Аль-КасимиАль‑Маида · 5:79–84

Аль-Касими · Тафсир · на арабском

Аль-Маида 5:79–84

5:79Страница 121

كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٧٩

Они не удерживали друг друга от предосудительных поступков, которые они совершали. Как же скверно было то, что они делали!

(p-٢١١١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٩] ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾

﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ أيْ: لا يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ ارْتِكابِ المَآثِمِ والمَحارِمِ. ثُمَّ ذَمَّهم عَلى ذَلِكَ لِيُحَذِّرَ مِنَ ارْتِكابِ مِثْلِ الَّذِي ارْتَكَبُوهُ فَقالَ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ مُؤَكَّدًا بِلامِ القَسَمِ. تَعْجِيبًا مِن سُوءِ فِعْلِهِمْ، كَيْفَ وقَدْ أدّاهم إلى ما شُرِحَ مِنَ اللَّعْنِ الكَبِيرِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ لَعْنِهِمْ.

الثّانِي: دَلَّتِ الآيَةُ أيْضًا عَلى المَنعِ مِنَ الذَّرائِعِ الَّتِي تُبْطِلُ مَقاصِدَ الشَّرْعِ. لِما رَواهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، أنَّ الَّذِينَ لَعَنَهم داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ أهْلُ أيْلَةَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا في السَّبْتِ واصْطادُوا الحِيتانَ فِيهِ. وسَتَأْتِي قِصَّتُهم في (الأعْرافِ).

الثّالِثُ: دَلَّتْ أيْضًا عَلى وُجُوبِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.

قالَ الحاكِمُ: وتَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ النَّهْيِ مِنَ الكَبائِرِ.

الرّابِعُ: رَوى الإمامُ أحْمَدُ في مَعْنى الآيَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ (p-٢١١٢)ﷺ: «لَمّا وقَعَتْ بَنُو إسْرائِيلَ في المَعاصِي نَهَتْهم عُلَماؤُهم فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجالَسُوهم في مَجالِسِهِمْ، أوْ في أسْواقِهِمْ، وواكَلُوهم وشارَبُوهُمْ، فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ولَعَنَهم عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقالَ: «لا، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! حَتّى تَأْطِرُوهم عَلى الحَقِّ أطْرًا» . أيْ: تَعْطِفُوهم عَلَيْهِ». ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.

وأخْرَجَهُ أبُو داوُدَ عَنْهُ فَقالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ أوَّلَ ما دَخَلَ النَّقْصُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ كانَ الرَّجُلُ يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يا هَذا اتَّقِ اللَّهَ، ودَعْ ما تَصْنَعُ؛ فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقاهُ مِنَ الغَدِ فَلا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وشَرِيبَهُ وقَعِيدَهُ. فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ، ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ثُمَّ قالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٧٨] - إلى قَوْلِهِ -: ﴿فاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩] ثُمَّ قالَ: كَلّا واللَّهِ! لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ. ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، ولَتَأْخُذُنَّ عَلى يَدِ الظّالِمِ، ولَتَأْطُرُنَّهُ عَلى الحَقِّ أطْرًا، أوْ تَقْصُرْنَهُ عَلى الحَقِّ قَصْرًا»» .

زادَ في رِوايَةٍ: «أوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِكم بِبَعْضٍ، ثُمَّ يَلْعَنُكم كَما لَعَنَهم».

وكَذا رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ. وابْنُ ماجَهْ.

والأحادِيثُ في (الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ) كَثِيرَةٌ، ومِمّا يُناسِبُ مِنها هَذا المَقامَ:

ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عِقابًا مِن عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ»» .

(p-٢١١٣)وفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ. فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ. فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ. وذَلِكَ أضْعَفُ الإيمانِ»» .

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ عُمَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««إنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ العامَّةَ بِعَمَلِ الخاصَّةِ حَتّى يَرَوُا المُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ. وهم قادِرُونَ عَلى أنْ يُنْكِرُوهُ فَلا يُنْكِرُوهُ. فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ عَذَّبَ اللَّهُ الخاصَّةَ والعامَّةَ»» .

ورَوى ابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««إنَّ اللَّهَ لَيَسْألُ العَبْدَ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى يَقُولَ: ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَ المُنْكَرَ أنْ تُنْكِرَهُ؟ فَإذا لَقَّنَ اللَّهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ قالَ: يا رَبِّ! رَجَوْتُكَ وفَرِقْتُ النّاسَ»» .

قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ ماجَهْ. وإسْنادُهُ لا بَأْسَ بِهِ.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««لا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ. قِيلَ: وكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قالَ: يَتَعَرَّضُ مِنَ البَلاءِ ما لا يُطِيقُ»» .

قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.

(p-٢١١٤)ورَوى ابْنُ ماجَهْ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! مَتى نَتْرُكُ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ؟ قالَ: «إذا ظَهَرَ فِيكم ما ظَهَرَ في الأُمَمِ قَبْلَكم. قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ! وما ظَهَرَ في الأُمَمِ قَبْلَنا؟ قالَ: المُلْكُ في صِغارِكُمْ، الفاحِشَةُ في كِبارِكُمْ، والعِلْمُ في رُذالَتِكُمْ»» .

قالَ زَيْدُ بْنُ يَحْيى الخُزاعِيُّ، أحَدُ رُواتِهِ: مَعْنى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (والعِلْمُ في رُذالَتِكُمْ) إذا كانَ العِلْمُ في الفُسّاقِ.

تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ ماجَهْ. ولَهُ شاهِدٌ في حَدِيثِ أبِي ثَعْلَبَةَ يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ - أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.

أقُولُ: هَذِهِ الأحادِيثُ إنَّما يَتَرَوَّحُ بِها الضَّعَفَةُ، مِن نَحْوِ العُلَماءِ والقادَةِ. وأمّا مَن كانَ لَهُمُ الكَلِمَةُ النّافِذَةُ والوَجاهَةُ التّامَّةُ فَهَيْهاتَ أنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ، وهَذِهِ المَواعِيدُ الهائِلَةُ تَخْفُقُ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ؛ ولِذا قالَ العَلّامَةُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَيا حَسْرَةً عَلى المُسْلِمِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْ بابِ التَّناهِي عَنِ المَناكِيرِ، وقِلَّةِ عِبْئِهِمْ بِهِ. كَأنَّهُ لَيْسَ مِن مِلَّةِ الإسْلامِ في شَيْءٍ. مَعَ ما يَتْلُونَ مِن كِتابِ اللَّهِ، وما فِيهِ مِنَ المُبالَغاتِ في هَذا البابِ. وقَدْ مَرَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ﴾ [المائدة: ٦٣] ما يُؤَيِّدُ ما هُنا، فَتَذَكَّرْ.

الخامِسُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ وقَعَ تَرْكُ التَّناهِي عَنِ المُنْكَرِ تَفْسِيرًا لِلْمَعْصِيَةِ والِاعْتِداءِ؟ قُلْتُ: مِن قِبَلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالتَّناهِي. فَكانَ الإخْلالُ بِهِ مَعْصِيَةً، وهو اعْتِداءٌ.

ولَمّا وصَفَ تَعالى أسْلافَهم بِما مَضى، وصَفَ الحاضِرِينَ بِقَوْلِهِ:

5:80Страница 121

تَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَفِي ٱلۡعَذَابِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ٨٠

Ты видишь, что многие из них дружат с неверующими. Скверно то, что уготовили им их души, ведь поэтому Аллах разгневался на них. Они будут мучаться вечно.

(p-٢١١٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٠] ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾

﴿تَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن أهْلِ الكِتابِ: ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: يُوالُونَ المُشْرِكِينَ، بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

قالَ الرّازِيُّ: والمُرادُ مِنهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وأصْحابُهُ، حِينَ اسْتَجاشُوا المُشْرِكِينَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ: وذَكَرْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا﴾ [النساء: ٥١]

﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ: لَبِئْسَ شَيْئًا قَدَّمُوا لِمَعادِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ التَّعَلُّقِ والِارْتِباطِ بَيْنَهُما كَأنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ، ومُبالَغَةً في الذَّمِّ. والمَعْنى: ﴿لَبِئْسَ﴾ زادُهم في الآخِرَةِ مُوجِبُ سُخْطِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ: ﴿وفِي العَذابِ﴾ أيْ: عَذابِ جَهَنَّمَ. ﴿هم خالِدُونَ﴾

5:81Страница 121

وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨١

Если бы они уверовали в Аллаха, Пророка и то, что было ниспослано ему, то не стали бы брать их себе в помощники и друзья. Но многие из них являются нечестивцами.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨١] ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْـزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾

﴿ولَوْ كانُوا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ عَبَدَةَ الأوْثانِ مِن أهْلِ الكِتابِ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ﴾ أيْ: نَبِيِّهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما أُنْـزِلَ إلَيْهِ﴾ أيْ: مِنَ التَّوْراةِ: ﴿ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ﴾ إذِ الإيمانُ بِاللَّهِ يَمْنَعُ مِن تَوَلِّي مَن يَعْبُدُ غَيْرَهُ: ﴿ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ خارِجُونَ عَنْ دِينِهِمْ، أوْ مُتَمَرِّدُونَ في نِفاقِهِمْ. يَعْنِي: أنَّ مُوالاتَهم (p-٢١١٦)لِلْمُشْرِكِينَ كَفى بِها دَلِيلًا عَلى نِفاقِهِمْ، وأنَّ إيمانَهم لَيْسَ بِإيمانٍ، لِأنَّ تَحْرِيمَ ذَلِكَ مُتَأكَّدٌ في التَّوْراةِ وفي شَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّهُ لَيْسَ مُرادُهم تَقْرِيرَ دِينِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ مُرادُهُمُ الرِّياسَةُ والجاهُ، فَيَسْعَوْنَ في تَحْصِيلِهِ بِأيِّ طَرِيقٍ قَدَرُوا عَلَيْهِ، فَلِهَذا وصَفَهم تَعالى بِالفِسْقِ.

وفِي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَوْ كانُوا - أيْ: مُنافِقُو أهْلِ الكِتابِ المُدَّعُونَ لِلْإيمانِ - يُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ والقُرْآنِ حَقَّ الإيمانِ، ما ارْتَكَبُوا ما ارْتَكَبُوهُ، مِن مُوالاةِ الكافِرِينَ في الباطِنِ.

والوَجْهُ الأوَّلُ أقْوَمُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

ثُمَّ أكَّدَ تَعالى ما تَقَدَّمَ مِن مَثالِبِ اليَهُودِ بِقَوْلِهِ:

5:82Страница 121

۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٨٢

Ты непременно найдешь самыми лютыми врагами верующих иудеев и многобожников. Ты также непременно найдешь, что ближе всех в любви к верующим, являются те, которые говорят: «Мы - христиане». Это потому, что среди них есть священники и монахи, и потому, что они не проявляют высокомерия.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٢] ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾

﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ وإنَّما عاداهُمُ اليَهُودُ لِإيمانِهِمْ بِعِيسى ومُحَمَّدٍ ﷺ؛ وعادَهُمُ المُشْرِكُونَ لِتَوْحِيدِهِمْ وإقْرارِهِمْ بِنُبُوَّةِ الأنْبِياءِ - أشارَ إلَيْهِ المَهايِمِيُّ.

وقالَ غَيْرُهُ: لِشِدَّةِ إبائِهِمْ، وتَضاعُفِ كُفْرِهِمْ، وانْهِماكِهِمْ في اتِّباعِ الهَوى، ورُكُونِهِمْ إلى التَّقْلِيدِ، وبُعْدِهِمْ عَنِ التَّحْقِيقِ، وتَمَرُّنِهِمْ عَلى التَّمَرُّدِ والِاسْتِعْصاءِ عَلى الأنْبِياءِ، والِاجْتِراءِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ، ومُناصَبَتِهِمْ لَهم. ولِهَذا قَتَلُوا كَثِيرًا مِنهم حَتّى هَمُّوا بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرَ مَرَّةٍ، وسَمُّوهُ، وسَحَرُوهُ، وألَّبُوا عَلَيْهِ أشْباهَهم مِنَ المُشْرِكِينَ. وفي تَقْدِيمِ (اليَهُودِ) عَلى (المُشْرِكِينَ)، بَعْدَ لَزِّهِما في قَرَنٍ واحِدٍ، إشْعارٌ بِتَقَدُّمِهِمْ عَلَيْهِمْ في العَداوَةِ، كَما أنَّ (p-٢١١٧)فِي تَقْدِيمِهِمْ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [البقرة: ٩٦] إيذانًا بِتَقَدُّمِهِمْ عَلَيْهِمْ في الحِرْصِ ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ لِلِينِ جانِبِهِمْ وقِلَّةِ غِلِّ قُلُوبِهِمْ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وما ذاكَ إلّا لِما في قُلُوبِهِمْ، إذْ كانُوا عَلى دِينِ المَسِيحِ، مِنَ الرِّقَّةِ والرَّأْفَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً ورَحْمَةً ورَهْبانِيَّةً﴾ [الحديد: ٢٧] وفي كِتابِهِمْ: مَن ضَرَبَكَ عَلى خَدِّكَ الأيْمَنِ فَأدِرْ لَهُ خَدَّكَ الأيْسَرَ. ولَيْسَ القِتالُ مَشْرُوعًا في مِلَّتِهِمْ. انْتَهى.

ولِأنَّ مِن مَذْهَبِ اليَهُودِ، أنَّهُ يَجِبُ إيصالُ الشَّرِّ إلى مَن خالَفَ دِينَهم بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ، مِنَ القَتْلِ ونَهْبِ المالِ ونَحْوِهِما، وهو عِنْدَ النَّصارى حَرامٌ. فَحَصَلَ الفَرْقُ.

وقَدْ رَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««ما خَلا يَهُودِيٌّ بِمُسْلِمٍ إلّا هَمَّ بِقَتْلِهِ»» .

ولِكَثْرَةِ اهْتِمامِ النَّصارى بِالعِلْمِ والتَّرْهُّبِ، مِمّا يَدْعُو إلى قِلَّةِ البَغْضاءِ والحَسَدِ، ولِينِ العَرِيكَةِ، كَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: كَوْنُهم أقْرَبَ مَوَدَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿بِأنَّ مِنهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّ مِنهُمْ: ﴿قِسِّيسِينَ﴾ أيْ: عُلَماءَ: ﴿ورُهْبانًا﴾ أيْ: عُبّادًا مُتَجَرِّدِينَ: ﴿وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ: يَتَواضَعُونَ لِوَداعَتِهِمْ ولا يَتَكَبَّرُونَ كاليَهُودِ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإقْبالَ عَلى العِلْمِ، والإعْراضَ عَنِ الشَّهَواتِ، والبَراءَةَ مِنَ الكِبْرِ - مَحْمُودٌ. وإنْ كانَ ذَلِكَ مِن كافِرٍ.

(p-٢١١٨)لَطِيفَةٌ:

قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ":

إنَّما قالَ تَعالى: الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى ولَمْ يَقُلْ (النَّصارى) تَعْرِيضًا بِصَلابَةِ اليَهُودِ في الكُفْرِ والِامْتِناعِ مِنَ الِامْتِثالِ لِلْأمْرِ، لِأنَّ اليَهُودَ قِيلَ لَهُمْ: ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ﴾ [المائدة: ٢١] فَقابَلُوا ذَلِكَ بِأنْ قالُوا: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] والنَّصارى قالُوا: نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ. ومِن ثَمَّ سُمُّوا نَصارى. وكَذَلِكَ أيْضًا ورَدَ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ: ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهم فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ. فَأسْنَدَ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِمْ، والإشارَةُ بِهِ إلى قَوْلِهِمْ: نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ (p-٢١١٩)لَكِنَّهُ هَهُنا ذَكَرَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم لَمْ يَثْبُتُوا عَلى المِيثاقِ ولا عَلى ما قالُوهُ مِن أنَّهم أنْصارُ اللَّهِ. وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ ذَكَرَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم أقْرَبُ حالًا مِنَ اليَهُودِ؛ لِأنَّهم لَمّا ورَدَ عَلَيْهِمُ الأمْرُ لَمْ يُكافِحُوهُ بِالرَّدِّ مُكافَحَةَ اليَهُودِ. بَلْ قالُوا: نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ. واليَهُودُ قالَتْ: فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ ... الآيَةَ. فَهَذا سِرُّهُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

5:83Страница 122

وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٨٣

Когда они слышат то, что было ниспослано Посланнику, ты видишь, как их глаза переполняются слезами по причине истины, которую они узнают. Они говорят: «Господь наш! Мы уверовали. Запиши же нас в число свидетелей.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٣] ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْـزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾

﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْـزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ عَطْفٌ عَلى (لا يَسْتَكْبِرُونَ). قالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا في اللَّفْظِ وإنْ كانَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِما قَبْلَهُ في المَعْنى. يَعْنِي: وإذا سَمِعُوا القُرْآنَ: ﴿تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ﴾ أيْ: تَنْصَبُّ: ﴿مِنَ الدَّمْعِ﴾ الحاصِلِ مِنَ اجْتِماعِ حَرارَةِ الحُبِّ والخَوْفِ، مَعَ بَرْدِ اليَقِينِ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ أيْ: مِن كِتابِهِمْ، فَوَجَدُوهُ أكْمَلَ مِنهُ وأفْضَلَ، أوْ مِنَ الَّذِي نَزَلَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ وهو الحَقُّ، أوْ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونَعَتِهِ في كِتابِهِمْ: ﴿يَقُولُونَ﴾ أيْ: مِن عَدَمِ اسْتِكْبارِهِمْ: ﴿رَبَّنا آمَنّا﴾ أيْ: بِكَ وبِما أنْزَلْتَ وبِرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ شَهِدُوا بِأنَّهُ حَقٌّ أوْ بِنُبُوَّتِهِ. رَوى الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أيْ: مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأُمَّتُهُ هُمُ الشّاهِدُونَ. يَشْهَدُونَ لِنَبِيِّهِمْ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، ولِلرُّسُلِ أنَّهم قَدْ بَلَّغُوا.

وقَوْلُهُ تَعالى:

5:84Страница 122

وَمَا لَنَا لَا نُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡحَقِّ وَنَطۡمَعُ أَن يُدۡخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٤

Отчего нам не веровать в Аллаха и ту истину, которая явилась к нам? Мы желаем, чтобы наш Господь ввел нас вРай вместе с праведными людьми».

(p-٢١٢٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٤] ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾

﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ إنْكارُ اسْتِبْعادٍ لِانْتِفاءِ الإيمانِ مَعَ قِيامِ مُوجِبِهِ - وهو الطَّمَعُ - في إنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِصُحْبَةِ الصّالِحِينَ: ﴿وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ﴾ أيْ: وبِما جاءَنا مِنَ القُرْآنِ. وفي إعْرابِهِ وجْهٌ آخَرُ يَأْتِي. ﴿ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ أوِ المَعْنى: أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا الجَنَّةَ مَعَ الأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English