Аль-Касими · Тафсир · на арабском
Аль-Касас 28:32–55
28:32–35Страница 389
ٱسۡلُكۡ يَدَكَ فِي جَيۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٖ وَٱضۡمُمۡ إِلَيۡكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهۡبِۖ فَذَٰنِكَ بُرۡهَٰنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٣٢
Сунь свою руку за пазуху, и она выйдет белой (цвета молока, светящейся), без следов болезни. Прижми к себе руку, чтобы избавиться от страха. Это - два доказательства от твоего Господа для Фараона и его знати. Воистину, они являются людьми нечестивыми».
قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلۡتُ مِنۡهُمۡ نَفۡسٗا فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ ٣٣
Он сказал: «Господи! Я убил одного из них и боюсь, что они убьют меня.
وَأَخِي هَٰرُونُ هُوَ أَفۡصَحُ مِنِّي لِسَانٗا فَأَرۡسِلۡهُ مَعِيَ رِدۡءٗا يُصَدِّقُنِيٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ٣٤
Мой брат Харун (Аарон) более красноречив, чем я. Пошли же его со мною помощником, чтобы он подтвердил мою правдивость. Я действительно боюсь, что они сочтут меня лжецом».
قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجۡعَلُ لَكُمَا سُلۡطَٰنٗا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيۡكُمَا بِـَٔايَٰتِنَآۚ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلۡغَٰلِبُونَ ٣٥
Он сказал: «Мы укрепим твою руку посредством твоего брата и одарим вас доказательством (или силой). Они не смогут навредить вам. Благодаря Нашим знамениям вы и те, кто последует за вами, станете победителями».
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٢ - ٣٥] ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣] ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤] (p-٤٧٠٥)﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥]
﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ أيْ: أدْخِلْها فِيهِ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: عَيْبٍ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ أيْ: يَدَكَ: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ أيِ: الخَوْفِ. قُرِئَ بِفَتْحَتَيْنِ، وضَمَّتَيْنِ، وفَتْحٍ وسُكُونٍ، وضَمٍّ وسُكُونٍ. قالَ ابْنُ أسْلَمَ وابْنُ جَرِيرٍ: مِمّا حَصَلَ لَكَ مِن خَوْفِكَ مِنَ الحَيَّةِ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ أعَمُّ مِن هَذا. وهو أنَّهُ أُمِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ، إذا خافَ مِن شَيْءٍ، أنْ يَضُمَّ إلَيْهِ يَدَهُ، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ ذَهَبَ عَنْهُ ما يَجِدُهُ مِنَ الخَوْفِ. ورُبَّما اسْتَعْمَلَ أحَدٌ ذَلِكَ، عَلى سَبِيلِ الِاقْتِداءِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى فُؤادِهِ، فَإنَّهُ يَزُولُ عَنْهُ ما يَجِدُ أوْ يَخِفُّ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وبِهِ الثِّقَةُ ﴿فَذانِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ: ﴿بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣] ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ [القصص: ٣٤] أيْ: فَيَكُونُ أحْسَنَ بَيانًا. ولا يَتَحَمَّلُ ذَلِكَ ما لَمْ يُكَلَّفْ بِمِثْلِ ما كُلِّفْتُ بِهِ: ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ [القصص: ٣٤] أيْ: مُعِينًا: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤] أيْ: لِنَشاطِ قَلْبِي: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤] أيْ: يَتَّفِقُوا عَلى تَكْذِيبِي المُؤَدِّي إلى أنْواعِ الأذِيّاتِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: تَصْدِيقُ أخِيهِ، ما الفائِدَةُ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَيْسَ الغَرَضُ بِتَصْدِيقِهِ أنْ يَقُولَ لَهُ: صَدَقْتَ، أوْ يَقُولُ لِلنّاسِ: صَدَقَ مُوسى، وإنَّما هو أنْ يُلَخِّصَ بِلِسانِهِ الحَقَّ ويَبْسُطَ القَوْلَ فِيهِ ويُجادِلَ بِهِ الكُفّارَ، كَما يَفْعَلُ الرَّجُلُ المِنطِيقُ ذُو العارِضَةِ. فَذَلِكَ جارٍ مَجْرى التَّصْدِيقِ المُفِيدِ، كَما يُصَدِّقُ القَوْلَ بِالبُرْهانِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ [القصص: ٣٤] وفَضْلُ الفَصاحَةِ إنَّما يَحْتاجُ إلَيْهِ لِذَلِكَ. لا لِقَوْلِهِ صَدَقْتَ. فَإنْ سَحْبانَ وباقِلا يَسْتَوِيانِ فِيهِ. أوْ يَصِلُ جَناحَ كَلامِهِ بِالبَيانِ حَتّى يُصَدِّقَهُ الَّذِي يَخافُ تَكْذِيبَهُ. فَأسْنَدَ التَّصْدِيقَ إلى هارُونَ لِأنَّهُ السَّبَبُ فِيهِ، إسْنادًا مَجازِيًّا. انْتَهى ﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ [القصص: ٣٥] أيْ: سَنُقَوِّيكَ بِهِ ونُعِينُكَ.
(p-٤٧٠٦)قالَ الشِّهابُ: والشَّدُّ التَّقْوِيَةُ، والعَضُدُ مِنَ اليَدِ مَعْرُوفٌ. فَهو إمّا كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ عَنْ تَقْوِيَتِهِ، لِأنَّ اليَدَ تَشُدُّ بِشِدَّةِ العَضُدِ، والجُمْلَةُ تَشْتَدُّ بِشِدَّةِ اليَدِ، ولا مانِعَ مِنَ الحَقِيقَةِ كَما تَوَهَّمَ. أوِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ. شَبَّهَ حالَ مُوسى في تَقْوِيَتِهِ بِأخِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ، بِحالِ اليَدِ في تَقْوِيَتِها بِيَدٍ شَدِيدَةٍ ﴿ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا﴾ [القصص: ٣٥] أيْ: غَلَبَةً ومَهابَةً في قُلُوبِهِمْ أوْ حُجَّةً: ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ [القصص: ٣٥] أيْ: بِإيذاءٍ، فَضْلًا عَنِ القَتْلِ: ﴿بِآياتِنا﴾ [القصص: ٣٥] مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْهَبا بِآياتِنا. أوْ بِـ(نَجْعَلُ) أيْ: نُسَلِّطُكُما بِها أوْ بِمَعْنى: (لا يَصِلُونَ) أيْ: تَمْتَنِعُونَ مِنهم بِها. أوْ قَسَمٌ، جَوابُهُ (لا يَصِلُونَ) مُقَدَّرٌ. أوْ صِلَةٌ لِـ(الغالِبُونَ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] وتَقَدُّمُهُ، إمّا لِلْفاصِلَةِ أوْ لِلْحَصْرِ. أيِ: الغالِبُونَ عَلَيْهِمْ، وإنْ غَلَبُوكم وغَلَبُوا العالَمِينَ قَبْلَكم.
28:36–38Страница 390
فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّفۡتَرٗى وَمَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٦
Когда Муса (Моисей) явился к ним с Нашими ясными знамениями, они сказали: «Это - всего лишь вымышленное колдовство. Мы не слышали об этом от наших праотцев».
وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ مِنۡ عِندِهِۦ وَمَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٣٧
Тогда Муса (Моисей) сказал: «Мой Господь лучше знает, кто пришел с верным руководством от Него и чей исход в Последней жизни окажется счастливым. Воистину, беззаконники не преуспеют».
وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٣٨
Фараон сказал: «О знать! Я не знаю для вас иного бога, кроме меня. О Хаман! Разожги огонь над глиной и сооруди для меня башню, чтобы я смог подняться к Богу Мусы. Воистину, я полагаю, что он является одним из лжецов».
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٦ - ٣٨] ﴿فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا إلا سِحْرٌ مُفْتَرًى وما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقالَ مُوسى رَبِّي أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى مِن عِنْدِهِ ومَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [القصص: ٣٧] ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ فاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨]
﴿فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا إلا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ أيْ: مُبْتَدَعٌ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ نَظِيرٌ. أوْ تَفْتَرِيَهُ عَلى اللَّهِ بِنِسْبَتِهِ لَهُ، وأنْتَ تَعَلَّمْتَهُ مِن غَيْرِكَ، فالِافْتِراءُ بِمَعْنى الِاخْتِلاقِ أوِ الكَذِبِ: ﴿وما سَمِعْنا بِهَذا﴾ أيِ: السِّحْرِ أوِ ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، أوْ بِأنَّ لِلْعالَمِ إلَهًا يُرْسِلُ الرُّسُلَ (p-٤٧٠٧)بِالآياتِ: ﴿فِي آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ أيْ: كائِنًا في أيّامِهِمْ. قالَ الشِّهابُ: وهَذا إمّا تَعَمُّدٌ لِلْكَذِبِ وعِنادٌ بِإنْكارِ النُّبُوّاتِ، وإنْ كانَ عَهْدُ يُوسُفَ قَرِيبًا مِنهم. أوْ لِأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أيْضًا: ﴿وقالَ مُوسى رَبِّي أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى مِن عِنْدِهِ ومَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ [القصص: ٣٧] قالَ المَهايِمِيُّ: مَعْناهُ: كَفى دَلِيلًا عَلى كَوْنِها آياتٍ، أنَّها خَوارِقُ ولَمْ يَسْبِقْ لَها نَظِيرٌ. مَعَ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ هُدًى. والسّاحِرُ لا يَدْعُو في العُمُومِ إلى هُدًى. فَإنْ لَمْ تَعْتَرِفُوا بِكَوْنِهِ هُدًى، فَرَبِّي أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى مِن عِنْدِهِ، ويَعْلَمُ ذَلِكَ بِالعاقِبَةِ،
فَإنَّ اللَّهَ يُحْسِنُ عاقِبَةَ أهْلِ الهُدى لا مَحالَةَ. لِأنَّهُ يَعْلَمُ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ. وهي العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ. والمُرادُ بِـ(الدّارِ): الدُّنْيا. وعاقِبَتُها وعُقْباها: أنْ يُخْتَمَ لِلْعَبْدِ بِالرَّحْمَةِ والرِّضْوانِ. وتُلْقِي المَلائِكَةُ بِالبُشْرى عِنْدَ المَوْتِ. وهَذِهِ لا تَكُونُ لِلسّاحِرِ إذا ادَّعى النُّبُوَّةَ، لِأنَّهُ ظالِمٌ، فَلا يُفْلِحُ بِالعاقِبَةِ الحَمِيدَةِ كَما قالَ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [القصص: ٣٧] أيْ: بِالدّارِ وإنْ وجَدُوا بَعْضَ مَقاصِدِهِمْ أوَّلًا اسْتِدْراجًا، فَلا يَفُوزُونَ بِالعُقْبى الحَمِيدَةِ. وإنَّما غايَةُ أمْرِهِمُ انْقِطاعُ أثَرِهِمْ وسُوءُ ذِكْرِهِمْ. وقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ هَذا الوَعْدَ فَجَعَلَ عاقِبَةَ قَوْمِ مُوسى رَفِيعَةً. ونِهايَةَ أعْدائِهِ وضِيعَةً: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] هَذا حِكايَةٌ لِتَمَرُّدِهِ وعُتُوِّهِ وطُغْيانِهِ في تَفَوُّهِهِ بِتِلْكَ العَظِيمَةِ. كَما واجَهَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِها في قَوْلِهِ: ﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] وكَما قالَ تَعالى عَنْهُ: ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ [النازعات: ٢٣] ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ [النازعات: ٢٥] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦] يَعْنِي أنَّهُ جَمَعَ قَوْمَهُ ونادى فِيهِمْ مُعْلِنًا بِذَلِكَ. فانْتَقَمَ مِنهُ بِما جَعَلَهُ عِبْرَةً لِمَنِ اعْتَبَرَ: ﴿فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ﴾ [القصص: ٣٨] أيْ: نارًا، فَأتَّخِذُ مِنهُ آجُرًّا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَمْ يَقُلِ: (اطْبُخْ لِي الآجُرَّ واتَّخِذْهُ)، لِأنَّ هَذِهِ العِبارَةَ أحْسَنُ طِباقًا لِفَصاحَةِ القُرْآنِ وعُلُوِّ طَبَقَتِهِ، وأشْبَهُ بِكَلامِ الجَبابِرَةِ. وهامانُ وزِيرُهُ ومُدَبِّرُ رَعِيَّتِهِ: ﴿فاجْعَلْ لِي﴾ [القصص: ٣٨] أيْ: مِنَ الآجُرِّ: ﴿صَرْحًا﴾ [القصص: ٣٨] أيْ: قَصْرًا رَفِيعًا إلى السَّماءِ: ﴿لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [القصص: ٣٨] (p-٤٧٠٨)يَعْنِي العَلِيَّ الأعْلى، تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وإنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨] أيْ: في دَعْواهُ الأُلُوهِيَّةَ، والعُلُوَّ لِبارِي الأرْضِ والسَّماواتِ.
28:39–43Страница 390
وَٱسۡتَكۡبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ إِلَيۡنَا لَا يُرۡجَعُونَ ٣٩
Он и его воины несправедливо возгордились на земле и предположили, что они не вернутся к Нам.
فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٠
Мы схватили его и его воинов и бросили их в море. Посмотри же, каким был конец беззаконников!
وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ ٤١
Мы сделали их предводителями, которые призывают в Огонь, и в День воскресения им не окажут помощи.
وَأَتۡبَعۡنَٰهُمۡ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلۡمَقۡبُوحِينَ ٤٢
Мы сделали так, что проклятие следует за ними в этом мире, а в День воскресения они будут в числе отдаленных от милости.
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٤٣
Погубив первые поколения, Мы даровали Мусе (Моисею) Писание в качестве наглядного наставления для людей, верного руководства и милости, чтобы они могли помянуть назидание.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٩ - ٤٣] ﴿واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٠] ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١] ﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣]
﴿واسْتَكْبَرَ هُوَ﴾ أيْ: بِدَعْوى الأُلُوهِيَّةِ لِنَفْسِهِ، ونَفْيِها عَنِ اللَّهِ تَعالى، وقَصْدِ الِاطِّلاعِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وادِّعاءِ العَمَلِ الكُلِّيِّ لِنَفْسِهِ مَعَ جَهْلِهِ بِرَبِّهِ: ﴿وجُنُودُهُ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بَلْ بِالفَسادِ ورَدِّ الحَقِّ، والصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِها قِراءَتانِ: ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٠] ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١] ﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ [القصص: ٤٢] أيْ: يَلْعَنُهم كُلُّ مُؤْمِنٍ يَسْمَعُهُمْ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢] أيْ: مِنَ المَطْرُودِينَ، المُبْعَدِينَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ﴾ [القصص: ٤٣] أيْ: أنْوارًا لِلْقُلُوبِ: ﴿وهُدًى﴾ [القصص: ٤٣] أيْ: إلى الِاعْتِقاداتِ الصَّحِيحَةِ ودَلائِلِها: ﴿ورَحْمَةً﴾ [القصص: ٤٣] أيْ: بِالإرْشادِ إلى العَمَلِ الصّالِحِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣] أيْ: فَيَتَّعِظُونَ بِهِ ويَهْتَدُونَ بِسَبَبِهِ.
(p-٤٧٠٩)ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى كَوْنِ التَّنْزِيلِ وحْيًا مِن عَلّامِ الغُيُوبِ، بِبَيانِ أنَّهُ ما فُصِّلَ مِن هَذِهِ الأنْباءِ لا يَتَسَنّى إلّا بِالمُشاهَدَةِ أوِ التَّعَلُّمِ، وكِلاهُما مَعْلُومُ الِانْتِفاءِ، فَتَحَقَّقَ صِدْقُ الإيحاءِ. وذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ:
28:44–46Страница 391
وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلۡغَرۡبِيِّ إِذۡ قَضَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلۡأَمۡرَ وَمَا كُنتَ مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٤٤
Тебя не было на западном склоне, когда Мы возложили на Мусу (Моисея) наши повеления, и тебя не было в числе присутствовавших.
وَلَٰكِنَّآ أَنشَأۡنَا قُرُونٗا فَتَطَاوَلَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيٗا فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ تَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ ٤٥
Но Мы сотворили поколения после Мусы (Моисея), и долгим оказался для них срок. Тебя не было среди жителей Мадьяна, и ты не читал им Наши аяты, но Мы отправили посланников.
وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذۡ نَادَيۡنَا وَلَٰكِن رَّحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٤٦
Тебя не было на склоне горы, когда Мы воззвали, но это было милостью твоего Господа, чтобы ты предостерег народ, к которому до тебя не приходил предостерегающий увещеватель. Быть может, они помянут назидание.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٤ - ٤٦] ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ وما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿ولَكِنّا أنْشَأْنا قُرُونًا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ وما كُنْتَ ثاوِيًا في أهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا ولَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص: ٤٥] ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٦]
﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ أيِ: الوادِي الغَرْبِيِّ الَّذِي كُوشِفَ فِيهِ مُوسى عَنِ المُناجاةِ: ﴿إذْ قَضَيْنا﴾ أيْ: قَدَّرْنا وأنْهَيْنا: ﴿إلى مُوسى الأمْرَ﴾ أيْ: أمْرَ الإرْسالِ والإنْباءِ: ﴿وما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿ولَكِنّا أنْشَأْنا قُرُونًا﴾ [القصص: ٤٥] أيْ: بَيْنَ زَمانِكَ وزَمانِ مُوسى: ﴿فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ [القصص: ٤٥] أيْ: أمَدُ انْقِطاعِ الوَحْيِ، وانْدَرَسَتْ مَعالِمُ الهُدى، وعَمَّ الضَّلالُ والبَغْيُ والرَّدى، فاقْتَضَتْ رَحْمَتُنا إرْسالَكَ لِنُخْرِجَهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ: ﴿وما كُنْتَ ثاوِيًا﴾ [القصص: ٤٥] أيْ: مُقِيمًا: ﴿فِي أهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا ولَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص: ٤٥] أيْ: لَكَ، ومُوحِينَ إلَيْكَ تِلْكَ الآياتِ. أيْ: ما كانَ الإنْباءُ بِها إلّا وحْيًا مَصْدَرُهُ الرِّسالَةُ: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا﴾ [القصص: ٤٦] أيْ: وقْتَ نِدائِنا مُوسى: ﴿ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [القصص: ٤٦] أيْ: ولَكِنْ أرْسَلْناكَ بِالقُرْآنِ النّاطِقِ بِما ذَكَرَ وبِغَيْرِهِ، لِرَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ مِنّا لَكَ ولِلنّاسِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦] أيْ: مِن نَذِيرٍ في زَمانِ الفَتْرَةِ بَيْنَكَ وبَيْنَ عِيسى: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٦] أيْ: يَتَّعِظُونَ بِإنْذارِكَ.
28:47–48Страница 391
وَلَوۡلَآ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوۡلَآ أَرۡسَلۡتَ إِلَيۡنَا رَسُولٗا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧
А если бы этого не произошло и если бы их постигло несчастье за то, что приготовили их руки, то они бы сказали: «Господь наш! Почему Ты не отправил к нам посланника, чтобы мы последовали за Твоими знамениями и стали одними из верующих?».
فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ لَوۡلَآ أُوتِيَ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰٓۚ أَوَلَمۡ يَكۡفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۖ قَالُواْ سِحۡرَانِ تَظَٰهَرَا وَقَالُوٓاْ إِنَّا بِكُلّٖ كَٰفِرُونَ ٤٨
Когда же к ним явилась истина от Нас, они сказали: «Почему ему не даровано то, что было даровано Мусе (Моисею)?». Разве они не отвергли то, что прежде было даровано Мусе (Моисею)? Они сказали: «Эти два колдовства (Коран и Тора) поддерживают друг друга». Они также сказали: «Мы не веруем ни в одно из них».
(p-٤٧١٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٧ - ٤٨] ﴿ولَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِن قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وقالُوا إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨]
﴿ولَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ﴾ أيْ: عُقُوبَةٌ: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ والفَسادِ: ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِها. وجَوابُ: ﴿لَوْلا﴾ الأُولى مَحْذُوفٌ، ثِقَةً بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ. أيْ: ما أرْسَلْناكَ. لَكِنَّ قَوْلَهم هَذا عِنْدَ عُقُوبَتِهِمْ مُحَقَّقٌ. ولِذا أرْسَلْناكَ قَطْعًا لِمَعاذِيرِهِمْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَمّا كانَتْ أكْثَرُ الأعْمالِ تُزاوَلُ بِالأيْدِي، جُعِلَ كُلُّ عَمَلٍ مُعَبَّرًا عَنْهُ بِاجْتِراحِ الأيْدِي، وتَقْدِيمِ الأيْدِي، وإنْ كانَ مِن أعْمالِ القُلُوبِ. وهَذا مِن الِاتِّساعِ في الكَلامِ، وتَصْيِيرِ الأقَلِّ تابِعًا لِلْأكْثَرِ، وتَغْلِيبِ الأكْثَرِ عَلى الأقَلِّ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨] أيْ: مِن قَلْبِ العَصا حَيَّةً، وفَلْقِ البَحْرِ، وغَيْرِهِما مِنَ الآياتِ. تَعَنُّتًا وعِنادًا، كَما قالُوا: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ كَنْـزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢] وما أشْبَهَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ٤٨] رَدٌّ عَلَيْهِمْ، وإظْهارٌ لِكَوْنِ ما قالُوهُ تَعَنُّتًا مَحْضًا، لا طَلَبًا لِما يُرْشِدُهم إلى الحَقِّ. أيْ: أوَ لَمْ يَكْفُرْ أبْناءُ جِنْسِهِمْ، ومَن مَذْهَبُهم مَذْهَبُهُمْ، وعِنادُهم عِنادُهم وهُمُ القِبْطُ، بِما أُوتِيَ مُوسى مِنَ الكِتابِ: ﴿قالُوا﴾ [القصص: ٤٨] أيْ: في مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿سِحْرانِ تَظاهَرا﴾ [القصص: ٤٨] أيْ: تَعاوَنا. وقُرِئَ: "سِحْرانِ" أيْ: ذَوا سِحْرَيْنِ؛ أوْ جَعَلُوهُما (p-٤٧١١)سِحْرَيْنِ مُبالَغَةً: ﴿وقالُوا إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨] ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ الآيَةَ العُظْمى لِلنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، هي الآياتُ النَّفْسِيَّةُ العِلْمِيَّةُ، لا الكَوْنِيَّةُ الآفاقِيَّةُ الَّتِي كانَتْ لِغَيْرِهِ، جَرْيًا عَلى سُنَّةِ الِارْتِقاءِ. فَإنَّ النَّوْعَ الإنْسانِيَّ كانَ، لَمّا جاءَ الإسْلامُ قَدِ اسْتَعَدَّ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ بِالبُرْهانِ، والتَّمْيِيزِ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ بِالدَّلِيلِ والحُجَّةِ. وكانَ لا بُدَّ لَهُ في هَذا الطَّوْرِ مِن مُعَلِّمٍ ومُرْشِدٍ، كَما في الأطْوارِ الأُخْرى، أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ رَسُولًا يَهْدِيهِ إلى طُرُقِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ويَأْمُرُهُ بِأنْ يَرْفُضَ التَّقْلِيدَ البَحْتَ والتَّسْلِيمَ الأعْمى. وأنْ لا يَأْخُذَ شَيْئًا إلّا بِدَلِيلٍ وبُرْهانٍ، يُوصِلُ إلى العِلْمِ. فَكانَتْ عُمْدَتُهُ ﷺ في الِاسْتِدْلالِ عَلى نُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ، وما جاءَ بِهِ مِنَ النُّورِ والهُدى، كالطَّبِيبِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ عَلى إتْقانِهِ صِناعَةَ الطِّبِّ، بِما يُبْدِيهِ مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ النّاجِحِ فِيها. وقَدْ بُسِطَ هَذا في مَواضِعِهِ. وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى:
28:49–55Страница 391
قُلۡ فَأۡتُواْ بِكِتَٰبٖ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمَآ أَتَّبِعۡهُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٩
Скажи: «Если вы говорите правду, то принесите Писание от Аллаха, которое было бы более верным руководством, чем эти два Писания, и я последую за ним».
فَإِن لَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٠
Если они не ответят тебе, то знай, что они лишь потакают своим желаниям. А кто может быть более заблудшим, чем тот, кто потакает своим желаниям без верного руководства от Аллаха? Воистину, Аллах не ведет прямым путем несправедливых людей.
۞ وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٥١
Мы довели до них Слово, чтобы они могли помянуть назидание.
ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِهِۦ هُم بِهِۦ يُؤۡمِنُونَ ٥٢
Те, кому Мы прежде даровали Писание, уверовали в него (Коран).
وَإِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦٓ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلِهِۦ مُسۡلِمِينَ ٥٣
Когда им читают его, они говорят: «Мы уверовали в него! Это - истина от нашего Господа. Мы и прежде были мусульманами».
أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡتَوۡنَ أَجۡرَهُم مَّرَّتَيۡنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٥٤
Они получат свою награду в двойном размере за то, что были терпеливы. Они отвращают зло добром и расходуют из того, чем Мы наделили их.
وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغۡوَ أَعۡرَضُواْ عَنۡهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ لَا نَبۡتَغِي ٱلۡجَٰهِلِينَ ٥٥
А услышав праздные речи, они отворачиваются от них и говорят: «Нам достанутся наши деяния, а вам - ваши. Мир вам! Мы не желаем следовать путем невежд».
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩ - ٥٥] ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١] ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤] (p-٤٧١٢)﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]
﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الجاحِدِينَ: قَدْ مَضى دَوْرُ الخَوارِقِ الَّتِي تَقْتَرِحُونَها، ونَسَخَ تَعالى مِن تِلْكَ الآياتِ بِما أتى بِخَيْرٍ مِنها، وهو آيَةُ الهِدايَةِ الَّتِي تَصْلُحُ بِها قُلُوبُ العالَمِينَ. والذِّكْرى الَّتِي تَزَعُ النُّفُوسَ عَنِ الشَّرِّ، وتَحْمِلُها عَلى الخَيْرِ. بِحَيْثُ يَظْهَرُ أثَرُها الحَسَنُ في المُؤْمِنِينَ، ويَحِقُّ الشَّقاءُ عَلى الجاحِدِينَ المُعانِدِينَ. فَإنْ يَكُ هَذا سِحْرًا، ولَدَيْكم ما هو أهْدى: ﴿فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما﴾ أيْ: مِنَ التَّوْراةِ والقُرْآنِ: ﴿أتَّبِعْهُ﴾ أيْ: ولا أُعانِدُكم مِثْلَ ما تُعانِدُونَنِي: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في أنَّهُما سِحْرانِ مُخْتَلِقانِ. أوْ في أنَّهُ يُمْكِنُ الإتْيانُ بِما هو أهْدى مِنهُما.
قالَ أبُو السُّعُودِ: ومِثْلَ هَذا الشَّرْطِ مِمّا يَأْتِي بِهِ مَن يُدْلِ بِوُضُوحِ حُجَّتِهِ وسُنُوحِ مَحَجَّتِهِ. لِأنَّ الإتْيانَ بِما هو أهْدى مِنَ الكِتابَيْنِ، أمْرٌ بَيِّنُ الِاسْتِحالَةِ. فَيُوَسِّعُ دائِرَةَ الكَلامِ لِلتَّبْكِيتِ والإفْحامِ. انْتَهى. أيْ: لا لِلشَّكِّ والتَّرَدُّدِ.
قالَ الشِّهابُ: وهَذا جَوابٌ عَمّا يُقالُ أنَّ عَدَمَ إتْيانِهِمْ بِهِ مَعْلُومٌ. وهَذا كَما يَقُولُ المُدِلُّ: إنْ كُنْتُ صَدِيقَكَ القَدِيمَ، فَعامِلْنِي بِالجَهْلِ. وكَذا في إيرادِ كَلِمَةِ إنَّ مَعَ امْتِناعِ صِدْقِهِمْ، نَوْعُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ: ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ [القصص: ٥٠] أيْ: فَلَمْ يَأْتُوا بِذَلِكَ الكِتابِ، ولَمْ يُتابِعُوا الكِتابَيْنِ: ﴿فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠] أيِ: الزّائِغَةَ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ لِلنَّفْيِ. أيْ: لا أحَدَ أضَلُّ مِنهُ. كَيْفَ لا؟ وهو أظْلَمُ الظَّلَمَةِ. بِتَقْدِيمِ هَواهُ عَلى هُدى اللَّهِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] أيِ: الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالِانْهِماكِ في اتِّباعِ الهَوى، والإعْراضِ عَنِ الآياتِ الهادِيَةِ إلى الحَقِّ المُبِينِ.
(p-٤٧١٣)قالَ الرّازِيُّ: وهَذا مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُجَّةِ والِاسْتِدْلالِ. انْتَهى ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١] أيْ: أنْزَلْنا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ مُتَواصِلًا، بَعْضُهُ إثْرَ بَعْضٍ، وعْدًا ووَعِيدًا، وقِصَصًا وعِبَرًا، ومَواعِظَ، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ إرادَةَ أنْ يَتَذَكَّرُوا فَيُفْلِحُوا. وقُرِئَ (وصَّلْنا) بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ [القصص: ٥٢] أيِ: القُرْآنِ: ﴿هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] وهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ وأوْلِياؤُهُمْ: ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٥٣] أيِ: القُرْآنُ: ﴿قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ﴾ [القصص: ٥٣] أيْ: مِن قَبْلِ نُزُولِهِ: ﴿مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] أيْ: مُنْقادِينَ لَهُ، لِما عِنْدَنا مِنَ المُبَشِّراتِ بِهِ. أوْ عَلى دِينِ الإسْلامِ، وهو إخْلاصُ الوَجْهِ لَهُ تَعالى بِدُونِ شِرْكٍ: ﴿أُولَئِكَ﴾ [القصص: ٥٤] أيِ: المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ: ﴿يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] يَعْنِي مَرَّةً عَلى إيمانِهِمْ بِكِتابِهِمْ، ومَرَّةً عَلى إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: بِصَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلى الإيمانَيْنِ. أوْ عَلى الإيمانِ بِالقُرْآنِ قَبْلَ النُّزُولِ وبَعْدَهُ. أوْ عَلى أذى مَن نابَذَهُمْ: ﴿ويَدْرَءُونَ﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: يَدْفَعُونَ: ﴿بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: بِالحِكْمَةِ الطَّيِّبَةِ، ما يَسُوؤُهُمْ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤] أيْ: لِلْبُؤَساءِ والفُقَراءِ، وفي سَبِيلِ البِرِّ والخَيْرِ، فِرارًا عَنْ وصْمَةِ الشُّحِّ، وتَنَبُّهًا لِآفاتِهِ.
﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: مِنَ الجُهّالِ. وهو كُلُّ ما حَقُّهُ أنْ يُلْغى ويُتْرَكَ، مِنَ العَبَثِ وغَيْرِهِ: ﴿أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: تَكْرِيمًا لِلنَّفْسِ عَنْ مُلابَسَةِ الأدْنِياءِ، وتَشْرِيفًا لِلسَّمْعِ عَنْ سَقْطِ باطِلِهِمْ: ﴿وقالُوا﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: لَهُمْ: ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: بِطَرِيقِ التَّوْدِيعِ والمُتارَكَةِ؛ وعَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَلِمَةُ حِلْمِ المُؤْمِنِينَ: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] أيْ: لا نُرِيدُ مُخالَطَتَهم وصُحْبَتَهُمْ، ولا نُرِيدُ مُجازاتَهم بِالباطِلِ عَلى باطِلِهِمْ. قالَ الرّازِيُّ: قالَ قَوْمٌ: نُسِخَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالقِتالِ. وهو بَعِيدٌ. لِأنَّ تَرْكَ المُسافَهَةِ مَندُوبٌ. وإنْ كانَ القِتالُ واجِبًا.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إنَّها نَزَلَتْ في سَبْعِينَ مِنَ القِسِّيسِينَ. بَعَثَهُمُ النَّجاشِيُّ. (p-٤٧١٤)فَلَمّا قَدِمُوا النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ عَلَيْهِمْ: ﴿يس﴾ [يس: ١] ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] حَتّى خَتَمَها. فَجَعَلُوا يَبْكُونَ وأسْلَمُوا.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ في (السِّيرَةِ): ثُمَّ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو بِمَكَّةَ، عِشْرُونَ رَجُلًا أوْ قَرِيبٌ مِن ذَلِكَ مِنَ النَّصارى، حِينَ بَلَغَهم خَبَرُهُ مِنَ الحَبَشَةِ. فَوَجَدُوهُ في المَسْجِدِ. فَجَلَسُوا إلَيْهِ وكَلَّمُوهُ وسَألُوهُ. ورِجالٌ مِن قُرَيْشٍ في أنْدِيَتِهِمْ. حَوْلَ الكَعْبَةِ. فَلَمّا فَرَغُوا مِن مُساءَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا أرادُوا، دَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى وتَلا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ. فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ فاضَتْ أعْيُنُهم مِنَ الدَّمْعِ. ثُمَّ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وآمَنُوا بِهِ، وصَدَّقُوهُ وعَرَفُوا مِنهُ ما كانَ يُوصَفُ لَهم في كِتابِهِمْ مِن أمْرِهِ. فَلَمّا قامُوا عَنْهُ اعْتَرَضَهم أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ في نَفَرٍ مِن قُرَيْشٍ. فَقالُوا لَهُمْ: خَيَّبَكُمُ اللَّهُ مِن رَكْبٍ. بَعَثَكم مَن وراءَكم مِن أهْلِ دِينِكم تَرْتادُونَ لَهُمْ، لِتَأْتُوهم بِخَيْرِ الرَّجُلِ. فَلَمْ تَطْمَئِنَّ مَجالِسُكم عِنْدَهُ حَتّى فارَقْتُمْ دِينَكم وصَدَّقْتُمُوهُ فِيما قالَ. ما نَعْلَمُ رَكْبًا أحْمَقَ مِنكم. أوْ كَما قالُوا لَهم. فَقالُوا لَهُمْ: سَلامٌ عَلَيْكم. لا نُجاهِلُكم. لَنا ما نَحْنُ عَلَيْهِ، ولَكم ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، لَمْ نَأْلُ أنْفُسَنا خَيْرًا.
قالَ: ويُقالُ إنَّ النَّفَرَ النَّصارى مِن أهْلِ نَجْرانَ. فاللَّهُ أعْلَمُ أيَّ ذَلِكَ كانَ.
قالَ: ويُقالُ، واللَّهُ أعْلَمُ، إنَّ فِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]
قالَ: وسَألْتُ الزُّهْرِيَّ عَنِ الآياتِ فِيمَن نَزَلَتْ؟ قالَ: ما زِلْتُ أسْمَعُ مِن عُلَمائِنا أنَّهُنَّ نَزَلْنَ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. والآياتُ اللّاتِي في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ [المائدة: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии