Аль-КасимиАль Имран · 3:142–151

Аль-Касими · Тафсир · на арабском

Аль Имран 3:142–151

3:142Страница 68

أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٤٢

Или вы полагали, что войдете в Рай, пока Аллах не узнал тех из вас, кто сражался и кто был терпелив?

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤٢ ] ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾

﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ أيْ: ولَمّا يَقَعُ ذَلِكَ مِنكم فَيَعْلَمُهُ، فَإنَّهُ لَوْ وقَعَ لَعَلِمَهُ فَجازاكم عَلَيْهِ بِالجَنَّةِ. فَيَكُونُ الجَزاءُ عَلى الواقِعِ المَعْلُومِ، لا عَلى مُجَرَّدِ العِلْمِ، فَإنَّ اللَّهَ لا يَجْزِي العَبْدَ عَلى مُجَرَّدِ عِلْمِهِ فِيهِ دُونَ أنْ يَقَعَ مَعْلُومُهُ - أفادَهُ ابْنُ القَيِّمِ - .

وفِي (الكَشّافِ): ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ بِمَعْنى: ولَمّا تُجاهِدُوا لِأنَّ العِلْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالمَعْلُومِ، فَنَزَلَ نَفْيُ العِلْمِ مَنزِلَةَ نَفْيِ مُتَعَلِّقِهِ، لِأنَّهُ مُنْتَفٍ بِانْتِفائِهِ، يَقُولُ الرَّجُلُ: ما عَلِمَ اللَّهُ في فُلانٍ خَيْرًا، يُرِيدُ ما فِيهِ خَيْرٌ حَتّى يَعْلَمَهُ، و(لَمّا) بِمَعْنى (لَمْ)، إلّا أنَّ فِيها ضَرْبًا مِنَ التَّوَقُّعِ، فَدَلَّ عَلى نَفْيِ الجِهادِ فِيما مَضى، وعَلى تَوَقُّعِهِ فِيما يُسْتَقْبَلُ، وتَقُولُ: وعَدَنِي أنْ يَفْعَلَ كَذا ولَمّا. تُرِيدُ: ولَمّا يَفْعَلُ، وأنا أتَوَقَّعُ فِعْلَهُ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ أبُو مُسْلِمٍ في: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ إنَّهُ نَهْيٌ وقَعَ بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَأْتِي لِلتَّبْكِيتِ، وتَلْخِيصُهُ: لا تَحْسَبُوا أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمْ يَقَعْ مِنكم الجِهادُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿الم﴾ [العنكبوت: ١] ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] وافْتَتَحَ الكَلامَ بِذِكْرِ (أمْ) الَّتِي هي أكْثَرُ ما تَأْتِي في كَلامِهِمْ واقِعَةً بَيْنَ ضَرْبَيْنِ، يُشَكُّ في أحَدِهِما لا بِعَيْنِهِ. يَقُولُونَ: أزَيْدًا ضَرَبْتَ أمْ عَمْرًا ؟ مَعَ تَيَقُّنِ وُقُوعِ الضَّرْبِ بِأحَدِهِما. قالَ: وعادَةُ العَرَبِ يَأْتُونَ بِهَذا الجِنْسِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ تَوْكِيدًا، فَلَمّا قالَ: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٩] كَأنَّهُ قالَ: أفَتَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ كَما تُؤْمَرُونَ بِهِ، أمْ تَحْسَبُونَ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ مِن غَيْرِ مُجاهَدَةٍ وصَبْرٍ ! . وإنَّما اسْتُبْعِدَ هَذا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ الجِهادَ قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ، وأوْجَبَ الصَّبْرَ عَلى تَحَمُّلِ مَتاعِبِها، وبَيَّنَ وُجُوهَ المَصالِحِ فِيها في الدِّينِ (p-٩٨٥)وفِي الدُّنْيا، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ، فَمِنَ البَعِيدِ أنَّ يَصِلَ الإنْسانُ إلى السَّعادَةِ والجَنَّةِ مَعَ إهْمالِ هَذِهِ الطّاعَةِ - انْتَهى - .

ثُمَّ وبَّخَهم عَلى هَزِيمَتِهِمْ مِن أمْرٍ كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ ويَوَدُّونَ لِقاءَهُ فَقالَ:

3:143Страница 68

وَلَقَدۡ كُنتُمۡ تَمَنَّوۡنَ ٱلۡمَوۡتَ مِن قَبۡلِ أَن تَلۡقَوۡهُ فَقَدۡ رَأَيۡتُمُوهُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ١٤٣

Вы действительно желали смерти, пока не встретились с ней. Теперь вы увидели ее воочию.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤٣ ] ﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾

﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ﴾ أيْ: الحَرْبَ، فَإنَّها مِن مَبادِئِهِ، أوْ المَوْتَ عَلى الشَّهادَةِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ﴾ أيْ: تُشاهِدُوهُ وتَعْرِفُوا هَوْلَهُ: ﴿فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ﴾ أيْ: ما تَتَمَنَّوْنَهُ مِن أسْبابِ المَوْتِ، أوْ المَوْتَ بِمُشاهَدَةِ أسْبابِهِ العادِيَّةِ، أوْ قَتْلَ إخْوانِكم بَيْنَ أيْدِيكم: ﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، وفي إيثارِ الرُّؤْيَةِ عَلى المُلاقاةِ، وتَقْيِيدِها بِالنَّظَرِ، مُبالَغَةٌ في مُشاهَدَتِهِمْ لَهُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا أخْبَرَهم اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ بِما فَعَلَ بِشُهَداءِ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ، رَغِبُوا في الشَّهادَةِ، فَتَمَنَّوْا قِتالًا يَسْتَشْهِدُونَ فِيهِ فَيَلْحَقُونَ إخْوانَهم، فَأراهم اللَّهُ ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ، وسَبَّبَهُ لَهم، فَلَمْ يَلْبَثُوا أنْ انْهَزَمُوا إلّا مَن شاءَ اللَّهُ مِنهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ﴾ الآيَةُ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لا تَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ، وسَلُوا اللَّهَ العافِيَةَ، فَإذا لَقِيتُمُوهم فاصْبِرُوا، واعْلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ»» .

(p-٩٨٦)قالَ أهْلُ المَغازِي: لَمّا انْهَزَمَ مَن انْهَزَمَ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، أقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَمِيئَةَ يُرِيدُ قَتْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَذَبَّ عَنْهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو يَوْمَئِذٍ صاحِبُ رايَتِهِ، فَقَتَلَهُ ابْنُ قَمِيئَةَ، وهو يَرى أنَّهُ قَتَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَجَعَ فَقالَ: قَدْ قَتَلْتُ مُحَمَّدًا، وصَرَخَ الشَّيْطانُ: ألا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ. فَوَقَعَ ذَلِكَ في قُلُوبِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، فَحَصَلَ ضَعْفٌ ووَهْنٌ وتَأخُّرٌ عَنْ القِتالِ. فَفي ذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى:

3:144Страница 68

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٤

Мухаммад является всего лишь Посланником. До него тоже были посланники. Неужели, если он умрет или будет убит, вы обратитесь вспять? Кто обратится вспять, тот ничуть не навредит Аллаху. Аллах же вознаградит благодарных.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤٤ ] ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكم ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾

﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ والرُّسُلُ مِنهم مَن ماتَ، ومِنهم مَن قُتِلَ، فَلا مُنافاةَ بَيْنَ الرِّسالَةِ والقَتْلَ والمَوْتِ، إذْ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ فَسَيَخْلُو كَما خَلَوْا: ﴿أفَإنْ ماتَ﴾ أيْ: أتُؤْمِنُونَ بِهِ في حالِ حَياتِهِ، فَإنْ ماتَ: ﴿أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ﴾ أيْ: ارْتَدَدْتُمْ: ﴿عَلى أعْقابِكُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ عِلْمِكم بِخُلُوِّ الرُّسُلِ قَبْلَهُ، وبَقاءِ دِينِهِمْ، مُتَمَسَّكًا بِهِ: ﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ وإنَّما يَضُرُّ نَفْسَهُ بِتَعْرِيضِها لِلسُّخْطِ والعَذابِ: ﴿وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ بِالنَّصْرِ والغَلَبَةِ في الدُّنْيا، والثَّوابِ والرِّضْوانِ في الآخِرَةِ، وهم الَّذِينَ لَمْ يَنْقَلِبُوا، بَلْ قامُوا بِطاعَتِهِ، وقاتَلُوا عَلى دِينِهِ، واتَّبَعُوا رَسُولَهُ حَيًّا ومَيِّتًا. وسَمّاهم شاكِرِينَ لِأنَّهم شَكَرُوا (p-٩٨٧)نِعْمَةَ الإسْلامِ الَّذِي هو أجَلُّ نِعْمَةٍ وأعَزُّ مَعْرُوفٍ. والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ عَلى يَقِينٍ مِن دِينِهِ، وبَصِيرَةٍ مِن رَبِّهِ، لا يَرْتَدُّ بِمَوْتِ الرَّسُولِ وقَتْلِهِ، ولا يَفْتُرُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ يُجاهِدُ لِرَبِّهِ لا لِلرَّسُولِ، كَأصْحابِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ، كَما قالَ أنَسٌ (عَمُّ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ أُرْجِفَ بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وشاعَ الخَبَرُ، وانْهَزَمَ المُسْلِمُونَ، وبَلَغَ إلَيْهِ تَقاوُلُ بَعْضِهِمْ: لَيْتَ فُلانًا يَأْخُذُ لَنا أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ، وقَوْلُ المُنافِقِينَ: لَوْ كانَ نَبِيًّا ما قُتِلَ): يا قَوْمُ إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ، فَإنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ حَيٌّ لا يَمُوتُ، وما تَصْنَعُونَ بِالحَياةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقاتِلُوا عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ، ومُوتُوا عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمّا يَقُولُ هَؤُلاءِ، وأبْرَأُ إلَيْكَ مِمّا جاءَ هَؤُلاءِ، ثُمَّ شَدَّ بِسَيْفِهِ وقاتَلَ حَتّى قُتِلَ - أفادَهُ القاشانِيُّ - .

(p-٩٨٨)رَوى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ مَرَّ عَلى رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ وهو يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ، فَقالَ لَهُ: يا فُلانُ ! أشَعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ قُتِلَ ؟ فَقالَ الأنْصارِيُّ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ، فَقَدْ بَلَّغَ، فَقاتِلُوا عَنْ دِينِكم، فَنَزَلَ: ﴿وما مُحَمَّدٌ﴾ الآيَةُ. ورَواهُ أبُو بَكْرٍ البَيْهَقِيُّ في (دَلائِلَ النُّبُوَّةِ) .

قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ):

ومِنها: - أيْ: مِنَ الغاياتِ في هَذِهِ الغَزْوَةِ - أنَّ وقْعَةَ أُحُدٍ كانَتْ مُقَدِّمَةً وإرْهاصًا بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَنَبَّأهم ووَبَّخَهم عَلى انْقِلابِهِمْ عَلى أعْقابِهِمْ إنْ ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوْ قُتِلَ. بَلْ الواجِبُ لَهُ عَلَيْهِمْ أنْ يَثْبُتُوا عَلى دِينِهِ وتَوْحِيدِهِ، يَمُوتُوا عَلَيْهِ ويُقْتَلُوا، فَإنَّهم إنَّما يَعْبُدُونَ رَبَّ مُحَمَّدٍ وهو حَيٌّ لا يَمُوتُ. فَلَوْ ماتَ مُحَمَّدٌ أوْ قُتِلَ لا يَنْبَغِي لَهم أنْ يَصْرِفَهم ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وما جاءَ بِهِ، فَكُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ، وما بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ إلَيْهِمْ لِيُخَلَّدَ، لا هو ولا هم، بَلْ لِيَمُوتُوا عَلى الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ، فَإنَّ المَوْتَ لا بُدَّ مِنهُ، فَسَواءٌ ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوْ بَقِيَ، ولِهَذا وبَّخَهم عَلى رُجُوعِ مَن رَجَعَ مِنهم عَنْ دِينِهِ لَمّا صَرَخَ الشَّيْطانُ بِأنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَقالَ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ الآيَةُ - والشّاكِرُونَ هم الَّذِينَ عَرَفُوا قَدْرَ النِّعْمَةِ، فَثَبَتُوا عَلَيْها حَتّى ماتُوا وقُتِلُوا، فَظَهَرَ أثَرُ هَذا العِتابِ، وحُكْمُ هَذا الخِطابِ يَوْمَ ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وارْتَدَّ مَن ارْتَدَّ عَلى عَقِبَيْهِ، وثَبَتَ الشّاكِرُونَ عَلى دِينِهِمْ، فَنَصَرَهم اللَّهُ وأعَزَّهم، وأظْفَرَهم بِأعْدائِهِمْ وجَعَلَ العاقِبَةَ لَهم - انْتَهى - .

وثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَلا هَذِهِ الآيَةَ يَوْمَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ . وتَلاها مِنهُ النّاسُ كُلُّهم، والحَدِيثُ مَشْهُورٌ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ نَفْسٍ أجَلًا، لا بُدَّ أنْ تَسْتَوْفِيَهُ وتَلْحَقَ بِهِ، فَيَرِدُ النّاسُ كُلُّهم حَوْضَ المَنايا مَوْرِدًا واحِدًا، وإنْ تَنَوَّعَتْ أسْبابُهُ، ويَصْدُرُونَ عَنْ مَوْقِفِ القِيامَةِ مَصادِرَ شَتّى، فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، بِقَوْلِهِ:

(p-٩٨٩)

3:145Страница 68

وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ كِتَٰبٗا مُّؤَجَّلٗاۗ وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلۡأٓخِرَةِ نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَاۚ وَسَنَجۡزِي ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٥

Ни одна душа не умирает, кроме как с дозволения Аллаха, в предписанный срок. Тому, кто желает вознаграждения в этом мире, Мы дадим его, и тому, кто желает вознаграждения в Последней жизни, Мы дадим его. Мы вознаградим благодарных.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤٥ ] ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلا ومَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾

﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِأمْرِهِ وإرادَتِهِ: ﴿كِتابًا مُؤَجَّلا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلُهُ، أيْ: كَتَبَ لِكُلِّ نَفْسٍ عُمْرَها كِتابًا مُؤَقَّتًا بِوَقْتٍ مَعْلُومٍ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ. وفي الآيَةِ تَشْجِيعٌ لِلْجُبَناءِ وتَرْغِيبٌ لَهم في القِتالِ، فَإنَّ الإقْدامَ والإحْجامَ لا يُنْقِصُ مِنَ العُمْرِ ولا يَزِيدُ فِيهِ: ﴿ومَن يُرِدْ﴾ أيْ: بِعَمَلِهِ: ﴿ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: ما نَشاءُ أنْ نُؤْتِيَهُ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ، وهو تَعْرِيضٌ بِمَن حَضَرَ لِطَلَبِ الغَنائِمِ: ﴿ومَن يُرِدْ﴾ أيْ: بِعَمَلِهِ: ﴿ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَـزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]

واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ، وإنْ كانَ سِياقُها في الجِهادِ ولَكِنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الأعْمالِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤَثِّرَ في جَلْبِ الثَّوابِ أوْ العِقابِ هو النِّيّاتُ والدَّواعِي، لا ظَواهِرُ الأعْمالِ. ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ تَقْصِيرَهم وسُوءَ صَنِيعِهِمْ في صُدُودِهِمْ عَنْ سُنَنِ الرَّبّانِيِّينَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ الرُّسُلِ الخالِيَةِ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ:

(p-٩٩٠)

3:146Страница 68

وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٤٦

Сколько было пророков, рядом с которыми сражалось много набожных верующих! Они не пали духом оттого, что постигло их на пути Аллаха, не проявили слабости и не смирились. Ведь Аллах любит терпеливых.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤٦ ] ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾

﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أيْ: كَمْ مِنَ الأنْبِياءِ قاتَلَ مَعَهم، لِإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وإعْزازِ دِينِهِ جَماعَتُهم الأتْقِياءُ العُبّادُ: ﴿فَما وهَنُوا﴾ أيْ: ضَعُفُوا: ﴿لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مِنَ الجِراحِ وشَهادَةِ بَعْضِهِمْ، لِأنَّ الَّذِي أصابَهم إنَّما هو في سَبِيلِ اللَّهِ وطاعَتِهِ وإقامَةِ دِينِهِ، ونُصْرَةِ رَسُولِهِ: ﴿وما ضَعُفُوا﴾ أيْ: عَنْ الجِهادِ أوْ العَدُوِّ أوْ الدِّينِ: ﴿وما اسْتَكانُوا﴾ لِلْأعْداءِ بَلْ صَبَرُوا عَلى قِتالِهِمْ: ﴿واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ عَلى قِتالِ أعْدائِهِ.

تَنْبِيهاتٌ:

اَلْأوَّلُ: (كَأيِّنْ) بِمَعْنى: (كَمْ) الخَبَرِيَّةِ، وفِيها لُغاتٌ، قُرِئَ مِنها في السَّبْعِ كائِنٌ مَمْدُودًا مَهْمُوزًا لِابْنِ كَثِيرٍ. والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ. وفِيها كَلامٌ كَثِيرٌ في مَعْناها ولُغاتِها وقِراءاتِها المُتَواتِرَةِ والشّاذَّةِ وصْلًا ووَقْفًا، وفي رَسْمِها، فانْظُرْ مَوادَّ ذَلِكَ.

اَلثّانِي: قُرِئَ في السَّبْعِ: (قُتِلَ) بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ ونائِبُ الفاعِلِ: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ قَطْعًا. وأمّا احْتِمالُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا لِنَبِيٍّ ومَعَهُ رِبِّيُّونَ حالٌ، أوْ يَكُونَ عَلى مَعْنى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ: وكائِنٌ مِن نَبِيٍّ مَعَهُ رِبِّيُّونَ قُتِلَ؛ فَتَكَلُّفٌ يَنْبُوَ عَنْ سَلِيمِ الأفْهامِ. وتَعَسُّفٌ يَجِبُ تَنْزِيهُ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ. وإنْ نَقَلَهُ القَفّالُ، ونَصَرَهُ السُّهَيْلِيُّ وبالَغَ فِيهِ. فَما كُلُّ سَوْداءَ تَمْرَةٌ.

اَلثّالِثُ: (الرِّبِّيُّونَ) بِكَسْرِ الرّاءِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقُرِئَ بِضَمِّها وفَتْحِها، فالفَتْحُ عَلى القِياسِ، والكَسْرُ والضَّمُّ مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ، وهم الرَّبّانِيُّونَ، أيْ: الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الرَّبَّ تَعالى.

ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ، بَعْدَ بَيانِ مَحاسِنِهِمْ الفِعْلِيَّةِ، بِمَحاسِنِهِمْ القَوْلِيَّةِ، وهو ما اسْتُنْصِرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ وأُمَمُهم عَلى قَوْمِهِمْ مِن اعْتِرافِهِمْ وتَوْبَتِهِمْ واسْتِغْفارِهِمْ وسُؤالِهِمْ رَبَّهم أنْ يُثَبِّتَ أقْدامُهم، وأنْ يَنْصُرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ، فَقالَ:

(p-٩٩١)

3:147Страница 68

وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤٧

Они не произносили ничего, кроме слов: «Господь наш! Прости нам наши грехи и излишества, которые мы допустили в нашем деле, утверди наши стопы и даруй нам победу над людьми неверующими».

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤٧ ] ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾

﴿وما كانَ قَوْلَهُمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الرَّبّانِيِّينَ، مِثْلَ قَوْلِ المُنافِقِينَ ولا المُعْجَبِينَ. و: (قَوْلَهم) بِالنَّصْبِ خَبَرٌ لِكانَ، واسْمُها أنْ وما بَعْدَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾

قالَ ابْنُ القَيِّمِ: لَمّا عَلِمَ القَوْمُ أنَّ العَدُوَّ إنَّما يُدالُ عَلَيْهِمْ بِذُنُوبِهِمْ وأنَّ الشَّيْطانَ إنَّما يَسْتَزِلُّهم ويَهْزِمُهم بِها، وأنَّها نَوْعانِ: تَقْصِيرٌ في حَقٍّ، أوْ تَجاوُزٌ لِحَدٍّ. وأنَّ النَّصْرَ مَنُوطٌ بِالطّاعَةِ، قالُوا: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ ثُمَّ عَلِمُوا أنَّ رَبَّهم تَبارَكَ وتَعالى، وإنْ لَمْ يُثَبِّتْ أقْدامَهم ويَنْصُرْهم، لَمْ يَقْدِرُوا عَلى تَثْبِيتِ أقْدامِ أنْفُسِهِمْ ونَصْرِها عَلى أعْدائِهِمْ، فَسَألُوهُ ما يَعْلَمُونَ أنَّهُ بِيَدِهِ دُونَهم، وأنَّهُ إنْ لَمْ يُثَبِّتْ أقْدامَهم ويَنْصُرْهم، لَمْ يَثْبُتُوا ولَمْ يَنْتَصِرُوا. فَوَفَّوْا المَقامَيْنِ حَقَّهُما: مَقامَ المُقْتَضى، وهو التَّوْحِيدُ، والِالتِجاءُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ. ومَقامَ إزالَةِ المانِعِ مِنَ النُّصْرَةِ، وهو الذُّنُوبُ والإسْرافُ - انْتَهى - .

قالَ القاضِي: وهَذا تَأْدِيبٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى في كَيْفِيَّةِ الطَّلَبِ بِالأدْعِيَةِ عِنْدَ النَّوائِبِ والمِحَنِ، سَواءٌ كانَ في الجِهادِ أوْ غَيْرِهِ.

3:148Страница 68

فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٤٨

Аллах даровал им вознаграждение в этом мире и прекрасное вознаграждение в Последней жизни. Ведь Аллах любит творящих добро.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤٨ ] ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾

﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ مِنَ النَّصْرِ والغَنِيمَةِ، وقَهْرِ العَدُوِّ، والثَّناءِ الجَمِيلِ، وانْشِراحِ الصَّدْرِ بِنُورِ الإيمانِ، وكَفّارَةِ السَّيِّئاتِ: ﴿وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ وهو الجَنَّةُ وما فِيها مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ. وتَخْصِيصُ وصْفِ الحُسْنِ بِثَوابِ الآخِرَةِ لِلْإيذانِ بِفَضْلِهِ ومَزِيَّتِهِ، وأنَّهُ المُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَهُ تَعالى، بِخِلافِ الدُّنْيا؛ لِقِلَّتِها وامْتِزاجِها بِالمَضارِّ، وكَوْنِها مُنْقَطِعَةً زائِلَةً: (p-٩٩٢)﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ ما حَكى عَنْهم مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ مِن بابِ الإحْسانِ.

قالَ الرّازِيُّ: فِيهِ دَقِيقَةٌ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ هَؤُلاءِ لَمّا اعْتَرَفُوا بِكَوْنِهِمْ مُسِيئِينَ حَيْثُ قالُوا: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ [آل عمران: ١٤٧] الآيَةُ - سَمّاهم اللَّهُ مُحْسِنِينَ، كَأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لَهم: إذا اعْتَرَفْتَ بِإساءَتِكَ وعَجْزِكَ فَأنا أصِفُكَ بِالإحْسانِ وأجْعَلُكَ حَبِيبًا لِنَفْسِي حَتّى تَعْلَمَ أنَّهُ لا سَبِيلَ لِلْعَبْدِ إلى الوُصُولِ إلى حَضْرَةِ اللَّهِ إلّا بِإظْهارِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ والعَجْزِ.

ثُمَّ حَذَّرَهم سُبْحانَهُ، إثْرَ تَرْغِيبِهِمْ في الِاقْتِداءِ بِأنْصارِ الأنْبِياءِ المُفْضِي لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ، مِن طاعَةِ عَدُوِّهِمْ. وأخْبَرَ أنَّهُ إنْ أطاعُوهم خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ. وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ الَّذِينَ أطاعُوا المُشْرِكِينَ لَمّا انْتَصَرُوا وظَفِرُوا يَوْمَ أُحُدٍ، بِقَوْلِهِ:

3:149Страница 69

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ ١٤٩

О те, которые уверовали! Если вы подчинитесь неверующим, то они обратят вас вспять, и вы вернетесь потерпевшими убыток.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤٩ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكُمْ﴾ أيْ: إلى الشِّرْكِ. والِارْتِدادُ عَلى العَقِبِ عَلَمٌ في انْتِكاسِ الأمْرِ، ومَثَلٌ في الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ لِدِينِ الإسْلامِ ولِمَحَبَّةِ اللَّهِ ورِضْوانِهِ وثَوابِهِ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ. فَلا تَعْتَقِدُوا أنَّهم يُوالُونَكم كَما تُوالُونَهم. قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ثَمَرَةُ الآيَةِ الدِّلالَةُ عَلى أنَّ عَلى المُؤْمِنِينَ أنْ لا يَنْزِلُوا عَلى حُكْمِ الكُفّارِ، ولا يُطِيعُوهم، ولا يَقْبَلُوا مَشُورَتَهم؛ خَشْيَةَ أنْ يَسْتَنْزِلُوهم عَنْ دِينِهِمْ.

(p-٩٩٣)

3:150Страница 69

بَلِ ٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلنَّٰصِرِينَ ١٥٠

О нет! Аллах является вашим Покровителем. Он - Наилучший из помощников.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٥٠ ] ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾

﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ فَأطِيعُوهُ: ﴿وهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ يَنْصُرُكم خَيْرًا مِن نَصْرِهِمْ لَوْ نَصَرُوكم، وكَيْفَ لا يَكُونُ خَيْرَ النّاصِرِينَ وهو يَنْصُرُكم بِغَيْرِ قِتالٍ، كَما وعَدَ بِقَوْلِهِ:

3:151Страница 69

سَنُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ بِمَآ أَشۡرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗاۖ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٥١

Мы вселим ужас в сердца неверующих за то, что они приобщали к Аллаху сотоварищей, о которых Он не ниспослал никакого доказательства. Их пристанищем будет Огонь. Как же скверна обитель беззаконников!

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٥١ ] ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ومَأْواهُمُ النّارُ وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾

﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ أيْ: الَّذِي يَمْنَعُهم مِنَ الهُجُومِ عَلَيْكم والإقْدامِ عَلى حَرَمِكم: ﴿بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ﴾ أيْ: بِكَوْنِهِ إلَهًا أوْ مُتَّصِفًا بِصِفاتِهِ أوْ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ: ﴿سُلْطانًا﴾ أيْ: حُجَّةً قاطِعَةً يَنْبَنِي عَلَيْها الِاعْتِقاداتُ: ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾ هي. والمَثْوى: المَقَرُّ والمَأْوى والمُقامُ. مَن ثَوى يَثْوِي.

لَطائِفُ:

اَلْأُولى: أفادَتْ الآيَةُ أنَّ ذَلِكَ الرُّعْبَ بِسَبَبِ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ بِاَللَّهِ، وعَلى قَدْرِ الشِّرْكِ يَكُونُ الرُّعْبُ. قالَ القاشانِيُّ: جُعِلَ إلْقاءُ الرُّعْبِ في قُلُوبِ الكُفّارِ مُسَبَّبًا عَنْ شِرْكِهِمْ لِأنَّ الشَّجاعَةَ وسائِرَ الفَضائِلِ اعْتِدالاتٌ في قُوى النَّفْسِ لِتُنَوِّرَها بِنُورِ التَّوْحِيدِ، فَلا تَكُونُ تامَّةً إلّا لِلْمُوَحِّدِ المُوقِنِ في تَوْحِيدِهِ. وأمّا المُشْرِكُ فَلِأنَّهُ مَحْجُوبٌ عَنْ مَنِيعِ القُدْرَةِ بِما أشْرَكَ بِاَللَّهِ مِنَ المَوْجُودِ المَشُوبِ بِالعَدَمِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ بِحَسَبِ نَفْسِهِ قُوَّةٌ، ولَمْ يُنْزِلْ اللَّهُ بِوُجُودِهِ حُجَّةً، فَلَيْسَ لَهُ إلّا العَجْزُ والجُبْنُ وجَمِيعُ الرَّذائِلِ.

وقالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ وإنْ وقَعَتْ لَكم هَذِهِ الواقِعَةُ في يَوْمِ أُحُدٍ (p-٩٩٤)إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى سَيُلْقِي الرُّعْبَ مِنكم بَعْدَ ذَلِكَ، في قُلُوبِ الكافِرِينَ، حَتّى يَقْهَرَ الكُفّارَ، ويُظْهِرَ دِينَكم عَلى سائِرِ الأدْيانِ. وقَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ، حَتّى صارَ دِينُ الإسْلامِ قاهِرًا لِجَمِيعِ الأدْيانِ والمِلَلِ - انْتَهى - .

وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا وأيُّما رَجُلٌ مِن أُمَّتِي أدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ، وكانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خاصَّةً، وبُعِثْتُ إلى النّاسِ كافَّةً، وأُعْطِيتُ الشَّفاعَةَ»» .

الثّانِيَةُ: في ذِكْرِ عَدَمِ تَنْزِيلِ الحُجَّةِ مَعَ اسْتِحالَةِ تَحَقُّقِها في نَفْسِها - إشْعارٌ بِنَفْيِها ونَفْيِ نُزُولِها جَمِيعًا، لِأنَّ ما لَمْ يُنْزِلْ بِهِ سُلْطانًا، لا سُلْطانَ لَهُ.

الثّالِثَةُ: قالَ أبُو السُّعُودِ: في الآيَةِ إيذانٌ بِأنَّ المُتَّبَعَ في البابِ هو البُرْهانُ السَّماوِيُّ، دُونَ الآراءِ والأهْواءِ الباطِلَةِ.

وقَدْ سَبَقَهُ إلى ذَلِكَ الرّازِيُّ حَيْثُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ. وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الشِّرْكَ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِهِ باطِلًا، وهَذا إنَّما صَحَّ إذا كانَ القَوْلُ بِإثْباتِ ما لا دَلِيلَ عَلى ثُبُوتِهِ، يَكُونُ باطِلًا، فَيَلْزَمُ فَسادُ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ - انْتَهى - ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّهُ صَدَقَهم وعْدَهُ في النَّصْرِ عَلى عَدُوِّهِ، وهو الصّادِقُ الوَعْدِ، وأنَّهم لَوْ اسْتَمَرُّوا عَلى الطّاعَةِ ولَزِمُوا أمْرَ الرَّسُولِ لاسْتَمَرَّتْ نُصْرَتُهم، ولَكِنْ انْخَلَعُوا عَنْ الطّاعَةِ، وفارَقُوا مَرْكَزَهم فَفارَقَهم النَّصْرُ، فَصَرَفَهم عَنْ عَدُوِّهِمْ عُقُوبَةً وابْتِلاءً وتَعْرِيفًا لَهم سُوءَ عَواقِبِ المَعْصِيَةِ وحُسْنَ عاقِبَةِ الطّاعَةِ بِقَوْلِهِ:

(p-٩٩٥)

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English