Аль-Касими · Тафсир · на арабском
Фуссилят 41:21–33
41:21Страница 479
وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمۡ لِمَ شَهِدتُّمۡ عَلَيۡنَاۖ قَالُوٓاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنطَقَ كُلَّ شَيۡءٖۚ وَهُوَ خَلَقَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢١
Они скажут своей коже: «Почему вы стали свидетельствовать против нас?». Они скажут: «Нас заставил говорить Аллах, Который заставил говорить всякую вещь». Он сотворил вас в первый раз, и к Нему вы будете возвращены.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢١] ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .
﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ﴾ أيِ: المُدْرِكَةِ ألَمَ العَذابِ الَّذِي لا يُدْرِكُهُ السَّمْعُ والبَصَرُ: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ أيْ: بِما يُوجِبُ إيلامَكُمْ: ﴿قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ﴾ أيْ: بِهَذِهِ الشَّهادَةِ: ﴿الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الحَيَوانِ. فَهو مِنَ العامِّ الَّذِي خَصَّهُ العَقْلُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: { واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }، أيْ: كُلِّ شَيْءٍ مِنَ المَقْدُوراتِ. هَذا، عَلى أنَّ النُّطْقَ عَلى ظاهِرِهِ وحَقِيقَتِهِ.
وقِيلَ: المُرادُ ظُهُورُ عَلاماتٍ عَلى الأعْضاءِ دالَّةٍ عَلى ما كانَتْ مُتَلَبِّسَةً بِهِ في الدُّنْيا، بِتَغَيُّرِ أشْكالِها ونَحْوِهِ. مِمّا يُلْهِمُ اللَّهُ مَن رَآهُ أنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ؛ لِارْتِفاعِ الغِطاءِ في الآخِرَةِ. فالنُّطْقُ مَجازٌ (p-٥١٩٦)عَنِ الدَّلالَةِ. قالَ القاشانِيُّ: مَعْنى: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾ [فصلت: ٢٠] أيْ: غُيِّرَتْ صُوَرُ أعْضائِهِمْ، وصُوِّرَتْ أشْكالُها عَلى هَيْئَةِ الأعْمالِ الَّتِي ارْتَكَبُوها، وبُدِّلَتْ جُلُودُهُمْ، وأبْشارُهم فَتَنْطِقُ بِلِسانِ الحالِ، وتَدُلُّ بِالأشْكالِ عَلى ما كانُوا يَعْمَلُونَ، ولِنُطْقِها بِهَذا اللِّسانِ قالَتْ: ﴿أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ إذْ لا يَخْلُو شَيْءٌ ما مِنَ النُّطْقِ، ولَكِنَّ الغافِلِينَ لا يَفْهَمُونَ. انْتَهى.
لَكِنْ قالَ الرّازِيُّ: تَفْسِيرُ هَذِهِ الشَّهادَةِ، بِظُهُورِ أماراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَلى هَذِهِ الأعْضاءِ، دالَّةٍ عَلى صُدُورِ تِلْكَ الأعْمالِ مِنهُمْ، عُدُولٌ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ. والأصْلُ عَدَمُهُ.
ثُمَّ قالَ: وهَذِهِ الآيَةُ يَحْسُنُ التَّمَسُّكُ بِها في بَيانِ أنَّ البَيِّنَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ، ولا لِشَيْءٍ مِنَ الصِّفاتِ المَشْرُوطَةِ بِالحَياةِ. فاللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى خَلْقِ العَقْلِ، والقُدْرَةِ، والنُّطْقِ في كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ هَذِهِ الأعْضاءِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الرّازِيُّ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ قالَ: المُرادُ مِن شَهادَةِ الجُلُودِ شَهادَةُ الفُرُوجِ، وإنَّهُ مِن بابِ الكِناياتِ كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥] وأرادَ النِّكاحَ. وقالَ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] والمُرادُ قَضاءُ الحاجَةِ. فَتَكُونُ الآيَةُ وعِيدًا شَدِيدًا في الزِّنى. انْتَهى.
وقَدْ أشارَ الإمامُ ابْنُ الأثِيرِ في (المَثَلِ السّائِرِ) إلى تَرْجِيحِ هَذا المَعْنى. حَيْثُ ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ في التَّرْجِيحِ الَّذِي يَقَعُ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ، يَدُلُّ عَلَيْهِما لَفْظٌ واحِدٌ، يَكُونُ حَقِيقَةً في أحَدِهِما، مَجازًا في الآخَرِ، وعِبارَتُهُ: الجُلُودُ هَهُنا تُفَسَّرُ حَقِيقَةً ومَجازًا. أمّا الحَقِيقَةُ فَيُرادُ بِها الجُلُودُ مُطْلَقًا، وأمّا المَجازُ فَيُرادُ بِها الفُرُوجُ خاصَّةً، وهَذا هو المانِعُ البَلاغِيُّ الَّذِي يُرَجِّحُ جانِبَ المَجازِ عَلى الحَقِيقَةِ، لِما فِيهِ مِن لُطْفِ الكِنايَةِ عَنِ المُكَنّى عَنْهُ.
وقَدْ يُسْألُ هَهُنا في التَّرْجِيحِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، عَنْ غَيْرِ الجانِبِ البَلاغِيِّ.
(p-٥١٩٧)ويُقالُ: ما بَيانُ هَذا التَّرْجِيحِ؟ فَيُقالُ: طَرِيقَةُ لَفْظِ الجُلُودِ عامٌّ، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُرادَ بِهِ الجُلُودُ مُطْلَقًا، أوْ يُرادَ بِهِ الجَوارِحُ الَّتِي هي أدَواتُ الأعْمالِ خاصَّةً، ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الجُلُودُ عَلى الإطْلاقِ؛ لِأنَّ شَهادَةَ غَيْرِ الجَوارِحِ الَّتِي هي الفاعِلَةُ، شَهادَةٌ باطِلَةٌ؛ إذْ هي شَهادَةُ غَيْرِ شاهِدٍ. والشَّهادَةُ هُنا يُرادُ بِها الإقْرارُ. فَتَقُولُ اليَدُ: أنا فَعَلْتُ كَذا وكَذا. وتَقُولُ الرِّجْلُ: أنا مَشَيْتُ إلى كَذا وكَذا. وكَذَلِكَ الجَوارِحُ الباقِيَةُ تَنْطِقُ مُقِرَّةً بِأعْمالِها. فَتَرَجَّحَ بِهَذا أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ شَهادَةَ الجَوارِحِ. وإذا أُرِيدَ بِهِ الجَوارِحُ، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُرادَ بِهِ الكُلُّ أوِ البَعْضُ.
فَإنْ أُرِيدَ بِهِ الكُلُّ، دَخَلَ تَحْتَهُ السَّمْعُ والبَصَرُ، ولَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِهِما بِالذِّكْرِ فائِدَةٌ. وإنْ أُرِيدَ بِهِ البَعْضُ، فَهو بِالفَرْجِ أخَصُّ مِنهُ بِغَيْرِهِ مِنَ الجَوارِحِ؛ لِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الجَوارِحَ كُلَّها قَدْ ذُكِرَتْ في القُرْآنِ الكَرِيمِ شاهِدَةً عَلى صاحِبِها بِالمَعْصِيَةِ ما عَدا الفَرْجَ. فَكانَ حَمْلُ الجِلْدِ عَلَيْهِ أوْلى، لِيُسْتَكْمَلَ ذِكْرُ الجَمِيعِ.
الآخَرُ: إنَّهُ لَيْسَ في الجَوارِحِ ما يُكْرَهُ التَّصْرِيحُ بِذِكْرِهِ إلّا الفَرْجُ، فَكَنّى عَنْهُ بِالجِلْدِ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعٌ يُكْرَهُ التَّصْرِيحُ فِيهِ بِالمُسَمّى عَلى حَقِيقَتِهِ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ تَخْصِيصَ السَّمْعِ والبَصَرِ بِالذِّكْرِ، مِن بابِ التَّفْصِيلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] والنَّخْلُ والرُّمّانُ مِنَ الفاكِهَةِ.
قُلْتُ في الجَوابِ: هَذا القَوْلُ عَلَيْكَ لا لَكَ؛ لِأنَّ النَّخْلَ والرُّمّانَ إنَّما ذُكِرا لِتَفْضِيلٍ لَهُما في الشَّكْلِ، أوْ في الطَّعْمِ، والفَضِيلَةُ هَهُنا في ذِكْرِ الشَّهادَةِ، إنَّما هي تَعْظِيمٌ لِأمْرِ المَعْصِيَةِ. وغَيْرُ السَّمْعِ والبَصَرِ أعْظَمُ في المَعْصِيَةِ؛ لِأنَّ مَعْصِيَةَ السَّمْعِ إنَّما تَكُونُ في سَماعِ غِيبَةٍ، أوْ في سَماعِ صَوْتِ مِزْمارٍ، أوْ وتَرٍ، أوْ ما جَرى هَذا المَجْرى. ومَعْصِيَةُ البَصَرِ إنَّما تَكُونُ في النَّظَرِ إلى مُحَرَّمٍ: وكِلْتا المَعْصِيَتَيْنِ لا حَدَّ فِيها. وأمّا المَعاصِي الَّتِي تُوجَدُ مِن غَيْرِ السَّمْعِ والبَصَرِ، فَأعْظَمُ؛ لِأنَّ مَعْصِيَةَ اليَدِ تُوجِبُ القَطْعَ، ومَعْصِيَةَ الفَرْجِ تُوجِبُ جَلْدَ مِائَةٍ، أوِ الرَّجْمَ. وهَذا أعْظَمُ. فَكانَ يَنْبَغِي أنْ تُخَصَّ بِالذِّكْرِ دُونَ (p-٥١٩٨)السَّمْعِ والبَصَرِ، وإذا ثَبَتَ فَسادُ ما ذَهَبْتَ إلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنِ المُرادُ بِالجُلُودِ إلّا الفُرُوجَ خاصَّةً. انْتَهى كَلامُ ابْنِ الأثِيرِ.
وناقَشَهُ ابْنُ أبِي الحَدِيدِ في (الفَلَكِ الدّائِرِ) بِما مُحَصَّلُهُ: أنَّ حَمْلَ الجِلْدِ عَلى الفَرْجِ إنَّما يَتَعَيَّنُ إذا كانَ بَيْنَ لَفْظَتِي الجِلْدِ، والفَرْجِ، أوْ مَعْناهُما مُناسَبَةٌ، ولا نَجِدُ مُناسَبَةً إلّا أنْ يَكُونَ لِأجْلِ أنَّ الجِلْدَ جُزْءٌ مِن أجْزاءِ ماهِيَّةِ الفَرْجِ. فَعَبَّرَ عَنِ الكُلِّ بِالبَعْضِ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا. انْتَهى.
وأقُولُ: مَقْصُودٌ مَن أُثِرَ عَنْهُ إرادَةُ الفُرُوجِ بِالجُلُودِ هو إرادَةُ الفَرْدِ الأهَمِّ والأقْوى؛ وذَلِكَ لِأنَّ الجُلُودَ تَصْدُقُ عَلى ما حَواهُ الجِسْمُ مِنَ الأعْضاءِ والعَضَلاتِ الَّتِي تَكْتَسِبُ الجَرِيمَةَ، ولا يَخْفى أنَّ أهَمَّها بِالعِنايَةِ، وأوْلاها بِالإرادَةِ هو الفَرْجُ؛ لِأنَّ مَعْصِيَتَها تَرْبى عَلى الجَمِيعِ، وقَدْ عُهِدَ في مُفَسِّرِي السَّلَفِ اقْتِصارُهم في التَّأْوِيلِ مِنَ العامِّ عَلى فَرْدِهِ الأهَمِّ؛ كَقَصْرِهِمْ: (سَبِيلَ اللَّهِ) عَلى الجِهادِ، مَعَ أنَّ: (سَبِيلَ اللَّهِ) يَصْدُقُ عَلى كُلِّ ما فِيهِ خَيْرٌ وقُرْبَةٌ، ونَفْعٌ ومَعُونَةٌ، عَلى الطّاعَةِ، إلّا أنَّ أهَمَّ الجَمِيعِ هو جِهادُ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنِ الحَقِّ. فَذِكْرُ الجِهادِ لا يَنْفِي غَيْرَهُ. وهَذِهِ فائِدَةٌ يَنْبَغِي أنْ يَحْرِصَ عَلى فَهْمِها كُلُّ مَن لَهُ عِنايَةٌ بِالتَّفْسِيرِ؛ فَإنَّها مِن فَوائِدِهِ الجَلِيلَةِ، ويَنْحَلُّ بِها إشْكالاتٌ لَيْسَتْ بِالقَلِيلَةِ. واللَّهُ المُوَفِّقُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ إمّا مِن تَمامِ كَلامِ الجُلُودِ، أوْ مُسْتَأْنَفٌ مِن كَلامِهِ تَعالى: وعَلى كُلٍّ، فَهو مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، بِأنَّ القادِرَ عَلى الخَلْقِ أوَّلَ مَرَّةٍ، قادِرٌ عَلى إنْطاقِ كُلِّ شَيْءٍ.
41:22Страница 479
وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَتِرُونَ أَن يَشۡهَدَ عَلَيۡكُمۡ سَمۡعُكُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُكُمۡ وَلَا جُلُودُكُمۡ وَلَٰكِن ظَنَنتُمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعۡلَمُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٢
Вы не укрывались от свидетельств вашего слуха, ваших взоров и вашей кожи. Но вы предполагали, что Аллах не знает многого из того, что вы совершали.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٢] ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكُمْ﴾ أيْ: وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ عِنْدَ فِعْلِكُمُ الفَواحِشَ والمُنْكَراتِ، مُخالَفَةً أوْ كَراهَةً أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم ما ذُكِرَ. أيْ: لَيْسَ اسْتِتارُهم لِلْخَوْفِ مِمّا ذُكِرَ، بَلْ مِنَ النّاسِ. فَ: ﴿أنْ يَشْهَدَ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، (p-٥١٩٩)بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أوْ مِن أنْ يَشْهَدَ، أوْ عَنْ أنْ يَشْهَدَ، أوْ أنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى الظَّنِّ، فَهو في مَحَلِّ نَصْبٍ. وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ يَنْبَغِي أنْ يَتَحَقَّقَ، أنَّهُ لا يَمُرُّ عَلَيْهِ حالٌ إلّا وعَلَيْهِ رَقِيبٌ، كَما قالَ أبُو نُواسٍ:
؎إذا ما خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلا تَقُلْ خَلَوْتُ. ولَكِنْ قُلْ: عَلَيَّ رَقِيبُ
؎ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يَغْفُلُ ساعَةً ∗∗∗ ولا أنَّ ما يَخْفى عَلَيْكَ يَغِيبُ
﴿ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: ما ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ فَيُنْطِقُ الجَوارِحَ ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّهُ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا، وهو ما عَلِمْتُمْ خُفْيَةً، فَما اسْتَتَرْتُمْ عَنْها واجْتَرَأْتُمْ عَلى المَعاصِي. وإذا كانَ: ﴿أنْ يَشْهَدَ﴾ مَفْعُولًا لَهُ، فالمَعْنى ما اسْتَتَرْتُمْ بِالحَجْبِ، لِخِيفَةِ أنْ تَشْهَدَ عَلَيْكُمُ الجَوارِحُ، فَلِذا ما اسْتَتَرْتُمْ عَنْها، لَكِنْ لِأجْلِ ظَنِّكم أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا، فَلِذا سَعَيْتُمْ في الِاسْتِتارِ عَنِ الخَلْقِ، لا عَنِ الخالِقِ، ولا عَمّا تَنْطِقُ بِهِ الجَوارِحُ.
41:23Страница 479
وَذَٰلِكُمۡ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمۡ أَرۡدَىٰكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٢٣
Эти ваши предположения, которые вы делали о вашем Господе, погубили вас, и вы оказались одними из потерпевших убыток.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٣] ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ .
﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكُمْ﴾ أيْ: أهْلَكَكم بِالجَراءَةِ عَلى مُخالَفَتِهِ في الدُّنْيا، ومُجادَلَتِهِ في القِيامَةِ: ﴿فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أيْ: لِأعْمالِ النَّجاةِ، والدَّرَجاتِ في الآخِرَةِ.
41:24Страница 479
فَإِن يَصۡبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡۖ وَإِن يَسۡتَعۡتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلۡمُعۡتَبِينَ ٢٤
Если даже они проявят терпение, их обителью будет Огонь. Если же они попросят о благосклонности, то к ним не будут благосклонны (или если к ним проявят благосклонность, то они не станут искать благосклонности).
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٤] ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهم وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ .
﴿فَإنْ يَصْبِرُوا﴾ أيْ: عَلى النّارِ: ﴿فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ: مَنزَلٌ ومَسْكَنٌ: ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ أيْ: يَسْألُوا العُتْبى، وهي الرَّجْعَةُ إلى الَّذِينَ يُحِبُّونَ: ﴿فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ أيِ: المُجابِينَ إلَيْهِ، فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ.
41:25–26Страница 479
۞ وَقَيَّضۡنَا لَهُمۡ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ خَٰسِرِينَ ٢٥
Мы приставили к ним товарищей, которые представили им прекрасным их настоящее и будущее, и сбылось Слово относительно них и относительно живших до них народов из числа джиннов и людей. Воистину, они были потерпевшими убыток.
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسۡمَعُواْ لِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَٱلۡغَوۡاْ فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَغۡلِبُونَ ٢٦
Неверующие сказали: «Не слушайте этот Коран, а начинайте говорить вздор (опровергайте его любым способом или шумите во время его чтения). Быть может, вы одержите верх».
(p-٥٢٠٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٥، ٢٦] ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] .
﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ أيْ: بَعَثْنا لَهم نُظَراءَ مِنَ الشَّياطِينِ اقْتَرَنُوا بِهِمْ: ﴿فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ أيْ: حَسَّنُوا لَهم أعْمالَهم كُلَّها، الحاضِرَةَ والمُسْتَقْبَلَةَ. فالطَّرَفانِ كِنايَةٌ عَنِ الجَمِيعِ، أوْ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِن جَرائِمِ الدُّنْيا، وما خَلْفَهم مِنَ التَّكْذِيبِ بِالمَعادِ. قالَ الشِّهابُ: وتَفْسِيرُ أُمُورِ الدُّنْيا بِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ، لِحُضُورِها عِنْدَهُمْ، كالشَّيْءِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ تُقَلِّبُهُ كَيْفَ تَشاءُ، والآخِرَةُ بِما خَلْفَهُمْ، لِعَدَمِ مُشاهَدَتِها، كالشَّيْءِ الَّذِي خَلْفَكَ، أوْ لِكَوْنِها سَتَلْحَقُ بِهِمْ، وقَدْ يُعْكَسُ فَيُجْعَلُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمُ الآخِرَةَ؛ لِأنَّها مُسْتَقْبَلَةٌ، وما خَلْفَهُمُ الدُّنْيا لِمُضِيِّها وتَرْكِها كَما مَرَّ قَرِيبًا.
وقالَ القاشانِيُّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أيْ: قَدَّرْنا لَهم أخْدانًا وأقْرانًا مِن شَياطِينِ الإنْسِ أوِ الجِنِّ، مِنَ الوَهْمِ والتَّخَيُّلِ، لِتَباعُدِهِمْ مِنَ المَلَأِ الأعْلى، ومُخالَفَتِهِمْ بِالذّاتِ لِلنُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ والأنْوارِ المَلَكُوتِيَّةِ، بِانْغِماسِهِمْ في المَوادِّ الهُيُولانِيَّةِ. واحْتِجابُهم بِالصِّفاتِ النَّفْسانِيَّةِ، وانْجِذابُهم إلى الأهْواءِ البَدَنِيَّةِ والشَّهَواتِ الطَّبِيعِيَّةِ. فَناسَبُوا النُّفُوسَ الأرْضِيَّةَ الخَبِيثَةَ والكَدِرَةَ المُظْلِمَةَ. وخالَفُوا الجَواهِرَ القُدْسِيَّةَ. فَجُعِلَتِ الشَّياطِينُ أقْرانَهم وحُجِبُوا عَنْ نُورِ المَلَكُوتِ: ﴿فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: ما بِحَضْرَتِهِمْ مِنَ اللَّذّاتِ البَهِيمِيَّةِ والسَّبُعِيَّةِ، والشَّهَواتِ الطَّبِيعِيَّةِ فِي: ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الآمالِ والأمانِي الَّتِي لا يُدْرِكُونَها: ﴿وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ: في القَضاءِ الإلَهِيِّ. بِالشَّقاءِ الأبَدِيِّ: ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ المُكَذِّبِينَ (p-٥٢٠١)بِأنْبِيائِهِمْ، الضّالِّينَ المُضِلِّينَ: ﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [فصلت: ٢٦] أيْ: سَتَرُوا زِينَةَ أدِلَّةِ القُرْآنِ عَنْ أتْباعِهِمْ، الَّذِينَ زَيَّنُوا لَهم شُبُهاتِهِمُ الواهِيَةَ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ [فصلت: ٢٦] أيْ: إذا قَرَأهُ، ولا تَصْغَوْا لَهُ، كَيْلا يُؤْثَرَ عَلَيْكم وعْظُهُ: ﴿والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] أيِ: ائْتُوا بِاللَّغْوِ عِنْدَ قِراءَتِهِ، لِيَخْتَلِطَ. فَلا يُمْكِنُهُ القِراءَةُ. والمُرادُ بِاللَّغْوِ ما لا أصْلَ لَهُ، أوْ ما لا مَعْنى لَهُ: ﴿لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] أيْ: تَصُدُّونَ مَن أرادَ اسْتِماعَهُ، عَنِ اسْتِماعِهِ، فَلا يَسْمَعُهُ. وإذا لَمْ يَسْمَعْهُ، ولَمْ يَفْهَمْهُ، لَمْ يَتْبَعْهُ. فَتَغْلِبُونَ بِكَيْدِكم هَذا حُجَجَهُ، الَّتِي يَغْلِبُ بِها عُقُولَكم.
41:27–28Страница 479
فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَابٗا شَدِيدٗا وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٧
Мы непременно дадим неверующим вкусить тяжкие мучения и воздадим им за наихудшее из того, что они совершали.
ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعۡدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُۖ لَهُمۡ فِيهَا دَارُ ٱلۡخُلۡدِ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ٢٨
Таково воздаяние врагам Аллаха! Огонь! В нем будет их Вечная обитель в воздаяние за то, что они отвергали Наши знамения.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٧، ٢٨] ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ٢٨] .
﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ﴾ [فصلت: ٢٨] أيِ: المُكْثُ الأبَدِيُّ. وفي النَّظْمِ الكَرِيمِ مِنَ البَدِيعِ، التَّجْرِيدُ، وهو أنْ يُنْتَزَعَ مِن أمْرٍ ذِي صِفَةٍ، آخَرُ مِثْلُهُ، مُبالَغَةً فِيها؛ لِأنَّها نَفْسَها دارُ الخُلْدِ. ويَجْعَلُهُ لِلظَّرْفِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ، تَكَلُّفٌ لا داعِيَ لَهُ. مَعَ أنَّ المَذْكُورَ أبْلَغُ. قالَ الشِّهابُ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ٢٨] أيْ: يُنْكِرُونَ أوْ يَلْغُونَ. وذَكَرَ الجَحُودَ الَّذِي هو سَبَبُ اللَّغْوِ.
41:29Страница 479
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيۡنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ نَجۡعَلۡهُمَا تَحۡتَ أَقۡدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلۡأَسۡفَلِينَ ٢٩
Неверующие скажут: «Господь наш! Покажи нам тех джиннов и людей, которые ввели нас в заблуждение. Мы бросим их себе под ноги, чтобы они были самыми низкими».
(p-٥٢٠٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٩] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ .
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا﴾ أيْ: نَدُوسُهُما انْتِقامًا مِنهُما: ﴿لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ: حَنِقَ المَحْجُوبُونَ واغْتاظُوا عَلى مَن أضَلَّهم مِنَ الفَرِيقَيْنِ، عِنْدَ وُقُوعِ العَذابِ. وتَمَنَّوْا أنْ يَكُونُوا في أشَدِّ مِن عَذابِهِمْ وأسْفَلَ مِن دَرَكاتِهِمْ، لِما لَقُوا مِنَ الهَوانِ، وألَمِ النِّيرانِ، وعَذابِ الحِرْمانِ، والخُسْرانِ، بِسَبَبِهِمْ، وأرادُوا أنْ يَشْفُوا صُدُورَهم بِرُؤْيَتِهِمْ في أسْوَأِ أحْوالِهِمْ، وأنْزَلِ مَراتِبِهِمْ. كَما تَرى مَن وقَعَ في البَلِيَّةِ، بِسَبَبِ رَفِيقٍ أشارَ إلَيْهِ بِما أوْقَعَهُ فِيها، يَتَحَرَّدُ عَلَيْهِ ويَتَغَيَّظُ، ويَكادُ أنْ يَقَعَ فِيهِ، مَعَ غَيْبَتِهِ ويَتَحَرَّقَ. انْتَهى.
41:30Страница 480
إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ٣٠
Воистину, к тем, которые сказали: «Наш Господь - Аллах», - а потом были стойки, нисходят ангелы: «Не бойтесь и не печальтесь, а возрадуйтесь Раю, который был обещан вам.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ .
﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ أيْ: وحَّدُوهُ بِنَفْيِ غَيْرِهِ، وعَرَفُوهُ بِالإيقانِ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ أيْ: في أخْلاقِهِمْ، وعَقائِدِهِمْ، وأعْمالِهِمْ. وذَلِكَ بِالسُّلُوكِ في طَرِيقِهِ تَعالى، والثَّباتِ عَلى صِراطِهِ، مُخْلِصِينَ لِأعْمالِهِمْ، عامِلِينَ لِوَجْهِهِ، غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ بِها إلى غَيْرِهِ: ﴿تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ: في الدُّنْيا، بِإلْهامِهِمْ، أوْ عِنْدَ المَوْتِ، أوْ حِينَ البَعْثِ.
﴿ألا تَخافُوا﴾ أيْ: ما تُقَدِّمُونَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَماتِكُمْ: ﴿ولا تَحْزَنُوا﴾ أيْ: عَلى ما خَلَّفْتُمْ مِن دُنْياكُمْ، مِن أهْلٍ ووَلَدٍ. فَإنّا نَخْلُفُكم في ذَلِكَ كُلِّهِ، أوْ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ، وهَوْلِهِ، فَإنَّكم آمِنُونَ لِآيَةِ: (p-٥٢٠٣)﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] والتَّنْزِيلُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، أوِ الآيَتانِ في مَقامَيْنِ، وبِشارَتَيْنِ، وفَضْلُهُ تَعالى أوْسَعُ، وجُودُهُ أعَمُّ وأشْمَلُ.
قالَ القاشانِيُّ: وإنَّما تَنَزَّلَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمْ لِلْمُناسَبَةِ الحَقِيقِيَّةِ بَيْنَهم في التَّوْحِيدِ الحَقِيقِيِّ، والإيمانِ اليَقِينِيِّ، والعَمَلِ الثّابِتِ عَلى مِنهاجِ الحَقِّ والِاسْتِقامَةِ في الطَّرِيقَةِ إلَيْهِ. غَيْرَ ناكِثِينَ في عَزِيمَةٍ، ولا مُنْحَرِفِينَ عَنْ وُجْهَةٍ، ولا زائِغِينَ في عَمَلٍ. كَما ناسَبَتْ نُفُوسَ المَحْجُوبِينَ مِن أهْلِ الرَّذائِلِ الشَّياطِينِ، بِالجَواهِرِ المُظْلِمَةِ، والأعْمالِ الخَبِيثَةِ. فَتَنَزَّلَتْ عَلَيْهِمْ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا، حالَ الإيمانِ بِالغَيْبِ.
41:31–32Страница 480
نَحۡنُ أَوۡلِيَآؤُكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَشۡتَهِيٓ أَنفُسُكُمۡ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ٣١
Мы - ваши помощники (или хранители) в мирской жизни и Последней жизни. Вам там уготовано все, чего пожелают ваши души! Вам там уготовано все, о чем вы попросите!
نُزُلٗا مِّنۡ غَفُورٖ رَّحِيمٖ ٣٢
Таково угощение от Прощающего, Милосердного».
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣١، ٣٢] ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ ﴿نُـزُلا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٢] .
﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ أيْ: أحِبّاؤُكم في الدّارَيْنِ، لِلتَّناسُبِ بَيْنَنا وبَيْنَكم. كَما أنَّ الشَّياطِينَ أوْلِياءُ الكافِرِينَ، لِما بَيْنَهم مِنَ الجِنْسِيَّةِ، والمُشارَكَةِ في الظُّلْمَةِ والكُدُورَةِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: تَقُولُ المَلائِكَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ الِاحْتِضارِ: نَحْنُ كُنّا قُرَناءَكم في الحَياةِ الدُّنْيا، نُسَدِّدُكُمْ، ونُوَفِّقُكُمْ، ونَحْفَظُكم بِأمْرِ اللَّهِ. وكَذَلِكَ نَكُونُ مَعَكم في الآخِرَةِ، نُؤْنِسُ مِنكُمُ الوَحْشَةَ في القُبُورِ، وعِنْدَ النَّفْخَةِ في الصُّوَرِ، ونُؤَمِّنُكم يَوْمَ البَعْثِ والنُّشُورِ، ونُجاوِزُكُمُ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ، ونُوصِلُكم إلى جَنّاتِ النَّعِيمِ.
وقالَ الرّازِيُّ: مَعْنى كَوْنِهِمْ أوْلِياءَ لِلْمُؤْمِنِينَ، أنَّ لِلْمَلائِكَةِ تَأْثِيراتٍ في الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، بِالإلْهاماتِ، والمُكاشَفاتِ اليَقِينِيَّةِ، كَما أنَّ لِلشَّياطِينِ تَأْثِيراتٍ في الأرْواحِ، بِإلْقاءِ الوَساوِسِ فِيها، وتَخْيِيلِ الأباطِيلِ إلَيْها، وبِالجُمْلَةِ، فَكَوْنُ المَلائِكَةِ أوْلِياءَ لِلْأرْواحِ الطَّيِّبَةِ الطّاهِرَةِ، حاصِلٌ مِن جِهاتٍ كَثِيرَةٍ مَعْلُومَةٍ، لِأرْبابِ (p-٥٢٠٤)المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ. فَهم يَقُولُونَ: كَما أنَّ تِلْكَ الوِلايَةَ كانَتْ حاصِلَةً في الدُّنْيا، فَهي تَكُونُ باقِيَةً في الآخِرَةِ. فَإنَّ تِلْكَ العَلائِقَ ذاتِيَّةٌ لازِمَةٌ غَيْرُ قابِلَةٍ لِلزَّوالِ. بَلْ كَأنَّها تَصِيرُ بَعْدَ المَوْتِ أقْوى وأبْقى. وذَلِكَ لِأنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ، وهي كالشُّعْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّمْسِ، والقَطْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ، والتَّعَلُّقاتِ الجُسْمانِيَّةِ هي الَّتِي تَحُولُ بَيْنَها وبَيْنَ المَلائِكَةِ. كَما قالَ ﷺ: ««لَوْلا أنَّ الشَّياطِينَ يَحُومُونَ عَلى قُلُوبِ بَنِي آدَمَ، لَنَظَرُوا إلى مَلَكُوتِ السَّماواتِ. فَإذا زالَتِ العَلائِقُ الجُسْمانِيَّةُ، والتَّدْبِيراتُ البَدَنِيَّةُ، فَقَدْ زالَ الغِطاءُ والوِطاءُ، فَيَتَّصِلُ الأثَرُ بِالمُؤَثِّرِ، والقَطْرَةُ بِالبَحْرِ، والشُّعْلَةُ بِالشَّمْسِ»» . انْتَهى.
وهُوَ مَشْرَبٌ صُوفِيٌّ ومِنزَعٌ فَلْسَفِيٌّ، فِيهِ شِيَةٌ مِنَ الرِّقَّةِ: ﴿ولَكم فِيها﴾ أيْ: في الآخِرَةِ: ﴿ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الرُّوحِ، والرَّيْحانِ، والنَّعِيمِ المُقِيمِ: ﴿ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ أيْ: تَتَمَنَّوْنَ: ﴿نُـزُلا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٢] أيْ: إكْرامًا مُعَدًّا لَكُمْ، مِن غَفُورٍ لِذُنُوبِكُمْ، ورَحِيمٍ بِتَفَضُّلِهِ وتَطُّولِهِ.
41:33Страница 480
وَمَنۡ أَحۡسَنُ قَوۡلٗا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٣٣
Чья речь прекраснее, чем речь того, кто призывает к Аллаху, поступает праведно и говорит: «Воистину, я - один из мусульман»?
(p-٥٢٠٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٣] ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ .
﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ: لا أحَدَ أحْسَنُ مَقالًا مِمَّنْ دَعا النّاسَ إلى عِبادَتِهِ تَعالى، وكانَ مِنَ الصّالِحِينَ المُؤْتَمِرِينَ، والمُسْلِمِينَ وُجُوهَهم إلَيْهِ تَعالى في التَّوْحِيدِ.
لَطائِفُ:
الأُولى: قالَ القاشانِيُّ: وإنَّما قَدَّمَ الدَّعْوَةَ إلى الحَقِّ والتَّكْمِيلِ؛ لِكَوْنِهِ أشْرَفَ المَراتِبِ، ولِاسْتِلْزامِهِ الكَمالَ العِلْمِيَّ والعَمَلِيَّ، وإلّا لَما صَحَّتِ الدَّعْوَةُ. انْتَهى.
الثّانِيَةُ: في الآيَةِ إشارَةٌ إلى تَرْغِيبِهِ ﷺ في الإعْراضِ عَنِ المُشْرِكِينَ، وعَمّا كانُوا يَقُولُونَهُ مِنَ اللَّغْوِ في التَّنْزِيلِ، مِمّا قَصَّهُ تَعالى عَنْهم فِيما تَقَدَّمَ. وإرْشادُهُ إلى المُواظَبَةِ عَلى التَّبْلِيغِ، والدَّعْوَةِ، بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ أحْسَنُ الطّاعاتِ ورَأْسُ العِباداتِ، فَهَذا هو سِرُّ انْتِظامِ هَذِهِ الآيَةِ في إثْرِ ما سَبَقَ. وثَمَّةَ وجْهٌ آخَرُ؛ وهو أنَّ مَراتِبَ السَّعاداتِ اثْنانِ: كامِلٌ وأكْمَلُ. أمّا الكامِلُ فَهو أنْ يَكْتَسِبَ مِنَ الصِّفاتِ الفاضِلَةِ ما لِأجْلِها يَصِيرُ كامِلًا في ذاتِهِ. فَإذا فَرَغَ مِن هَذِهِ الدَّرَجَةِ، اشْتَغَلَ بَعْدَها بِتَكْمِيلِ النّاقِصِينَ.
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] إشارَةٌ إلى المَرْتَبَةِ الأُولى. وهي اكْتِسابُ الأحْوالِ الَّتِي تُفِيدُ كَمالَ النَّفْسِ في جَوْهَرِها. فَإذا حَصَلَ الفَراغُ مِن هَذِهِ المَرْتَبَةِ، وجَبَ الِانْتِقالُ إلى المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ، وهي الِانْتِقالُ بِتَكْمِيلِ النّاقِصِينَ؛ وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الدِّينِ الحَقِّ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلا﴾ الآيَةَ...
واعْلَمْ أنَّ مَن آتاهُ اللَّهُ قَرِيحَةً قَوِيَّةً، ونَصِيبًا وافِيًا مِنَ العُلُومِ الإلَهِيَّةِ، عَرَفَ أنَّهُ لا تَرْتِيبَ أحْسَنَ ولا أكْمَلَ مِن تَرْتِيبِ آياتِ القُرْآنِ، أفادَهُ الرّازِيُّ.
(p-٥٢٠٦)الثّالِثَةُ: يَدْخُلُ في الآيَةِ كُلُّ مَن دَعا إلى اللَّهِ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ المَشْرُوعَةِ، وسَبِيلٍ مِنَ السُّبُلِ المَأْثُورَةِ؛ لِأنَّ الدَّعْوَةَ الصَّحِيحَةَ هي الدَّعْوَةُ النَّبَوِيَّةُ، ثُمَّ ما انْتَهَجَ مَنهَجَها في الصَّدْعِ بِالحَقِّ، وإيثارِهِ عَلى الخَلْقِ.
الرّابِعَةُ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى - عَلى ما قَرَّرَهُ الرّازِيُّ - لِأنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ أحْسَنُ الأعْمالِ، وكُلُّ ما كانَ أحْسَنَ الأعْمالِ، فَهو واجِبٌ.
الخامِسَةُ: احْتَجَّ مَن جَوَّزَ قَوْلَ:(أنا مُسْلِمٌ). بِدُونِ تَعْلِيقٍ عَلى المَشِيئَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ. وقالَ: إطْلاقُها يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ هو الأوْلى، والمَسْألَةُ مَعْرُوفَةٌ بَسَطَها الغَزالِيُّ في (الإحْياءِ).
ولِلْإمامِ ابْنِ حَزْمٍ في (الفِصَلِ) تَحْقِيقٌ لَطِيفٌ لا بَأْسَ بِإيرادِهِ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في قَوْلِ المُسْلِمِ: (أنا مُؤْمِنٌ). فَرُوِّينا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وجَماعَةٍ مِن أصْحابِهِ الأفاضِلِ، ومَن بَعْدَهُ مِنَ الفُقَهاءِ، أنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ. وكانَ يَقُولُ: (أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ). وقالَ بَعْضُهُمْ: آمَنتُ بِاللَّهِ، ومَلائِكَتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ. وكانُوا يَقُولُونَ: مَن قالَ: أنا مُؤْمِنٌ، فَلْيَقُلْ: إنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ.
ثُمَّ قالَ ابْنُ حَزْمٍ: والقَوْلُ عِنْدَنا في هَذِهِ المَسْألَةِ، أنَّ هَذِهِ صِفَةٌ يَعْلَمُها المَرْءُ مِن نَفْسِهِ. فَإنْ كانَ يَدْرِي أنَّهُ مُصَدِّقٌ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وبِمُحَمَّدٍ ﷺ وبِكُلِّ ما أتى بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ يُقِرُّ بِلِسانِهِ بِكُلِّ ذَلِكَ، فَواجِبٌ عَلَيْهِ أنْ يَعْتَرِفَ بِذَلِكَ. كَما أمَرَ تَعالى، إذْ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] ولا نِعْمَةَ أوْكَدُ، ولا أفْضَلُ، ولا أوْلى بِالشُّكْرِ، مِن نِعْمَةِ الإسْلامِ. فَواجِبٌ عَلَيْهِ أنْ يَقُولَ: (أنا مُسْلِمٌ قَطْعًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وفي وقْتِي هَذا). ولا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: أنا مُؤْمِنٌ مُسْلِمٌ. وبَيْنَ قَوْلِهِ: (أنا أسْوَدُ وأنا أبْيَضُ).
وهَكَذا سائِرُ صِفاتِهِ الَّتِي لا يُشَكُّ فِيها. ولَيْسَ هَذا مِن بابِ الِامْتِداحِ، والتَّعَجُّبِ في شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ فُرِضَ عَلَيْهِ أنْ يُحَصِّنَ دَمَهُ بِشَهادَةِ التَّوْحِيدِ. قالَ تَعالى: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْنا وما أُنْـزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] (p-٥٢٠٧)وقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَنا صَحِيحٌ؛ لِأنَّ الإسْلامَ والإيمانَ اسْمانِ مَنقُولانِ عَنْ مَوْضُوعِهِما في اللُّغَةِ، إلى جَمِيعِ البِرِّ والطّاعاتِ، فَإنَّما مَنَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ مِنَ القَوْلِ بِأنَّهُ (مُسْلِمٌ مُؤْمِنٌ)، عَلى مَعْنى أنَّهُ مُسْتَوْفٍ لِجَمِيعِ الطّاعاتِ. وهَذا صَحِيحٌ. ومَنِ ادَّعى لِنَفْسِهِ هَذا فَقَدْ كَذَبَ بِلا شَكٍّ، وما مَنَعَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن أنْ يَقُولَ المَرْءُ: (إنِّي مُؤْمِنٌ). بِمَعْنى مُصَدِّقٍ. كَيْفَ؟ وهو يَقُولُ: (قُلْ آمَنتُ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ). أيْ: صَدَّقْتُ. وأمّا مَن قالَ فَقُلْ: إنَّكَ في الجَنَّةِ، فالجَوابُ أنَّنا نَقُولُ: إنْ مُتْنا عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ الآنَ، فَلا بُدَّ لَنا مِنَ الجَنَّةِ بِلا شَكٍّ. وبِرِهانُ ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ صَحَّ مِن نُصُوصِ القُرْآنِ، والسُّنَّةِ، والإجْماعِ، أنَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ وبِكُلِّ ما جاءَ بِهِ، ولَمْ يَأْتِ بِما هو كُفْرٌ، فَإنَّهُ في الجَنَّةِ، إلّا أنَّنا لا نَدْرِي ما يُفْعَلُ بِنا في الدُّنْيا، ولا نَأْمَنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ تَعالى، ولا إضْلالِهِ، ولا كَيْدِ الشَّيْطانِ، ولا نَدْرِي ماذا نَكْسِبُ غَدًا، ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الخِذْلانِ. انْتَهى.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии