Аль-КасимиАль‑Фатх · 48:27–29

Аль-Касими · Тафсир · на арабском

Аль-Фатх 48:27–29

48:27Страница 514

لَّقَدۡ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءۡيَا بِٱلۡحَقِّۖ لَتَدۡخُلُنَّ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمۡ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَۖ فَعَلِمَ مَا لَمۡ تَعۡلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتۡحٗا قَرِيبًا ٢٧

Воистину, Аллах показал Своему Посланнику правдивый сон (или Аллах доподлинно исполнит сон, который увидел Его Посланник). Вы непременно войдете в Заповедную мечеть, если пожелает Аллах, будучи в безопасности. Вы побреете головы и подстрижетесь, не испытывая страха. Он знал то, чего вы не знали, и предопределил перед этим близкую победу.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٧] ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ .

﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا رُؤْياهُ الَّتِي أراها إيّاهُ أنَّهُ يَدْخُلُ هو وأصْحابُهُ بَيْتَ اللَّهِ الحَرامَ آمِنِينَ، لا يَخافُونَ أهْلَ الشِّرْكِ، مُقَصِّرًا بَعْضُهم رَأْسَهُ، ومُحَلِّقًا بَعْضُهم. ثُمَّ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: أُرِيَ بِالحُدَيْبِيَةِ أنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ وأصْحابَهُ مُحَلِّقِينَ، فَقالَ أصْحابُهُ حِينَ نَحَرَ بِالحُدَيْبِيَةِ: أيْنَ رُؤْيا مُحَمَّدٍ ﷺ؟

وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: «قالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: إنِّي قَدْ رَأيْتُ أنَّكم سَتَدْخُلُونَ المَسْجِدَ الحَرامَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكم ومُقَصِّرِينَ، فَلَمّا نَزَلَ بِالحُدَيْبِيَةِ، ولَمْ يَدْخُلْ ذَلِكَ العامَ، طَعَنَ المُنافِقُونَ في ذَلِكَ فَقالُوا: أيْنَ رُؤْياهُ؟ فَقالَ اللَّهُ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ﴾ الآيَةَ، إنِّي لَمْ أرَهُ يَدْخُلُها هَذا العامَ، ولَيَكُونَنَّ ذَلِكَ». و: الرُّؤْيا مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ: صَدَقَهُ في رُؤْياهُ. أيْ: حَقَّقَ صِدْقَها عِنْدَهُ، كَما هو عادَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولَمْ يَجْعَلْها أضْغاثَ أحْلامٍ. أوْ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، وهو ما قالَهُ الكِرْمانِيُّ، وعِبارَتُهُ: (كَذَبَ)، يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، يُقالُ: كَذَبَنِي الحَدِيثَ، وكَذا (صَدَقَ)، كَما في الآيَةِ. وهو غَرِيبٌ لِتَعَدِّي المُثَقَّلِ لِواحِدٍ، والمُخَفَّفِ لِمَفْعُولَيْنِ.

وقَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ حالٌ مِنَ الرُّؤْيا؛ أيْ: مُتَلَبِّسَةٌ بِالحَقِّ، لَيْسَتْ مِن قَبِيلِ أضْغاثِ الأحْلامِ.

وقَوْلُهُ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: واللَّهِ! لَتَدْخُلُنَّ.

(p-٥٤٢٧)وقَوْلُهُ: ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ تَعْلِيقٌ لِلْعِدَّةِ بِالمَشِيئَةِ، لِتَعْلِيمِ العِبادِ، أوْ لِلْإشْعارِ بِأنَّ بَعْضَهم لا يَدْخُلُ، فَهو في مَعْنى: لَيَدْخُلُنَّهُ مَن شاءَ اللَّهُ دُخُولَهُ مِنكم. أوْ حِكايَةٌ لِما قالَهُ مَلِكُ الرُّؤْيا، أوِ النَّبِيُّ ﷺ لِأصْحابِهِ.

وقَوْلُهُ: مُحَلِّقِينَ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، لِأنَّ الدُّخُولَ في حالِ الإحْرامِ، لا في حالِ الحَلْقِ والتَّقْصِيرِ. وفي الكَلامِ تَقْدِيرٌ، أوْ هو مِن نِسْبَةِ ما لِلْجُزْءِ إلى الكُلِّ. والمَعْنى: مُحَلِّقًا بَعْضُكُمْ، ومُقَصِّرًا آخَرُونَ. والقَرِينَةُ عَلَيْهِ: أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ الحَلْقُ والتَّقْصِيرُ، فَلا بُدَّ مِن نِسْبَةِ كُلٍّ مِنهُما لِبَعْضٍ مِنهم.

وثَبَتَ في الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ!» قالُوا: والمُقَصِّرِينَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ؟» قالُوا: والمُقَصِّرِينَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ!» قالُوا: والمُقَصِّرِينَ يا رَسُولَ اللَّهِ ! قالَ: «والمُقَصِّرِينَ!»»

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَخافُونَ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِقَوْلِهِ: " آمِنِينَ " أوْ مُؤَسِّسَةٌ، لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ لِلْحالِ والمُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ، فَيَكُونُ أثْبَتَ لَهُمُ الأمْنَ حالَ الدُّخُولِ. ونَفى عَنْهُمُ الخَوْفَ حالَ اسْتِقْرارِهِمْ في البَلَدِ، لا يَخافُونَ مِن أحَدٍ.

قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا كانَ في عُمْرَةِ القَضاءِ، في ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ، فَإنَّ «النَّبِيَّ ﷺ لَمّا رَجَعَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ في ذِي القِعْدَةِ، رَجَعَ إلى المَدِينَةِ، فَأقامَ بِها ذا الحِجَّةِ ومُحَرَّمَ، وخَرَجَ في صَفَرَ إلى خَيْبَرَ، فَفَتَحَها اللَّهُ عَلَيْهِ، بَعْضَها عَنْوَةً، وبَعْضَها صُلْحًا، وهي إقْلِيمٌ عَظِيمٌ، كَثِيرُ النَّخْلِ والزُّرُوعِ، فاسْتَخْدَمَ مَن فِيها مِنَ اليَهُودِ عَلَيْها، عَلى الشَّطْرِ، وقَسَمَها بَيْنَ أهْلِ الحُدَيْبِيَةِ وحْدَهُمْ، ولَمْ يَشْهَدْها أحَدٌ غَيْرُهُمْ، إلّا الَّذِينَ قَدِمُوا مِنَ الحَبَشَةِ: جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأصْحابُهُ، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وأصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ولَمْ يَغِبْ مِنهم أحَدٌ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إلّا أبا دُجانَةَ سِماكَ بْنَ خَرَشَةَ، كَما هو مُقَرَّرٌ في مَوْضِعِهِ. ثُمَّ رَجَعَ المَدِينَةَ، (p-٥٤٢٨)فَلَمّا كانَ في ذِي القِعْدَةِ مِن سَنَةِ سَبْعٍ، خَرَجَ ﷺ إلى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا، هو وأهْلُ الحُدَيْبِيَةِ، فَأحْرَمَ مِن ذِي الحُلَيْفَةِ، ساقَ مَعَهُ الهَدْيَ. قِيلَ: كانَ سِتِّينَ بَدَنَةً. فَلَبّى، وسارَ وأصْحابُهُ يُلَبُّونَ، قَرِيبًا مِن مَرِّ الظَّهْرانِ، بَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلَمَةَ بِالخَيْلِ والسِّلاحِ أمامَهُ، فَلَمّا رَآهُ المُشْرِكُونَ رَعَبُوا رُعْبًا شَدِيدًا، وظَنُّوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَغْزُوهُمْ، وأنَّهُ قَدْ نَكَثَ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَهم وبَيْنَهُ، مِن وضْعِ القِتالِ عَشْرَ سِنِينَ، فَذَهَبُوا فَأخْبَرُوا أهْلَ مَكَّةَ. فَلَمّا جاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَ بِمَرِّ الظَّهْرانِ، حَيْثُ يَنْظُرُ إلى أنْصابِ الحَرَمِ، بَعَثَ السِّلاحَ مِنَ القِسِيِّ، والنَّبْلِ، والرِّماحِ إلى بَطْنِ يَأْجُجَ، وسارَ بِالسُّيُوفِ إلى مَكَّةَ مُغْمَدَةً في قِرَبِها، كَما شارَطَهم عَلَيْهِ. فَلَمّا كانَ في أثْناءِ الطَّرِيقِ، بَعَثَتْ قُرَيْشٌ مِكْرَزَ بْنَ حَفْصٍ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ! ما عَرَفْناكَ تَنْقُضُ العَهْدَ! فَقالَ ﷺ: «وما ذاكَ؟» قالَ: دَخَلْتَ عَلَيْنا بِالسِّلاحِ، القِسِيِّ والرِّماحِ! فَقالَ ﷺ: «لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، وقَدْ بَعَثْنا بِهِ إلى يَأْجُجَ؟» فَقالَ: بِهَذا عَرَفْناكَ، بِالبَرِّ والوَفاءِ. وخَرَجَتْ رُؤُوسُ الكُفّارِ مِن مَكَّةَ، لِئَلّا يَنْظُرُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإلى أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، غَيْظًا وحَنَقًا. وأمّا بَقِيَّةُ أهْلِ مَكَّةَ مِنَ الرِّجالِ، والنِّساءِ، والوِلْدانِ فَجَلَسُوا في الطُّرُقِ، وعَلى البُيُوتِ، يَنْظُرُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأصْحابِهِ، فَدَخَلَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَيْنَ يَدَيْهِ أصْحابُهُ يُلَبُّونَ، والهَدْيُ قَدْ بَعَثَهُ إلى ذِي طِوى، وهو راكِبٌ ناقَتَهُ القَصْواءَ، الَّتِي كانَ راكِبَها يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ الأنْصارِيُّ آخِذٌ بِزِمامِ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو يَقُولُ:

؎بِاسْمِ الَّذِي لا دِينَ إلّا دِينُهُ بِاسْمِ الَّذِيِ مُحَمَّدٌ رَسُولُهُ

؎خَلُّوا بَنِي الكُفّارِ عَنْ سَبِيلِهِ

؎اليَوْمَ نَضْرِبُكم عَلى تَأْوِيلِهِ

؎كَما ضَرَبْناكم عَلى تَنْزِيلِهِ

؎ضَرْبًا يُزِيلُ الهامَ عَنْ مَقِيلِهِ

؎ويُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ

؎قَدْ أنْزَلَ الرَّحْمَنُ في تَنْزِيلِهِ

؎فِي صُحُفٍ تُتْلى عَلى رَسُولِهِ

؎بِأنَّ خَيْرَ القَتْلِ في سَبِيلِهِ

؎يا رَبِّ! إنِّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهِ

»

(p-٥٤٢٩)ورَوى الإمامُ أحْمَدُ مِن طَرِيقِ أبِي الطُّفَيْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرانِ في عُمْرَتِهِ، بَلَغَ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ قُرَيْشًا تَقُولُ: ما يَتَباعَثُونَ مِنَ العَجْفِ؟ فَقالَ أصْحابُهُ: لَوِ انْتَحَرْنا، مِن ظَهْرِنا، فَأكَلْنا مِن لَحْمِهِ، وحَسَوْنا مِن مَرَقِهِ، وأصْبَحْنا غَدًا حِينَ نَدْخُلُ عَلى القَوْمِ، وبِنا جَمامَةٌ. قالَ ﷺ: «لا تَفْعَلُوا، ولَكِنِ اجْمَعُوا لِي مِن أزْوادِكم» فَجَمَعُوا لَهُ، وبَسَطُوا الأنْطاعَ، فَأكَلُوا حَتّى تَوَلَّوْا، وحَثا كُلُّ واحِدٍ مِنهم في جِرابِهِ. ثُمَّ أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى دَخَلَ المَسْجِدَ، وقَعَدَتْ قُرَيْشٌ نَحْوَ الحِجْرِ فاضْطَبَعَ ﷺ بِرِدائِهِ، ثُمَّ قالَ: «لا يَرى القَوْمُ فِيكم غَمِيزَةً» فاسْتَلَمَ الرُّكْنَ، ثُمَّ دَخَلَ حَتّى إذا تَغَيَّبَ بِالرُّكْنِ اليَمانِيِّ مَشى إلى الرُّكْنِ الأسْوَدِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: ما يَرْضَوْنَ بِالمَشْيِ إنَّهم لَيَنْقُزُونَ نَقْزَ الظِّباءِ؟ فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثَةَ أطْوافٍ، فَكانَتْ سُنَّةً».

قالَ أبُو الطُّفَيْلِ: فَأخْبَرَنِي ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ في حَجَّةِ الوَداعِ. ورَوى أحْمَدُ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ مَكَّةَ، وقَدْ وهَنَتْهم حُمّى يَثْرِبَ، ولَقُوا مِنها سُوءًا، فَقالَ المُشْرِكُونَ: إنَّهُ يَقْدُمُ عَلَيْكم قَوْمٌ قَدْ وهَنَتْهم حُمّى يَثْرِبَ، ولَقُوا مِنها شَرًّا، وجَلَسَ المُشْرِكُونَ مِنَ النّاحِيَةِ الَّتِي تَلِي الحِجْرَ، فَأطْلَعَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ عَلى ما قالُوا، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَرْمُلُوا الأشْواطَ الثَّلاثَةَ، لِيَرى المُشْرِكُونَ جَلَدَهم. قالَ، فَرَمَلُوا ثَلاثَةَ أشْواطٍ، وأمَرَهم أنْ يَمْشُوا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، حَيْثُ لا يَراهُمُ المُشْرِكُونَ. وفي رِوايَةٍ: ولَمْ يَمْنَعِ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يَأْمُرَهم أنْ يَرْمُلُوا الأشْواطَ كُلَّها إلّا الإبْقاءُ عَلَيْهِمْ».

(p-٥٤٣٠)وفِي ابْنِ كَثِيرٍ زِيادَةٌ مِنَ الأحادِيثِ في هَذا البابِ، فَلْيُراجِعْها مَن أحَبَّ الزِّيادَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ أيْ: مِنَ الخِيَرَةِ، والمَصْلَحَةِ في صَرْفِكم عَنْ مَكَّةَ، ودُخُولِكم إلَيْها، عامَكم ذَلِكَ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وذَلِكَ عِلْمُهُ تَعالى ذِكْرُهُ بِما بِمَكَّةَ مِنَ الرِّجالِ، والنِّساءِ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَعْلَمْهُمُ المُؤْمِنُونَ، ولَوْ دَخَلُوها في ذَلِكَ العامِ لَوَطِئُوهم بِالخَيْلِ والرَّجْلِ، فَأصابَهم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَرَدَّهُمُ اللَّهُ عَنْ مَكَّةَ مِن أجْلِ ذَلِكَ. ولِيُدْخِلَ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يُرِيدُ أنْ يَهْدِيَهُ ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ أيْ: قَبْلَ دُخُولِكُمُ الَّذِي وُعِدْتُمْ بِهِ في رُؤْيا النَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ يَعْنِي الصُّلْحَ الَّذِي جَرى بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، أوْ فَتَحَ خَيْبَرَ، لِتَسْتَرْوِحَ إلَيْهِ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ، إلى أنْ يَتَيَسَّرَ الفَتْحُ المَوْعُودُ. وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ الزُّهْرِيُّ، قالَ: يَعْنِي صُلْحَ الحُدَيْبِيَةِ. وما فُتِحَ في الإسْلامِ فَتْحٌ كانَ أعْظَمَ مِنهُ، إنَّما كانَ القِتالُ حَيْثُ التَقى النّاسُ. فَلَمّا كانَتِ الهُدْنَةُ، وُضِعَتِ الحَرْبُ، وأمَّنَ النّاسُ كُلُّهم بَعْضُهم بَعْضًا، فالتَقَوْا، فَتَفاوَضُوا في الحَدِيثِ والمُنازَعَةِ، فَلَمْ يُكَلِّمْ أحَدٌ بِالإسْلامِ، يَعْقِلُ شَيْئًا، إلّا دَخَلَ فِيهِ. فَلَقَدْ دَخَلَ في تِينِكَ السَّنَتَيْنِ في الإسْلامِ مِثْلُ مَن كانَ في الإسْلامِ قَبْلَ ذَلِكَ وأكْثَرُ. ووافَقَهُ مُجاهِدٌ، وإلى الثّانِي ذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والصَّوابُ أنْ يَعُمَّ فَيُقالُ: جَعَلَ اللَّهُ مِن دُونِ ذَلِكَ كِلَيْهِما.

48:28Страница 514

هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا ٢٨

Он - Тот, Кто отправил Своего Посланника с верным руководством и религией истины, чтобы превознести ее над всеми остальными религиями. Довольно того, что Аллах является Свидетелем.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٨] ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ .

﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى﴾ أيِ: البَيانِ الواضِحِ: ﴿ودِينِ الحَقِّ﴾ أيِ: الإسْلامِ.

(p-٥٤٣١)وقالَ المَهايِمِيُّ: " بِالهُدى " أيِ: الدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ: " ودِينِ الحَقِّ " أيْ: الِاعْتِقاداتِ الصّائِبَةِ المُطابِقَةِ لِما هو الواقِعُ أشَدَّ مُطابَقَةً.

وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: بِالعِلْمِ النّافِعِ، والعَمَلِ الصّالِحِ، فَإنَّ الشَّرِيعَةَ تَشْتَمِلُ عَلى شَيْئَيْنِ: عِلْمٍ وعَمَلٍ. فالعِلْمُ الشَّرْعِيُّ صَحِيحٌ، والعَمَلُ الشَّرْعِيُّ مَقْبُولٌ، فَإخْباراتُها حَقٌّ، وإنْشاءاتُها عَدْلٌ ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ أيْ: لِيُعْلِيَهُ: ﴿عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لِيُبْطِلَ بِهِ المِلَلَ كُلَّها، حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ سِواهُ. وذَلِكَ حِينَ يَنْزِلُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، فَيَقْتُلُ الدَّجّالَ، فَحِينَئِذٍ تَبْطُلُ الأدْيانُ كُلُّها، غَيْرَ دِينِ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ، ويُظْهِرُ الإسْلامَ عَلى الأدْيانِ كُلِّها. انْتَهى.

وقالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: قَدْ أظْهَرَهُ اللَّهُ عِلْمًا، وحُجَّةً، وبَيانًا عَلى كُلِّ دِينٍ، كَما أظْهَرَهُ قُوَّةً ونَصْرًا وتَأْيِيدًا، وقَدِ امْتَلَأتِ الأرْضُ مِنهُ، ومِن أُمَّتِهِ في مَشارِقِ الأرْضِ، ومَغارِبِها، وسُلْطانُهم دائِمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُزِيلَهُ، كَما زالَ مُلْكُ اليَهُودِ، وزالَ مُلْكُ مَن بَعْدَهم عَنْ خِيارِ الأرْضِ، وأوْسَطِها. انْتَهى.

﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أيْ: عَلى أنَّ ما وعَدَهُ مِن إظْهارِ دِينِهِ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ، أوِ الفَتْحِ أوِ المَغانِمِ كائِنٌ. قالَ الحَسَنُ: شَهِدَ لَكَ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ سَيُظْهِرُ دِينَكَ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهَذا إعْلامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ، والَّذِينَ كَرِهُوا الصُّلْحَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ مِن أصْحابِهِ أنَّ اللَّهَ فاتِحٌ عَلَيْهِمْ مَكَّةَ، وغَيْرَها مِنَ البُلْدانِ، مُسَلِّيهِمْ بِذَلِكَ عَمّا نالَهم مِنَ الكَآبَةِ والحُزْنِ، بِانْصِرافِهِمْ عَنْ مَكَّةَ قَبْلَ دُخُولِها، وقَبْلَ طَوافِهِمْ بِالبَيْتِ.

48:29Страница 515

مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا ٢٩

Мухаммад - Посланник Аллаха. Те, которые вместе с ним, суровы к неверующим и милостивы между собой. Ты видишь, как они кланяются и падают ниц, стремясь к милости от Аллаха и довольству. Их признаком являются следы от земных поклонов на их лицах. Так они представлены в Таурате (Торе). В Инджиле (Евангелии) же они представлены посевом, на котором вырос росток. Он укрепил его, и тот стал толстым и выпрямился на своем стебле, восхищая сеятелей. Аллах привел эту притчу для того, чтобы привести ими в ярость неверующих. Аллах обещал тем из них, которые уверовали и совершали праведные деяния, прощение и великую награду.

(p-٥٤٣٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٩] ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهم تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ .

﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ أيْ: أصْحابُهُ: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: لَهم شِدَّةٌ وغِلْظَةٌ عَلى الكُفّارِ المُحارِبِينَ لَهُمُ، الصّادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وعِنْدَهم تَراحُمٌ فِيما بَيْنَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]

لَطائِفُ:

الأُولى:- جُوِّزَ فِي: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ أنْ يَكُونا مُبْتَدَأً وخَبَرًا، وأنْ يَكُونَ: " رَسُولُ اللَّهِ " صِفَةً، أوْ عَطْفَ بَيانٍ، أوْ بَدَلًا ﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ. وخَبَرُهُما: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ﴾

الثّانِيَةُ:- قالَ الشِّهابُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ تَكْمِيلٌ، لَوْ لَمْ يُذْكَرْ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّهم لِاعْتِيادِهِمُ الشِّدَّةَ عَلى الكُفّارِ قَدْ صارَ ذَلِكَ لَهم سَجِيَّةً في كُلِّ حالٍ، وعَلى كُلِّ أحَدٍ. فَلَمّا قِيلَ: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ انْدَفَعَ ذَلِكَ التَّوَهُّمُ، فَهو تَكْمِيلٌ واحْتِراسٌ، كَما في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، فَإنَّهُ لَمّا قِيلَ: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] رُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ مَفْهُومَ القَيْدِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وأنَّهم مَوْصُوفُونَ (p-٥٤٣٣)بِالذُّلِّ دائِمًا، وعِنْدَ كُلِّ أحَدٍ، فَدَفَعَ بِقَوْلِهِ: ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] فَهو كَقَوْلِهِ:

؎حَلِيمٌ إذا ما الحِلْمُ زَيَّنَ أهْلَهُ عَلىْ أنَّهُ عِنْدَ العَدُوِّ مَهِيبُ

الثّالِثَةُ:- قالَ المَهايِمِيُّ: تُفِيدُ الآيَةُ أنَّ دِينَ الحَقِّ قَدْ ظَهَرَ في أصْحابِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، إذِ اعْتَدَلَتْ قُوَّتُهُمُ الغَضَبِيَّةُ! بِتَبَعِيَّةِ اعْتِدالِ المُفَكِّرَةِ والشَّهَوِيَّةِ؛ إذْ هم أشِدّاءُ عَلى الكَفّارِ، لِرُسُوخِهِمْ في صِحَّةِ الِاعْتِقادِ، بِحَيْثُ يَغارُونَ عَلى مَن لَمْ يَصِحَّ اعْتِقادُهُ، ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ لِعَدَمِ مَيْلِهِمْ إلى الشَّهَواتِ. هَذا بِاعْتِبارِ الأخْلاقِ، وأمّا بِاعْتِبارِ الأعْمالِ، فَأنْتَ: ﴿تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وصَفَهم بِكَثْرَةِ العَمَلِ، وكَثْرَةِ الصَّلاةِ، وهي خَيْرُ الأعْمالِ. ووَصَفَهم بِالإخْلاصِ فِيها لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والِاحْتِسابِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى جَزِيلَ الثَّوابِ، وهو الجَنَّةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى فَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهو سَعَةُ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ ورِضاهُ تَعالى عَنْهُمْ! وهو أكْبَرُ مِنَ الأُولى، كَما قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] انْتَهى.

﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أيْ: عَلامَتُهم كائِنَةٌ فِيها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ بَيانٌ لِلسِّيما، كَأنَّهُ قِيلَ: سِيماهُمُ الَّتِي هي أثَرُ السُّجُودِ، أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في وُجُوهِهِمْ.

قالَ الشِّهابُ: وهي عَلى ما قَبْلَهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ تَقْدِيرُهُ: هي مِن أثَرِ السُّجُودِ. انْتَهى. وهَلِ الوُجُوهُ مَجازٌ عَنِ الذَّواتِ، أوْ حَقِيقَةٌ؟ في مَعْناها تَأْوِيلانِ لِلسَّلَفِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ﴾ يَعْنِي السَّمْتَ الحَسَنَ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُ واحِدٍ، يَعْنِي الخُشُوعَ والتَّواضُعَ. وقالَ مَنصُورٌ لِمُجاهِدٍ: ما كُنْتُ أراهُ إلّا هَذا الأثَرَ في الوَجْهِ، فَقالَ مُجاهِدٌ، رُبَّما كانَ بَيْنَ عَيْنَيْ مَن هو أقْسى قَلْبًا مِن فِرْعَوْنَ.

وقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: «مَن كَثُرَتْ صَلاتُهُ بِاللَّيْلِ، حَسُنَ وجْهُهُ بِالنَّهارِ» . وقَدْ رَفَعَهُ ابْنُ ماجَهْ. والصَّحِيحُ أنَّهُ مَوْقُوفٌ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ لِلْحَسَنَةِ لَنُورًا في القَلْبِ، (p-٥٤٣٤)وضِياءً في الوَجْهِ، وسِعَةً في الرِّزْقِ، ومَحَبَّةً في قُلُوبِ النّاسِ. وقالَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما أسَرَّ أحَدٌ سَرِيرَةً إلّا أبْداها اللَّهُ تَعالى عَلى صَفَحاتِ وجْهِهِ، وفَلَتاتِ لِسانِهِ.

ورَوى الطَّبَرانِيُّ مَرْفُوعًا: ««ما أسَرَّ أحَدٌ سَرِيرَةً إلّا ألْبَسَهُ اللَّهُ تَعالى رِداءَها، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ»» وإسْنادُهُ واهٍ؛ لِأنَّ فِيهِ العَزْرَمِيَّ وهو مَتْرُوكٌ.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لَوْ أنَّ أحَدَكم يَعْمَلُ في صَخْرَةٍ صَمّاءَ، لَيْسَ لَها بابٌ ولا كُوَّةٌ، لَخَرَجَ عَمَلُهُ لِلنّاسِ كائِنًا ما كانَ»» .

وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ الهُدى الصّالِحَ، والسَّمْتَ الصّالِحَ والِاقْتِصادَ، جُزْءٌ مِن خَمْسَةٍ وعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»» . ورَواهُ أبُو داوُدَ أيْضًا.

والتَّأْوِيلُ الثّانِي في الآيَةِ، أنَّ ذَلِكَ آثارٌ تُرى في الوَجْهِ مِن ثَرى الأرْضِ، أوْ نَدى الطَّهُورِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ. وقَدْ كانَ ذَلِكَ في العَهْدِ النَّبَوِيِّ، حَيْثُ لا فِراشَ لِلْمَسْجِدِ إلّا تُرابُهُ وحَصْباؤُهُ.

وكُلٌّ مِنَ المَعْنَيَيْنِ مِن (سِيماهُمْ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وأرْضاهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الوَصْفُ: ﴿مَثَلُهم في التَّوْراةِ﴾ أيْ: صِفَتُهُمُ العَجِيبَةُ فِيها: ﴿ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ﴾ أيْ: فِراخَهُ، أوْ سُنْبُلَهُ، أوْ نَباتَهُ: ﴿فَآزَرَهُ﴾ أيْ: قَوّاهُ: ﴿فاسْتَغْلَظَ﴾ أيْ: فَغَلِظَ الزَّرْعُ واشْتَدَّ. فالسِّينُ لِلْمُبالَغَةِ في الغِلَظِ، أوْ صارَ مِنَ الدِّقَّةِ إلى الغِلَظِ: ﴿فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾ أيِ: اسْتَقامَ عَلى قَصَبِهِ. و(السُّوقُ) جَمْعُ ساقٍ: ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ أيْ: يُعْجِبُ هَذا الزَّرْعُ الَّذِي اسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ في تَمامِهِ، وحُسْنِ نَباتِهِ، وبُلُوغِهِ وانْتِهائِهِ، الَّذِينَ زَرَعُوهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ تَشْبِيهُهم بِالزَّرْعِ مِن نَمائِهِمْ وقُوَّتِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما قَوّاهم وكَثَّرَهم لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ.

(p-٥٤٣٥)لَطائِفُ:

الأُولى:ـ يَجُوزُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ﴾ وجْهانِ:

أحَدُهُما:- أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: ﴿كَزَرْعٍ﴾ فَيُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: " في التَّوْراةِ " فَهُما مَثَلانِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي:- أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى: " مَثَلُهُمُ " الأوَّلِ، فَيَكُونُ مَثَلًا واحِدًا في الكِتابَيْنِ، ويُوقَفُ حِينَئِذٍ عَلى: في الإنْجِيلِ، وإلَيْهِ نَحا مُجاهِدٌ والفَرّاءُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿كَزَرْعٍ﴾ في هَذا فِيهِ أوْجُهٌ:

أحَدُهُما:- أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ. أيْ: مَثَلُهم كَزَرْعٍ، فُسِّرَ بِهِ المَثَلُ المَذْكُورُ في الإنْجِيلِ.

الثّانِي:- أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي: " مَثَلُهم " أيْ: مُماثِلِينَ زَرْعًا هَذِهِ صِفَتُهُ.

الثّالِثُ:- أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تَمْثِيلًا كَزَرْعٍ -ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ-.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: " ذَلِكَ " إشارَةً مُبْهَمَةً أُوضِحَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿كَزَرْعٍ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ﴾ [الحجر: ٦٦] -أفادَهُ السَّمِينُ-.

الثّانِيَةُ:- قالَ السَّمِينُ: الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ فِي: ﴿فَآزَرَهُ﴾ لِلزَّرْعِ، والبارِزُ لِلشَّطْءِ. وعَكَسَ النَّسَفِيُّ، فَجَعَلَ المُسْتَتِرَ لِلشَّطِّ، والبارِزَ لِلزَّرْعِ. أيْ: فَقَوِيَ الشَّطْءُ بِكَثافَةِ الزَّرْعِ، وكَثافَتُهُ كَثْرَةُ فُرُوعِهِ وأوْراقِهِ. قالَ الجَمَلُ: وما صَنَعَهُ النَّسَفِيُّ أنْسَبُ؛ فَإنَّ العادَةَ أنَّ الأصْلَ يَتَقَوّى بِفُرُوعِهِ، فَهي تُعِينُهُ وتُقَوِّيهِ.

الثّالِثَةُ:- قالَ السَّمِينُ: ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ حالٌ. أيْ: حالَ كَوْنِهِ مُعْجِبًا، وهُنا تَمَّ المَثَلُ.

الرّابِعَةُ:- قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِبَدْءِ أمْرِ الإسْلامِ، وتَرَقِّيهِ في الزِّيادَةِ، إلى أنْ قَوِيَ واسْتَحْكَمَ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قامَ وحْدَهُ، ثُمَّ قَوّاهُ اللَّهُ بِمَن آمَنَ مَعَهُ، كَما يُقَوِّي الطّاقَةَ الأُولى مِنَ الزَّرْعِ، ما يَحْتَفُ بِها مِمّا يَتَوَلَّدُ مِنها حَتّى يُعْجِبَ الزُّرّاعَ. (p-٥٤٣٦)وهَذا ما قالَهُ البَغَوِيُّ مِن أنَّ (الزَّرْعَ): مُحَمَّدٌ، و(الشَّطْءَ): أصْحابُهُ والمُؤْمِنُونَ، فَجَعَلا التَّمْثِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأُمَّتِهِ.

وأمّا القاضِي فَجَعَلَهُ مِثالًا لِلصَّحابَةِ فَقَطْ. وعِبارَتُهُ: وهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلصَّحابَةِ، قَلُّوا في بَدْءِ الإسْلامِ، ثُمَّ كَثُرُوا واسْتَحْكَمُوا، فَتَرَقّى أمْرُهُمْ، بِحَيْثُ أعْجَبَ النّاسَ.

قالَ الشِّهابُ: ولِكُلٍّ وُجْهَةٌ.

الخامِسَةُ:- قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: مِن هَذِهِ الآيَةِ انْتَزَعَ الإمامُ مالِكٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، في رِوايَةٍ عَنْهُ، تَكْفِيرَ الرَّوافِضِ الَّذِينَ يَبْغَضُونَ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. قالَ: لِأنَّهم يَغِيظُونَهُمْ، ومَن غاظَ الصَّحابَةَ، فَهو كافِرٌ لِهَذِهِ الآيَةِ. ووافَقَهُ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى ذَلِكَ -انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ -.

ولا يَخْفاكَ أنَّ هَذا خِلافُ ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ مِن أنَّهُ لا يَكْفُرُ أحَدٌ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، كَما بُسِطَ في كِتابِ العَقائِدِ، وأوْضَحَهُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ (مُقَدِّمَةِ مُسْلِمٍ )، وقَبْلَهُ الإمامُ الغَزالِيُّ في كِتابِهِ (فَيْصَلُ التَّفْرِقَةِ). وقَدْ كانَ مِن جُمْلَةِ البَلاءِ في القُرُونِ الوُسْطى التَّسَرُّعُ مِنَ الفُقَهاءِ بِالتَّكْفِيرِ والزَّنْدَقَةِ. وكَمْ أُرِيقَتْ دِماءٌ في سَبِيلِ التَّعَصُّبِ لِذَلِكَ، كَما يَمُرُّ كَثِيرٌ مِنهم بِقارِئِ التّارِيخِ. عَلى أنَّ كَلِمَةَ الأُصُولِيِّينَ اتَّفَقَتْ عَلى أنَّ المُجْتَهِدَ كَيْفَما كانَ، مَأْجُورٌ غَيْرُ مَأْزُورٍ، ناهِيكَ بِمَسْألَةِ عَدالَتِهِمُ المُتَعَدِّدَةِ أقْوالُها، حَتّى في أصْغَرِ كِتابٍ في الأُصُولِ كَمَثَلِ (جَمْعِ الجَوامِعِ). نَعَمْ، إنَّ التَّطَرُّفَ والغُلُوَّ في المَباحِثِ لَيْسَ مِن شَأْنِ الحُكَماءِ المُنْصِفِينَ. وإذا اشْتَدَّ البَياضُ صارَ بَرَصًا.

﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَقُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ: ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً﴾ أيْ: عَفْوًا عَمّا مَضى مِن ذُنُوبِهِمْ، وسَيِّئِ أعْمالِهِمْ بِحُسْنِها ﴿وأجْرًا عَظِيمًا﴾ أيْ: ثَوابًا جَزِيلًا، وهو الجَنَّةُ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English