Аль-Касими · Тафсир · на арабском
Аль-Анам 6:90–92
6:90Страница 138
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰلَمِينَ ٩٠
Это - те, кого Аллах повел прямым путем. Следуй же их прямым путем. Скажи: «Я не прошу у вас вознаграждения за него. Это не что иное, как Напоминание для миров».
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٠] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ هو إلا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ: ﴿الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ أيْ: إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ أيْ: بِطَرِيقَتِهِمْ في الإيمانِ بِاللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، والأخْلاقِ الحَمِيدَةِ، والأفْعالِ المَرْضِيَّةِ، والصِّفاتِ الرَّفِيعَةِ، اعْمَلْ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قالَ: إنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا، ما لَمْ يَرِدْ ناسِخٌ.
الثّانِي: اسْتَدَلَّ بِها ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى اسْتِحْبابِ السَّجْدَةِ في (ص)؛ لِأنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَجَدَها، رَواهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ - ولَفْظُ البُخارِيِّ: عَنِ العَوّامِ، قالَ «سَألْتُ مُجاهِدًا عَنْ سَجْدَةِ (ص)، فَقالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ: مِن أيْنَ سَجَدْتَ؟ فَقالَ: أوْ ما تَقْرَأُ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ فَكانَ داوُدُ (p-٢٤٠٢)مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكم ﷺ أنْ يَقْتَدِيَ بِهِ، فَسَجَدَها داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَسَجَدَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ». الثّالِثُ - قالَ الرّازِيُّ: احْتَجَّ العُلَماءُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ رَسُولَنا ﷺ أفْضَلُ مِن جَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وتَقْرِيرُهُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ خِصالَ الكَمالِ، وصِفَةَ الشَّرَفِ، كانَتْ مُفَرَّقَةً فِيهِمْ بِأجْمَعِهِمْ، فَداوُدُ وسُلَيْمانُ كانا مِن أصْحابِ الشُّكْرِ عَلى النِّعْمَةِ، وأيُّوبُ كانَ مِن أصْحابِ الصَّبْرِ عَلى البَلاءِ، ويُوسُفُ كانَ مُسْتَجْمِعًا لِهاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ صاحِبَ الشَّرِيعَةِ القَوِيَّةِ القاهِرَةِ، والمُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ، وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسُ كانُوا أصْحابَ الزُّهْدِ، وإسْماعِيلُ كانَ صاحِبَ الصِّدْقِ، ويُونُسُ كانَ صاحِبَ التَّضَرُّعِ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ كُلَّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ؛ لِأنَّ الغالِبَ عَلَيْهِ خَصْلَةٌ مُعَيَّنَةٌ مِن خِصالِ المَدْحِ والشَّرَفِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الكُلَّ، أمَرَ نَبِيَّنا ﷺ بِأنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ بِأسْرِهِمْ، فَكَأنَّهُ أُمِرَ بِأنْ يَجْمَعَ مِن خِصالِ العُبُودِيَّةِ والطّاعَةِ كُلَّ الصِّفاتِ الَّتِي كانَتْ مُفَرَّقَةً فِيهِمْ بِأجْمَعِهِمْ، وهو مَعْصُومٌ عَنْ مُخالَفَةِ ما أُمِرَ بِهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ جَمِيعُ ما تَفَرَّقَ فِيهِمْ مِنَ الكَمالِ، وثَبَتَ أنَّهُ أفْضَلُهم. وهو اسْتِنْباطٌ حَسَنٌ.
الرّابِعُ: "اقْتَدِهْ" يُقْرَأُ بِسُكُونِ الهاءِ وإثْباتِها في الوَقْفِ دُونَ الوَصْلِ، وهي عَلى هَذا هاءُ السَّكْتِ. ومِنهم مَن يُثْبِتُها في الوَصْلِ أيْضًا لِشَبَهِها بِهاءِ الإضْمارِ. ومِنهم مَن يَكْسِرُها وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما هي هاءُ السَّكْتِ أيْضًا، شُبِّهَتْ بِهاءِ الضَّمِيرِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
الثّانِي هي هاءُ الضَّمِيرِ والمَصْدَرِ؛ أيِ: اقْتَدِ الِاقْتِداءَ. ومِثْلُهُ:
؎هَذا سُراقَةُ لِلْقُرْآنِ يَدْرُسُهُ والمَرْءُ عِنْدَ الرُّشا، إنْ يَلْقَها ذِيبُ
(p-٢٤٠٣)(فالهاءُ) ضَمِيرُ (الدَّرْسِ) لا مَفْعُولٌ؛ لِأنَّ (يَدْرُسُ) قَدْ تَعَدّى إلى (القُرْآنِ). وقِيلَ: مَن سَكَّنَ الهاءَ جَعَلَها هاءَ الضَّمِيرِ، وأجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ. أفادَهُ أبُو البَقاءِ.
وأمّا قَوْلُ الواحِدِيِّ: الَّذِينَ أثْبَتُوا الهاءَ رامُوا مُوافَقَةَ المُصْحَفِ، فَإنَّ الهاءَ ثابِتَةٌ في الخَطِّ، فَكَرِهُوا مُخالَفَةَ الخَطِّ في حالَتَيِ الوَقْفِ والوَصْلِ، لَأثْبَتُوا - فَقَدْ قالَ الخَفاجِيُّ: إنَّهُ مِمّا لا يَنْبَغِي ذِكْرُهُ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ القِراءَةَ بِغَيْرِ نَقْلٍ تَقْلِيدًا لِلْخَطِّ. فَمَن قالَهُ فَقَدْ وهِمَ.
قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا أيْ: عَلى القُرْآنِ أوِ التَّبْلِيغِ. فَإنَّ مَساقَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِما، وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُما إنْ هو إلّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ أيْ: عِظَةٌ وتَذْكِيرٌ لَهم لِيُرْشَدُوا مِنَ العَمى إلى الهُدى.
تَنْبِيهانِ:
الأوَّلُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ مَبْعُوثًا إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، مِنَ الجِنِّ والإنْسِ. وأنَّ دَعْوَتَهُ قَدْ عَمَّتْ جَمِيعَ الخَلائِقِ.
الثّانِي: قالَ الخَفاجِيُّ: قِيلَ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَحِلُّ أخْذُ الأجْرِ لِلتَّعْلِيمِ وتَبْلِيغِ الأحْكامِ. قالَ: ولِلْفُقَهاءِ فِيهِ كَلامٌ. انْتَهى.
(p-٢٤٠٤)وعَكَسَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ حَيْثُ قالَ: في هَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أخْذُ الأُجْرَةِ عَلى تَعْلِيمِ العُلُومِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ جَرى مَجْرى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ. انْتَهى.
أقُولُ: إنَّ الآيَةَ عَلى نَفْيِ سُؤالِهِ ﷺ مِنهم أجْرًا، كَيْ لا يَثْقُلَ عَلَيْهِمُ الِامْتِثالُ. وأمّا ما اسْتَفادَةُ الحِلِّ والتَّحْرِيمِ مِنها، فَفِيهِ خَفاءٌ. والقائِلُ بِالأوَّلِ يَقُولُ: المَعْنى: لا أسْألُكم جُعْلًا تَعَفُّفًا. أيْ: وإنْ حَلَّ لِي أخْذُهُ. وبِالثّانِي: لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا لِأنِّي حُظِرْتُ مِن ذَلِكَ.
قالَ ابْنُ القَيِّمِ: أمّا الهَدِيَّةُ لِلْمُفْتِي، فَفِيها تَفْصِيلٌ: فَإنْ كانَتْ بِغَيْرِ سَبَبِ الفَتْوى، كَمَن عادَتْهُ يُهادِيهِ أوْ مَن لا يَعْرِفُ أنَّهُ مُفْتٍ، فَلا بَأْسَ بِقَبُولِها، والأوْلى أنْ يُكافَأ عَلَيْها. وإنْ كانَتْ بِسَبَبِ الفَتْوى، فَإنْ كانَتْ سَبَبًا إلى أنْ يُفْتِيَهُ بِما لا يُفْتِي بِهِ غَيْرَهُ مِمَّنْ لا يُهْدِي لَهُ، لَمْ يَجُزْ لَهُ قَبُولُ هَدِيَّتِهِ؛ لِأنَّها تُشْبِهُ المُعاوَضَةَ عَلى الإفْتاءِ. وأمّا أخْذُ الرِّزْقِ مِن بَيْتِ المالِ، فَإنْ كانَ مُحْتاجًا إلَيْهِ، جازَ لَهُ ذَلِكَ. وإنْ كانَ غَنِيًّا عَنْهُ، فَفِيهِ وجْهانِ: وهَذا فَرْعٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ عامِلِ الزَّكاةِ، وعامِلِ اليَتِيمِ. فَمَن ألْحَقَهُ بِعامِلِ الزَّكاةِ قالَ: النَّفْعُ فِيهِ عامٌّ، فَلَهُ الأخْذُ. ومَن ألْحَقَهُ بِعامِلِ اليَتِيمِ مَنَعَهُ مِنَ الأخْذِ. وحُكْمُ القاضِي في ذَلِكَ حُكْمُ المُفْتِي، بَلِ القاضِي أوْلى بِالمَنعِ. وأمّا أخْذُ الأُجْرَةِ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الفُتْيا مَنصِبُ تَبْلِيغٍ عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَلا يَجُوزُ المُعاوَضَةُ عَلَيْهِ، كَما لَوْ قالَ: لا أُعَلِّمُكَ الإسْلامَ والوُضُوءَ والصَّلاةَ إلّا بِأُجْرَةٍ. أوْ سُئِلَ عَنْ حَلالٍ أوْ حَرامٍ؟ فَقالَ لِلسّائِلِ: لا أُجِيبُكَ عَنْهُ إلّا بِأُجْرَةٍ، فَهَذا حَرامٌ قَطْعًا، ويَلْزَمُهُ رَدُّ العِوَضِ، ولا يَمْلِكُهُ، انْتَهى.
وفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««اقْرَؤُوا القُرْآنَ، ولا تَغْلُوا فِيهِ، ولا تَجْفُوا عَنْهُ، ولا تَأْكُلُوا بِهِ، ولا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ»» - أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ بِرِجالِ الصَّحِيحِ. وأخْرَجَهُ أيْضًا البَزّارُ. ولَهُ شَواهِدُ.
(p-٢٤٠٥)وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ - وحَسَّنَهُ - عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««مَن قَرَأ القُرْآنَ فَلْيَسْألِ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى بِهِ، فَإنَّهُ سَيَجِيءُ قَوْمٌ يَقْرَءُونَ القُرْآنَ يَسْألُونَ النّاسَ بِهِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «عَلَّمْتُ رَجُلًا القُرْآنَ فَأهْدى لِي قَوْسًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: إنْ أخَذْتَها أخَذْتَ قَوْسًا مِن نارٍ».
وهُناكَ أحادِيثُ أُخَرُ، ومِنها اسْتُدِلَّ عَلى حَظْرِ أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى التَّعْلِيمِ.
وأمّا أخْذُ الأُجْرَةِ عَلى التِّلاوَةِ، فَفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ في قِصَّةِ اللَّدِيغِ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ««إنَّ أحَقَّ ما أخَذْتُمْ عَلَيْهِ أجْرًا، كِتابُ اللَّهِ، أصَبْتُمُ اقْتَسِمُوا، واضْرِبُوا لِي مَعَكم سَهْمًا»» .
(p-٢٤٠٦)قالَ العَلّامَةُ الشَّوْكانِيُّ: حَدِيثُ: (أحَقُّ ما أخَذْتُمْ عَلَيْهِ أجْرًا) عامٌّ يَصْدُقُ عَلى التَّعْلِيمِ، وأخْذِ الأُجْرَةِ عَلى التِّلاوَةِ. لِمَن طَلَبَ مِنَ القارِئِ ذَلِكَ، وأخْذِ الأُجْرَةِ عَلى الرُّقْيَةِ، وأخْذِ ما يُدْفَعُ إلى القارِئِ مِنَ العَطاءِ، لِأجْلِ كَوْنِهِ قارِئًا، ونَحْوِ ذَلِكَ. فَيَخُصُّ مِن هَذا العُمُومِ تَعْلِيمُ المُكَلَّفِ، ويَبْقى ما عَداهُ داخِلًا تَحْتَ العُمُومِ. وبَعْضُ أفْرادِ العامِّ فِيهِ، أدِلَّةٌ خاصَّةٌ تَدُلُّ عَلى جَوازِهِ، كَما دَلَّ العامُّ عَلى ذَلِكَ. فَمِن تِلْكَ الأفْرادِ أخْذُ الأُجْرَةِ عَلى الرُّقْيَةِ، وتَعْلِيمُ المَرْأةِ في مُقابَلَةِ مَهْرِها. قالَ: هَكَذا يَنْبَغِي تَحْرِيرُ الكَلامِ في المَقامِ، والمَصِيرُ إلى التَّرْجِيحِ مِن ضِيقِ العَطَنِ. أيْ: لِأنَّهُ يُصارُ إلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الجَمْعِ، وقَدْ أمْكَنَ، فَكانَ الأحَقَّ. واللَّهُ المُوَفِّقُ.
6:91Страница 139
وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓ إِذۡ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٖ مِّن شَيۡءٖۗ قُلۡ مَنۡ أَنزَلَ ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورٗا وَهُدٗى لِّلنَّاسِۖ تَجۡعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبۡدُونَهَا وَتُخۡفُونَ كَثِيرٗاۖ وَعُلِّمۡتُم مَّا لَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنتُمۡ وَلَآ ءَابَآؤُكُمۡۖ قُلِ ٱللَّهُۖ ثُمَّ ذَرۡهُمۡ فِي خَوۡضِهِمۡ يَلۡعَبُونَ ٩١
Они не оценили Аллаха должным образом, когда сказали: «Аллах ничего не ниспосылал человеку». Скажи: «Кто же ниспослал в качестве света и верного руководства для людей Писание, с которым пришел Муса (Моисей), и которое вы превратили в отдельные листы, показывая некоторые из них и скрывая многие другие? А ведь вас обучили тому, чего не знали ни вы, ни ваши отцы». Скажи: «Аллах». Затем оставь их забавляться собственным празднословием.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى شَأْنَ القُرْآنِ العَظِيمِ، وأنَّهُ نِعْمَةٌ كُبْرى عَلى العالَمِينَ، تَأثَّرَهُ بِبَيانِ كُفْرِهِمْ بِذَلِكَ، عَلى وجْهٍ سَرى إلى الكُفْرِ بِجَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
(p-٢٤٠٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩١] ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْـزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ قُلْ مَن أنْـزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وهُدًى لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكم قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾
﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أيْ: ما عَظَّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ و: حَقَّ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وهو في الأصْلِ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ. أيْ: قَدْرَهُ الحَقَّ، فَلَمّا أُضِيفَ إلى مَوْصُوفِهِ انْتُصِبَ عَلى ما كانَ يَنْتَصِبُ عَلَيْهِ مَوْصُوفُهُ ﴿إذْ قالُوا ما أنْـزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: حِينَ اجْتَرَؤُوا عَلى التَّفَوُّهِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الشَّنْعاءِ، وذَلِكَ مِنهم مُبالَغَةٌ في إنْكارِ إنْزالِ القُرْآنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَألُزِمُوا بِما لا سَبِيلَ لَهم إلى إنْكارِهِ أصْلًا، حَيْثُ قِيلَ في جَوابِ سَلْبِهِمُ العامِّ، بِإثْباتِ قَضِيَّةٍ جُزْئِيَّةٍ بَدِيهِيَّةِ التَّسْلِيمِ:
﴿قُلْ مَن أنْـزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي: بِهِ أوْ مِن: الكِتابَ ﴿وهُدًى لِلنّاسِ﴾ أيْ: ضِياءٌ مِن ظُلْمَةِ الجَهالَةِ، وبَيانًا يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها﴾ يُجَزِّئُونَهُ أوْراقًا يُبْدُونَها لِلنّاسِ مِمّا يَنْتَخِبُونَهُ. أيْ: فَكَيْفَ يُنْكَرُ إنْزالُ شَيْءٍ، وهَذا المُنَزَّلُ المَذْكُورُ ظاهِرٌ لِلْعِيانِ. والعُدُولُ عَنِ التَّوْراةِ إلى ذِكْرِ الكِتابِ وصِفَتِهِ، والحالُ بَعْدَهُ - لِزِيادَةِ التَّقْرِيعِ، وتَشْدِيدِ التَّبْكِيتِ، وإلْقامِ الحَجَرِ ﴿وتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى (تُبْدُونَها)، والعائِدُ مَحْذُوفٌ. أيْ: كَثِيرًا مِنها. أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ. أيْ: وهم يُخْفُونَ كَثِيرًا. أيْ: ومَعَ ذَلِكَ فالإلْزامُ يَكْفِي بِما يُبْدُونَهُ، المُعْتَرَفِ لَدَيْهِمْ بِحَقِّيَّتِهِ. وفِيهِ نَعْيٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ بِسُوءِ صَنِيعِهِمُ المَذْكُورِ، إذْ ما يُرِيدُونَ بِإخْفاءِ كَثِيرٍ مِنها إلّا تَبْدِيلَ الدِّينِ.
﴿وعُلِّمْتُمْ﴾ أيْ: عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكُمْ﴾ مِنَ المَعارِفِ (p-٢٤٠٨)الَّتِي لا يَرْتابُ في أنَّها تَنْزِيلٌ رَبّانِيٌّ ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيْ: أنْزَلَهُ اللَّهُ، أوِ اللَّهُ أنْزَلَهُ. أمَرَهُ بِأنَّهُ يُجِيبُ عَنْهُمْ، إشْعارًا بِأنَّ الجَوابَ مُتَعَيِّنٌ لا يُمْكِنُ غَيْرُهُ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهم بُهِتُوا، بِحَيْثُ إنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى الجَوابِ.
﴿ثُمَّ﴾ بَعْدَ التَّبْلِيغِ وإلْزامِ الحُجَّةِ: ﴿ذَرْهم في خَوْضِهِمْ﴾ أيْ: في باطِلِهِمْ: ﴿يَلْعَبُونَ﴾ أيْ: يَفْعَلُونَ فِعْلَ اللّاعِبِ، وهو ما لا يَجُرُّ لَهم نَفْعًا، ولا يَدْفَعُ عَنْهم ضَرَرًا، مَعَ تَضْيِيعِ الزَّمانِ.
تَنْبِيهٌ:
فِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّها مَكِّيَّةٌ النُّزُولِ تَبَعًا لِلسُّورَةِ، وأنَّ القائِلَ ذَلِكَ هُمُ المُشْرِكُونَ، وإلْزامُهم إنْزالَ التَّوْراةِ، لِما أنَّهُ كانَ عِنْدَهم مِنَ المَشاهِيرِ الذّائِعَةِ، وهَذا هو الظّاهِرُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدُ وعَبْدُ بْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو الأصَحُّ؛ لِأنَّ اليَهُودَ لا يُنْكِرُونَ إنْزالَ الكُتُبِ مِنَ السَّماءِ، وأمّا كُفّارُ قُرَيْشٍ فَكانُوا يُنْكِرُونَ رِسالَةَ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّهُ مِنَ البَشَرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ﴾ [يونس: ٢] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٤] وكَذا قالُوا هُنا: ﴿ما أنْـزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ فَأُلْزِمُوا بِإنْزالِ (p-٢٤٠٩)الكِتابِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى، وهو التَّوْراةُ الَّتِي عَلِمُوا هم وكُلُّ أحَدٍ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَها عَلى مُوسى تَكْذِيبًا لِقَوْلِهِمْ، وإيقافًا عَلى عِنادِهِمْ. ومَعْلُومٌ ما كانَ بَيْنَ قُرَيْشٍ ويَهُودِ المَدِينَةِ مِنَ التَّعارُفِ، وتَسْلِيمِ قُرَيْشٍ أنَّهم أهْلُ كِتابٍ، وأنَّهم أعْلَمُ مِنهم لِأجْلِهِ، مِمّا يُوجِبُ اعْتِرافَهم بِحَقِّيَّةِ التَّوْراةِ، وأنَّها مُنْزَلَةٌ مِن لَدُنْهِ تَعالى، وعَلى هَذا القَوْلِ، فالقِراءَةُ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ ظاهِرَةٌ. وعَلى قِراءَةِ الخِطابِ، فَهو التِفاتٌ مِن خِطابِ قَوْمٍ إلى خِطابِ قَوْمٍ آخَرِينَ. وهو التِفاتٌ عِنْدَ الأُدَباءِ - حَكاهُ الخَفاجِيُّ - وإنَّما جُعِلَ مِنَ الِانْتِقالِ عَنْ خِطابِهِمْ إلى خِطابِ اليَهُودِيَّةِ، تَعْرِيضًا لَهم بِأنَّ إنْكارَهم إنْزالَ اللَّهِ تَعالى مِن جِنْسِ فِعْلِ هَؤُلاءِ بِالتَّوْراةِ في البُطْلانِ، وعَدَمِ الإسْنادِ إلى بُرْهانٍ. ثُمَّ القَوْلُ بِأنَّ الخِطابَ فِي: عُلِّمْتُمْ لِمُؤْمِنِي قُرَيْشٍ. لا يَقْتَضِيهِ السِّياقُ ولا السِّباقُ، وفِيهِ تَفْكِيكٌ لِلنَّظْمِ الجَلِيلِ، كالقَوْلِ بِأنَّهُ اعْتِراضٌ لِلِامْتِنانِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وأتْباعِهِ، لِهِدايَتِهِمْ لِلْمُجادِلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ. بَلِ الخِطابُ فِيهِ كَسابِقِهِ، والمُرادُ بِتَعْلِيمِهِمْ، وهم مُشْرِكُونَ، ما يَسْمَعُونَهُ ويَتَلَقَّفُونَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وصَحابَتِهِ، مِن فَرائِدِ الوَحْيِ وفَوائِدِهِ، مِمّا لا يُرْتابُ في تَنْزِيلِها، كَما أوْضَحْناهُ قَبْلُ.
القَوْلُ الثّانِي: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةُ النُّزُولِ. ولا يَرِدُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ومُناظَراتُ اليَهُودِ كانَتْ في المَدِينَةِ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ السُّوَرِ المَكِّيَّةِ أُلْحِقَتْ بِها آياتٌ مَدَنِيَّةٌ، وحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُمْ: (هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ) أيْ: إلّا ما اسْتُثْنِيَ مِمّا أُلْحِقَ بِها، كَما أوْضَحَهُ السُّيُوطِيُّ في "الإتْقانِ" وساقَ لَهُ شَواهِدَ. وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ، فَتَذَكَّرْ!.
ثُمَّ القائِلُونَ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ، مِنهم مَن قالَ: نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ، أوْ في فِنْحاصَ، أوْ في مالِكِ بْنِ الصَّيْفِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ: واللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ كِتابًا، فَأُنْزِلَتْ.
(p-٢٤١٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ - مُرْسَلًا - قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ مالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، فَخاصَمَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: أنْشُدُكَ بِالَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، هَلْ تَجِدُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الحَبْرَ السَّمِينَ - وكانَ حَبْرًا سَمِينًا -؟ فَغَضِبَ وقالَ: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ! فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: ويْحَكَ! ولا عَلى مُوسى؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآيَةَ». قالَ البَغَوِيُّ: وفي القِصَّةِ أنَّ مالِكَ بْنَ الصَّيْفِ، لَمّا سَمِعَتِ اليَهُودُ مِنهُ تِلْكَ المَقالَةَ، عَتَبُوا عَلَيْهِ، وقالُوا: ألَيْسَ اللَّهُ أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، فَلِمَ قُلْتَ: ما أنْزَلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ؟ فَقالَ مالِكُ بْنُ الصَّيْفِ: أغْضَبَنِي مُحَمَّدٌ، فَقُلْتُ ذَلِكَ! فَقالُوا لَهُ: وأنْتَ إذا غَضِبْتَ تَقُولُ عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ! فَنَزَعُوهُ عَنِ الحَبْرِيَّةِ. وبَعْدَ الوُقُوفِ عَلى ذَلِكَ، فَلا مَعْنى لِاعْتِراضِ بَعْضِهِمْ بِأنَّ مالِكَ بْنَ الصَّيْفِ كانَ مُفْتَخِرًا بِكَوْنِهِ يَهُودِيًّا مُتَظاهِرًا بِذَلِكَ، ومَعَ هَذا المَذْهَبِ لا يُمْكِنُهُ البَتَّةَ أنْ يَقُولَ: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ تَبَيَّنَ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ مُتَغَيِّظًا، وقَدْ أخَذَ الغَضَبُ مِنهُ مَأْخَذَهُ عِنادًا ومُكابَرَةً، تَوَصُّلًا لِدَفْعِ ما يُرِيدُهُ. وقَدْ يَبْلُغُ الحُمْقُ بِصاحِبِهِ إلى حَدٍّ يَتَبَرَّأُ فِيهِ مِن مَذْهَبِهِ ومُعْتَقَدِهِ، إغاظَةً لِخَصْمِهِ عَلى زَعْمِهِ. وبَوادِرِ اللِّسانِ في حَقِّ المَوْلى تَعالى وتَقَدَّسَ، مِمّا لا تُغْتَفَرُ، ولِذا بَيَّنَ تَعالى جَهْلَ ذاكَ القائِلِ بِقَوْلِهِ: وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ.
قالَ العَلّامَةُ البِقاعِيُّ: لِأنَّ مَن نَسَبَ مَلِكًا تامَّ المُلْكِ إلى أنَّهُ لَمْ يَبُثَّ أوامِرَهُ في رَعِيَّتِهِ بِما يُرْضِيهِ لِيَفْعَلُوهُ، وما يُسْخِطُهُ لِيَجْتَنِبُوهُ، فَقَدْ نَسَبَهُ إلى نَقْصٍ عَظِيمٍ. فَكَيْفَ إذا كانَتْ تِلْكَ النِّسْبَةُ كَذِبًا؟ وإنَّما أُسْنِدَ إلى الكُلِّ - والقائِلُ بَعْضُهم - لِأنَّهم لَمْ يَرُدُّوا عَلى قائِلِهِ، ولَمْ (p-٢٤١١)يُعاجِلُوهُ بِالأخْذِ عَلى يَدِهِ، تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ، وبَيانًا لِأنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ مَن سَمِعَ بِآيَةٍ مِن آياتِ اللَّهِ أنْ يَسْعى إلَيْها، ويَتَعَرَّفَ أُمُورَها، فَمَن طَعَنَ فِيها أُخِذَ عَلى يَدِهِ بِما تَصِلُ إلَيْهِ قُدْرَتُهُ، فَقالَ مُشِيرًا إلى اليَهُودِ قائِلُو ذَلِكَ. مُلْزِمًا لَهم بِالِاعْتِرافِ بِالكَذِبِ، أوِ المُساواةِ لِلْأُمِّيِّينَ في التَّمَسُّكِ بِالهَوى دُونَ كِتابٍ، مُوَبِّخًا لَهُمْ، ناعِيًا عَلَيْهِمْ سُوءَ جَهْلِهِمْ، وعَظِيمَ بُهْتِهِمْ، وشِدَّةِ وقاحَتِهِمْ، وعَدَمِ حَيائِهِمْ: قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى ؟ أيْ: قُلْ لِهَؤُلاءِ السُّفَهاءِ الَّذِينَ تَجَرَّأُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، غَيْرَ ناظِرِينَ في عاقِبَتِها، وما يَلْزَمُ مِنها، تَوْبِيخًا لَهُمْ، وتَوْقِيفًا عَلى شَنِيعِ جَهْلِهِمْ: مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى الَّذِي أنْتُمْ تَزْعُمُونَ التَّمَسُّكَ بِشَرْعِهِ: تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ أيْ: أوْراقًا مُفَرَّقَةً، لِتَتَمَكَّنُوا بِها مِن إخْفاءِ ما أرَدْتُمْ تُبْدُونَها لِلنّاسِ أيْ: تُظْهِرُونَها لِلنّاسِ وتُخْفُونَ كَثِيرًا أيْ: مِنها مِمّا تُرِيدُونَ بِهِ تَبْدِيلَ الدِّينِ. هَذا عَلى قِراءَةِ الفَوْقانِيَّةِ. وعَلى قِراءَةِ التَّحْتانِيَّةِ التِفاتٌ مُؤْذِنٌ بِشِدَّةِ الغَضَبِ، مُشِيرٌ إلى أنَّ ما قالُوهُ حَقِيقٌ بِأنْ يُسْتَحى مِن ذِكْرِهِ، فَكَيْفَ بِفِعْلِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وعُلِّمْتُمْ﴾ أيْ: أيُّها اليَهُودُ بِالكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُوسى: ﴿ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ﴾ أيْ: أيُّها اليَهُودُ مِن أهْلِ هَذا الزَّمانِ: ﴿ولا آباؤُكُمْ﴾ أيِ: الأقْدَمُونَ. انْتَهى كَلامُ البِقاعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى. وفي قَوْلِهِ: (وإنَّما أُسْنِدَ إلى الكُلِّ..) إلى آخِرِهِ، نَظَرٌ؛ لِأنَّ إسْنادَهُ لَيْسَ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم رَضُوا بِهِ؛ لِأنَّ القِصَّةَ السّالِفَةَ تَدُلُّ عَلى خِلافِهِ. ولِلْبِقاعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وجْهٌ آخَرُ في الآيَةِ. قالَ: ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ مَكِّيَّةً، ويَكُونَ قَوْلُهم هَذا حِينَ أرْسَلَتْ إلَيْهِمْ قُرَيْشٌ تَسْألُهم عَنْهُ ﷺ في أمْرِ رِسالَتِهِ، فاحْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِ. انْتَهى. وهو قَرِيبٌ وجِيهٌ جِدًّا.
وبِالجُمْلَةِ، فالآيَةُ الكَرِيمَةُ مُتَصادِقَةٌ مَعَ الأوْجُهِ المَذْكُورَةِ، وتَتَنَزَّلُ في التَّأْوِيلِ، عَلى ما بَيَّنّا في كُلٍّ تَنْزِيلًا لا شائِبَةَ مَعَهُ لِإشْكالٍ ما. وقَدِ اسْتَصْعَبَ الرّازِيُّ تَأْوِيلَها، وأخَذَ يُحاوِلُ أسْئِلَةً هي عَلى طَرَفِ الثُّمامِ، بَعْدَ النَّظَرِ فِيما بَيَّنّا، فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا.
(p-٢٤١٢)لَطائِفُ:
الأُولى: قالَ أبُو السُّعُودِ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَيْسَ المُرادُ بِالآيَةِ مُجَرَّدَ إلْزامِهِمْ بِالِاعْتِرافِ بِإنْزالِ التَّوْراةِ فَقَطْ، بَلْ بِإنْزالِ القُرْآنِ أيْضًا؛ فَإنَّ الِاعْتِرافَ بِإنْزالِها مُسْتَلْزِمٌ لِلِاعْتِرافِ بِإنْزالِهِ قَطْعًا، لِما فِيها مِنَ الشَّواهِدِ النّاطِقَةِ بِهِ.
الثّانِيَةُ: قالَ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ﴾ أيْ: تَضَعُونَهُ في قَراطِيسَ مُقَطَّعَةٍ، ووَرَقاتٍ مُفَرَّقَةٍ، بِحَذْفِ الجارِّ، بِناءً عَلى تَشْبِيهِ القَراطِيسِ بِالظَّرْفِ المُبْهَمِ، أوْ تَجْعَلُونَهُ نَفْسَ القَراطِيسِ المُقَطَّعَةِ. وفِيهِ زِيادَةُ تَوْبِيخٍ لَهم بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ، كَأنَّهم أخْرَجُوهُ مِن جِنْسِ الكِتابِ، ونَزَّلُوهُ مَنزِلَةَ القَراطِيسِ الخالِيَةِ عَنِ الكِتابَةِ.
الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ كَتْمُ العِلْمِ الدِّينِيِّ عَمَّنْ يَهْتَدِي بِهِ. قالَهُ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ.
6:92Страница 139
وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَاۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَهُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٩٢
Это - благословенное Писание, которое Мы ниспослали и которое подтверждает то, что было до него, дабы ты увещевал Мать городов (жителей Мекки), и тех, кто живет вокруг нее. Те, которые веруют в Последнюю жизнь, веруют в него (Коран) и бережливо относятся к своим намазам.
ولَمّا أبْطَلَ تَعالى كَلِمَتَهُمُ الشَّنْعاءَ بِتَقْرِيرِ إنْزالِ التَّوْراةِ، بَيَّنَ تَنْزِيلَ ما يُصَدِّقُها بِقَوْلِهِ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٢] ﴿وهَذا كِتابٌ أنْـزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾
﴿وهَذا﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿كِتابٌ أنْـزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ المَنافِعِ والفَوائِدِ، لِاشْتِمالِهِ عَلى مَنافِعِ الدّارَيْنِ، وعُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وما لا يَتَناهى مِنَ الفَوائِدِ.
قالَ الرّازِيُّ: العُلُومُ إمّا نَظَرِيَّةٌ، وإمّا عَمَلِيَّةٌ. فالأُولى أشْرَفُها. وأكْمَلُها مَعْرِفَةُ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأحْكامِهِ وأسْمائِهِ. ولا تَرى هَذِهِ العُلُومَ أكْمَلَ ولا أشْرَفَ مِمّا تَجِدُهُ في هَذا الكِتابِ.
وأمّا الثّانِيَةُ: فالمَطْلُوبُ إمّا أعْمالُ الجَوارِحِ، وإمّا أعْمالُ القُلُوبِ، وهو المُسَمّى (p-٢٤١٣)بِطَهارَةِ الأخْلاقِ، وتَزْكِيَةِ النَّفْسِ. ولا تَجِدُ هَذَيْنِ العِلْمَيْنِ مِثْلَ ما تَجِدُهُ في هَذا الكِتابِ. ثُمَّ جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ الباحِثَ عَنْهُ، والمُتَمَسِّكَ بِهِ، يَحْصُلُ لَهُ عِزُّ الدُّنْيا، وسَعادَةُ الآخِرَةِ. انْتَهى. قالَ الخَفاجِيُّ: وقَدْ شُوهِدَ ذَلِكَ في كُلِّ عَصْرٍ.
﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: مِنَ التَّوْراةِ أوْ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي أُنْزِلَتْ قَبْلَهُ، في إثْباتِ التَّوْحِيدِ، والأمْرِ بِهِ، ونَفْيِ الشِّرْكِ، والنَّهْيِ عَنْهُ. وفي سائِرِ أُصُولِ الشَّرائِعِ الَّتِي لا تُنْسَخُ.
﴿ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ يَعْنِي: مَكَّةَ. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مَكانُ أوَّلِ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، ولِأنَّها قِبْلَةُ أهْلِ القُرى كُلِّها ومَحَجُّهُمْ، ولِأنَّها أعْظَمُ القُرى شَأْنًا، وغَيْرُها كالتَّبَعِ لَها، كَما يَتْبَعُ الفَرْعُ الأصْلَ. وفي ذِكْرِها بِهَذا الِاسْمِ، المُنْبِئِ عَمّا ذُكِرَ، إشْعارٌ بِأنَّ إنْذارَ أهْلِها مُسْتَتْبِعٌ لِإنْذارِ أهْلِ الأرْضِ كافَّةً. ﴿ومَن حَوْلَها﴾ مِن أطْرافِ الأرْضِ، شَرْقًا وغَرْبًا. كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿لأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَـزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وقالَ تَعالى: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ [آل عمران: ٢٠]
(p-٢٤١٤)وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ قَبْلِي، وذَكَرَ مِنهُنَّ: وكانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خاصَّةً، وبُعِثْتُ إلى النّاسِ عامَّةً»» .
﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ فَإنَّ مَن صَدَّقَ بِالآخِرَةِ خافَ العاقِبَةَ، ولا يَزالُ الخَوْفُ يَحْمِلُهُ عَلى النَّظَرِ والتَّدَبُّرِ، حَتّى يُؤْمِنَ بِالنَّبِيِّ والكِتابِ (والضَّمِيرُ يَحْتَمِلُها) ويُحافِظَ عَلى الصَّلاةِ. والمُرادُ بِها إمّا الطّاعَةُ مَجازًا، أوْ حَقِيقَتُها، وتَخْصِيصُها لِكَوْنِها أشْرَفَ العِباداتِ بَعْدَ الإيمانِ، وأعْظَمَها خَطَرًا.
قالَ الرّازِيُّ: ألا تَرى أنَّهُ لَمْ يَقَعِ اسْمُ الإيمانِ عَلى شَيْءٍ مِنَ العِباداتِ الظّاهِرَةِ إلّا عَلى الصَّلاةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣] (p-٢٤١٥)أيْ: صَلاتَكم. ولَمْ يَقَعِ اسْمُ الكُفْرِ عَلى شَيْءٍ مِنَ المَعاصِي إلّا عَلى تَرْكِ الصَّلاةِ. قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««مَن تَرَكَ الصَّلاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ»» . فَلَمّا اخْتُصَّتِ الصَّلاةُ بِهَذا النَّوْعِ مِنَ التَّشْرِيفِ، لا جَرَمَ خَصَّها اللَّهُ بِالذِّكْرِ في هَذا المَقامِ. انْتَهى.
أقُولُ: الحَدِيثُ المَذْكُورُ رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في أوْسَطِ مَعاجِمِهِ عَنْ أنَسٍ وصُحِّحَ. وتَمامُهُ: ««فَقَدْ كَفَرَ جَهْرًا»» . كَما في الجامِعِ الصَّغِيرِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ، قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: أيْ: يُحافِظُونَ عَلى مَواقِيتِها.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии