Аль-Касими · Тафсир · на арабском
Ан-Нур 24:26, продолжение
فَإنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ عائِشَةَ في قِصَّةِ الإفْكِ، أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ حَلَفَ ألّا يُنْفِقَ عَلى مِسْطَحِ بْنِ أثاثَةَ، وكانَ أحَدَ الخائِضِينَ في الإفْكِ في شَأْنِ عائِشَةَ. وكانَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ بِنْتَ خالَةِ أبِي بَكْرٍ. وقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ مِن ذَوِي القُرْبى الَّذِينَ نَهى عَنْ تَرْكِ إيتائِهِمْ. والنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. فَإذا لَمْ يَجُزِ الحَلِفُ عَلى تَرْكِ الفِعْلِ، كانَ الفِعْلُ واجِبًا، لِأنَّ الحَلِفَ عَلى تَرْكِ الجائِزِ جائِزٌ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
الرّابِعُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ فَلَيْتَ القُرْآنَ كُلَّهُ وفَتَّشْتَ عَمّا أُعِدَّ بِهِ العُصاةُ، لَمْ تَرَ اللَّهَ تَعالى قَدْ غَلَّظَ في شَيْءٍ تَغْلِيظَهُ في إفْكِ عائِشَةَ، رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْها، ولا أنْزِلَ مِنَ الآياتِ القَوارِعِ المَشْحُونَةِ بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ والعِتابِ البَلِيغِ والزَّجْرِ العَنِيفِ واسْتِعْظامِ ما رُكِّبَ مِن ذَلِكَ واسْتِفْظاعِ ما أقْدَمَ عَلَيْهِ - ما أنْزَلَ فِيهِ، عَلى طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ وأسالِيبَ مُفْتَنَّةٍ. كُلُّ واحِدٍ مِنها (p-٤٤٩١)كانَ في بابِهِ ولَمْ يُنْزِلْ إلّا هَذِهِ الثَّلاثَ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ [النور: ٢٣] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥] لَكَفى بِها. حَيْثُ جَعَلَ القَذْفَةَ مَلْعُونِينَ في الدّارَيْنِ جَمِيعًا. وتَوَعَّدَهم بِالعَذابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ. وبِأنَّ ألْسِنَتَهم وأيْدِيَهم وأرْجُلَهم تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما أفَكُوا وبَهِتُوا. وأنَّهُ يُوَفِّيهِمْ جَزاءَهُمُ الحَقَّ الواجِبَ الَّذِي هم أهْلُهُ، حَتّى يَعْلَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ، أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ. فَأوْجَزَ في ذَلِكَ وأشْبَعَ وفَصَّلَ وأجْمَلَ وأكَّدَ وكَرَّرَ، بِما لَمْ يَقَعْ في وعِيدِ المُشْرِكِينَ، عَبْدَةِ الأوْثانِ، إلّا ما هو دُونَهُ في الفَظاعَةِ. وما ذَلِكَ إلّا لِأمْرٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ كانَ بِالبَصْرَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ. وكانَ يَسْألُ عَنْ تَفْسِيرِ القُرْآنِ. حَتّى سَألَ عَنْ هَذِهِ الآياتِ فَقالَ: مَن أذْنَبَ ذَنْبًا ثُمَّ تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، إلّا مَن خاضَ في أمْرِ عائِشَةَ، وهَذِهِ مِنهُ مُبالَغَةٌ وتَعْظِيمٌ لِأمْرِ الإفْكِ. ولَقَدْ بَرَّأ اللَّهُ تَعالى أرْبَعَةً بِأرْبَعَةٍ: بَرَّأ يُوسُفَ بِلِسانِ الشّاهِدِ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ [يوسف: ٢٦] وبَرَّأ مُوسى مِن قَوْلِ اليَهُودِ فِيهِ، بِالحَجَرِ الَّذِي ذَهَبَ بِثَوْبِهِ. وبَرَّأ مَرْيَمَ بِإنْطاقِ ولَدِها حِينَ نادى في حِجْرِها: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] وبَرَّأ عائِشَةَ بِهَذِهِ الآياتِ العِظامِ في كِتابِهِ المُعْجِزِ المَتْلُوِّ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، مِثْلَ هَذِهِ التَّبْرِئَةِ بِهَذِهِ المُبالَغاتِ. فانْظُرْ كَمْ بَيْنَها وبَيْنَ تَبْرِئَةِ أُولَئِكَ ؟ وما ذاكَ إلّا لِإظْهارِ عُلُوِّ مَنزِلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والتَّنْبِيهِ عَلى إنافَةِ مَحَلِّ سَيِّدِ ولَدِ آدَمَ وخِيرَةِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ وحُجَّةِ اللَّهِ عَلى العالَمِينَ.
ومَن أرادَ أنْ يَتَحَقَّقَ عَظَمَةَ شَأْنِهِ ﷺ وتَقَدُّمَ قَدَمِهِ وإحْرازَهُ لِقَصَبِ السَّبْقِ دُونَ كُلِّ سابِقٍ فَلْيَتَلَقَّ ذَلِكَ مِن آياتِ الإفْكِ. ولِيَتَأمَّلْ كَيْفَ غَضِبَ اللَّهُ لَهُ في حُرْمَتِهِ، وكَيْفَ بالَغَ في نَفْيِ التُّهْمَةِ عَنْ حِجابِهِ.
(p-٤٤٩٢)(فَإنْ قُلْتَ ): إنْ كانَتْ عائِشَةُ هي المُرادَةُ، فَكَيْفَ قِيلَ: المُحْصَناتُ ؟ (قُلْتُ ): فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُرادَ بِالمُحْصَناتِ أزْواجُ الرَّسُولِ ﷺ وأنْ يُخَصَّصْنَ بِأنَّ مَن قَذَفَهُنَّ، فَهَذا الوَعِيدُ لاحِقٌ بِهِ. وإذا أرَدْنَ عائِشَةَ كُبْراهُنَّ مَنزِلَةً وقُرْبَةً عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كانَتِ المُرادَةُ أوَّلًا.
والثّانِي: أنَّها أُمُّ المُؤْمِنِينَ، فَجُمِعَتْ. إرادَةً لَها ولِبَناتِها مِن نِساءِ الأُمَّةِ المَوْصُوفاتِ بِالإحْصانِ والغَفْلَةِ والإيمانِ انْتَهى.
قالَ النّاصِرُ: والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ عُمُومُ المُحْصَناتِ والمَقْصُودُ بِذِكْرِهِنَّ عَلى العُمُومِ، وعِيدُ مَن وقَعَ في عائِشَةَ، عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ، لِأنَّهُ إذا كانَ هَذا وعِيدُ قاذِفِ آحادِ المُؤْمِناتِ، فَما الظَّنُّ بِوَعِيدِ مَن قَذَفَ سَيِّدَتَهُنَّ وزَوْجَ سَيِّدِ البَشَرِ ﷺ ؟ عَلى أنَّ تَعْمِيمَ الوَعِيدِ أبْلَغُ وأفْظَعُ مِن تَخْصِيصِهِ. هَذا ومَعْنى قَوْلِ زُلَيْخا: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] فَعَمَّمَتْ أرادَتْ يُوسُفَ، تَهْوِيلًا عَلَيْهِ وإرْجافًا. والمَعْصُومُ مَن عَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى. انْتَهى.
الخامِسُ: قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ في (مِنهاجِ السُّنَّةِ ") ذَهَبَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ إلى أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أفْضَلُ نِسائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واحْتَجُّوا بِما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي مُوسى وعَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««فَضْلُ عائِشَةَ عَلى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى سائِرِ الطَّعامِ»» . والثَّرِيدُ هو أفْضَلُ الأطْعِمَةِ، لِأنَّهُ خُبْزٌ ولَحْمٌ. كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا ما الخُبْزُ تَأْدِمُهُ بِلَحْمٍ فَذاكَ أمانَةُ اللَّهِ الثَّرِيدُ
وذَلِكَ أنَّ البُرَّ أفْضَلُ الأقْواتِ. واللَّحْمَ أفْضَلُ الإدامِ، كَما في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ (p-٤٤٩٣)ابْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««سَيِّدُ إدامِ أهْلِ الدُّنْيا والآخِرَةِ اللَّحْمُ»» فَإذا كانَ اللَّحْمُ سَيِّدَ الإدامِ، والبُرُّ سَيِّدَ الأقْواتِ، ومَجْمُوعُهُما الثَّرِيدُ، كانَ الثَّرِيدُ أفْضَلَ الطَّعامِ.
وقَدْ صَحَّ مِن غَيْرِ وجْهٍ عَنِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ أنَّهُ قالَ: ««فَضْلُ عائِشَةَ عَلى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى الطَّعامِ»» وفي الصَّحِيحِ «عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! أيُّ النِّساءِ أحَبُّ إلَيْكَ ؟ قالَ: «عائِشَةُ» قُلْتُ: ومِنَ الرِّجالِ ؟ قالَ: «أبُوها» قُلْتُ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: «عُمَرُ، وسَمّى رِجالًا»» . وهَؤُلاءِ يَقُولُونَ: قَوْلُهُ ﷺ لِخَدِيجَةَ: ««ما أبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِنها»»: إنْ صَحَّ مَعْناهُ ما أبْدَلَنِي خَيْرًا لِي مِنها: فَإنَّ خَدِيجَةَ نَفَعَتْهُ في أوَّلِ الإسْلامِ نَفْعًا لَمْ يَقُمْ غَيْرُها فِيهِ مَقامَها. فَكانَتْ خَيْرًا لَهُ مِن هَذا الوَجْهِ لِكَوْنِها نَفَعَتْهُ وقْتَ الحاجَةِ، وعائِشَةُ صَحِبَتْهُ في آخِرِ النُّبُوَّةِ وكَمالِ الدِّينِ. فَحَصَلَ لَها مِنَ العِلْمِ والإيمانِ ما لَمْ يَحْصُلْ لِمَن لَمْ يُدْرِكْ إلّا أوَّلَ النُّبُوَّةِ. فَكانَتْ أفْضَلَ لِهَذِهِ الزِّيادَةِ فَإنَّ الأُمَّةَ انْتَفَعَتْ بِها أكْثَرَ مِمّا انْتَفَعَتْ بِغَيْرِها، وبَلَغَتْ مِنَ العِلْمِ والسِّنِّ ما لَمْ يَبْلُغْهُ غَيْرُها فَخَدِيجَةُ كانَ خَيْرُها مَقْصُورًا عَلى نَفْسِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ تُبَلِّغْ عَنْهُ شَيْئًا، ولَمْ تَنْتَفِعْ بِها الأُمَّةُ كَما انْتَفَعُوا بِعائِشَةَ، ولِأنَّ الدِّينَ لَمْ يَكُنْ قَدْ كَمُلَ حَتّى تُعَلِّمَهُ، ويَحْصُلَ لَها مِن كَمالاتِهِ ما حَصَلَ لِمَن عَلِمَ وآمَنَ بِهِ بَعْدَ كَمالِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَنِ اجْتَمَعَ هَمُّهُ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، كانَ أبْلَغَ فِيهِ مِمَّنْ تَفَرَّقَ هَمُّهُ في أعْمالٍ مُتَنَوِّعَةٍ. فَخَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها خَيْرٌ لَهُ مِن هَذا الوَجْهِ. لَكِنَّ أنْواعَ البِرِّ لَمْ تُحْصَرْ في ذَلِكَ. ألا تَرى أنَّ مَن كانَ مِنَ الصَّحابَةِ أعْظَمَ إيمانًا، وأكْثَرَ جِهادًا بِنَفْسِهِ ومالِهِ. كَحَمْزَةَ وعَلِيٍّ وسَعْدِ بْنِ مُعاذٍ وأُسِيدِ بْنِ حُضَيْرٍ وغَيْرِهِمْ، هم أفْضَلُ مَن كانَ يَخْدِمُ النَّبِيَّ ﷺ ويَنْفَعُهُ في نَفْسِهِ أكْثَرَ مِنهم. كَأبِي رافِعٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ وغَيْرِهِما. وفي الجُمْلَةِ، الكَلامُ في تَفْضِيلِ عائِشَةَ وخَدِيجَةَ لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ اسْتِقْصائِهِ. لَكِنَّ المَقْصُودَ هُنا أنَّ أهْلَ السُّنَّةِ مُجْمِعُونَ عَلى تَعْظِيمِ عائِشَةَ ومَحَبَّتِها، وإنَّ نِساءَهُ ﷺ أُمَّهاتُ المُؤْمِنِينَ (p-٤٤٩٤)اللَّواتِي ماتَ عَنْهُنَّ، كانَتْ عائِشَةُ أحَبَّهُنَّ إلَيْهِ وأعْظَمَهُنَّ حُرْمَةً عِنْدَ المُسْلِمِينَ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «أنَّ النّاسَ كانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَداياهم يَوْمَ عائِشَةَ، لِما يَعْلَمُونَ مِن مَحَبَّتِهِ إيّاها» . حَتّى «أنَّ نِساءَهُ غِرْنَ مِن ذَلِكَ. وأرْسَلْنَ إلَيْهِ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها تَقُولُ لَهُ: نِساؤُكَ يَسْألْنَكَ العَدْلَ في ابْنَةِ أبِي قُحافَةَ: فَقالَ لِفاطِمَةَ: «أيْ: بُنَيَّةُ أما تُحِبِّينَ ما أُحِبُّ» ؟ قالَتْ: بَلى. قالَ: «فَأحِبِّي هَذِهِ»»، الحَدِيثُ في الصَّحِيحَيْنِ وفي الصَّحِيحَيْنِ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««يا عائِشَةُ ! هَذا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلامَ» قالَتْ: وعَلَيْهِ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ. تَرى ما لا نَرى» . ووَهَبَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ يَوْمَها لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، بِإذْنِهِ ﷺ . «وكانَ في مَرَضِهِ الَّذِي ماتَ فِيهِ يَقُولُ: «أيْنَ أنا اليَوْمَ» ؟ اسْتِبْطاءً لِيَوْمِ عائِشَةَ» . ثُمَّ اسْتَأْذَنَ نِساءَهُ أنْ يُمَرَّضَ في بَيْتِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، فَمَرِضَ (p-٤٤٩٥)فِيهِ. وفي بَيْتِها تُوَفِّيَ بَيْنَ سَحْرِها ونَحْرِها وفي حِجْرِها. وكانَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مُبارَكَةً عَلى أُمَّتِهِ. حَتّى قالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ بِسَبَبِها: ما هي بِأوَّلِ بَرَكَتِكم يا آلَ أبِي بَكْرٍ. ما نَزَلَ بِكِ أمْرٌ قَطُّ تَكْرَهِينَهُ إلّا جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ بَرَكَةً. وقَدْ كانَتْ نَزَلَتْ آيَةُ بَراءَتِها قَبْلَ ذَلِكَ، لَمّا رَماها أهْلُ الإفْكِ. فَبَرَّأها اللَّهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ، وجَعَلَها مِنَ الصَّيِّناتِ. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. انْتَهى.
* *
وأغْرَبَ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ، فَذَهَبَ إلى أنَّ أفْضَلَ النّاسِ بَعْدَ الأنْبِياءِ، نِساؤُهُ ﷺ . مَعْلُومٌ أنَّ عائِشَةَ فُضْلاهُنَّ، وقَدْ أسْهَبَ في ذَلِكَ في كِتابِهِ (المِلَلِ ") فارْجِعْ إلَيْهِ.
السّادِسُ: قالَ القاشانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: إنَّما عَظَّمَ تَعالى أمْرَ الإفْكِ وغَلَّظَ في الوَعِيدِ عَلَيْهِ، بِما لَمْ يُغَلِّظْ في غَيْرِهِ مِنَ المَعاصِي، وبالَغَ في العِقابِ عَلَيْهِ بِما لَمْ يُبالِغْ بِهِ في بابِ الزِّنى وقَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ، لِأنَّ عِظَمَ الرَّذِيلَةِ وكِبَرَ المَعْصِيَةِ، إنَّما يَكُونُ عَلى حَسَبِ القُوَّةِ الَّتِي هي مَصْدَرُها. وتَتَفاوَتُ حالُ الرَّذائِلِ في حَجْبِ صاحِبِها عَنِ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ والأنْوارِ القُدُسِيَّةِ، وتَوْرِيطِهِ في المَهالِكِ الهُيُولانِيَّةِ، والمُهاوِي الظُّلْمانِيَّةِ، عَلى حَسَبِ تَفاوُتِ مَبادِئِها، فَكُلَّما كانَتِ القُوَّةُ الَّتِي هي مَصْدَرُها ومَبْدَؤُها أشْرَفَ. كانَتِ الرَّذِيلَةُ الصّادِرَةُ مِنها أرْدَأ. وبِالعَكْسِ لِأنَّ الرَّذِيلَةَ ما قابَلَ الفَضِيلَةَ. فَلَمّا كانَتِ الفَضِيلَةُ أشْرَفَ، كانَ ما يُقابِلُها مِنَ الرَّذِيلَةِ أخَسَّ، والإفْكُ رَذِيلَةُ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ. (p-٤٤٩٦)فَبِحَسَبِ شَرَفِ الأُولى عَلى الباقِيَتَيْنِ، تَزْدادُ رَداءَةُ رَذِيلَتِها.
وذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَكُونُ بِالأُولى إنْسانًا، وتَرَقِّيهِ إلى العالَمِ العَلَوِيِّ، وتَوَجُّهُهُ إلى الجانِبِ الإلَهِيِّ وتَحْصِيلُهُ لِلْمَعارِفِ والكَمالاتِ، واكْتِسابُهُ لِلْخَيْراتِ والسَّعاداتِ - إنَّما يَكُونُ بِها. فَإذا فَسَدَتْ بِغَلَبَةِ الشَّيْطَنَةِ عَلَيْها، واحْتَجَبَتْ عَنِ النُّورِ بِاسْتِيلاءِ الظُّلْمَةِ، حَصَلَتِ الشَّقاوَةُ العُظْمى، وحَقَّتِ العُقُوبَةُ بِالنّارِ. وهو الرَّيْنُ والحِجابُ الكُلِّيُّ.
ألا تَرى أنَّ الشَّيْطَنَةَ المُغْوِيَةَ لِلْآدَمِيِّ أبْعَدُ عَنِ الحَضْرَةِ الآلِهِيَّةِ، مَنِ السَّبُعِيَّةِ والبَهِيمِيَّةِ ؟ وأبْعَدُ بِما لا يَقْدُرُ قَدْرَهُ، فالإنْسانُ بِرُسُوخِ رَذِيلَتِهِ النُّطْفِيَّةِ يَصِيرُ شَيْطانًا، وبِرُسُوخِ الرَّذِيلَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ، يَصِيرُ حَيَوانًا كالبَهِيمَةِ أوِ السَّبُعِ، وكُلُّ حَيَوانٍ أرْجى صَلاحًا، وأقْرَبُ فَلاحًا مِنَ الشَّيْطانِ. ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَـزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] ﴿تَنَـزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] ونَهى ها هُنا عَنِ اتِّباعِ خُطُواتِ الشَّيْطانِ. فَإنَّ ارْتِكابَ مِثْلِ هَذِهِ الفَواحِشِ لا يَكُونُ إلّا بِمُتابَعَتِهِ ومُطاوَعَتِهِ، وصاحِبُهُ يَكُونُ مِن جُنُودِهِ وأتْباعِهِ، فَيَكُونُ أخَسَّ مِنهُ وأذَلَّ، مَحْرُومًا مِن فَضْلِ اللَّهِ الَّذِي هو نُورُ هِدايَتِهِ، مَحْجُوبًا مِن رَحْمَتِهِ الَّتِي هي إفاضَةُ كَمالٍ وسَعادَةٍ، مَلْعُونًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، مَمْقُوتًا مِنَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ. تَشْهَدُ عَلَيْهِ جَوارِحُهُ بِتَبَدُّلِ صُوَرِها وتَشَوُّهِ مَنظَرِها. خَبِيثَ الذّاتِ والنَّفْسِ. مُتَوَرِّطًا في الرِّجْسِ. فَإنَّ مِثْلَ هَذِهِ الخَبائِثِ لا تَصْدُرُ إلّا مِنَ الخَبِيثِينَ. كَما قالَ تَعالى: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ وأمّا الطَّيِّبُونَ المُنَزَّهُونَ عَنِ الرَّذائِلِ، فَإنَّما تَصْدُرُ عَنْهُمُ الطَّيِّباتُ والفَضائِلُ. انْتَهى.
السّابِعُ: في سِرِّ قَرْنِ الزِّنى بِالشِّرْكِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] وتَحْقِيقُ القَوْلِ في الآيَةِ. قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ في (إغاثَةِ اللَّهْفانِ "): نَجاسَةُ الزِّنى واللِّواطَةِ أغْلَظُ مِن غَيْرِها مِنَ النَّجاساتِ. مِن جِهَةِ أنَّها تُفْسِدُ القَلْبَ وتُضْعِفُ تَوْحِيدَهُ جِدًّا. ولِهَذا أحْظى النّاسِ بِهَذِهِ النَّجاسَةِ، أكْثَرُهم شِرْكًا. فَكُلَّما كانَ الشِّرْكُ في العَبْدِ أغْلَبَ. (p-٤٤٩٧)كانَتْ هَذِهِ النَّجاسَةُ والخَبائِثُ فِيهِ أكْثَرَ، وكُلَّما كانَ أعْظَمَ إخْلاصًا، كانَ مِنها أبْعَدَ، كَما قالَ تَعالى عَنْ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] فَإنَّ عِشْقَ الصُّوَرِ المُحَرَّمَةِ نَوْعُ تَعَبُّدٍ لَها. بَلْ هو مِن أعْلى أنْواعِ التَّعَبُّدِ. ولا سِيَّما إذِ اسْتَوْلى عَلى القَلْبِ وتَمَكَّنَ مِنهُ، صارَ تَتَيُّمًا. والتَّتَيُّمُ التَّعَبُّدُ. فَيَصِيرُ العاشِقُ عابِدًا لِمَعْشُوقِهِ. وكَثِيرًا ما يَغْلِبُ حُبُّهُ وذِكْرُهُ والشَّوْقُ إلَيْهِ والسَّعْيُ في مَرْضاتِهِ وإيثارُ مَحابِّهِ، عَلى حُبِّ اللَّهِ وذِكْرِهِ والسَّعْيِ في مَرْضاتِهِ، بَلْ كَثِيرًا ما يَذْهَبُ ذَلِكَ مِن قَلْبِ العاشِقِ بِالكُلِّيَّةِ ويَصِيرُ مُتَعَلِّقًا بِمَعْشُوقِهِ مِنَ الصُّوَرِ. كَما هو مُشاهَدٌ فَيَصِيرُ المَعْشُوقُ هو إلَهُهُ مِن دُونِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. يُقَدِّمُ رِضاهُ وحُبَّهُ عَلى رِضا اللَّهِ وحُبِّهِ. ويَتَقَرَّبُ إلَيْهِ ما لا يَتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ. ويُنْفِقُ في مَرْضاتِهِ ما لا يُنْفِقُهُ في مَرْضاةِ اللَّهِ. ويَتَجَنَّبُ سُخْطَهُ ما لا يَتَجَنَّبُ مِن سُخْطِ اللَّهِ تَعالى. فَيَصِيرُ آثَرَ عِنْدَهُ مِن رَبِّهِ حُبًّا وخُضُوعًا وذُلًّا وسَمْعًا وطاعَةً، ولِهَذا كانَ العِشْقُ والشِّرْكُ مُتَلازِمَيْنِ، وإنَّما حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ العِشْقَ عَنِ المُشْرِكِينَ مِن قَوْمِ لُوطٍ، وعَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ، وكانَتْ إذْ ذاكَ مُشْرِكَةً، فَكُلَّما قَوِيَ شِرْكُ العَبْدِ بُلِيَ بِعِشْقِ الصُّوَرِ وكُلَّما قَوِيَ تَوْحِيدُهُ صُرِفَ ذَلِكَ عَنْهُ. والزِّنى واللِّواطَةُ كَمالُ لَذَّتِهِ، إمّا يَكُونُ مِنَ العِشْقِ. ولا يَخْلُو صاحِبُهُما مِنهُ. وإنَّما لِتَنَقُّلِهِ مِن مَحَلٍّ إلى مَحَلٍّ، لا يَبْقى عِشْقُهُ مَقْصُورًا عَلى مَحَلٍّ واحِدٍ. بَلْ يَنْقَسِمُ عَلى سِهامٍ كَثِيرَةٍ لِكُلِّ مَحْبُوبٍ نَصِيبٌ مِن تَألُّهِهِ وتَعَبُّدِهِ. فَلَيْسَ في الذُّنُوبِ أفْسَدُ لِلْقَلْبِ والدِّينِ مِن هاتَيْنِ الفاحِشَتَيْنِ. ولَهُما خاصِّيَّةٌ في تَبْعِيدِ القَلْبِ مِنَ اللَّهِ، فَإنَّهُما مِن أعْظَمِ الخَبائِثِ فَإذا انْصَبَغَ القَلْبُ بِهِما بَعُدَ مِمَّنْ هو طَيِّبٌ لا يَصْعَدُ إلَيْهِ إلّا طَيِّبٌ. وكُلَّما ازْدادَ خُبْثًا ازْدادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا. ولِهَذا قالَ المَسِيحُ، فِيما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ في (كِتابِ الزُّهْدِ ") لا يَكُونُ البَطّالُونَ مِنَ الحُكَماءِ. ولا يَلِجُ الزُّناةُ مَلَكُوَتَ السَّماءِ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ حالَ الزِّنى كانَ قَرِيبًا لِلشِّرْكِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] والصَّوابُ القَوْلُ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ. يُعْمَلُ بِها لَمْ يَنْسَخْها شَيْءٌ. وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى خَبَرٍ وتَحْرِيمٍ. ولَمْ يَأْتِ مَنِ ادَّعى نَسْخَها بِحُجَّةٍ البَتَّةَ. (p-٤٤٩٨)والَّذِي أشْكَلَ مِنها عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، واضِحٌ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى. فَإنَّهم أشْكَلَ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] هَلْ هو خَبَرٌ أوْ نَهْيٌ أوْ إباحَةٌ ؟ فَإنْ كانَ خَبَرًا فَقَدْ رَأيْنا كَثِيرًا مِنَ الزُّناةِ يَنْكِحُ عَفِيفَةً. وإنْ كانَ نَهْيًا فَيَكُونُ قَدْ نَهى الزّانِيَ أنْ يَتَزَوَّجَ إلّا بِزانِيَةٍ أوْ مُشْرِكَةٍ، فَيَكُونُ نَهْيًا لَهُ عَنْ نِكاحِ المُؤْمِناتِ العَفائِفِ. وإباحَةً لَهُ نِكاحَ المُشْرِكاتِ والزَّوانِي، واللَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ قَطْعًا. فَلَمّا أشْكَلَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وطَلَبُوا لِلْآيَةِ وجْهًا يَصِحُّ حَمْلُها عَلَيْهِ. فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ مِنَ النِّكاحِ الوَطْءُ والزِّنى. فَكَأنَّهُ قالَ: الزّانِي لا يَزْنِي إلّا بِزانِيَةٍ أوْ مُشْرِكَةٍ. وهَذا فاسِدٌ. فَإنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ. ويُصانُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى عَنْ حَمْلِهِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ. فَإنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الزّانِيَ لا يَزْنِي إلّا بِزانِيَةٍ. فَأيُّ فائِدَةٍ في الإخْبارِ بِذَلِكَ. ولَمّا رَأى الجُمْهُورُ فَسادَ هَذا التَّأْوِيلِ أعْرَضُوا عَنْهُ، ثُمَّ قالَتْ طائِفَةٌ: هَذا عامُّ اللَّفْظِ خاصُّ المَعْنى. والمُرادُ بِهِ رَجُلٌ واحِدٌ وامْرَأةٌ واحِدَةٌ. وهي عَناقُ وصاحِبُها، فَإنَّهُ أسْلَمَ واسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في نِكاحِها فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وهَذا أيْضًا فاسِدٌ. فَإنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ المُعَيَّنَةَ، وإنْ كانَتْ سَبَبَ النُّزُولِ، فالقُرْآنُ لا يُقْتَصَرُ بِهِ عَلى مَحالِّ أسْبابِهِ. ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى غَيْرِها. وقالَتْ طائِفَةٌ: بَلِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وهَذا أفْسَدُ مِنَ الكُلِّ. فَإنَّهُ لا تَعارُضَ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ. ولا تُناقِضُ إحْداهُما الأُخْرى. بَلْ أمَرَ سُبْحانَهُ بِإنْكاحِ الأيامى، وحَرَّمَ نِكاحَ الزّانِيَةِ، كَما حَرَّمَ نِكاحَ المُعْتَدَّةِ والمُحَرَّمَةِ وذَواتِ المَحارِمِ. فَأيْنَ النّاسِخُ والمَنسُوخُ في هَذا ؟ (فَإنْ قِيلَ ): فَما وجْهُ الآيَةِ ؟ قِيلَ: وجْهُها، واللَّهُ أعْلَمُ. أنَّ المُتَزَوِّجَ أُمِرَ أنْ يَتَزَوَّجَ المُحْصَنَةَ العَفِيفَةَ، وإنَّما أُبِيحَ لَهُ نِكاحُ المَرْأةِ بِهَذا الشَّرْطِ. كَما ذَكَرَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ في سُورَتَيِ النِّساءِ والمائِدَةِ. والحُكْمُ المُعَلَّقُ عَلى الشَّرْطِ يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفائِهِ. والإباحَةُ قَدْ عُلِّقَتْ عَلى شَرْطِ الإحْصانِ، فَإذا انْتَفى الإحْصانُ انْتَفَتِ الإباحَةُ المَشْرُوطَةُ بِهِ. (p-٤٤٩٩)فالمُتَزَوِّجُ إمّا أنْ يَلْتَزِمَ حُكْمَ اللَّهِ وشَرْعَهُ الَّذِي شَرَعَهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ، أوْ لا يَلْتَزِمُهُ. فَإنْ لَمْ يَلْتَزِمْهُ فَهو مُشْرِكٌ لا يَرْضى بِنِكاحِهِ إلّا مَن هو مُشْرِكٌ مِثْلُهُ، وإنِ التَزَمَهُ وخالَفَهُ، ونَكَحَ ما حُرِّمَ عَلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ إنْكاحٌ. فَيَكُونُ زانِيًا، فَظَهَرَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] وتَبَيَّنَ غايَةَ البَيانِ. وكَذَلِكَ حُكْمُ المَرْأةِ. وكَما أنَّ هَذا الحُكْمَ هو مُوجَبُ القُرْآنِ وصَرِيحُهُ، فَهو مُوجَبُ الفِطْرَةِ ومُقْتَضى العَقْلِ. فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ حَرَّمَ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَكُونَ قَرْنانًا دَيُّوثًا زَوْجَ بَغِيٍّ. فَإنَّ اللَّهَ تَعالى فَطَرَ النّاسَ عَلى اسْتِقْباحِ ذَلِكَ واسْتِهْجانِهِ. ولِهَذا إذا بالَغُوا في سَبِّ الرَّجُلِ قالُوا: (زَوْجُ قَحْبَةٍ )، فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلى المُسْلِمِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ. فَظَهَرَتْ حِكْمَةُ التَّحْرِيمِ وبانَ مَعْنى الآيَةِ. واللَّهُ المُوَفِّقُ.
ومِمّا يُوَضِّحُ التَّحْرِيمَ، وأنَّهُ هو الَّذِي يَلِيقُ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ الكامِلَةِ، أنَّ هَذِهِ الجِنايَةَ مِنَ المَرْأةِ تَعُودُ بِفَسادِ فِراشِ الزَّوْجِ، وفَسادِ النَّسَبِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ النّاسِ لِتَمامِ مَصالِحِهِمْ. وعَدُّوهُ مِن جُمْلَةِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ، فالزِّنى يُفْضِي إلى اخْتِلاطِ المِياهِ واشْتِباهِ الأنْسابِ. فَمِن مَحاسِنِ الشَّرِيعَةِ تَحْرِيمُ نِكاحِ الزّانِيَةِ حَتّى تَتُوبَ وتُسْتَبْرَأُ. وأيْضًا، فَإنَّ الزّانِيَةَ خَبِيثَةٌ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ واللَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ النِّكاحَ سَبَبًا لِلْمَوَدَّةِ والرَّحْمَةِ، والمَوَدَّةُ خالِصُ الحُبِّ، فَكَيْفَ تَكُونُ الخَبِيثَةُ مَوْدُودَةً لِلطَّيِّبِ، زَوْجًا لَهُ ؟ والزَّوْجُ سُمِّيَ زَوْجًا مِنَ الِازْدِواجِ فالزَّوْجانِ، الِاثْنانِ المُتَشابِهانِ والمُنافَرَةُ ثابِتَةٌ بَيْنَ الطَّيِّبِ والخَبِيثِ شَرْعًا وقَدْرًا. فَلا يَحْصُلُ مَعَها الِازْدِواجُ والتَّراحُمُ والتَّوادُّ. فَلَقَدْ أحْسَنَ كُلَّ الإحْسانِ مَن ذَهَبَ إلى هَذا المَذْهَبِ، ومَنَعَ الرَّجُلَ أنْ يَكُونَ زَوْجَ قَحْبَةٍ. فَأيْنَ هَذا مِن قَوْلِ مَن جَوَّزَ أنْ يَتَزَوَّجَها ويَطَأها اللَّيْلَةَ، وقَدْ وطِئَها الزّانِي البارِحَةَ ؟ وقالَ: ماءُ الزّانِي لا حُرْمَةَ لَهُ. فَهَبْ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَماءُ الزَّوْجِ لَهُ حُرْمَةٌ فَكَيْفَ يَجُوزُ اجْتِماعُهُ مَعَ ماءِ الزّانِي في رَحِمٍ واحِدٍ، والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَمّى الزَّوانِيَ والزُّناةَ خَبِيثِينَ وخَبِيثاتٍ. وجِنْسُ هَذا الفِعْلِ قَدْ شُرِعَتْ فِيهِ الطَّهارَةُ، وإنْ كانَ حَلالًا. وسُمِّيَ فاعِلُهُ جُنُبًا لِبُعْدِهِ عَنْ قِراءَةِ القُرْآنِ وعَنِ الصَّلاةِ وعَنِ المَساجِدِ. فَمُنِعَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ حَتّى يَتَطَهَّرَ بِالماءِ. فَكَذَلِكَ إذا كانَ حَرامًا يَبْعُدُ القَلْبُ عَنِ اللَّهِ تَعالى وعَنِ الدّارِ الآخِرَةِ. بَلْ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإيمانِ، حَتّى يُحْدِثَ طُهْرًا. (p-٤٥٠٠)كامِلًا بِالتَّوْبَةِ. وطُهْرًا لِبَدَنِهِ بِالماءِ. وقَوْلُ اللُّوطِيَّةِ: ﴿أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢] مِن جِنْسِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في أصْحابِ الأُخْدُودِ: ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْنا وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلُ﴾ [المائدة: ٥٩] وهَكَذا المُشْرِكُ إنَّما يَنْقِمُ عَلى المُوَحِّدِ تَجْرِيدَهُ لِلتَّوْحِيدِ، وأنَّهُ لا يَشُوبُهُ بِالإشْراكِ، وهَكَذا المُبْتَدِعُ إنَّما يَنْقِمُ عَلى السُّنِّيِّ تَجْرِيدَهُ مُتابَعَةَ الرَّسُولِ وأنَّهُ لَمْ يَشُبْها بِآراءِ الرِّجالِ ولا بِشَيْءٍ مِمّا خالَفَها، فَصَبَرَ المُوَحِّدُ المُتَّبِعُ لِلرَّسُولِ، عَلى ما يَنْقِمُهُ عَلَيْهِ أهْلُ الشِّرْكِ والبِدْعَةِ، خَيْرٌ لَهُ وأنْفَعُ، وأسْهَلُ عَلَيْهِ، مِن صَبْرِهِ عَلى ما يَنْقِمُهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، عَلَيْهِ مِن مُوافَقَةِ أهْلِ الشِّرْكِ والبِدْعَةِ.
؎إذا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الصَّبْرِ، فاصْطَبِرْ عَلى الحَقِّ. ذاكَ الصَّبْرُ تُحْمَدُ عُقْباهُ
لَطِيفَةٌ:
كَتَبَ ابْنُ القاضِي شَرَفُ الدِّينِ ابْنُ المُقْرِي، صاحِبُ (الرَّوْضِ ") إلى أبِيهِ، وقَدْ قَطَعَ نَفَقَتَهُ:
؎لا تَقْطَعَنْ عادَةَ بِرٍّ، ولا ∗∗∗ تَجْعَلْ عِتابَ المَرْءِ في رِزْقِهِ
؎فَإنَّ أمْرَ الإفْكِ مِن مِسْطَحٍ ∗∗∗ يَحُطُّ قَدْرَ النَّجْمِ مِن أُفْقِهِ
؎وقَدْ جَرى مِنهُ الَّذِي قَدْ جَرى ∗∗∗ وعُوَتِبَ الصِّدِّيقُ في حَقِّهِ
فَأجابَهُ أبُوهُ شَرَفُ الدِّينِ بِقَوْلِهِ:
؎قَدْ يُمْنَعُ المُضْطَرُّ مِن مَيْتَةٍ ∗∗∗ إذا عَصى بِالسَّيْرِ في طُرْقِهِ
؎لِأنَّهُ يَقْوى عَلى تَوْبَةٍ ∗∗∗ تُوجِبُ إيصالًا إلى رِزْقِهِ
؎لَوْ لَمْ يَتُبْ مِن ذَنْبِهِ مِسْطَحٌ ∗∗∗ ما عُوَتِبَ الصِّدِّيقُ في حَقِّهِ
ولِما فَضَّلَ تَعالى الزَّواجِرَ عَنِ الزِّنى، وعَنْ رَمْيِ العَفائِفِ عَنْهُ. بَيَّنَ مِنَ الزَّواجِرِ ما عَسى يُؤَدِّي (p-٤٥٠١)إلى أحَدِهِما. وذَلِكَ في مُخالَطَةِ الرِّجالِ بِالنِّساءِ، ودُخُولِهِمْ عَلَيْهِنَّ، وفي أوْقاتِ الخَلَواتِ، وفي تَعْلِيمِ الآدابِ الجَمِيلَةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии