Аль-Касими · Тафсир · на арабском
Аль-Маида 5:73–78
5:73Страница 120
لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٣
Не уверовали те, которые говорят: «Аллах является третьим в троице». Нет божества, кроме Единственного Бога! Если они не отрекутся от того, что говорят, то неверующих из их числа коснутся мучительные страдания.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٣] ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وما مِن إلَهٍ إلا إلَهٌ واحِدٌ وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ أيْ: أحَدُ ثَلاثَةِ آلِهَةٍ، بِمَعْنًى واحِدٍ مِنها، وهُمُ اللَّهُ ومَرْيَمُ وعِيسى.
وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَتْ فِرْقَةٌ مِنهم تُسَمّى (كُولِي رِي دِينِسْ) تَقُولُ: الآلِهَةُ ثَلاثَةٌ: الأبُ والِابْنُ ومَرْيَمُ.
وجاءَ في كِتابِ "عِلْمُ اليَقِينِ": أنَّ فِرْقَةَ مِنهم تُسَمّى (المَرْيَمِيِّينَ) قالَ: يَعْتَقِدُونَ أنَّ المَرْيَمَ والمَسِيحَ إلَهانِ. قالَ: وكَذَلِكَ البَرْبِرانِيُّونَ وغَيْرُهم. انْتَهى.
وأسْلَفْنا عَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّ نَصارى نَجْرانَ، مِنهم مَن قالَ بِهَذا أيْضًا.
أوِ المَعْنى: أحَدُ ثَلاثَةِ أقانِيمَ كَما اشْتُهِرَ عَنْهم. أيْ: هو جَوْهَرٌ واحِدٌ، ثَلاثَةُ أقانِيمَ: أبٌ وابْنٌ ورُوحُ القُدُسِ. وزَعَمُوا، أنَّ الأبَ إلَهٌ والِابْنَ إلَهٌ والرُّوحَ إلَهٌ والكُلَّ إلَهٌ واحِدٌ. كَما قَدَّمْنا عَنْهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١]
قالَ الرّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: واعْلَمْ أنَّ هَذا مَعْلُومُ البُطْلانِ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ؛ فَإنَّ الثَّلاثَةَ لا تَكُونُ واحِدًا، والواحِدُ لا يَكُونُ ثَلاثَةً. ولا يُرى في الدُّنْيا مُقالَةً أشَدَّ فَسادًا وأظْهَرَ بُطْلانًا مِن مَقالَةِ النَّصارى. انْتَهى.
وقَدْ صَنَّفْتُ عِدَّةَ مُصَنَّفاتٍ في تَزْيِيفِ مُعْتَقَدِهِمْ هَذا، وهي شَهِيرَةٌ مُتَداوَلَةٌ، والحَمْدُ لِلَّهِ.
لَطِيفَةٌ:
اتَّفَقَ النُّحاةُ واللُّغَوِيُّونَ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِمْ (ثالِثُ ثَلاثَةٍ ورابِعُ أرْبَعَةٍ) ونَحْوَ ذَلِكَ أحَدُ هَذِهِ الأعْدادِ مُطْلَقًا. لا الوَصْفُ بِالثّالِثِ والرّابِعِ.
(p-٢٠٩٩)وفِي "التَّوْضِيحِ وشَرْحِهِ": لَكَ في اسْمِ الفاعِلِ المَصُوغِ مِن لَفْظِ اثْنَيْنِ وعَشَرَةٍ وما بَيْنَهُما أنْ تَسْتَعْمِلَهُ عَلى سَبْعَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: - أنْ تَسْتَعْمِلَهُ مُفْرَدًا عَنِ الإضافَةِ، لِيُفِيدَ الِاتِّصافَ بِمَعْناهُ. فَتَقُولُ: ثالِثٌ ورابِعٌ. ومَعْناهُ حِينَئِذٍ واحِدٌ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وهي كَوْنُهُ ثالِثًا ورابِعًا.
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَسْتَعْمِلَهُ مَعَ أصْلِهِ الَّذِي صِيغَ هو مِنهُ، لِيُفِيدَ أنَّ المَوْصُوفَ بِهِ بَعْضُ تِلْكَ العِدَّةِ المُعَيَّنَةِ لا غَيْرَ. فَتَقُولُ: خامِسُ خَمْسَةٍ أيْ: واحِدٌ مِن خَمْسَةٍ لا زائِدٌ عَلَيْها، ويَجِبُ حِينَئِذٍ إضافَتُهُ إلى أصْلِهِ. كَما يَجِبُ إضافَةُ البَعْضِ إلى كُلِّهِ. كَ: يَدُ زَيْدٍ، قالَ تَعالى: ﴿إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠] وقالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ وزَعَمَ الأخْفَشُ وقُطْرُبٌ والكِسائِيُّ وثَعْلَبٌ أنَّهُ يَجُوزُ إضافَةُ الأوَّلِ إلى الثّانِي، ونَصْبُهُ إيّاهُ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ بِجَرِّ (ثَلاثَةٍ) ونَصْبِها. كَما يَجُوزُ في (ضارِبُ زَيْدٍ).
الوَجْهُ الثّالِثُ: - أنْ تَسْتَعْمِلَهُ مَعَ ما دُونَ أصْلِهِ الَّذِي صِيغَ مِنهُ بِمَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، لِيُفِيدَ مَعْنى التَّصْيِيرِ، فَتَقُولُ: هَذا رابِعُ ثَلاثَةٍ؛ أيْ: جاعِلُ الثَّلاثَةِ بِنَفْسِهِ أرْبَعَةً، قالَ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلا هو سادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] أيْ: إلّا هو (p-٢١٠٠)مُصَيِّرُهم أرْبَعَةً ومُصَيِّرُهم سِتَّةً. ويَجُوزُ حِينَئِذٍ إضافَتُهُ وإعْمالُهُ، كَما يَجُوزُ الوَجْهانِ في جاعِلٍ ومُصَيِّرٍ ونَحْوِهِما.
وانْظُرْ تَتِمَّةَ الأوْجُهِ.
وبِما ذَكَرْناهُ يُعْلَمُ رَدُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجامِيُّ في "شَرْحِ الكافِيَةِ" مِنَ اعْتِبارِ الصِّفَةِ في نَحْوِ (ثالِثُ ثالِثَةٍ) حَيْثُ قالَ في شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الحاجِبِ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ أيْ: أحَدُها. لَكِنْ لا مُطْلَقًا بَلْ بِاعْتِبارِ وُقُوعِهِ في المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ. قالَ: وإلّا يَلْزَمُ جَوازُ إرادَةِ الواحِدِ الأوَّلِ مِن عاشِرِ العَشْرَةِ وذَلِكَ مُسْتَبْعَدٌ جِدًّا. انْتَهى.
فَكَتَبَ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ ما نَصُّهُ: الظّاهِرُ مِن عِبارَةِ (التَّوْضِيحِ) ومِن كَلامِ المُصَنِّفِ أنَّهُ لا يُعْتَبَرُ الوُقُوعُ في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ أوِ الثّالِثَةِ وهَكَذا.. إذْ يَبْعُدُ في الآيَتَيْنِ كَوْنُ المُرادِ بِ (ثانِي اثْنَيْنِ وثالِثِ ثَلاثَةٍ) كَوْنَهُ في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ أوِ الثّالِثَةِ بَلِ المُرادُ أنَّهُ بَعْضُ تِلْكَ العِدَّةِ، بِلا نَظَرٍ لِكَوْنِهِ في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ. إلّا أنْ يَكُونَ هَذا بِاعْتِبارِ الوَضْعِ، وإنْ كانَ الِاسْتِعْمالُ بِخِلافِهِ. ولِذا كَتَبَ العَلّامَةُ عَبْدُ الحَكِيمِ عَلى قَوْلِهِ (وذَلِكَ مُسْتَبْعَدٌ جِدًّا) أيْ: عِنْدَ العَقْلِ، وإلّا فالِاسْتِعْمالُ بِخِلافِهِ. انْتَهى.
وما مِن إلَهٍ في نَصِّ الإنْجِيلِ والتَّوْراةِ وجَمِيعِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ ودَلائِلِ العَقْلِ: إلّا إلَهٌ واحِدٌ لا يَتَعَدَّدُ أفْرادًا ولا أجْزاءً: وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ مِن هَذا الِافْتِراءِ والكَذِبِ، بَعْدَ ظُهُورِ الدَّلالَةِ القَطْعِيَّةِ، مُتَمَسِّكِينَ بِمُتَشابِهاتِ الإنْجِيلِ الَّتِي أوْضَحَتْها مُحْكَماتُهُ: ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في الآخِرَةِ. مِن عَذابِ الحَرِيقِ والأغْلالِ والنَّكالِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَمْ يَقُلْ: (لَيَمَسَّنَّهُمْ) لِأنَّ في إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ فائِدَةً. وهي تَكْرِيرُ الشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا﴾ وفي البَيانِ فائِدَةٌ أُخْرى وهي الإعْلامُ في تَفْسِيرِ: الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم أنَّهم بِمَكانٍ مِنَ الكُفْرِ.
5:74Страница 120
أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٤
Неужели они не раскаются перед Аллахом и не попросят у Него прощения? Ведь Аллах - Прощающий, Милосердный.
(p-٢١٠١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٤] ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ بِالتَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ الِاتِّحادِ والحُلُولِ، فَيَرْجِعُوا عَنِ التَّمَسُّكِ بِالمُتَشابِهاتِ إلى القَطْعِيّاتِ، فالِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِبْعادِهِ، فِيهِ تَعْجِيبٌ مِن إصْرارِهِمْ. ومَدارُ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ عَدَمُ الِانْتِهاءِ والتَّوْبَةِ مَعًا. أوْ مَعْناهُ: ألا يَتُوبُونَ - بَعْدَ هَذِهِ الشَّهادَةِ المُكَرَّرَةِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ وهَذا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ - مِمّا هم عَلَيْهِ. فَمَدارُهُما عَدَمُ التَّوْبَةِ عَقِبَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُها مِن سَماعِ تِلْكَ القَوارِعِ الهائِلَةِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا مِن كَرَمِهِ تَعالى وجُودِهِ ولُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ. مَعَ هَذا الذَّنْبِ العَظِيمِ، وهَذا الِافْتِراءِ والكَذِبِ والإفْكِ، يَدْعُوهم إلى التَّوْبَةِ والمَغْفِرَةِ. فَكُلُّ مَن تابَ إلَيْهِ تابَ عَلَيْهِ. كَما قالَ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَيَغْفِرُ لِهَؤُلاءِ إنْ تابُوا، ولِغَيْرِهِمْ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ مِن فاعِلِ: يَسْتَغْفِرُونَهُ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ مِن إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ وعَدَمِ مُسارَعَتِهِمْ إلى الِاسْتِغْفارِ. أيْ: والحالُ أنَّهُ تَعالى مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ. فَيَغْفِرُ لَهم عِنْدَ اسْتِغْفارِهِمْ، ويَمْنَحُهم مِن فَضْلِهِ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى بُطْلانِ التَّمَسُّكِ بِمُعْجِزاتِ عِيسى وكَراماتِ أُمِّهِ عَلى إلَهِيَّتِهِما. بِأنَّ غايَتَهُما الدَّلالَةُ عَلى نُبُوَّتِهِ ووِلايَتِها، اسْتِنْزالًا لَهم عَنِ الإصْرارِ عَلى ما تَقَوَّلُوا عَلَيْهِما، وإرْشادًا لَهم إلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ فَقالَ:
5:75Страница 120
مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٧٥
Мессия, сын Марьям (Марии), был всего лишь посланником. До него тоже были посланники, а его мать была правдивейшей женщиной. Оба они принимали пищу. Посмотри, как Мы разъясняем им знамения. А затем посмотри, до чего они отвращены от истины.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٥] ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾
﴿ما المَسِيحُ﴾ أيِ: المَعْلُومُ حُدُوثُهُ مِن كَوْنِهِ: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ بِالخَوارِقِ الظّاهِرَةِ عَلى (p-٢١٠٢)يَدَيْهِ. ﴿إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ﴾ أيْ: مَضَتْ: ﴿مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أُولُو الخَوارِقِ الباهِرَةِ. فَلَهُ أُسْوَةٌ أمْثالُهُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] أيْ: ما هو إلّا رَسُولٌ مِن جِنْسِ الرُّسُلِ الَّذِينَ خَلَوْا قَبْلَهُ، جاءَ بِآياتٍ مِنَ اللَّهِ كَما أتَوْا بِأمْثالِها. إنْ أبْرَأ اللَّهُ الأبْرَصَ وأحْيا المَوْتى عَلى يَدِهِ، فَقَدْ أحْيا العَصا وجَعَلَها حَيَّةً تَسْعى وفَلَقَ بِها البَحْرَ عَلى يَدِ مُوسى. وهو أعْجَبُ. وإنْ خَلَقَهُ مِن غَيْرِ أبٍ فَقَدْ خَلَقَ آدَمَ مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ. وهو أغْرَبُ مِنهُ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ: أيْ: مَضَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ، فَهو يَمْضِي مِثْلَهم. فالجُمْلَةُ - عَلى كُلٍّ - مُنْبِئَةٌ عَنِ اتِّصافِهِ بِما يُنافِي الأُلُوهِيَّةَ: ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أيْ: مُبالِغَةٌ في الصِّدْقِ. ووَقَعَ اسْمُ الصِّدِّيقَةِ عَلَيْها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢] والوَصْفُ بِذَلِكَ مُشْعِرٌ بِالإغْراقِ في العُبُودِيَّةِ والقِيامِ بِمَراسِمِها. فَمَن أيْنَ لَهم أنْ يَصِفُوها بِما يُبايِنُ وصْفَها؟
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ:
دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَرْيَمَ لَيْسَتْ بِنَبِيَّةٍ. كَما زَعَمَهُ ابْنُ حَزْمٍ وغَيْرُهُ - مِمَّنْ ذَهَبَ إلى نُبُوَّةِ سارَّةَ أُمِّ إسْحاقَ ونُبُوَّةِ أُمِّ مُوسى ونُبُوَّةِ أُمِّ عِيسى - اسْتِدْلالًا مِنهم بِخِطابِ المَلائِكَةِ لِسارَّةَ ومَرْيَمَ وبِقَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] وهَذا مَعْنى النُّبُوَّةِ. والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إلّا مِنَ الرِّجالِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ [يوسف: ١٠٩] وقَدْ حَكى الشَّيْخُ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، الإجْماعَ عَلى ذَلِكَ. انْتَهى.
(p-٢١٠٣)فائِدَةٌ (فِي حَقِيقَةِ الصِّدِّيقِ والصِّدْقِ):
قالَ العارِفُ القاشانِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ في "لَطائِفِ الأعْلامِ":
الصِّدِّيقُ الكَثِيرُ الصِّدْقِ. كَما يُقالُ: سِكِّيتٌ وصِرِّيعٌ إذا كَثُرَ مِنهُ ذَلِكَ.
الصِّدِّيقُ مِنَ النّاسِ مَن كانَ كامِلًا في تَصْدِيقِهِ لِما جاءَتْ بِهِ رُسُلُ اللَّهِ عِلْمًا وعَمَلًا، قَوْلًا وفِعْلًا ولَيْسَ يَعْلُو عَلى مَقامِ الصِّدِّيقِيَّةِ إلّا مَقامُ النُّبُوَّةِ. بِحَيْثُ إنَّ مَن تَخَطّى مَقامَ الصِّدِّيقِيَّةِ حَصَلَ في مَقامِ النُّبُوَّةِ. قالَ اللَّهُ تَعالى:﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [مريم: ٥٨] الآيَةَ. فَلَمْ يَجْعَلْ تَعالى بَيْنَ مَرْتَبَتَيِ النُّبُوَّةِ والصِّدِّيقِيَّةِ مَرْتَبَةٌ أُخْرى تَتَخَلَّلُهُما. ثُمَّ بَيَّنَ قُدِّسَ سِرُّهُ صِدْقَ الأقْوالِ، وصِدْقَ الأفْعالِ، وصِدْقَ الأحْوالِ.
فالأوَّلُ: هو مُوافَقَةُ الضَّمِيرِ لِلنُّطْقِ. قالَ الجُنَيْدُ: حَقِيقَةُ الصِّدْقِ أنْ تَصْدُقَ في مُواطِنَ لا يُنْجِيكَ فِيهِ إلّا الكَذِبُ. وصِدْقُ الأفْعالِ: هو الوَفاءُ لِلَّهِ بِالعَمَلِ مِن غَيْرِ مُداهَنَةٍ. قالَ المُحاسَبِيُّ: الصّادِقُ هو الَّذِي لا يُبالِي لَوْ خَرَجَ كُلُّ قَدْرٍ لَهُ في قُلُوبِ الخَلْقِ مِن أجْلِ إصْلاحِ قَلْبِهِ. ولا يُحِبُّ اطِّلاعَ النّاسِ عَلى مَثاقِيلِ الذَّرِّ مِن حُسْنِ عَمَلِهِ. ولا يَكْرَهُ أنْ يَطَّلِعَ النّاسُ عَلى السَّيِّئِ مِن حالِهِ؛ لِأنَّ كَراهَتَهُ لِذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجِبُ الزِّيادَةَ عِنْدَهم. ولَيْسَ هَذا مِن أخْلاقِ الصِّدِّيقِينَ.
وصِدْقُ الأحْوالِ: اجْتِماعُ الهَمِّ عَلى الحَقِّ، بِحَيْثُ لا يَخْتَلِجُ في القَلْبِ بِفُرْقَةٍ عَنِ الحَقِّ بِوَجْهٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِما قَبْلَهُ مِن أنَّهُما كَسائِرِ البَشَرِ في الِافْتِقارِ إلى الغِذاءِ. وفِيهِ تَبْعِيدٌ عَمّا نُسِبَ إلَيْهِما.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ مَنِ احْتاجَ إلى الِاغْتِذاءِ بِالطَّعامِ، وما يَتْبَعُهُ مِنَ الهَضْمِ والنَّفْضِ، لَمْ يَكُنْ إلّا جِسْمًا مُرَكَّبًا مِن عَظْمٍ ولَحْمٍ وعُرُوقٍ وأعْصابٍ وأخْلاطٍ وأمْزِجَةٍ، مَعَ شَهْوَةٍ وقَرَمٍ وغَيْرِ ذَلِكَ... مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَصْنُوعٌ مُؤَلَّفٌ مُدَبَّرٌ كَغَيْرِهِ مِنَ الأجْسامِ.
(p-٢١٠٤)لَطِيفَةٌ:
إنَّما أُخِّرَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ النَّصارى، حاجَتُهُما لِلطَّعامِ عَمّا قَبْلَهُ مِن مُساواتِهِما لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، تَرَقِّيًا في بابِ الِاسْتِدْلالِ مِنَ الجَلِيِّ لِلْأجْلى، عَلى ما هو القاعِدَةُ في سَوْقِ البَراهِينِ لِإلْزامِ الخَصْمِ، حَتّى إذا لَمْ يَسْلَمْ في الجَلِيِّ لِغُمُوضِهِ عَلَيْهِ، يُورِدُ لَهُ الأجْلى تَعْرِيضًا بِغَباوَتِهِ. فَيُضْطَرُّ لِلتَّسْلِيمِ، إنْ لَمْ يَكُنْ مُعانِدًا ولا مُكابِرًا.
هَذا ما ظَهَرَ لِي في سِرِّ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ.
وأمّا قَوْلُ الخَفاجِيِّ - مُلَخِّصًا كَلامَ البَيْضاوِيِّ - في سِرِّ ذَلِكَ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أوَّلًا أقْصى مَراتِبِ كَمالِهِما، وأنَّهُ لا يَقْتَضِي الأُلُوهِيَّةَ، وقَدَّمَهُ لِئَلّا يُواجِهَهُما بِذِكْرِ نَقائِصِ البَشَرِيَّةِ المُوجِبَةِ لِبُطْلانِ ما ادَّعَوْا فِيهِما، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] حَيْثُ قَدَّمَ العَفْوَ عَلى المُعاتَبَةِ لَهُ ﷺ. انْتَهى - فَبَعِيدٌ.
وقِياسُهُ عَلى الآيَةِ قِياسٌ مَعَ الفارِقِ لِاخْتِلافِ المَقامَيْنِ. فالأظْهَرُ ما ذَكَرْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ.
﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ﴾ أيْ: عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وبُطْلانِ الِاتِّحادِ وإلَهِيَّةِ عِيسى وأُمِّهِ، وبُطْلانِ شُبُهاتِهِمْ!: ﴿ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ التَّأمُّلِ فِيها إلى الإصْرارِ عَلى التَّمَسُّكِ بِالشُّبُهاتِ الظّاهِرَةِ البُطْلانِ!
قالَ أبُو السُّعُودِ: وتَكْرِيرُ الأمْرِ بِالنَّظَرِ، لِلْمُبالَغَةِ في التَّعْجِيبِ مِن حالِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ لَهُما الرُّبُوبِيَّةَ، ولا يَرْعَوُونَ عَنْ ذَلِكَ، بَعْدَ ما بَيَّنَ لَهم حَقِيقَةُ حالِهِما بَيانًا لا يَحُومُ حَوْلَهُ شائِبَةُ رَيْبٍ، وثُمَّ لِإظْهارِ ما بَيْنَ العَجَبَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ. أيْ: إنَّ بَيانَنا لِلْآياتِ أمْرٌ بَدِيعٌ في بابِهِ، بالِغٌ لِأقاصِي الغاياتِ القاصِيَةِ مِنَ التَّحْقِيقِ والإيضاحِ. وإعْراضُهم عَنْها - مَعَ انْتِفاءِ ما يُصَحِّحُهُ بِالمَرَّةِ، وتَعاضُدِ ما يُوجِبُ قَبُولَها - أعْجَبُ وأبْدَعُ.
5:76Страница 120
قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٧٦
Скажи: «Неужели вы станете поклоняться вместо Аллаха тому, что не властно принести вам ни вреда, ни пользы? Это Аллах является Слышащим, Знающим!».
(p-٢١٠٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٦] ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ هَذا دَلِيلٌ آخَرُ عَلى فَسادِ قَوْلِ النَّصارى، والمَوْصُولِ كِنايَةً عَنْ عِيسى وأُمِّهِ، أيْ: لا يَسْتَطِيعانِ أنْ يَضُرّاكم بِمِثْلِ ما يَضُرُّكم بِهِ اللَّهُ مِنَ البَلايا والمَصائِبِ في الأنْفُسِ والأمْوالِ. ولا أنْ يَنْفَعاكم بِمِثْلِ ما يَنْفَعُكم بِهِ مِن صِحَّةِ البَدَنِ والسِّعَةِ والخِصْبِ. ولِأنَّ كُلَّ ما يَسْتَطِيعُهُ البِشْرُ مِنَ المَضارِّ والمَنافِعِ، فَبِإقْدارِ اللَّهِ وتَمْكِينِهِ، فَكَأنَّهُما لا يَمْلِكانِ مِنهُ شَيْئًا. وإيثارُ (ما) عَلى (مَن) لِتَحْقِيقِ ما هو المُرادُ مِن كَوْنِهِما بِمَعْزِلٍ مِنَ الأُلُوهِيَّةِ رَأْسًا. بِبَيانِ انْتِظامِهِما في سِلْكِ الأشْياءِ الَّتِي لا قُدْرَةَ لَها عَلى شَيْءٍ أصْلًا؛ أيْ: وصِفَةُ الرَّبِّ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا يَخْرُجُ مَقْدُورٌ عَنْ قُدْرَتِهِ. وإنَّما قَدَّمَ (الضُّرَّ) لِأنَّ التَّحَرُّزَ عَنْهُ أهَمُّ مِن تَحَرِّي النَّفْعِ ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ بِالأقْوالِ والعَقائِدِ. فَيُجازِي عَلَيْها إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ، فَهو وعْدٌ ووَعِيدٌ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: جَعَلَ ابْنُ كَثِيرٍ الخِطابَ في قَوْلِهِ تَعالى: أتَعْبُدُونَ عامًّا لِلنَّصارى وغَيْرِهِمْ، أيْ: قُلْ لِهَؤُلاءِ العابِدِينَ غَيْرَ اللَّهِ مِن سائِرِ فِرَقِ بَنِي آدَمَ.
وفِي "تَنْوِيرِ المِقْباسِ" أنَّ (ما) عِبارَةٌ عَنِ الأصْنامِ خاصَّةً.
وكِلاهُما مِمّا يَأْباهُ السِّباقُ والسِّياقُ.
الثّانِي: قالَ في "فَتْحِ البَيانِ": إذا كانَ هَذا في حَقِّ عِيسى النَّبِيِّ، فَما ظَنُّكَ بِوَلِيٍّ مِنَ الأوْلِياءِ؟ فَإنَّهُ أوْلى بِذَلِكَ.
الثّالِثُ: جَعَلَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ (ما) كِنايَةً عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَطْ، والمَقامُ أنَّها كِنايَةٌ عَنْهُ وعَنْ أُمِّهِ عَلَيْهِما السَّلامُ، كَما أوْضَحَهُ المَهايِمِيُّ واعْتَمَدْناهُ.
(p-٢١٠٦)الرّابِعُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ الحِجاجِ في الدِّينِ؛ فَإنْ كانَ مَعَ الكُفّارِ وأهْلِ البِدَعِ، فَذَلِكَ ظاهِرُ الجَوازِ؛ وإنْ كانَ مَعَ المُؤْمِنِ جازَ بِشَرْطِ أنْ يُقْصَدَ إرْشادُهُ إلى الحَقِّ، لا إنْ قَصَدَ العُلُوَّ فَمَحْظُورٌ. وحُكِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ كانَ إذا جادَلَ أحَدًا قالَ: اللَّهُمَّ ألْقِ الحَقَّ عَلى لِسانِهِ. أفادَهُ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ.
ولَمّا أقامَ تَعالى الأدِلَّةَ القاهِرَةَ عَلى بُطْلانِ ما تَقُولَهُ النَّصارى، أرْشَدَهم إلى اتِّباعِ الحَقِّ ومُجانَبَةِ الغُلُوِّ الباطِلِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
5:77Страница 121
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٧٧
Скажи: «О люди Писания! Не проявляйте чрезмерности в вашей религии вопреки истине и не потакайте желаниям людей, которые еще раньше впали в заблуждение, ввели в заблуждение многих других и сбились с прямого пути».
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٧] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ أيِ: الَّذِي هو مِيزانُ العَدْلِ: ﴿لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ﴾ أيْ: لا تَتَجاوَزُوا الحَدَّ في تَعْظِيمِ عِيسى وأُمِّهِ، وتَرْفَعُوهُما عَنْ رُتْبَتِهِما إلى ما تَقَوَّلْتُمْ عَلَيْهِما مِنَ العَظِيمَةِ، فَأدْخَلْتُمْ في دِينِكُمُ اعْتِقادًا غَيْرَ الحَقِّ بِلا دَلِيلٍ عَلَيْهِ، مَعَ تَظاهُرِ الأدِلَّةِ عَلى خِلافِهِ. ونَصَبَ (غَيْرَ) أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: غُلُوًّا غَيْرَ الحَقِّ. يَعْنِي غُلُوًّا باطِلًا. أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ أيْ: مُجاوَزِينَ الحَقَّ. و(الغُلُوُّ) نَقِيضُ التَّقْصِيرِ، ومَعْناهُ الخُرُوجُ عَنِ الحَدِّ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، ودِينُ اللَّهِ بَيْنَ الغُلُوِّ والتَّقْصِيرِ.
تَنْبِيهٌ:
دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الغُلُوَّ في الدِّينِ غُلُوّانِ: (غُلُوٌّ حَقٌّ) كَأنْ يَفْحَصَ عَنْ حَقائِقِهِ ويُفَتِّشَ عَنْ أباعِدِ مَعانِيهِ ويَجْتَهِدَ في تَحْصِيلِ حُجَجِهِ؛ و(غُلُوٌّ باطِلٌ) وهو أنْ يَتَجاوَزَ الحَقَّ ويَتَخَطّاهُ بِالإعْراضِ عَنِ الأدِلَّةِ واتِّباعِ الشُّبَهِ.
(p-٢١٠٧)قالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الغُلُوَّ في الدِّينِ لا يَجُوزُ، وهو المُجاوَزَةُ لِلْحَقِّ إلى الباطِلِ. ومِن هَذا: الغُلُوُّ في الطِّهارَةِ مَعَ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، بِالزِّيادَةِ عَلى ما ورَدَ بِهِ الشَّرْعُ لِغَيْرِ مُوجِبٍ. انْتَهى.
ومِن هَذا القَبِيلِ الغُلُوُّ في تَعْظِيمِ الصّالِحِينَ وقُبُورِهِمْ حَتّى يُصَيِّرَها كالأوْثانِ الَّتِي كانَتْ تُعْبَدُ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««إيّاكم والغُلُوَّ في الدِّينِ، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِالغُلُوِّ في الدِّينِ»» .
وعَنْ عُمَرَ؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لا تُطْرُونِي كَما أطْرَتِ النَّصارى ابْنَ مَرْيَمَ، إنَّما أنا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ»» . أخْرَجاهُ.
ولِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ» ! قالَها ثَلاثًا». ثُمَّ نَهاهم تَعالى عَنِ اتِّباعِ سَلَفِهِمْ وأئِمَّتِهِمُ الضّالِّينَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
﴿ولا تَتَّبِعُوا﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: تَقْلِيدًا: أهْواءَ قَوْمٍ تَمَسَّكُوا بِخَوارِقِهِما عَلى إلَهِيَّتِهِما. فَإنْ نَظَرُوا إلى سَبْقِهِمْ (p-٢١٠٨)فَغايَتُهم أنَّهُمْ: قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ إلى كَثْرَةِ أتْباعِهِمْ فَغايَتُهم أنَّهُمْ: أضَلُّوا كَثِيرًا مِمَّنْ شايَعَهم عَلى التَّثْلِيثِ: "و" إلى تَمَسُّكِهِمْ بِمُتَشابِهاتِ الإنْجِيلِ، فَغايَتُهم أنَّهُمْ: ضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ إذْ لَمْ يَرُدُّوها إلى المُحْكَماتِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الرّازِيُّ:
الأهْواءُ - هَهُنا - المَذاهِبُ الَّتِي تَدْعُو إلَيْها الشَّهْوَةُ دُونَ الحُجَّةِ. قالَ الشَّعْبِيُّ: ما ذَكَرَ اللَّهُ لَفْظَ الهَوى في القُرْآنِ إلّا ذَمَّهُ. قالَ: ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ نَجِدِ الهَوى يُوضَعُ إلّا في مَوْضِعِ الشَّرِّ. لا يُقالُ: فُلانٌ يَهْوى الخَيْرَ. إنَّما يُقالُ: يُرِيدُ الخَيْرَ ويُحِبُّهُ. وقالَ بَعْضُهُمُ: الهَوى إلَهٌ يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: سُمِّيَ الهَوى هَوًى لِأنَّهُ يَهْوِي بِصاحِبِهِ في النّارِ.
وأنْشَدَ في ذَمِّ الهَوى:
؎إنَّ الهَوى لَهو الهَوانُ بِعَيْنِهِ فَإذا هَوَيْتَ فَقَدْ لَقِيتَ هَوانا
وقالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبّاسٍ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ هَوايَ عَلى هَواكَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ الهَوى ضَلالَةٌ.
(p-٢١٠٩)الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ أيْضًا: إنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِثَلاثِ دَرَجاتٍ في الضَّلالِ: فَبَيَّنَ أنَّهم كانُوا ضالِّينَ مِن قَبْلُ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم كانُوا مُضِلِّينَ لِغَيْرِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى تِلْكَ الحالَةِ حَتّى إنَّهُمُ الآنَ ضالُّونَ كَما كانُوا. ولا نَجِدُ حالَةً أقْرَبَ إلى البُعْدِ مِنَ اللَّهِ والقُرْبِ مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى، مِن هَذِهِ الحالَةِ. نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم ضَلُّوا وأضَلُّوا ثُمَّ ضَلُّوا بِسَبَبِ اعْتِقادِهِمْ، في ذَلِكَ الإضْلالِ، أنَّهُ إرْشادٌ إلى الحَقِّ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالضَّلالِ عَنِ الدِّينِ، وبِالضَّلالِ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ. انْتَهى.
وهَذِهِ الوُجُوهُ - مَعَ ما أسْلَفْناهُ عَنِ المَهايِمِيُّ - كُلُّها مِمّا يَصِحُّ إرادَتُها مِنَ الآيَةِ لِتَصادُقِها جَمِيعًا عَلَيْهِمْ.
الثّالِثُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ ما لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ مِنَ الأباطِيلِ - مَعَ مُخالَفَتِها لِلْعُقُولِ ومُزاحَمَتِها لِلْأُصُولِ - لا مُسْتَنَدَ ولا مُعَوَّلَ لَهم فِيها غَيْرُ التَّقْلِيدِ لِأسْلافِهِمُ الضّالِّينَ، الَّذِينَ أحْدَثُوا القَوْلَ بِالتَّثْلِيثِ بَعْدَ نَحْوِ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ مِن رَفْعِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَرَّرُوهُ في تَعالِيمِهِمْ بَعْدَ جِدالٍ واضْطِرابٍ. وتَمَسَّكُوا في ذَلِكَ بِظَواهِرِ الألْفاظِ الَّتِي لا يُحِيطُونَ بِها عِلْمًا، مِمّا لا أصْلَ لَهُ في شَرْعِ الإنْجِيلِ، ولا مَأْخُوذَ مِن قَوْلِ المَسِيحِ ولا مِن أقْوالِ حَوارِيِّيهِ. وهو مَعَ ذَلِكَ مُضْطَرِبٌ مُتَناقِضٌ مُتَهافِتٌ، يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ويُعارِضُهُ ويُناقِضُهُ، كَما تَبَيَّنَ مِنَ الكُتُبِ المُصَنَّفَةِ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ.
الرّابِعُ: جاءَ في "تَنْوِيرِ المِقْباسِ":
إنَّ المُرادَ بِ (أهْلِ الكِتابِ) هُنا: نَصارى نَجْرانَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وبِقَوْلِهِ: ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ العاقِبُ والسَّيِّدُ. والأوَّلُ - كَما قالَ ابْنُ إسْحاقَ - أمِيرُ القَوْمِ وذا رَأْيِهِمْ. والثّانِي صاحِبُ رَحْلِهِمْ ومُجْتَمَعِهِمْ.
والأظْهَرُ أنَّ المَعْنِيَّ بِ (أهْلِ الكِتابِ) عُمُومُ النَّصارى. والمَذْكُورُونَ يَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
(p-٢١١٠)الخامِسُ: ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أنَّ المُرادَ بِ (أهْلِ الكِتابِ) هُنا: اليَهُودُ والنَّصارى. وأنَّ كِلَيْهِما غَلا في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: أمّا غُلُوُّ اليَهُودِ فالتَّقْصِيرُ في حَقِّهِ حَتّى نَسَبُوهُ إلى غَيْرِ رِشْدَةٍ. وأمّا غُلُوُّ النَّصارى فَمَعْلُومٌ. وأنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ﴾ لِلْيَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. نُهُوا عَنِ اتِّباعِ أسْلافِهِمْ فِيما ابْتَدَعُوهُ مِنَ الضَّلالَةِ بِأهْوائِهِمْ. انْتَهى.
وظاهِرٌ أنَّ ما نُسِبَ لِلْفَرِيقَيْنِ - مِنَ الغُلُوِّ والِابْتِداعِ - مُسَلَّمٌ. بَيْدَ أنَّ الأقْرَبَ لِلسِّباقِ الدّاحِضِ لِشُبُهاتِ النَّصارى، أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ زَجْرًا لَهم عَمّا سَلَكُوهُ، إثْرَ إبْطالِهِ بِالبَراهِينِ الدّامِغَةِ. عَلى أنَّ الغُلُوَّ ألْصَقُ بِالنَّصارى مِنهُ بِاليَهُودِ، كَما لا يَخْفى. واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لَعَنَ الكافِرِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فِيما أنْزَلَهُ عَلى داوُدَ وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ. بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ وما عَدَّدَ مِن كَبائِرِهِمْ. فَقالَ سُبْحانَهُ:
5:78Страница 121
لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٧٨
Неверующие сыны Исраила (Израиля) были прокляты языком Давуда (Давида) и Исы (Иисуса), сына Марьям (Марии). Это произошло потому, что они ослушались и преступали границы дозволенного.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٨] ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أيْ: لِسانَيْهِما. وأُفْرِدَ لِعَدَمِ اللَّبْسِ، إنْ أُرِيدَ بِاللِّسانِ الجارِحَةُ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الكَلامُ وما نَزَلَ عَلَيْهِما. كَذا في "العِنايَةِ".
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: لَعْنُهُمُ الهائِلُ: ﴿بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ بِقَتْلِ الأنْبِياءِ واسْتِحْلالِ المَعاصِي.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии