Аль-КасимиАн‑Ниса · 4:172–176

Аль-Касими · Тафсир · на арабском

Ан-Ниса 4:172–176

4:172Страница 105

لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ وَمَن يَسۡتَنكِفۡ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيَسۡتَكۡبِرۡ فَسَيَحۡشُرُهُمۡ إِلَيۡهِ جَمِيعٗا ١٧٢

Ни Мессия, ни приближенные ангелы никогда не посчитают для себя унизительным быть рабами Аллаха. А тех, кто посчитает для себя унизительным поклоняться Ему и проявит высокомерие, Он соберет к Себе вместе.

(p-١٧٦٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [١٧٢]

﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما سَبَقَ مِنَ التَّنْزِيهِ، أيْ: لَنْ يَأْنَفَ مِن أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ، فَإنَّ عُبُودِيَّتَهُ شَرَفٌ يُتَباهى بِهِ.

﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ مِن أنْ يَكُونُوا عَبِيدًا لَهُ تَعالى، واحْتَجَّ بِالآيَةِ مَن زَعَمَ فَضْلَ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: ولا مَن هو أعْلى مِنهُ قَدْرًا، وأعْظَمُ مِنهُ خَطَرًا، وهُمُ المَلائِكَةُ الكَرُوبِيُّونَ، الَّذِينَ حَوْلَ العَرْشِ، كَجِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ، ومَن في طَبَقَتِهِمْ.

ثُمَّ قالَ: فَإنْ قُلْتَ: مِن أيْنَ دَلَّ قَوْلُهُ: ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ عَلى أنَّ المَعْنى: ولا مَن فَوْقَهُ؟ قُلْتُ: مِن حَيْثُ إنَّ عِلْمَ المَعانِي لا يَقْتَضِي غَيْرَ ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّ الكَلامَ إنَّما سِيقَ لِرَدِّ مَذْهَبِ النَّصارى وغُلُوِّهِمْ في رَفْعِ المَسِيحِ عَنْ مَنزِلَةِ العُبُودِيَّةِ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ لَهُمْ: لَنْ يَتَرَفَّعَ عِيسى عَنِ العُبُودِيَّةِ، ولا مَن هو أرْفَعُ مِنهُ دَرَجَةً، كَأنَّهُ قِيلَ: لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ مِنَ العُبُودِيَّةِ، فَكَيْفَ بِالمَسِيحِ ؟ ويَدُلُّ عَلَيْهِ دَلالَةً ظاهِرَةً بَيِّنَةً تَخْصِيصُ المُقَرَّبِينَ؛ لِكَوْنِهِمْ أرْفَعَ المَلائِكَةِ دَرَجَةً وأعْلاهم مَنزِلَةً، ومِثالُهُ قَوْلُ القائِلِ:

؎وما مِثْلُهُ مِن يُجاوِدُ حاتِمٌ ولا البَحْرُ ذُو الأمْواجِ يَلْتَجُّ زاخِرُهْ

لا شُبْهَةَ في أنَّهُ قَصَدَ بِالبَحْرِ ذِي الأمْواجِ ما هو فَوْقَ حاتِمٍ في الجُودِ، ومَن كانَ لَهُ (p-١٧٧٠)ذَوْقٌ فَلْيَذُقْ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى﴾ [البقرة: ١٢٠] [البَقَرَةِ: ١٢٠] حَتّى يَعْتَرِفَ بِالفَرْقِ البَيِّنِ. انْتَهى.

قالَ البَيْضاوِيُّ: وجَوابُهُ أنَّ الآيَةَ لِلرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ المَسِيحِ والمَلائِكَةِ، فَلا يَتَّجِهُ ذَلِكَ، وإنَّ سُلِّمَ اخْتِصاصُها بِالنَّصارى فَلَعَلَّهُ أرادَ بِالعَطْفِ المُبالَغَةَ بِاعْتِبارِ التَّكْثِيرِ دُونَ التَّكْبِيرِ، كَقَوْلِكَ: أصْبَحَ الأمِيرُ لا يُخالِفُهُ رَئِيسٌ ولا مَرْؤُوسٌ، وإنْ أرادَ بِهِ التَّكْبِيرَ فَغايَتُهُ تَفْضِيلُ المُقَرَّبِينَ مِنَ المَلائِكَةِ، وهُمُ الكَرُوبِيُّونَ الَّذِينَ هم حَوْلَ العَرْشِ، أوْ مَن أعْلى مِنهم رُتْبَةً مِنَ المَلائِكَةِ عَلى المَسِيحِ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ فَضْلَ أحَدِ الجِنْسَيْنِ عَلى الآخَرِ مُطْلَقًا والنِّزاعَ فِيهِ. انْتَهى.

قالَ ناصِرُ الدِّينِ في "الِانْتِصافِ": وقَدْ كَثُرَ الِاخْتِلافُ في تَفْضِيلِ الأنْبِياءِ عَلى المَلائِكَةِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الأشْعَرِيَّةِ إلى تَفْضِيلِ الأنْبِياءِ، وذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرٍ - مِنّا - والحُلَيْمِيُّ وجَماعَةُ المُعْتَزِلَةِ إلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ، واتَّخَذَ المُعْتَزِلَةُ هَذِهِ الآيَةَ عُمْدَتَهم في تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ، مِن حَيْثُ الوَجْهُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ.

ونَحْنُ - بِعَوْنِ اللَّهِ - نُشْبِعُ القَوْلَ في المَسْألَةِ مِن حَيْثُ الآيَةُ، فَنَقُولُ: أوْرَدَ الأشْعَرِيَّةُ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِها أسْئِلَةً:

أحَدُها: أنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ - أفْضَلُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أفْضَلُ مِن عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَلا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ المَلائِكَةِ أفْضَلَ مِنَ المَسِيحِ أنْ تَكُونَ أفْضَلَ مِن مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وهَذا السُّؤالُ إنَّما يَتَوَجَّهُ إذْ لَمْ يَدَّعِ مُورِدُهُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن آحادِ الأنْبِياءِ أفْضَلَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ المَلائِكَةِ. وبَيْنَ طائِفَتِنا في هَذِهِ الطُّرَفِ خِلافٌ.

(السُّؤالِ الثّانِي) أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ صِيغَةُ جَمْعٍ، تَتَناوَلُ مَجْمُوعَ المَلائِكَةِ، فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ مَجْمُوعِ المَلائِكَةِ أفْضَلَ مِنَ المَسِيحِ (p-١٧٧١)ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم أفْضَلَ مِنَ المَسِيحِ، وفي هَذا السُّؤالِ أيْضًا نَظَرٌ؛ لِأنَّ مُورِدَهُ إذا بَنى عَلى أنَّ المَسِيحَ أفْضَلُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ المَلائِكَةِ فَقَدْ يُقالُ يَلْزَمُهُ القَوْلُ بِأنَّهُ أفْضَلُ مِنَ الكُلِّ، كَما أنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا كانَ أفْضَلَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ الأنْبِياءِ كانَ أفْضَلَ مِن كُلِّهِمْ، ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ التَّفْضِيلِ عَلى التَّفْصِيلِ والتَّفْضِيلِ عَلى الجُمْلَةِ أحَدٌ مِمَّنْ صَنَّفَ في هَذا المَعْنى.

وقَدْ كانَ بَعْضُ المُعاصِرِينَ يُفَصِّلُ بَيْنَ التَّفْضِيلَيْنِ، وادَّعى أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنهُ عَلى التَّفْصِيلِ تَفْضِيلٌ عَلى الجُمْلَةِ، ولَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ هَذا القَوْلُ، ولَوْ قالَهُ أحَدٌ فَهو مَرْدُودٌ بِوَجْهٍ لَطِيفٍ، وهُوَ: أنَّ التَّفْضِيلَ المُرادَ جُلُّ أماراتِهِ رَفْعُ دَرَجَةِ الأفْضَلِ في الجَنَّةِ، والأحادِيثُ مُتَوافِرَةٌ بِذَلِكَ، وحِينَئِذٍ لا يَخْلُو إمّا أنْ تُرْفَعَ دَرَجَةُ واحِدٍ مِنَ المَفْضُولِينَ عَلى مَنِ اتُّفِقَ عَلى أنَّهُ أفْضَلُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، أوْ لا تُرْفَعُ دَرَجَةُ أحَدٍ مِنهم عَلَيْهِ، لا سَبِيلَ إلى الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ رَفْعُ المَفْضُولِ عَلى الأفْضَلِ، فَتَعَيَّنَ الثّانِي وهو ارْتِفاعُ دَرَجَةِ الأفْضَلِ عَلى دَرَجاتِ المَجْمُوعِ ضَرُورَةً، فَيَلْزَمُ ثُبُوتُ أفْضَلِيَّتِهِ عَلى المَجْمُوعِ مِن ثُبُوتِ أفْضَلِيَّتِهِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم قَطْعًا.

الثّالِثُ: أنَّهُ عَطَفَ المَلائِكَةَ عَلى المَسِيحِ بِالواوِ، وهي لا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا، وأمّا الِاسْتِشْهادُ بِالمِثالِ المَذْكُورِ عَلى أنَّ الثّانِيَ أبَدًا يَكُونُ أعْلى رُتْبَةً - فَمُعارَضٌ بِأمْثِلَةٍ لا تَقْتَضِي ذَلِكَ، كَقَوْلِ القائِلِ: ما عابَنِي عَلى هَذا الأمْرِ زَيْدٌ ولا عَمْرٌو. قُلْتُ: وكَقَوْلِكَ: لا تُؤْذِ مُسْلِمًا ولا ذِمِّيًّا، فَإنَّ هَذا التَّرْتِيبَ وجْهُ الكَلامِ، والثّانِيَ أدْنى وأخْفَضُ دَرَجَةً، ولَوْ ذَهَبْتَ تَعْكِسُ هَذا فَقُلْتَ: لا تُؤْذِ ذِمِّيًّا ولا مُسْلِمًا لِيُجْعَلَ الأعْلى ثانِيًا - لَخَرَجْتَ عَنْ حَدِّ الكَلامِ وقانُونِ البَلاغَةِ. وهَذا المِثالُ بَيَّنَ ما يُورَدُ في نَقْضِ القانُونِ المُقَرَّرِ، ولَكِنَّ الحَقَّ أوْلى مِنَ المِراءِ، ولَيْسَ بَيْنَ المِثالَيْنِ تَعارُضٌ.

ونَحْنُ نُمَهِّدُ تَمْهِيدًا يَرْفَعُ اللَّبْسَ ويَكْشِفُ الغِطاءَ، فَنَقُولُ: النُّكْتَةُ في التَّرْتِيبِ في المِثالَيْنِ المَوْهُومِ تَعارُضُهُما واحِدَةٌ، وهي تُوجِبُ في مَواضِعَ تَقْدِيمَ الأعْلى، وفي مَواضِعَ تَأْخِيرَهُ، وتِلْكَ النُّكْتَةُ مُقْتَضى البَلاغَةِ، التَّنائِي عَنِ التَّكْرارِ والسَّلامَةُ عَنِ النُّزُولِ، فَإذا اعْتَمَدْتَ ذَلِكَ فَمَهْما أدّى إلى أنْ يَكُونَ آخِرُ كَلامِكَ نُزُولًا بِالنِّسْبَةِ (p-١٧٧٢)إلى أوَّلِهِ، أوْ يَكُونَ الآخِرُ مُنْدَرِجًا في الأوَّلِ، قَدْ أفادَهُ، وأنْتَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الآخِرِ - فَأعْدِلْ عَنْ ذَلِكَ إلى ما يَكُونُ تَرَقِّيًا مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، واسْتِئْنافًا لِفائِدَةٍ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَيْها الأوَّلُ، مِثالُهُ الآيَةُ المَذْكُورَةُ، فَإنَّكَ لَوْ ذَهَبْتَ فِيها إلى أنْ يَكُونَ المَسِيحُ أفْضَلَ مِنَ المَلائِكَةِ وأعْلى رُتْبَةً لَكانَ ذِكْرُ المَلائِكَةِ بَعْدَهُ كالمُسْتَغْنى عَنْهُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ الأفْضَلُ وهو المَسِيحُ - عَلى هَذا التَّقْدِيرِ - عَبْدًا لِلَّهِ غَيْرَ مُسْتَنْكِفٍ مِنَ العُبُودِيَّةِ - لَزِمَ مِن ذَلِكَ أنَّ مَن دُونَهُ في الفَضِيلَةِ أوْلى أنْ لا يَسْتَنْكِفَ عَنْ كَوْنِهِ عَبْدًا لِلَّهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَلَمْ يَتَجَدَّدْ إذًا بِقَوْلِهِ: ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ إلّا ما سَلَفَ أوَّلَ الكَلامِ.

وإذا قَدَّرْتَ المَسِيحَ مَفْضُولًا بِالنِّسْبَةِ إلى المَلائِكَةِ فَإنَّكَ تَرَقَّيْتَ مِن تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ المَفْضُولَ لا يَسْتَنْكِفُ عَنْ كَوْنِهِ عَبْدًا لَهُ، إلّا أنَّ الأفْضَلَ لا يَسْتَنْكِفُ عَنْ ذَلِكَ، ولَيْسَ يَلْزَمُ مِن عَدَمِ اسْتِنْكافِ المَفْضُولِ عَدَمُ اسْتِنْكافِ الأفْضَلِ، فالحاجَةُ داعِيَةٌ إلى ذِكْرِ المَلائِكَةِ، إذْ لَمْ يَسْتَلْزِمِ الأوَّلُ الآخِرَ، فَصارَ الكَلامُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَتَجَدَّدُ فَوائِدُهُ وتَتَزايَدُ، وما كانَ كَذَلِكَ تَعَيَّنَ أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ الكِتابُ العَزِيزُ؛ لِأنَّ الغايَةَ في البَلاغَةِ.

وبِهَذِهِ النُّكْتَةِ يَجِبُ أنْ نَقُولَ: لا تُؤْذِ مُسْلِمًا ولا ذِمِّيًّا، فَتُؤَخِّرَ الأدْنى عَلى عَكْسِ التَّرْتِيبِ في الآيَةِ؛ لِأنَّكَ إذا نَهَيْتَهُ عَنْ إيذاءِ المُسْلِمِ فَقَدْ يُقالُ: ذاكَ مِن خَواصِّهِ؛ احْتِرامًا لِلْإسْلامِ، فَلا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ نَهْيُهُ عَنِ الكافِرِ المَسْلُوبَةِ عَنْهُ هَذِهِ الخُصُوصِيَّةُ، فَإذا قُلْتَ: ولا ذِمِّيًّا - فَقَدْ جَدَّدْتَ فائِدَةً لَمْ تَكُنْ في الأوَّلِ، وتَرَقَّيْتَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ بَعْضِ أنْواعِ الأذى إلى النَّهْيِ عَنْ أكْثَرَ مِنهُ.

ولَوْ رَتَّبْتَ هَذا المِثالَ كَتَرْتِيبِ الآيَةِ، فَقُلْتَ: لا تُؤْذِ ذِمِّيًّا، فَهِمَ المَنهِيُّ أنَّ أذى المُسْلِمِ أدْخَلُ في النَّهْيِ، إذْ يُساوِي الذِّمِّيَّ في سَبَبِ الِاحْتِرامِ - وهو الإنْسانِيَّةُ مَثَلًا - ويَمْتازُ عَنْهُ بِسَبَبٍ أجَلَّ وأعْظَمَ وهو الإسْلامُ، فَيُقْنِعُهُ هَذا النَّهْيُ عَنْ تَجْدِيدِ نَهْيٍ آخَرَ عَنْ أذى المُسْلِمِ.

فَإنْ قُلْتَ: ولا مُسْلِمًا، لَمْ تُجَدِّدْ لَهُ فائِدَةً، ولَمْ تُعْلِمْهُ غَيْرَ ما عَلِمَهُ أوَّلًا، فَقَدْ عَلِمْتَ أنَّها نُكْتَةٌ واحِدَةٌ، تُوجِبُ أحْيانًا تَقْدِيمَ الأعْلى، وأحْيانًا تَأْخِيرَهُ، ولا يُمَيِّزُ لَكَ ذَلِكَ إلّا السِّياقُ، وما أشُكُّ أنَّ سِياقَ الآيَةِ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الأدْنى وتَأْخِيرَ الأعْلى.

ومِنَ البَلاغَةِ المُرَتَّبَةِ عَلى هَذِهِ النُّكْتَةِ (p-١٧٧٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] [الإسْراءِ: ٢٣] اسْتِغْناءً عَنْ نَهْيِهِ عَنْ ضَرْبِهِما فَما فَوْقَهُ، بِتَقْدِيرِ الأدْنى، ولَمْ يَلِقْ بِبَلاغَةِ الكِتابِ العَزِيزِ أنْ تُرِيدَ نَهْيًا عَنْ أعْلى مِنَ التَّأْفِيفِ والإنْهارِ (كَذا) لِأنَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وما يَحْتاجُ المُتَدَبِّرُ لِآياتِ القُرْآنِ مَعَ التَّأْيِيدِ شاهِدًا سِواها ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] [الأنْعامِ: ٣٨].

ولَمّا اقْتَضى الإنْصافُ تَسْلِيمَ مُقْتَضى الآيَةِ لِتَفْضِيلِ المَلائِكَةِ، وكانَتِ الأدِلَّةُ عَلى تَفْضِيلِ الأنْبِياءِ عَتِيدَةً عِنْدَ المُعْتَقِدِ لِذَلِكَ - جُمِعَ بَيْنَ الآيَةِ وتِلْكَ الأدِلَّةِ بِحَمْلِ التَّفْضِيلِ في الآيَةِ عَلى غَيْرِ مَحَلِّ الخِلافِ، وذاكَ أنَّ تَفْضِيلَ المَلائِكَةِ في القُوَّةِ وشِدَّةِ البَطْشِ وسَعَةِ التَّمَكُّنِ والِاقْتِدارِ، قالَ: وهَذا النَّوْعُ مِنَ الفَضِيلَةِ هو المُناسِبُ لِسِياقِ الآيَةِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ الرَّدُّ عَلى النَّصارى في اعْتِقادِهِمْ أُلُوهِيَّةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُسْتَنِدِينَ إلى كَوْنِهِ أحْيا المَوْتى وأبْرَأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، وصَدَرَتْ عَلى يَدَيْهِ الخَوارِقُ، لا يَسْتَنْكِفُ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، بَلْ مَن هو أكْثَرُ خَوارِقَ وأظْهَرُ آثارًا كالمَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَدْ بَلَغَ مِن قُوَّتِهِ وإقْدارِ اللَّهِ لَهُ أنِ اقْتَلَعَ المَدائِنَ واحْتَمَلَها عَلى رِيشَةٍ مِن جَناحِهِ، فَقَلَبَ عالِيَها (p-١٧٧٤)سافِلَها، فَيَكُونُ تَفْضِيلُ المَلائِكَةِ إذًا بِهَذا الِاعْتِبارِ، لا خِلافَ أنَّهم أقْوى وأبْطَشُ وأنَّ خَوارِقَهم أكْثَرُ، وإنَّما الخِلافُ في التَّفْضِيلِ بِاعْتِبارِ مَزِيدِ الثَّوابِ والكَراماتِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ في دارِ الجَزاءِ، ولَيْسَ في الآيَةِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ.

ولَمّا كانَ أكْثَرُ ما لُبِّسَ عَلى النَّصارى في أُلُوهِيَّةِ عِيسى كَوْنَهُ مَخْلُوقًا، أيْ: مَوْجُودًا مِن غَيْرِ أبٍ، أنْبَأنا اللَّهُ تَعالى أنَّ هَذا المَوْجُودَ مِن غَيْرِ أبٍ لا يَسْتَنْكِفُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ، بَلْ ولا المَلائِكَةُ المَخْلُوقُونَ مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، فَيَكُونُ تَأْخِيرُ ذِكْرِهِمْ لِأنَّ خَلْقَهم أغْرَبُ مِن خَلْقِ عِيسى، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَظَرَ عِيسى بِآدَمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَنَظَرَ الغَرِيبَ بِالأغْرَبِ، وشَبَّهَ العَجِيبَ مِن قُدْرَتِهِ بِالأعْجَبِ؛ إذْ عِيسى مَخْلُوقٌ مِن أُمٍّ، وآدَمُ مِن غَيْرٍ أُمٍّ ولا أبٍ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] [آلِ عِمْرانَ: ٥٩] ومَدارُ هَذا البَحْثِ عَلى النُّكْتَةِ الَّتِي نَبَّهْتُ عَلَيْها، فَمَتى اسْتَقامَ اشْتِمالُ المَذْكُورِ أيّامّا عَلى فائِدَةٍ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَيْها الأوَّلُ، بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ مِن تَفْضِيلٍ أوْ غَيْرِهِ مِنَ الفَوائِدِ - فَقَدِ اسْتَدَّ النَّظَرَ وطابَقَ صِيغَةَ الآيَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

وعَلى الجُمْلَةِ فالمَسْألَةُ سَمْعِيَّةٌ، والقَطْعُ فِيها مَعْرُوفٌ بِالنَّصِّ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا، ووُجُودُهُ عَسِرٌ، صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. انْتَهى.

﴿ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ أيْ: يَأْنَفْ مِنها ويَمْتَنِعْ ﴿ويَسْتَكْبِرْ﴾ أيْ: يَتَعَظَّمْ عَنْها ويَتَرَفَّعْ ﴿فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ أيْ: فَيَجْمَعُهم يَوْمَ القِيامَةِ لِمَوْعِدِهِمُ الَّذِي وعَدَهُمْ، ويَفْصِلُ بَيْنَهم بِحُكْمِهِ العَدْلِ.

4:173Страница 105

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡتَنكَفُواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٧٣

Тех, которые уверовали и совершали праведные деяния, Он одарит вознаграждением сполна и даже приумножит его по Своей милости. А тех, которые считали для себя унизительным поклоняться Ему и проявляли высокомерие, Он подвергнет мучительным страданиям. Они не найдут себе вместо Него ни покровителя, ни помощника.

(p-١٧٧٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [١٧٣]

﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَلَمْ يَسْتَكْبِرُوا عَنْ عُبُودِيَّتِهِ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَلَمْ يَسْتَنْكِفُوا عَنْ عِبادَتِهِ ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أيْ: ثَوابَ أعْمالِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِنها شَيْءٌ ﴿ويَزِيدُهُمْ﴾ أيْ: عَلى أُجُورِهِمْ شَيْئًا عَظِيمًا ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ بِتَضْعِيفِها أضْعافًا مُضاعَفَةً؛ مُبالَغَةً في إعْزازِهِمْ.

﴿وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا﴾ هو عَذابُ النّارِ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يُوالِيهِمْ لِيُعِزَّهم ﴿ولا نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُهم ويَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ.

4:174Страница 105

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُم بُرۡهَٰنٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا ١٧٤

О люди! К вам уже явилось доказательство от вашего Господа, и Мы ниспослали вам ясный свет.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْـزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ [١٧٤]

﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ لَمّا بَيَّنَ تَعالى بُطْلانَ ما عَلَيْهِ الكَفَرَةُ عَلى طَبَقاتِهِمْ مِن فُنُونِ الكُفْرِ والضَّلالِ عَمَّمَ الخِطابَ ودَعا جَمِيعَ النّاسِ إلى الِاعْتِرافِ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وسَمّاهُ بُرْهانًا لِما أُوتِيهِ مِنَ البَراهِينِ القاطِعَةِ الَّتِي شَهِدَتْ بِصِدْقِهِ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى أنَّ الحُجَّةَ قَدْ تَمَّتْ بِبَعْثَتِهِ، فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ عِلَّةٌ لِمُتَعَلِّلٍ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ؛ لِإظْهارِ اللُّطْفِ بِهِمْ، والإيذانِ بِأنَّ مَجِيئَهُ إلَيْهِمْ لِتَرْبِيَتِهِمْ وتَكْمِيلِهِمْ.

﴿وأنْـزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ أيْ: ضِياءً واضِحًا عَلى الحَقِّ، يُهْتَدى بِهِ مِن ظُلُماتِ الضَّلالِ، وهو القُرْآنُ.

4:175Страница 105

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعۡتَصَمُواْ بِهِۦ فَسَيُدۡخِلُهُمۡ فِي رَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَفَضۡلٖ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَيۡهِ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ١٧٥

Тех, которые уверовали в Аллаха и крепко ухватились за Него, Он введет в Свою милость и щедрость и поведет к Себе прямым путем.

(p-١٧٧٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [١٧٥]

﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ﴾ أيْ: عَصَمُوا بِهِ أنْفُسَهم مِمّا يُرْدِيها مِن زَيْغِ الشَّيْطانِ ﴿فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ﴾ وهي الجَنَّةُ ﴿وفَضْلٍ﴾ يَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ إدْخالِهِمُ الجَنَّةَ، كالنَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ وغَيْرِهِ مِن مَواهِبِهِ الجَلِيلَةِ ﴿ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ فَيُسْلِكُهم - بِتَمَسُّكِهِمْ بِالبُرْهانِ والنُّورِ المُبِينِ - الطَّرِيقَ الواضِحَ القَصْدِ، وهو الإسْلامُ. وتَقْدِيمُ ذِكْرِ الوَعْدِ بِإدْخالِ الجَنَّةِ عَلى الوَعْدِ بِالهِدايَةِ إلَيْها - عَلى خِلافِ التَّرْتِيبِ في الوُجُودِ بَيْنَ المَوْعُودَيْنِ - لِلْمُسارَعَةِ إلى التَّبْشِيرِ بِما هو المَقْصِدُ الأصْلِيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

4:176Страница 106

يَسۡتَفۡتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِي ٱلۡكَلَٰلَةِۚ إِنِ ٱمۡرُؤٌاْ هَلَكَ لَيۡسَ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَهُۥٓ أُخۡتٞ فَلَهَا نِصۡفُ مَا تَرَكَۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمۡ يَكُن لَّهَا وَلَدٞۚ فَإِن كَانَتَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَۚ وَإِن كَانُوٓاْ إِخۡوَةٗ رِّجَالٗا وَنِسَآءٗ فَلِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ أَن تَضِلُّواْۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ ١٧٦

Они просят тебя вынести решение. Скажи: «Аллах вынесет для вас решение относительно тех, кто не оставляет после себя родителей или детей». Если умрет мужчина, у которого нет ребенка, но есть сестра, то ей принадлежит половина того, что он оставил. Он также наследует ей, если у нее нет ребенка. Если их две сестры, то им принадлежат две трети того, что он оставил. Если же они являются братьями и сестрами, то мужчине принадлежит доля, равная доле двух женщин. Аллах разъясняет вам это, чтобы вы не впали в заблуждение. Аллах ведает о всякой вещи.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وهو يَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ وإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [١٧٦]

﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ أيْ: في مِيراثِ الكَلالَةِ، اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِ لِوُرُودِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُها في مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ. والمُسْتَفْتِي جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

رَوى الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وأنا مَرِيضٌ، فَتَوَضَّأ فَصَبَّ عَلَيَّ - أوْ قالَ: صُبُّوا عَلَيْهِ - فَعَقَلْتُ فَقُلْتُ: لا يَرِثُنِي (p-١٧٧٧)إلّا كَلالَةٌ، فَكَيْفَ المِيراثُ؟ فَنَزَلَتْ آيَةُ الفَرائِضِ».

﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ أيْ: ماتَ، واخْتِصاصُ الهَلاكِ بِمِيتَةِ السُّوءِ عُرْفٌ طارِئٌ لا يُعْتَدُّ بِهِ، بِدَلِيلِ ما لا يُحْصى مِنَ الآيِ والأحادِيثِ، ولِطُرُوِّ هَذا العُرْفِ قالَ الشِّهابُ في "شَرْحِ الشِّفاءِ": إنَّهُ يُمْنَعُ إطْلاقُهُ في حَقِّ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولا يُعْتَدُّ بِأصْلِ اللُّغَةِ القَدِيمَةِ، كَما لا يَخْفى عَمَّنْ لَهُ مَساسٌ بِالقَواعِدِ الشَّرْعِيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. كَذا في "تاجِ العَرُوسِ".

﴿لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ أيِ: المَيِّتُ، مِنَ المالِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَمَسَّكَ بِهِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ الكَلالَةِ انْتِفاءُ الوالِدِ، بَلْ يَكْفِي في وُجُودِ الكَلالَةِ انْتِفاءُ الوَلَدِ، وهو رِوايَةٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، رَواها ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، ولَكِنَّ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وقَضى الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ الَّذِي لا ولَدَ لَهُ ولا والِدَ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (ولَهُ أُخْتٌ) ولَوْ كانَ مَعَها أبٌ لَمْ تَرِثْ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ يَحْجُبُها بِالإجْماعِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مَن لا ولَدَ لَهُ بِنَصِّ القُرْآنِ، ولا والِدَ بِالنَّصِّ أيْضًا، عِنْدَ التَّأمُّلِ أيْضًا؛ لِأنَّ الأُخْتَ لا يُفْرَضُ لَها النِّصْفُ مَعَ الوالِدِ، بَلْ لَيْسَ لَها مِيراثٌ بِالكُلِّيَّةِ.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ، «عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ زَوْجٍ وأُخْتٍ لِأبٍ وأُمٍّ؟ فَأعْطى الزَّوْجَ النِّصْفَ، والأُخْتَ النِّصْفَ، فَكُلِّمَ في ذَلِكَ، فَقالَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضى بِذَلِكَ».

وقَدْ نَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُما كانا يَقُولانِ (فِي المَيِّتِ تَرَكَ بِنْتًا وأُخْتًا): إنَّهُ لا شَيْءَ لِلْأُخْتِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ قالَ: فَإذا تَرَكَ بِنْتًا فَقَدْ تَرَكَ ولَدًا فَلا شَيْءَ لِلْأُخْتِ.

وخالَفَهُما الجُمْهُورُ فَقالُوا (فِي المَسْألَةِ): لِلْبِنْتِ النِّصْفُ بِالفَرْضِ، ولِلْأُخْتِ النِّصْفُ الآخَرُ بِالتَّعْصِيبِ، بِدَلِيلٍ غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، وهَذِهِ نَقَصَتْ أنْ يُفْرَضَ لَها في هَذِهِ الآيَةِ.

وأمّا وِراثَتُها بِالتَّعْصِيبِ (p-١٧٧٨)فَلِما رَواهُ البُخارِيُّ مِن طَرِيقِ سُلَيْمانَ، عَنْ إبْراهِيمَ، عَنِ الأسْوَدِ قالَ: قَضى فِينا مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ النِّصْفَ لِلْبِنْتِ والنِّصْفَ لِلْأُخْتِ، ثُمَّ قالَ سُلَيْمانُ (قَضى فِينا) ولَمْ يَذْكُرْ (عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ).

وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ أيْضًا عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ قالَ: «سُئِلَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ عَنْ بِنْتٍ، وبِنْتِ ابْنٍ، وأُخْتٍ؟ فَقالَ: لِلْبِنْتِ النِّصْفُ، ولِلْأُخْتِ النِّصْفُ، وائْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَيُتابِعُنِي، فَسَألَ ابْنَ مَسْعُودٍ فَأخْبَرَهُ بِقَوْلِ أبِي مُوسى، فَقالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ، أقْضِي فِيها بِما قَضى النَّبِيُّ ﷺ: النِّصْفُ لِلْبِنْتِ، ولِبِنْتِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةً للثُّلُثَيْنِ، وما بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ، فَأتَيْنا أبا مُوسى فَأخْبَرْناهُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقالَ: لا تَسْألُونِي ما دامَ هَذا الحَبْرُ فِيكم».

وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ﴾ أيْ: والأخُ يَرِثُ جَمِيعَ ما لَها إذا ماتَتْ كَلالَةً ولَيْسَ لَها ولَدٌ، أيْ: ولا والِدٌ؛ لِأنَّها لَوْ كانَ لَها ولَدٌ لَمْ يَرِثِ الأخُ شَيْئًا، فَإنْ فُرِضَ أنَّ مَعَهُ مَن لَهُ فَرْضٌ صُرِفَ إلَيْهِ فَرْضُهُ، كَزَوْجٍ أوْ أخٍ مِن أُمٍّ، وصُرِفَ الباقِي إلى الأخِ؛ لِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ألْحِقُوا الفَرائِضَ بِأهْلِها، فَما أبْقَتِ الفَرائِضُ فَلِأوْلى رَجُلٍ ذَكَرٍ» .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ﴾ أيْ: فَإنْ كانَ لِمَن يَمُوتُ كَلالَةً أُخْتانِ - فُرِضَ لَهُما الثُّلْثانِ، وكَذا ما زادَ عَلى الأُخْتَيْنِ في حُكْمِهِما، ومِن هَهُنا أخَذَ الجَماعَةُ حُكْمَ البِنْتَيْنِ، كَما اسْتُفِيدَ حُكْمُ الأخَواتِ مِنَ البَناتِ (p-١٧٧٩)فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] [النِّساءِ: ١١].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانُوا﴾ أيْ: مَن يَرِثُ بِطَرِيقِ الأُخُوَّةِ ﴿إخْوَةً﴾ أيْ: مُخْتَلِطَةً ﴿رِجالا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ﴾ أيْ: مِنهم ﴿مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أيْ: مِثْلُ نَصِيبِ اثْنَتَيْنِ مِن أخَواتِهِ الإناثِ.

﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ أيْ: كَراهَةَ أنْ تَضِلُّوا في ذَلِكَ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ (اللّامِ ولا) في طَرَفَيْ (أنْ) أيْ: لِئَلّا تَضِلُّوا، وقِيلَ: لَيْسَ هُناكَ حَذْفٌ ولا تَقْدِيرٌ، وإنَّما هو مَفْعُولُ (يُبَيِّنُ) أيْ: يُبَيِّنُ لَكم ضَلالَكُمُ الَّذِي هو مِن شَأْنِكم إذا خُلِّيتُمْ وطِباعَكُمْ؛ لِتَحْتَرِزُوا عَنْهُ وتَتَحَرَّوْا خِلافَهُ.

ورَجَّحَهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ مِن حُسْنِ الخِتامِ، والِالتِفاتِ إلى أوَّلِ السُّورَةِ وهُوَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: ١] [النِّساءِ: ١] فَإنَّهُ أمَرَهم بِالتَّقْوى، وبَيَّنَ لَهم ما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ، ولَمّا تَمَّ تَفْصِيلُهُ قالَ لَهُمْ: إنِّي بَيَّنْتُ لَكم ضَلالَكم فاتَّقُونِي كَما أمَرْتُكُمْ، فَإنَّ الشَّرَّ إذا عُرِفَ اجْتُنِبَ، والخَيْرَ إذا عُرِفَ ارْتُكِبَ.

قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَلِيقُ بِما إذا كانَ بَيانُهُ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ تَعْيِينِ مَواقِعِ الخَطَأِ والضَّلالِ مِن غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِما هو الحَقُّ والصَّوابُ، ولَيْسَ كَذَلِكَ.

(p-١٧٨٠)﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أحْوالُكُمُ المُتَعَلِّقَةُ بِمَحْياكم ومَماتِكم ﴿عَلِيمٌ﴾ مَبالِغٌ في العِلْمِ، فَيُبَيِّنُ لَكم ما فِيهِ مَصْلَحَتُكم ومَنفَعَتُكم.

* *

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في أوَّلِ السُّورَةِ أحْكامَ الأمْوالِ خَتَمَ آخِرَها بِذَلِكَ أيْضًا؛ لِيَكُونَ الآخِرُ مُشاكِلًا لِلْأوَّلِ، وأمّا وسَطُ السُّورَةِ فَقَدِ اشْتَمَلَ عَلى المُناظَرَةِ مَعَ الفِرَقِ المُخالِفَةِ لِلدِّينِ.

الثّانِي: أُنْزِلَ في الكَلالَةِ آيَتانِ: إحْداهُما في الشِّتاءِ، وهي الَّتِي في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، والأُخْرى في الصَّيْفِ وهي هَذِهِ الآيَةُ، ولِهَذا تُسَمّى هَذِهِ الآيَةُ آيَةَ الصَّيْفِ.

الثّالِثُ: رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزِلَتْ (بَراءَةٌ) وآخِرُ آيَةٍ نَزِلَتْ: (يَسْتَفْتُونَكَ) واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وهو المُوَفِّقُ والمُعِينُ.

وقَدْ تَمَّ بِحَمْدِهِ تَعالى ما تَيَسَّرَ مِن "مَحاسِنِ تَأْوِيلِ" هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ضَحْوَةَ الجُمُعَةِ، غُرَّةَ صَفَرِ الخَيْرِ عامَ (١٣٢٠) في السُّدَّةِ اليُمْنى العُلْيا مِن جامِعِ السَّنانِيَةِ، عَلى يَدِ كاتِبِهِ وجامِعِهِ العَبْدِ الضَّعِيفِ الذَّلِيلِ الجَهُولِ مُحَمَّدٍ جَمالِ الدِّينِ القاسِمِيِّ، غَفَرَ المَوْلى لَهُ وأعانَهُ عَلى الإتْمامِ.

بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ

ويَلِيهِ الجُزْءُ السّادِسُ، وأوَّلُهُ: (سُورَةُ المائِدَةِ).

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English