Аль-КасимиАль‑Муджадиля · 58:11–21

Аль-Касими · Тафсир · на арабском

Аль-Муджадиля 58:11–21

58:11Страница 543

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قِيلَ لَكُمۡ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلۡمَجَٰلِسِ فَٱفۡسَحُواْ يَفۡسَحِ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَٱنشُزُواْ يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١١

О те, которые уверовали! Когда вас просят на собраниях сесть пошире, то садитесь пошире, и Аллах одарит вас местом просторным. Когда же вам велят подняться, то поднимайтесь. Аллах возвышает по степеням тех из вас, кто уверовал, и тех, кому даровано знание. Аллах ведает о том, что вы совершаете.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكم وإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ تَعْلِيمٌ مِنهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ بِالإحْسانِ في أدَبِ المَجالِسِ، وذَلِكَ بِأنْ يُفْسِحَ المَرْءُ لِأخِيهِ ويَتَنَحّى تَوْسِعَةً لَهُ.

قالَ الشِّهابُ: وارْتِباطُهُ بِما قَبْلَهُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ لَمّا نَهى عَنِ التَّناجِي والسِّرارِ، عُلِمَ مِنهُ الجُلُوسُ مَعَ المَلَأِ، فَذَكَرَ آدابَهُ، ورَتَّبَ عَلى امْتِثالِهِمْ فُسْحَةً لَهم فِيما يُرِيدُونَ التَّفَسُّحَ، مِنَ المَكانِ والرِّزْقِ والصَّدْرِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وذَلِكَ أنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««مَن بَنى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ. ومَن يَسَّرَ عَلى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، واللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أخِيهِ»» . ولِهَذا أشْباهٌ كَثِيرَةٌ.

قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مَجالِسِ الذِّكْرِ، وذَلِكَ أنَّهم إذا رَأوْا أحَدَهم مُقْبِلًا ضَنُّوا بِمَجالِسِهِمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يُفْسِحَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.

(p-٥٧١٩)﴿وإذا قِيلَ انْشُزُوا﴾ أيِ: انْهَضُوا لِلتَّوْسِعَةِ، أوِ ارْتَفِعُوا في المَجالِسِ، أوِ انْهَضُوا عَنْ مَجْلِسِ الرَّسُولِ، إذا أمَرْتَهم بِالنُّهُوضِ عَنْهُ، ولا تُمُلُّوهُ بِالِارْتِكازِ فِيهِ، ﴿فانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ أيْ: يَرْفَعُ المُؤْمِنِينَ بِامْتِثالِ أوامِرِهِ، وأوامِرِ رَسُولِهِ، والعالِمِينَ بِها، الجارِينَ عَلى مُوجِبِها بِمُقْتَضى عِلْمِهِمْ، دَرَجاتٍ دُنْيَوِيَّةً وأُخْرَوِيَّةً.

قالَ النّاصِرُ: لَمّا عَلِمَ أنَّ أهْلَ العِلْمِ بِحَيْثُ يَسْتَوْجِبُونَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ وعِنْدَ النّاسِ ارْتِفاعَ مَجالِسِهِمْ، خَصَّهم بِالذِّكْرِ عِنْدَ الجَزاءِ، لِيَسْهُلَ عَلَيْهِمْ تَرْكُ ما لَهم مِنَ الرِّفْعَةِ في المَجْلِسِ، تَواضُعًا لِلَّهِ تَعالى. انْتَهى.

وهَذا -كَما قالَهُ الشِّهابُ- مِن مُغَيَّباتِ القُرْآنِ؛ لِما ظَهَرَ مِن هَؤُلاءِ في سائِرِ الأعْصارِ مِنَ التَّنافُسِ في رِفْعَةِ المَجالِسِ، ومَحَبَّةِ التَّصْدِيرِ.

وفِي كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ ما يُشِيرُ إلى أنَّهُ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، تَعْظِيمًا لَهُ، بَعْدَهُ كَأنَّهُ جِنْسٌ آخَرُ، كَما فِي: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨] ولِذا أعادَ المَوْصُولَ في النَّظْمِ، والمُرادُ بِالعِلْمِ عِلْمُ ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ العَقائِدِ الحَقَّةِ، والأعْمالِ الصّالِحَةِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: في "الإكْلِيلِ": في الآيَةِ اسْتِحْبابٌ في مَجالِسِ العِلْمِ والذِّكْرِ، وكُلِّ مَجْلِسِ طاعَةٍ.

الثّانِي: يُفْهَمُ مِنَ الأمْرِ بِالتَّفَسُّحِ النَّهْيُ عَنْ إقامَةِ شَخْصٍ لِيَجْلِسَ أحَدٌ مَكانَهُ. فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِن مَجْلِسِهِ فَيَجْلِسُ فِيهِ، ولَكِنْ تَفَسَّحُوا وتَوَسَّعُوا»» رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ.

(p-٥٧٢٠)وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««لا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِن مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، ولَكِنِ افْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ»» رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ. وفي رِوايَةٍ بِلَفْظِ: ««لا يَقُومُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ مِن مَجْلِسِهِ، لَكِنِ افْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ»» تَفَرَّدَ بِهِ الإمامُ أحْمَدُ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في جَوازِ القِيامِ لِلْوارِدِ إذا جاءَ، عَلى أقْوالٍ: فَمِنهم مَن رَخَّصَ بِذَلِكَ مُحْتَجًّا بِحَدِيثِ: ««قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ»» .

ومِنهم مَن مَنَعَ ذَلِكَ مُحْتَجًّا بِحَدِيثِ: ««مَن أحَبَّ أنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجالُ قِيامًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ»» .

ومِنهم مَن فَصَّلَ فَقالَ: يَجُوزُ عِنْدَ القُدُومِ مِن سَفَرٍ، ولِلْحاكِمِ في مَحَلِّ وِلايَتِهِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قِصَّةُ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، فَإنَّهُ لِما اسْتَقْدَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ حاكِمًا في بَنِي قُرَيْظَةَ، فَلَمّا رَآهُ مُقْبِلًا قالَ لِلْمُسْلِمِينَ: ««قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ»» . وما ذاكَ إلّا لِيَكُونَ أنْفَذَ لِحُكْمِهِ -واللَّهُ أعْلَمُ- فَأمّا اتِّخاذُهُ دَيْدَنًا فَإنَّهُ مِن شِعارِ العَجَمِ، وقَدْ جاءَ في السُّنَنِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ إذا جاءَ لا يَقُومُونَ لَهُ؛ لِما يَعْلَمُونَ مِن كَراهَتِهِ لِذَلِكَ. انْتَهى.

وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ، في فَتْوى لَهُ في ذَلِكَ: لَمْ يَكُنْ مِن عادَةِ السَّلَفِ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وخُلَفائِهِ الرّاشِدِينَ، أنْ يَعْتادُوا القِيامَ، كَما يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، بَلْ قَدْ قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانُوا إذا رَأوْهُ لَمْ يَقُومُوا لَهُ، لِما يَعْلَمُونَ مِن كَراهَتِهِ لِذَلِكَ. ولَكِنْ رُبَّما قامُوا لِلْقادِمِ مِن مَغِيبِهِ تَلَقِّيًا لَهُ، كَما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ««أنَّهُ قامَ لِعِكْرِمَةَ»»، «وقالَ لِلْأنْصارِ لَمّا قَدِمَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ: «قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ»»، وكانَ سَعْدٌ مُتَمَرِّضًا بِالمَدِينَةِ، وكانَ قَدْ قَدِمَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ شَرْقِيَّ المَدِينَةِ.

(p-٥٧٢١)والَّذِي يَنْبَغِي لِلنّاسِ أنْ يَعْتادُوا اتِّباعَ السَّلَفِ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَإنَّهم خَيْرُ القُرُونِ، وخَيْرُ الكَلامِ كَلامُ اللَّهِ، وخَيْرُ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، فَلا يَعْدِلْ أحَدٌ عَنْ هَدْيِ خَيْرِ الخَلْقِ، وهَدْيِ خَيْرِ القُرُونِ، إلى ما هو دُونَهُ. ويَنْبَغِي لِلْمُطاعِ أنْ يُقَرِّرَ ذَلِكَ مَعَ أصْحابِهِ، بِحَيْثُ إذا رَأوْهُ لَمْ يَقُومُوا لَهُ ولا يَقُومُ لَهُمْ، إلّا في اللِّقاءِ المُعْتادِ. فَأمّا القِيامُ لِمَن يَقْدَمُ مِن سَفَرٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، تَلَقِّيًا لَهُ، فَحَسَنٌ.

وإذا كانَ مِن عادَةِ النّاسِ إكْرامُ الجائِي بِالقِيامِ، ولَوْ تُرِكَ ذَلِكَ لاعْتَقَدَ أنَّ ذَلِكَ بَخْسٌ في حَقِّهِ أوْ قَصْدٌ لِخَفْضِهِ، ولَمْ يَعْلَمِ العادَةَ المُوافِقَةَ لِلسُّنَّةِ، فالأصْلَحُ أنْ يُقامَ لَهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إصْلاحٌ لِذاتِ البَيْنِ، وإزالَةٌ لِلتَّباغُضِ والشَّحْناءِ، وأمّا مِن عُرْفِ عادَةِ القَوْمِ المُوافَقَةُ لِلسُّنَّةِ، فَلَيْسَ في تَرْكِ ذَلِكَ إيذاءٌ لَهُ، ولَيْسَ هَذا القِيامُ هو القِيامَ المَذْكُورَ في قَوْلِهِ ﷺ: ««مَن سَرَّهُ أنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النّاسُ قِيامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ»»؛ فَإنَّ ذَلِكَ أنْ يَقُومُوا وهو قاعِدٌ، لَيْسَ هو أنْ يَقُومُوا لِمَجِيئِهِ إذا جاءَ، ولِهَذا فَرَّقُوا بَيْنَ أنْ يُقالَ: (قُمْتُ إلَيْهِ)، و(قُمْتُ لَهُ). والقائِمُ لِلْقادِمِ ساواهُ في القِيامِ، بِخِلافِ القِيامِ لِلْقاعِدِ وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا صَلّى بِهِمْ قاعِدًا في مَرَضِهِ، وصَلَّوْا قِيامًا أمَرَهم بِالقُعُودِ. وقالَ: ««لا تُعَظِّمُونِي كَما يُعَظِّمُ الأعاجِمُ بَعْضَها بَعْضًا»»، فَقُعُودُهم عَنِ القِيامِ في الصَّلاةِ وهو قاعِدٌ؛ لِئَلّا يُشْبِهُوا الأعاجِمَ الَّذِينَ يَقُومُونَ لِعُظَمائِهِمْ وهم قُعُودٌ. وجِماعُ ذَلِكَ أنَّ الَّذِي يَصْلُحُ، اتِّباعُ عادَةِ السَّلَفِ وأخْلاقِهِمْ، والِاجْتِهادُ بِحَسْبِ الإمْكانِ. فَمَن لَمْ يَعْتَدَّ ذَلِكَ، أوْ لَمْ يَعْرِفْ أنَّهُ العادَةُ، وكانَ في تَرْكِ مُعامَلَتِهِ بِما اعْتادَهُ النّاسُ مِنَ الِاحْتِرامِ مَفْسَدَةٌ راجِحَةٌ، فَإنَّهُ يَدْفَعُ أعْظَمَ الفَسادَيْنِ بِالتِزامِ أدْناهُما، كَما يَجِبُ فِعْلُ أعْظَمِ الصَّلاحَيْنِ بِتَفْوِيتِ أدْناهُما. انْتَهى كَلامُ شَيْخِ الإسْلامِ، رَحِمَهُ اللَّهُ وجَزاهُ عَنِ الإسْلامِ والمُسْلِمِينَ خَيْرًا.

الثّالِثُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ البَصْرِيِّ وغَيْرِهِما، أنَّهم قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ فافْسَحُوا﴾ يَعْنِي في مَجالِسِ الحَرْبِ. قالُوا: ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا﴾ أيِ: انْهَضُوا لِلْقِتالِ.

(p-٥٧٢٢)وقالَ قَتادَةُ: ﴿وإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا﴾ أيْ: دُعِيتُمْ إلى خَيْرٍ فَأجِيبُوا.

وقالَ مُقاتِلٌ: إذا دُعِيتُمْ إلى الصَّلاةِ فارْتَفِعُوا بِها.

وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: كانُوا إذا كانُوا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ في بَيْتِهِ فَأرادُوا الِانْصِرافَ، أحَبَّ كُلٌّ مِنهم أنْ يَكُونَ هو آخِرَهم خُرُوجًا مِن عِنْدِهِ، فَرُبَّما يَشُقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ تَكُونُ لَهُ الحاجَةُ. فَأُمِرُوا أنَّهم إذا أُمِرُوا بِالِانْصِرافِ أنْ يَنْصَرِفُوا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا﴾ [النور: ٢٨] انْتَهى.

ولا تَنافِيَ بَيْنَ هَذِهِ الأقْوالِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنها تَفْسِيرٌ لِلَّفْظِ العامِّ بِبَعْضِ أفْرادِهِ. وما يَصْدُقُ عَلَيْهِ إشارَةً عَلى تَناوُلِهِ لِذَلِكَ، لا أنَّ أحَدَهُما هو المُرادُ دُونَ غَيْرِهِ، فَلِذَلِكَ ما لا يُتَوَهَّمُ. وقَدْ كَثُرَ مِثْلُ ذَلِكَ في تَفاسِيرِ السَّلَفِ لِكَثِيرٍ مِنَ الآيِ، وكُلُّهُ مِمّا لا اخْتِلافَ فِيهِ كَما بَيَّنّاهُ مِرارًا.

الرّابِعُ: في "الإكْلِيلِ" قالَ قَوْمٌ: مَعْنى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ يَرْفَعِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ مِنكُمُ العُلَماءَ دَرَجاتٍ عَلى غَيْرِهِمْ، فَلِذَلِكَ أمَرَ بِالتَّفَسُّحِ مِن أجْلِهِمْ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى رَفْعِ العُلَماءِ في المَجالِسِ، والتَّفَسُّحِ لَهم عَنِ المَجالِسِ الرَّفِيعَةِ. انْتَهى.

58:12Страница 544

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَٰجَيۡتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَةٗۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٢

О те, которые уверовали! Если вы беседуете с Посланником в тайне, то предварите вашу тайную беседу милостыней. Так будет лучше для вас и чище. Но если вы ничего не найдете, то ведь Аллах - Прощающий, Милосердный.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكم وأطْهَرُ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ أيْ: تَصَدَّقُوا قَبْلَ مُناجاتِهِ، أيْ: مُسارَّتِهِ في بَعْضِ شَأْنِكم.

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: التَّقْدِيمُ.

﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ: لِأنْفُسِكُمْ، لِما فِيهِ مِن مُضاعَفَةِ الأجْرِ والثَّوابِ. والقِيامِ بِحَقِّ الإخاءِ، بِالعَوْدِ عَلى ذَوِي المَسْكَنَةِ بِالمُواساةِ والإغْناءِ.

﴿وأطْهَرُ﴾ أيْ: لِأنْفُسِكم مِن رَذِيلَةِ البُخْلِ (p-٥٧٢٣)والشُّحِّ، ومِن حُبِّ المالِ وإيثارِهِ الَّذِي قَدْ يَكُونُ مِن شِعارِ المُنافِقِينَ، وكَأنَّ الأمْرَ بِالتَّصْدِيقِ المَذْكُورِ نَزَلَ لِيَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ، فَإنَّ المُؤْمِنَ تَسْخُو نَفْسُهُ بِالإيمانِ كَيْفَما كانَ، والثّانِي يَغَصُّ بِهِ، ولَوْ في أضَرِّ الأوْقاتِ. ومُعْظَمُ أوامِرِ السُّورَةِ هو التَّصَدُّقُ، حَثًّا لِلْباخِلِينَ، وسَوْقًا لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا﴾ أيْ: ما تَتَصَدَّقُونَ بِهِ أمامَ مُناجاتِكُمُ الرَّسُولَ ﷺ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: لِمَن لَمْ يَجِدْهُ؛ إذْ لَمْ يُحْرِجْهُ ولَمْ يُضَيِّقْ عَلَيْهِ، رَحْمَةً مِنهُ.

58:13Страница 544

ءَأَشۡفَقۡتُمۡ أَن تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَٰتٖۚ فَإِذۡ لَمۡ تَفۡعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٣

Неужели вы боялись предварять вашу тайную беседу милостыней? Если вы не сделали этого и Аллах принял ваше покаяние, то совершайте намаз, выплачивайте закят и повинуйтесь Аллаху и Его Посланнику. Аллах ведает о том, что вы совершаете.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣] ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكم فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾

﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ﴾ أيْ: أخِفْتُمْ، مِن تَقْدِيمِ الصَّدَقاتِ، الفاقَةَ والفَقْرَ؟ تَوْبِيخٌ بِأنَّ مِثْلَهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُشْفَقَ مِنهُ، لِلُزُومِ الخَلَفِ والإنْفاقِ، لُزُومَ الظِّلِّ لِلشّاخِصِ بِوَعْدِ اللَّهِ الصِّدْقِ.

﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ أيْ: ما نُدِبْتُمْ إلَيْهِ مِن تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ، وشَقَّ عَلَيْكُمْ، ﴿وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بِأنْ رَخَّصَ لَكم أنْ لا تَفْعَلُوا، رَفْعًا لِلْحَرَجِ حَسْبَما أشْفَقْتُمْ. ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: فَلا تُفَرِّطُوا في الصَّلاةِ والزَّكاةِ وسائِرِ الطّاعاتِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ يُكْسِبُكم مَلَكَةَ الخَيْرِ والفَضِيلَةِ، ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: فَيَجْزِيكم بِحَسَبِهِ.

تَنْبِيهٌ:

فِي "الإكْلِيلِ": قَوْلُهُ تَعالى:

﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ [المجادلة: ١٢] الآيَةَ. مَنسُوخَةٌ بِالَّتِي بَعْدَها، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ النَّسْخِ بِلا بَدَلٍ، ووُقُوعِهِ، خِلافًا لِمَن أبى ذَلِكَ. انْتَهى.

(p-٥٧٢٤)والظّاهِرُ أنَّ مُسْتَنَدَ شُهْرَةِ النَّسْخِ ما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ في كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَآيَةً ما عَمِلَ بِها أحَدٌ قَبْلِي، ولا يَعْمَلُ بِها أحَدٌ بَعْدِي ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ﴾ [المجادلة: ١٢] إلَخْ قالَ: فُرِضَتْ، ثُمَّ نُسِخَتْ.

وعَنْهُ أيْضًا قالَ: نُهُوا عَنْ مُناجاةِ النَّبِيِّ ﷺ حَتّى يَتَصَدَّقُوا، فَلَمْ يُناجِهِ إلّا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَدَّمَ دِينارًا فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ أُنْزِلَتِ الرُّخْصَةُ فِيهِ.

وعَنْ قَتادَةَ أنَّها مَنسُوخَةٌ، ما كانَتْ إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ.

وعَنْهُ أيْضًا قالَ: «سَألَ النّاسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتّى أحْفَوْهُ بِالمَسْألَةِ فَوَعَظَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ،» وكانَ الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الحاجَةُ إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَلا يَسْتَطِيعُ أنْ يَقْضِيَها حَتّى يُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ صَدَقَةً، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الرُّخْصَةَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المجادلة: ١٢]

وعَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ قالا:

﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ [المجادلة: ١٢] الآيَةَ. نَسَخَتْها الَّتِي بَعْدَها ﴿أأشْفَقْتُمْ﴾ الآيَةَ.

هَذِهِ الآثارُ وأمْثالُها هي مُسْتَنَدُ مُدَّعِي النَّسْخِ، وُقُوفًا مَعَ ظاهِرِها. وقَدْ أسْلَفْنا في مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ، ومَواضِعَ أُخْرى، أنَّ النَّسْخَ في كَلامِ السَّلَفِ أعَمُّ مِنهُ بِاصْطِلاحِ الخَلَفِ، كَما أنَّ المُرادَ مِن سَبَبِ النُّزُولِ أعَمُّ مِمّا يَتَبادَرُ إلَيْهِ الفَهْمُ. ومِنهُ قَوْلُ قَتادَةَ هُنا: فَأنْزَلَ اللَّهُ الرُّخْصَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنَّ مُرادَهُ إبانَةُ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ بِعَزِيمَةٍ في الآيَةِ الثّانِيَةِ، لا أنَّ نُزُولَها كانَ مُتَراخِيًا عَنِ الأُولى؛ فَإنَّ ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ عَلى رَوْنَقِ نَظْمِها الكَرِيمِ. والأصْلُ في الآيِ المُقَرِّرَةِ لِحُكْمٍ ما، هو اتِّصالُ جُمَلِها، وانْتِظامُ عِقْدِها، إذْ بِهِ يَكْمُلُ سِحْرُ بَلاغَتِها، وبَدِيعُ وتَمامُ فِقْهِها. والَّذِينَ ذَهَبُوا إلى عَدَمِ وُقُوعِ النَّسْخِ في التَّنْزِيلِ، لَهم في الآيَةِ وُجُوهٌ:

(p-٥٧٢٥)أحَدُها: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: إنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَمْتَنِعُونَ مِن بَذْلِ الصَّدَقاتِ، وأنَّ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ تَرَكُوا النِّفاقَ، وآمَنُوا ظاهِرًا وباطِنًا إيمانًا حَقِيقِيًّا، فَأرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُمَيِّزَهم عَنِ المُنافِقِينَ، فَأمَرَ بِتَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ عَلى النَّجْوى، لِيَتَمَيَّزَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا حَقِيقِيًّا عَمَّنْ بَقِيَ عَلى نِفاقِهِ الأصْلِيِّ. وإذا كانَ هَذا التَّكْلِيفُ لِأجْلِ هَذِهِ المَصْلَحَةِ المُقَدَّرَةِ بِذَلِكَ الوَقْتِ، لا جَرَمَ يُقَدَّرُ هَذا التَّكْلِيفُ بِذَلِكَ الوَقْتِ.

قالَ الرّازِيُّ: وحاصِلُ قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ كانَ مُقَدَّرًا بِغايَةٍ مَخْصُوصَةٍ، فَوَجَبَ انْتِهاؤُهُ عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى الغايَةِ المَخْصُوصَةِ، فَلا يَكُونُ هَذا نَسْخًا وهَذا الكَلامُ حَسَنٌ ما بِهِ بَأْسٌ. انْتَهى.

ثانِيها: قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ شُبْهَةَ مُدَّعِي النَّسْخِ ذَهابُهم إلى أنَّ الأمْرَ بِتَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ لِلْوُجُوبِ، وتَأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ:

﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المجادلة: ١٢] وقَوْلِهِ:

﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُقالُ إلّا فِيما بِفَقْدِهِ يَزُولُ وُجُوبُهُ. والجَوابُ: أنْ لا قاطِعَ في كَوْنِ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهُ لِلنَّدْبِ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ:

﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكم وأطْهَرُ﴾ [المجادلة: ١٢] وهَذا إنَّما يُسْتَعْمَلُ في التَّطَوُّعِ لا في الفَرْضِ.

والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ واجِبًا لَما أُزِيلَ وُجُوبُهُ بِكَلامٍ مُتَّصِلٍ بِهِ، وهُوَ: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.

والثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ:

﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكم فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ إلَخْ مَعْناهُ: إنْ لَمْ تَفْعَلُوا ما نُدِبْتُمْ إلَيْهِ مِن تَقْدِيمِ الصَّدَقاتِ قَبْلَ مُناجاةِ الرَّسُولِ، والحالُ أنَّ اللَّهَ قَدْ رَجَعَ إلَيْكم بِالتَّخْفِيفِ والتَّسْهِيلِ فِيما شَرَعَهُ لَكُمْ، فَلَمْ يُعامِلْكم كَما كانَ يُعامِلُ الأُمَمَ السّابِقَةَ ولَمْ يُعْنِتْكم بِشَيْءٍ مِمّا أوْجَبَهُ عَلَيْكُمْ، فَلِذا نَدَبَكم إلى هَذا الأمْرِ، ولَمْ يَجْعَلْهُ عَلَيْكم فَرْضًا، كَما هي سُنَّتُهُ في مُعامَلَتِكم بِالرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، فَأقِيمُوا الصَّلاةَ... إلَخْ. فَقَوْلُهُ: ﴿وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ (p-٥٧٢٦)قَدْ ورَدَ هُنا بِمَعْنى الرُّجُوعِ إلى التَّخْفِيفِ والتَّسْهِيلِ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ، والعُدُولِ عَنْ مُعامَلَتِها كَسابِقِيها، لا بِمَعْنى التَّجاوُزِ عَنِ السَّيِّئاتِ وغُفْرانِ الذُّنُوبِ. وقَدْ ورَدَ بِذَلِكَ المَعْنى أيْضًا في آيَةٍ أُخْرى في سُورَةِ المُزَّمِّلِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠] أيْ: رَجَعَ إلَيْكم بِالتَّخْفِيفِ، ورَفَعَ عَنْكم ما يَشُقُّ عَلَيْكم. ولَيْسَ مَعْناهُ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ العَفْوَ عَنِ الذُّنُوبِ؛ إذْ لا ذَنْبَ هُنا صَدَرَ مِنهم. هَذا مُلَخَّصُ ما حَقَّقَهُ مَن ذَهَبَ إلى امْتِناعِ النَّسْخِ. والحَقُّ لا تَخْفى قُرَّتُهُ وسُكُونُ النَّفْسِ إلَيْهِ. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

58:14Страница 544

۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مَّا هُم مِّنكُمۡ وَلَا مِنۡهُمۡ وَيَحۡلِفُونَ عَلَى ٱلۡكَذِبِ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٤

Разве ты не видел тех, которые дружат с людьми, на которых разгневался Аллах? Они не относятся ни к вам, ни к ним. Они дают заведомо ложные клятвы.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هم مِنكم ولا مِنهم ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ﴾

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَوَلَّوْنَ اليَهُودَ ويُناصِحُونَهم ويَنْقُلُونَ إلَيْهِمْ أسْرارَ المُؤْمِنِينَ، كَما بَيَّنَتْهُ آيَةُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [الحشر: ١١] الآيَةَ.

﴿ما هم مِنكُمْ﴾ أيْ: مِن أهْلِ دِينِكم ومِلَّتِكُمْ، مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ ﴿ولا مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ اليَهُودِ كَقَوْلِهِ تَعالى:

﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ [النساء: ١٤٣] ﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وذَلِكَ قَوْلُهم لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: نَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وهم كاذِبُونَ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ بِهِ.

﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ أيِ المَحْلُوفُ عَلَيْهِ كَذِبٌ بَحْتٌ.

(p-٥٧٢٧)

58:15–16Страница 544

أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدًاۖ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٥

Аллах приготовил для них тяжкие мучения. Воистину, скверно то, что они совершают!

ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٦

Они сделали свои клятвы щитом и сбили других с пути Аллаха. Им уготованы унизительные мучения.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥ - ١٦] ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة: ١٦]

﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦] أيْ: وِقايَةً وعِصْمَةً لِأنْفُسِهِمْ.

﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٦] أيْ: فَحالُوا بِأيْمانِهِمْ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ في أمْثالِهِمْ، وهو القَتْلُ، إراحَةً لِلْمُؤْمِنِينَ مِن فَسادِهِمْ. أوْ فَصَدُّوا النّاسَ في خِلالِ أمْنِهِمْ وسَلامَتِهِمْ عَنِ الإيمانِ وثَبَّطُوهم عَنْهُ.

﴿فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة: ١٦] أيْ: مُذِلٌّ لَهم في الآخِرَةِ.

58:17–19Страница 544

لَّن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١٧

Ни имущество, ни дети ничем не помогут им пред Аллахом. Они являются обитателями Огня и пребудут там вечно.

يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيَحۡلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍۚ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٨

В тот день, когда Аллах воскресит их всех, они станут клясться перед Ним, подобно тому, как клянутся перед вами, полагая, что это поможет им. Воистину, они - лжецы.

ٱسۡتَحۡوَذَ عَلَيۡهِمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَأَنسَىٰهُمۡ ذِكۡرَ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱلشَّيۡطَٰنِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٩

Дьявол одолел их и заставил их забыть о поминании Аллаха. Они являются партией дьявола. Воистину, партия дьявола - это потерпевшие убыток.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧ - ١٩] ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩]

﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ شَيْئًا ما، كَما كانُوا يَفْتَدُونَ بِذَلِكَ في الدُّنْيا ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨] أيْ: في الدُّنْيا كاذِبِينَ مُبْطِلِينَ، إشارَةً إلى مُرُونِهِمْ عَلى النِّفاقِ، ورُسُوخِهِمْ فِيهِ، حَتّى لَدى مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.

﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ﴾ [المجادلة: ١٨] أيْ: مِنَ النَّفْعِ أوْ مِنَ الحَقِّ ﴿ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] أيْ: فِيما يَحْلِفُونَ عَلَيْهِ (p-٥٧٢٨)فِي الدّارَيْنِ.

﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ﴾ [المجادلة: ١٩] أيِ: اسْتَوْلى عَلَيْهِمْ حَتّى صارَ الكَذِبُ والفَسادُ مَلَكَةً لَهم ﴿فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٩] أيْ: بِتَسْوِيلِ اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ، والشَّهَواتِ البَدَنِيَّةِ لَهُمْ، وتَزْيِينِ الدُّنْيا وزِبْرِجِها في أعْيُنِهِمْ. ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ﴾ [المجادلة: ١٩] أيْ: أتْباعُهُ في الفَسادِ والإفْسادِ ﴿ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] أيْ: لِلسَّعادَةِ في الدّارَيْنِ.

58:20Страница 544

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡأَذَلِّينَ ٢٠

Те, которые враждуют с Аллахом и Его Посланником, окажутся в числе самых униженных.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾

﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾ أيْ: في أهْلِ الذِّلَّةِ؛ لِأنَّ الغَلَبَةَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، كَما قالَ:

58:21Страница 544

كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِيٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ٢١

Аллах предписал: «Победу непременно одержим Я и Мои посланники!». Воистину, Аллах - Всесильный, Могущественный.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢١] ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾

﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ أيْ: حِزْبَ الشَّيْطانِ المُحادِّينَ. ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أيْ: قَوِيٌّ عَلى إهْلاكِ مَن حادَّهُ ورُسُلَهُ، عَزِيزٌ فَلا يُغْلَبُ في قَضائِهِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English