما هو الظّاهِرُ. وإمّا بِمَعْنى عَدَمِ تَكَوُّنِهِما في الأصْلِ كَما قالُوا. ثُمَّ إنَّ كُلَّ مَن يُخاطَبُ بِها يَعْرِفُ أنَّ مَنشَأ الفَسادِ هو تَعَدُّدُ الإلَهِ. فَهي بِعِبارَتِها تَنْفِي آلِهَةً مُتَعَدِّدَةً غَيْرَ الواجِبِ تَعالى، وبِدَلالَتِها تَنْفِي تَعَدُّدَ الآلِهَةِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أيْ: مِن وُجُودِ شِرْكٍ لَهُ فِيهِما والفاءُ لِتَرَتُّبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن ثُبُوتِ الوَحْدانِيَّةِ بِالدَّلِيلِ المُتَقَدِّمِ. أيْ: فَسَبِّحُوهُ سُبْحانَهُ اللّائِقَ بِهِ، ونَزِّهُوهُ عَمّا يَفْتَرُونَ. وفِيهِ تَعَجُّبٌ مِمَّنْ يُشْرَكُ مَعَ المَعْبُودِ الأعْظَمِ البارِئِ لِأعْظَمِ المُكَوِّناتِ وهو العَرْشُ، غَيْرَهُ مِمَّنْ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ البَتَّةَ.
21:23Страница 323
لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ ٢٣
Его не спросят за то, что Он совершает, а они будут спрошены.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣] ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ .
﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ أيْ: هو الحاكِمُ الَّذِي لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، ولا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ أحَدٌ لِعَظَمَتِهِ (p-٤٢٦٢)وجَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ وعُلُوِّهِ وحِكْمَتِهِ وعَدْلِهِ ولُطْفِهِ: ﴿وهم يُسْألُونَ﴾ الضَّمِيرُ لِلْعِبادِ. أيْ: يُسْألُونَ عَمّا يَفْعَلُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣]
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا كانَتْ عادَةُ المُلُوكِ والجَبابِرَةِ أنْ لا يَسْألَهم مَن في مَمْلَكَتِهِمْ عَنْ أفْعالِهِمْ وعَمّا يُورِدُونَ ويُصْدِرُونَ مِن تَدْبِيرِ مُلْكِهِمْ، تَهَيُّبًا وإجْلالًا، مَعَ جَوازِ الخَطَأِ والزَّلَلِ وأنْواعِ الفَسادِ عَلَيْهِمْ، كانَ مَلِكُ المُلُوكِ ورَبُّ الأرْبابِ خالِقُهم ورازِقُهُمْ، أوْلى بِأنْ لا يُسْألَ عَنْ أفْعالِهِ، مَعَ ما عُلِمَ واسْتَقَرَّ في العُقُولِ مِن أنَّ ما يَفْعَلُهُ كُلَّهُ مَفْعُولٌ بِحِكْمَةٍ، ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ خَطَأٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿وهم يُسْألُونَ﴾ أيْ: هم مَمْلُوكُونَ مُسْتَعْبَدُونَ خَطّاءُونَ. فَما أخْلَقَهم بِأنْ يُقالَ لَهُمْ: لِمَ فَعَلْتُمْ؟ في كُلِّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ. انْتَهى.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]
تَنْبِيهٌ:
قالَ الإمامُ الغَزالِيُّ في (المَضْنُونُ بِهِ عَلى غَيْرِ أهْلِهِ): وأمّا مَعْنى قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٥] فالسُّؤالُ قَدْ يُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ الإلْزامُ. يُقالُ: ناظَرَ فُلانٌ فُلانًا وتَوَجَّهَ عَلَيْهِ سُؤالَهُ. وقَدْ يُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ الِاسْتِخْبارُ، كَما يَسْألُ التِّلْمِيذُ أُسْتاذَهُ. واللَّهُ تَعالى لا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ السُّؤالُ بِمَعْنى الإلْزامِ. وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ إذْ لا يُقالُ لِمَ قَوْلُ إلْزامٍ. فَأمّا أنْ لا يُسْتَخْبَرَ ولا يُسْتَفْهَمَ، فَلَيْسَ كَذَلِكَ. وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى﴾ [طه: ١٢٥] وقَوْلُهُ تَعالى:
21:24Страница 323
أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡۖ هَٰذَا ذِكۡرُ مَن مَّعِيَ وَذِكۡرُ مَن قَبۡلِيۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّۖ فَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٤
Неужели они стали поклоняться иным божествам вместо Него? Скажи: «Приведите ваши доказательства! Вот напоминание для тех, кто со мной, и напоминание для тех, кто жил до меня». Однако большинство их не ведает об истине и отворачивается.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤] ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَهم مُعْرِضُونَ﴾ .
(p-٤٢٦٣)﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ كَرَّرَهُ اسْتِعْظامًا لِكُفْرِهِمْ، وإظْهارًا لِجَهْلِهِمْ، وانْتِقالًا إلى إظْهارِ بُطْلانِ اتِّخاذِها آلِهَةً، ومَعَ خُلُوِّها عَنْ خَصائِصِ الإلَهِيَّةِ. وتَبْكِيتِهِمْ بِإقامَةِ البُرْهانِ عَلى دَعْواهم. ولِذا قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ: دَلِيلَكم عَلى ما تَفْتَرُونَ. أمّا مِن جِهَةِ العَقْلِ والنَّقْلِ، فَإنَّهُ لا صِحَّةَ لِقَوْلٍ لا بُرْهانَ لَهُ ولا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وما في إضافَةِ البُرْهانِ إلى ضَمِيرِهِمْ مِنَ الإشْعارِ بِأنَّ لَهم بُرْهانًا، ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ إنارَةٌ لِبُرْهانِهِ، وإشارَةٌ إلى أنَّهُ مِمّا نَطَقَتْ لَهُ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ قاطِبَةً، وشَهِدَتْ بِهِ ألْسِنَةُ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمَةِ كافَّةً. وزِيادَةُ تَهْيِيجٍ لَهم عَلى إقامَةِ البُرْهانِ لِإظْهارِ كَمالِ عَجْزِهِمْ. أيْ: هَذا الوَحْيُ الوارِدُ في شَأْنِ التَّوْحِيدِ، المُتَضَمِّنُ لِلْبُرْهانِ القاطِعِ العَقْلِيِّ، ذَكَّرَ أُمَّتِي أيْ: عِظَتَهُمْ، وذَكَّرَ الأُمَمَ السّابِقَةَ قَدْ أقَمْتُهُ فَأقِيمُوا أنْتُمْ أيْضًا بُرْهانَكُمُ. انْتَهى.
ثُمَّ أشارَ تَعالى أنَّهُ لا يَنْجَعُ فِيهِمُ المُحاجَّةُ بِتَحْقِيقِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَهم مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: عَنِ النَّظَرِ المُوصِلِ إلى الهُدى.
21:25Страница 324
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ ٢٥
Мы не посылали до тебя ни одного посланника, которому не было бы внушено: «Нет божества, кроме Меня. Поклоняйтесь же Мне!».
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ التَّوْحِيدَ دَعْوى كُلِّ نَبِيٍّ، بِقَوْلِهِ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥] ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ﴾ .
﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ﴾ وقُرِئَ يُوحى بِالياءِ وفَتْحِ الحاءِ: ﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ﴾ كَما قالَ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] وقالَ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا (p-٤٢٦٤)فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] فَكُلُّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ يَدْعُو إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. والفِطْرَةُ شاهِدَةٌ بِذَلِكَ أيْضًا، والمُشْرِكُونَ لا بُرْهانَ لَهم وحُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ.
21:26–27Страница 324
وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۚ بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ ٢٦
Они говорят: «Милостивый взял Себе сына». Пречист Он! Они же - почитаемые рабы.
لَا يَسۡبِقُونَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ وَهُم بِأَمۡرِهِۦ يَعۡمَلُونَ ٢٧
Они не опережают Его своими речами и поступают согласно Его велениям.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بُطْلانَ ما يَفْتَرِيهِ بَعْضُ المُشْرِكِينَ مِن أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ، تَعالى عُلُوًّا كَبِيرًا، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦] ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [٢٧] ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] .
﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أيْ: مُقَرَّبُونَ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ [الأنبياء: ٢٧] أيْ: يَتْبَعُونَ قَوْلَهُ، فَلا يَقُولُونَ شَيْئًا حَتّى يَقُولَهُ تَعالى أوْ يَأْمُرَهم بِهِ كَما هو شَأْنُ العَبِيدِ المُؤَدَّبِينَ: وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ فَلا يَعْصُونَهُ في أمْرٍ. إشارَةٌ إلى مُراعاتِهِمْ في أدَبِ العُبُودِيَّةِ في الأفْعالِ أيْضًا، كالأقْوالِ.
21:28Страница 324
يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ ٢٨
Он ведает их прошлое и будущее. Они заступаются только за тех, кем Он доволен, а сами трепещут от страха перед Ним.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨] ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضى وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ .
﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ أيْ: مِمّا قَدَّمُوا وأخَّرُوا. فَهو المُحِيطُ بِهِمْ عِلْمًا: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَكَيْفَ يَخْرُجُونَ عَنْ عُبُودِيَّتِهِ؟ ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضى﴾ أيْ: أنْ يَشْفَعَ لَهُ، مَهابَةً مِنهُ تَعالى.
قالَ المَهايِمِيُّ: كَيْفَ يَخْرُجُونَ عَنْ عُبُودِيَّتِهِ ولا يَقْدِرُونَ عَلى أدْنى وُجُوهِ مُعارَضَتِهِ. لِأنَّهم لا يَشْفَعُونَ (p-٤٢٦٥)إلّا لِمَنِ ارْتَضى. إذِ الشَّفاعَةُ لِغَيْرِ المُرْتَضى نَوْعُ مُعارَضَةٍ مَعَهُ. وكَيْفَ يُعارِضُونَهُ: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ﴾ أيْ: قَهْرِهِ: ﴿مُشْفِقُونَ﴾ أيْ: خائِفُونَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضى﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ [سبإ: ٢٣] في آياتٍ كَثِيرَةٍ بِمَعْنى ذَلِكَ.
21:29Страница 324
۞ وَمَن يَقُلۡ مِنۡهُمۡ إِنِّيٓ إِلَٰهٞ مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجۡزِيهِ جَهَنَّمَۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩
А тому из них, кто скажет: «Я являюсь богом наряду с Ним», - воздаянием будет Геенна. Так Мы воздаем беззаконникам.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٩] ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ .
﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ الضَّمِيرُ في (مِنهُمْ) لِلْمَلائِكَةِ. لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِمْ واقْتِضاءِ السِّياقِ، وكَوْنِهِ أبْلَغَ في الرَّدِّ والتَّهْدِيدِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وبَعْدَ أنْ وصَفَ كَرامَتَهم عَلَيْهِ وقُرْبَ مَنزِلَتِهِمْ عِنْدَهُ، وأثْنى عَلَيْهِمْ، وأضافَ إلَيْهِمْ تِلْكَ الأفْعالَ السُّنِّيَّةَ والأعْمالَ المُرْضِيَةَ، فاجَأ بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ. وأنْذَرَ بِعَذابِ جَهَنَّمَ مَن أشْرَكَ مِنهم. إنْ كانَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّمْثِيلِ، مَعَ إحاطَةِ عِلْمِهِ بِأنَّهُ لا يَكُونُ كَما قالَ: ﴿ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] قَصَدَ بِذَلِكَ تَفْظِيعَ أمْرِ الشِّرْكِ، وتَعْظِيمَ شَأْنِ التَّوْحِيدِ. انْتَهى.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ إشْعارٌ بِظُلْمِ مَن يَقُولُ تِلْكَ العَظِيمَةَ. كَيْفَ لا؟ وقَدِ اسْتَهانَ بِرُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ وجاوَزَ بِها مَقامَها الأسْمى.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии