Аль-Касими · Тафсир · на арабском
Аль-Анам 6:96–99
6:96Страница 140
فَالِقُ ٱلۡإِصۡبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيۡلَ سَكَنٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ حُسۡبَانٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٩٦
Он раскрывает утреннюю зарю. Он предназначил ночь для покоя, а солнце и луну - для исчисления. Таково установление Могущественного, Знающего.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٦] ﴿فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِ (إنَّ)، أوْ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. و(الإصْباحِ) مَصْدَرٌ سُمِّي بِهِ الصُّبْحُ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ألّا أيُّها اللَّيْلُ الطَّوِيلُ ألا انْجَلِي بِصُبْحٍ وما الإصْباحُ فِيكَ بِأمْثَلِ
(p-٢٤٢٩)أيْ: شاقُّهُ عَنْ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ: ﴿وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ أيْ: صَيَّرَ الظَّلامَ يُسْكَنُ إلَيْهِ، ويُطْمَئَنُّ بِهِ، اسْتِرْواحًا مِن تَعَبِ النَّهارِ. أوْ يَسْكُنُ فِيهِ الخَلْقُ، أيْ: يَقِرُّوا ويَهْدَؤُا (مِنَ السُّكُونِ) - وهو الأظْهَرُ لِقَوْلِهِ: لِتَسْكُنُوا فِيهِ - وقُرِئَ (وجاعِلُ اللَّيْلِ).
﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا﴾ أيْ: عَلى أدْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، لِتُحْسَبَ بِهِما الأوْقاتُ الَّتِي نِيطَ بِها العِباداتُ والمُعامَلاتُ. كَما ذَكَرَهُ في سُورَةِ يُونُسَ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [يونس: ٥]
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: التَّسْيِيرُ بِالحِسابِ المَعْلُومِ: ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ أيِ: الغالِبِ عَلى أمْرِهِ العَلِيمُ بِتَدْبِيرِهِما، ومُراعاةِ الحِكْمَةِ في شَأْنِهِما.
(p-٢٤٣٠)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الرّازِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ الآيَةَ. نَوْعٌ آخَرُ مِن دَلائِلِ وُجُودِ الصّانِعِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ. فالنَّوْعُ المُتَقَدِّمُ كانَ مَأْخُوذًا مِن دَلالَةِ أحْوالِ النَّباتِ والحَيَوانِ. والنَّوْعُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الأحْوالِ الفَلَكِيَّةِ. وذَلِكَ لِأنَّ فَلْقَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ بِنُورِ الصُّبْحِ أعْظَمُ في كَمالِ القُدْرَةِ مِن فَلْقِ الحَبِّ والنَّوى بِالنَّباتِ والشَّجَرِ، ولِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الأحْوالَ الفَلَكِيَّةَ أعْظَمُ في القُلُوبِ وأكْثَرُ وقْعًا مِنَ الأحْوالِ الأرْضِيَّةِ. ثُمَّ قَرَّرَ الحُجَّةَ مِن وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ، وأجادَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الثّانِي: قُرِئَ: (الأصْباحِ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَلى أنَّهُ جَمْعُ صُبْحٍ، كَقُفْلٍ وأقْفالٍ.
الثّالِثُ: في "البَحْرِ الكَبِيرِ": أنَّ السَّنَةَ الشَّرْعِيَّةَ قَمَرِيَّةٌ لا شَمْسِيَّةٌ، والشَّمْسِيَّةُ مِمّا حَدَثَ في دَواوِينِ الخَراجِ، وإنَّما أُضِيفَ الحِسابُ في الآيَةِ إلَيْهِما؛ لِأنَّ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ ومَغِيبِها يُعْرَفُ عَدَدُ الأيّامِ الَّتِي تَتَرَكَّبُ مِنها الشُّهُورُ والسُّنُونَ، فَمِن هُنا دَخَلَتْ - انْتَهى.
الرّابِعُ: قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وكَثِيرًا ما إذا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى خَلْقَ اللَّيْلِ والنَّهارِ والشَّمْسِ والقَمَرِ يَخْتِمُ الكَلامَ بِالعِزَّةِ والعِلْمِ، كَما ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ، وكَما في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾ [يس: ٣٧] ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨] ولَمّا ذَكَرَ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ في أوَّلِ سُورَةِ (حم السَّجْدَةِ) قالَ: ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢] انْتَهى.
وفِي (العِزَّةِ) مَعْنى القَهْرِ، أيِ: الَّذِي قَهَرَهُما بِجَعْلِهِما مُسَخَّرَيْنِ، لا يَتَيَسَّرُ لَهُما إلّا ما أُرِيدَ (p-٢٤٣١)بِهِما، كَما قالَ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] ومَعْنى القُدْرَةِ الكامِلَةِ أيْضًا.
قالَ الرّازِيُّ: العَزِيزِ إشارَةٌ إلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، و: العَلِيمِ إشارَةٌ إلى كَمالِ عِلْمِهِ، ومَعْناهُ: أنَّ تَقْدِيرَ أجْرامِ الأفْلاكِ بِصِفاتِها المَخْصُوصَةِ وهَيَّأتْها المَحْدُودَةِ، وحَرَكاتِها المُقَدَّرَةِ بِالمَقادِيرِ المَخْصُوصَةِ في البُطْءِ والسُّرْعَةِ لا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ إلّا بِقُدْرَةٍ كامِلَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِجَمِيعِ المُمْكِناتِ، وعِلْمٍ نافِذٍ في جَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ. وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ حُصُولَ هَذِهِ الأحْوالِ والصِّفاتِ لَيْسَ بِالطَّبْعِ والخاصَّةِ. وإنَّما هو بِتَخْصِيصِ الفاعِلِ المُخْتارِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الخامِسُ: وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُسْبانًا﴾ قالَ: يَعْنِي عَدَدَ الأيّامِ والشُّهُورِ والسِّنِينَ. وقالَ قَتادَةُ: يَدُورانِ في حِسابٍ. قالَ السُّيُوطِيُّ: فالآيَةُ أصْلٌ في الحِسابِ والمِيقاتِ. انْتَهى.
6:97Страница 140
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهۡتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٩٧
Он - Тот, Кто сотворил для вас звезды, чтобы вы находили по ним путь во мраках суши и моря. Мы уже разъяснили знамения для людей знающих.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى نِعْمَتَهُ في الكَواكِبِ، إثْرَ بَيانِ نِعْمَتِهِ في النَّيِّرَيْنِ إعْلامًا بِكَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ ورَحِمَتِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٧] ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: (p-٢٤٣٢)فِي ظُلُماتِ اللَّيْلِ في طُرُقِ البَرِّ والبَحْرِ: ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ أيْ: بَيَّنّا الآياتِ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى وحَكَمَتِهِ واليَوْمِ الآخِرِ. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: وجْهَ الِاسْتِدْلالِ بِها. وإنَّما خُلِقَتْ لِلِاسْتِدْلالِ المُتَأثِّرِ بِالعَمَلِ بِمُوجِبِها، ألا وهو الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى مَعْرِفَةِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، وكَمالِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ واسْتِحْقاقِهِ العِبادَةَ وحْدَهُ.
تَنْبِيهانِ
الأوَّلُ: ذَكَرَ تَعالى في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ كَوْنَ هَذِهِ الكَواكِبِ زِينَةً لِلسَّماءِ، وكَوْنَها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ. قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَنِ اعْتَقَدَ في هَذِهِ النُّجُومِ غَيْرَ ثَلاثٍ فَقَدْ أخْطَأ وكَذَبَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: أنَّ اللَّهَ جَعَلَها زِينَةً لِلسَّماءِ، ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ، ويُهْتَدى بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ. نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
أقُولُ: مُرادُهُ اعْتِقادٌ مُنافٍ لِلْعَقْدِ الصَّحِيحِ لا اعْتِقادَ حِكَمٍ وإسْرارٍ غَيْرِ الثَّلاثِ فِيها إذْ فَوائِدُ المُكَوِّناتِ غَيْرُ مَحْصُورٍ. وذِكْرُ حِكْمَةٍ في مُكَوِّنٍ لا يَنْفِي ما عَداها - فافْهَمْ.
الثّانِي: قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في المِيقاتِ، وأدِلَّةِ العَقْلِيّاتِ،
6:98Страница 140
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ فَمُسۡتَقَرّٞ وَمُسۡتَوۡدَعٞۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَفۡقَهُونَ ٩٨
Он - Тот, Кто сотворил вас из одной души. Для вас есть место пребывания (на земле или в утробах матерей) и место хранения (в могилах или чреслах отцов). Мы уже разъяснили знамения для людей понимающих.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى نَوْعًا آخَرَ مِن نِعَمِهِ، وأدِلَّةَ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ بِقَوْلِهِ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٨] ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾
﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ يَعْنِي: آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ قُرِئَ: مُسْتَقَرٌّ بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِها، وأمّا: مُسْتَوْدَعٌ فَبِفَتْحِ الدّالِّ لا غَيْرُ. وهُما عَلى الأوَّلِ، إمّا مَصْدَرانِ، أيْ: فَلَكُمُ اسْتِقْرارٌ واسْتِيداعٌ، أوِ اسْما مَكانٍ، أيْ: مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ واسْتِيداعٍ. والِاسْتِقْرارُ إمّا في الأصْلابِ، أوْ فَوْقَ الأرْضِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: (p-٢٤٣٣)﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] أوْ في الأرْحامِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُقِرُّ في الأرْحامِ﴾ [الحج: ٥] أوِ الِاسْتِيداعُ في الأرْحامِ، فَجَعَلَ الصُّلْبَ مُسْتَقَرَّ النُّطْفَةِ، والرَّحِمَ مُسْتَوْدَعَها؛ لِأنَّها تَحْصُلُ في الصُّلْبِ، لا مِن قِبَلِ شَخْصٍ آخَرَ، وفي الرَّحِمِ مِن قِبَلِ الأبِ، فَأشْبَهَتِ الوَدِيعَةَ، كَأنَّ الرَّجُلَ أوْدَعَها ما كانَ عِنْدَهُ، أوْ في الأصْلابِ، أوْ تَحْتَ الأرْضِ، أوْ فَوْقَها، فَإنَّها عَلَيْها، أوْ وُضِعَتْ فِيها لِتَخْرُجَ مِنها مَرَّةً أُخْرى كَقَوْلِهِ:
؎وما المالُ والأهْلُونَ إلّا ودائِعُ ولا بُدَّ يَوْمًا أنْ تُرَدَّ الوَدائِعُ
ونَقَلَ الرّازِيُّ عَنِ الأصَمِّ أنَّ المُسْتَقَرَّ مَن خُلِقَ مِنَ النَّفْسِ الأُولى، ودَخَلَ الدُّنْيا واسْتَقَرَّ فِيها. والمُسْتَوْدَعُ الَّذِي لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ وسَيُخْلَقُ. وجَعَلَ الأصْفَهانِيُّ (المُسْتَقَرَّ) كِنايَةً عَنِ الذَّكَرِ، و(المُسْتَوْدَعَ) كِنايَةً عَنِ الأُنْثى. قالَ: إنَّما عَبَّرَ عَنِ الذَّكَرِ بِ (المُسْتَقَرِّ) لِأنَّ النُّطْفَةَ إنَّما تَتَوَلَّدُ في صُلْبِهِ، وإنَّما تَسْتَقِرُّ هُناكَ. وعَبَّرَ عَنِ الأُنْثى بِ (المُسْتَوْدَعِ) لِأنَّ رَحِمَها شَبِيهَةٌ بِالمُسْتَوْدَعِ لِتِلْكَ النُّطْفَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
(p-٢٤٣٤)وعَلى قِراءَةِ (مُسْتَقِرٌّ) بِكَسْرِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، أيْ: فَمِنكم قارٌّ، ومِنكم مُسْتَوْدَعٌ، ووَجْهُ كَوْنِ الأوَّلِ مَعْلُومًا. والثّانِي مَجْهُولًا، كَوْنُ الِاسْتِقْرارِ صادِرًا مِنّا دُونَ الِاسْتِيداعِ.
قالَ الرّازِيُّ: مَقْصُودُ الآيَةِ أنَّ النّاسَ إنَّما تَوَلَّدُوا مِن شَخْصٍ واحِدٍ وهو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المُسْتَقَرِّ والمُسْتَوْدَعِ بِحَسْبِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ فَنَقُولُ: الأشْخاصُ الإنْسانِيَّةُ مُتَساوِيَةٌ في الجِسْمِيَّةِ، ومُخْتَلِفَةٌ في الصِّفاتِ الَّتِي بِاعْتِبارِها حَصَلَ التَّفاوُتُ في المُسْتَقَرِّ والمُسْتَوْدَعِ. والِاخْتِلافُ في تِلْكَ الصِّفاتِ لا بُدَّ لَهُ مِن سَبَبٍ ومُؤَثِّرٍ، ولَيْسَ السَّبَبُ هو الجِسْمِيَّةَ ولَوازِمَها، وإلّا لامْتَنَعَ حُصُولُ التَّفاوُتِ في الصِّفاتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ السَّبَبُ هو الفاعِلَ المُخْتارَ الحَكِيمَ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في الدَّلالَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢]
﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قِيلَ: (يَعْلَمُونَ) مَعَ ذِكْرِ النُّجُومِ، و(يَفْقَهُونَ) مَعَ ذِكْرِ إنْشاءِ بَنِي آدَمَ؟ قُلْتُ: كانَ إنْشاءُ الإنْسِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، وتَصْرِيفُهم بَيْنَ أحْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ ألْطَفَ وأدَقَّ صَنْعَةً وتَدْبِيرًا. فَكانَ ذِكْرُ الفِقْهِ الَّذِي هو اسْتِعْمالُ فِطْنَةٍ وتَدْقِيقِ نَظَرٍ، مُطابِقًا لَهُ. انْتَهى - وهَذا بِناءً عَلى أنَّ الفِقْهَ شِدَّةُ الفَهْمِ والفِطْنَةِ، ومَن قالَ: إنَّهُ الفَهْمُ مُطْلَقًا، ولَيْسَ بِأبْلَغَ مِنَ العِلْمِ - قالَ: إنَّهُ تَفَنُّنٌ، حَذَرًا مِن صُورَةِ التَّكْرِيرِ.
قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": جَوابُ الزَّمَخْشَرِيِّ صِناعِيٌّ، وإلّا فَلا يَتَحَقَّقُ هَذا التَّفاوُتُ، ولا سَبِيلَ إلى الحَقِيقَةِ.
قالَ: والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لَمّا أُرِيدَ فَصْلُ كِلَيْهِما بِفاصِلَةٍ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِقْلالِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما بِالمَقْصُودِ مِنَ الحُجَّةِ كُرِهَ فَصْلُهُما بِفاصِلَتَيْنِ مُتَساوِيَتَيْنِ في اللَّفْظِ، لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّكْرارِ، فَعُدِلَ إلى فاصِلَةٍ مُخالَفَةٍ، تَحْسِينًا لِلنَّظْمِ، واتِّساقًا في البَلاغَةِ، ويَحْتَمِلُ (p-٢٤٣٥)وجْهًا آخَرَ في تَخْصِيصِ الأُولى بِالعِلْمِ، والثّانِيَةِ بِالفِقْهِ، وهو أنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ التَّعْرِيضَ بِمَن لا يَتَدَبَّرُ آياتِ اللَّهِ، ولا يَعْتَبِرُ بِمَخْلُوقاتِهِ، وكانَتِ الآياتُ المَذْكُورَةُ أوَّلًا خارِجَةً عَنْ أنْفُسِ النُّظّارِ ومُنافِيَةً لَها، إذِ النُّجُومُ والنَّظَرُ فِيها، وعِلْمُ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ في تَدْبِيرِهِ لَها، أمْرٌ خارِجٌ عَنْ نَفْسِ النّاظِرِ، ولا كَذَلِكَ النَّظَرُ في إنْشائِهِمْ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، وتَقَلُّباتِهِمْ في أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، وأحْوالٍ مُتَغايِرَةٍ فَإنَّهُ نَظَرٌ لا يَعْدُو نَفْسَ النّاظِرِ، ولا يَتَجاوَزُها. فَإذا تَمَهَّدَ ذَلِكَ. فَجَهْلُ الإنْسانِ بِنَفْسِهِ وأحْوالِهِ، وعَدَمُ النَّظَرِ فِيها والتَّفَكُّرِ، أبْشَعُ مِن جَهْلِهِ بِالأُمُورِ الخارِجِيَّةِ عَنْهُ، كالنُّجُومِ والأفْلاكِ، ومَقادِيرِ سَيْرِها وتَقَلُّبِها. فَلَمّا كانَ الفِقْهُ أدْنى دَرَجاتِ العِلْمِ، إذْ هو عِبارَةٌ عَنِ الفَهْمِ، نُفِيَ مِن أبْشَعِ القَبِيلَيْنِ جَهْلًا، وهُمُ الَّذِينَ لا يَتَبَصَّرُونَ في أنْفُسِهِمْ، ونَفْيُ الأدْنى أبْشَعُ مِن نَفْيِ الأعْلى دَرَجَةً، فَخَصَّ بِهِ أسْوَأ الفَرِيقَيْنِ حالًا. و(يَفْقَهُونَ) هَهُنا مُضارِعُ فَقِهَ الشَّيْءَ - بِكَسْرِ القافِ - إذا فَهِمَهُ، ولَوْ أدْنى فَهْمٍ. ولَيْسَ مِن (فَقُهَ) بِضَمِّ القافِ؛ لِأنَّ تِلْكَ دَرَجَةٌ عالِيَةٌ، ومَعْناهُ صارَ فَقِيهًا - قالَهُ الهَرَوِيُّ في مَعْرِضِ الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّ (فِقِهَ) أنْزَلُ مِن (عَلِمَ) -. وفي حَدِيثِ سَلْمانَ أنَّهُ قالَ وقَدْ سَألَتْهُ امْرَأةٌ جاءَتْهُ: فَقِهَتْ أيْ: فَهِمَتْ، كالمُتَعَجِّبِ مِن فَهْمِ المَرْأةِ عَنْهُ. وإذا قِيلَ: فُلانٌ لا يَفْقَهُ شَيْئًا كانَ أذَمَّ في العُرْفِ مِن قَوْلِ: فُلانٌ لا يَعْلَمُ شَيْئًا. وكَأنَّ مَعْنى قَوْلِكَ: (لا يَفْقَهُ شَيْئًا) لَيْسَتْ لَهُ أهْلِيَّةُ الفَهْمِ وإنْ فَهِمَ. وأمّا قَوْلُكَ: (لا يَعْلَمُ شَيْئًا) فَغايَتُهُ نَفْيُ حُصُولِ العِلْمِ لَهُ، وقَدْ يَكُونُ لَهُ أهْلِيَّةُ الفَهْمِ والعِلْمِ، لَوْ يَعْلَمُ. والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ التّارِكَ لِلْفِكْرَةِ في نَفْسِهِ أجْهَلُ وأسْوَأُ حالًا مِنَ التّارِكِ لِلْفِكْرَةِ في غَيْرِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠] ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] فَخَصَّ التَّبَصُّرَ (p-٢٤٣٦)فِي النَّفْسِ بَعْدَ انْدِراجِها فِيما في الأرْضِ مِنَ الآياتِ، وأنْكَرَ عَلى مَن لا يَتَبَصَّرُ في نَفْسِهِ إنْكارًا مُسْتَأْنَفًا. وقَوْلُنا، في أدْراجِ الكَلامِ: (إنَّهُ نَفى العِلْمَ عَنْ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ، ونَفى الفِقْهَ عَنِ الآخَرِ) يَعْنِي: بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ، حَيْثُ خَصَّ العِلْمَ بِالآياتِ المُفَصَّلَةِ، والتَّفَقُّهَ فِيها بِقَوْمٍ. فَأشْعَرَ أنَّ قَوْمًا غَيْرَهم لا عِلْمَ عِنْدَهُمْ، ولا فِقْهَ - واللَّهُ المُوَفِّقُ - فَتَأمَّلْ هَذا الفَصْلَ، وإنْ طالَ بَعْضَ الطُّولِ، فالنَّظَرُ في الحُسْنِ غَيْرُ مَمْلُولٍ. انْتَهى. وهَذا مِن دِقَّةِ النَّظَرِ في الكِتابِ العَزِيزِ، وإبْرازِ مَحاسِنِهِ ولَطائِفِهِ.
6:99Страница 140
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَيۡءٖ فَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهُ خَضِرٗا نُّخۡرِجُ مِنۡهُ حَبّٗا مُّتَرَاكِبٗا وَمِنَ ٱلنَّخۡلِ مِن طَلۡعِهَا قِنۡوَانٞ دَانِيَةٞ وَجَنَّٰتٖ مِّنۡ أَعۡنَابٖ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشۡتَبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٍۗ ٱنظُرُوٓاْ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَيَنۡعِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمۡ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٩٩
Он - Тот, Кто ниспослал с неба воду. Посредством нее Мы взрастили растения всех видов. Мы выводим из них зеленые травы, а из них - расположенные одно на другом зерна. На финиковых пальмах из завязей вырастают свисающие низко гроздья. Мы взращиваем виноградники, оливки и гранаты, которые имеют сходства и различия. Взгляните на их плоды, когда они появляются и когда созревают. Воистину, в этом - знамения для людей верующих.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حُجَّةً كُبْرى عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، ومِنَّةً أُخْرى مِن جَسِيمِ نِعْمَتِهِ بِقَوْلِهِ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٩] ﴿وهُوَ الَّذِي أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ ويَنْعِهِ إنَّ في ذَلِكم لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
﴿وهُوَ الَّذِي أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ: مِنَ السَّحابِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨] ﴿أأنْتُمْ أنْـزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْـزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٩] وسُمِّيَ السَّحابُ سَماءً؛ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي كُلَّ ما عَلا سَماءً.
﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ التَفَتَ إلى التَّكَلُّمِ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ ما أنْزَلَ الماءَ لِأجْلِهِ؛ أيْ: فَأخْرَجْنا بِعَظَمَتِنا بِذَلِكَ الماءِ مَعَ وحْدَتِهِ: ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: صِنْفٍ مِن أصْنافِ (p-٢٤٣٧)النَّباتِ والثِّمارِ المُخْتَلِفَةِ الطُّعُومِ والألْوانِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤]
﴿فَأخْرَجْنا مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ النَّباتِ، يَعْنِي أُصُولَهُ: ﴿خَضِرًا﴾ أيْ: شَيْئًا غَضًّا أخْصَرَ. يُقالُ: أخْضَرَ وخَضِرَ، كَأعْوَرَ وعَوِرَ، وهو ما تَشَعَّبَ مِن أصْلِ النَّباتِ الخارِجِ مِنَ الحَبَّةِ نُخْرِجُ مِنهُ صِفَةٌ لِ (خَضِرًا) وصِيغَةُ المُضارِعِ، لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، لِما فِيها مِنَ الغَرابَةِ، أيْ: نُخْرِجُ مِن ذَلِكَ الخَضِرِ: ﴿حَبًّا مُتَراكِبًا﴾ أيْ: مُتَراكِمًا بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، مِثْلَ سَنابِلِ البُرِّ والشَّعِيرِ والأُرْزِ.
قالَ الرّازِيُّ: ويَحْصُلُ فَوْقَ السُّنْبُلَةِ أجْسامٌ دَقِيقَةٌ حادَّةٌ كَأنَّها الإبَرُ، والمَقْصُودُ مِن تَخْلِيقِها أنْ تُمْنَعَ الطُّيُورُ مِنَ التِقاطِ تِلْكَ الحَبّاتِ المُتَراكِبَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما يَنْشَأُ عَنِ النَّوى مِنَ الشَّجَرِ، إثْرَ بَيانِ ما يَنْشَأُ عَنِ الحَبِّ مِنَ النَّباتِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ الطَّلْعُ: أوَّلُ ما يَبْدُو مِن ثَمَرِ النَّخِيلِ كالكِيزانِ يَكُونُ فِيهِ العِذْقُ، فَإذا شُقَّ عَنْهُ كِيزانُهُ سُمِّيَ عِذْقًا (بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الذّالِ المُعْجَمَةِ بَعْدَها) - وهو القِنْوُ، أيِ: العُرْجُونُ، بِما فِيهِ مِنَ الشَّمارِيخِ، وجَمْعُهُ قِنْوانٌ - (مُثَلَّثُ القافِ) وهو ومُثَنّاهُ سَواءٌ، لا يُفَرِّقُ بَيْنَهُما إلّا الإعْرابُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِنْوانٌ، رُفِعَ الِابْتِداءِ، و(مِنَ النَّخْلِ) خَبَرُهُ، و(مِن طَلْعِها) بَدَلٌ مِنهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وحاصِلَةٌ مِن طَلْعِ النَّخْلِ قِنْوانٌ، انْتَهى. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (مِنَ النَّخْلِ) عَطْفًا عَلى (مِنهُ) وما بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. أيْ: وأخْرَجْنا مِنَ النَّخْلِ نَخْلًا مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ، أيْ: مُلْتَفَّةٌ، يَقْرُبُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، أوْ قَرِيبَةٌ مِنَ المُتَناوَلِ، وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى (p-٢٤٣٨)ذِكْرِها لِدَلالَتِها عَلى مُقابِلِها، أعْنِي البَعِيدَةَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] ولِزِيادَةِ النِّعْمَةِ فِيها: ﴿وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ﴾ عَطْفٌ عَلى (نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ) أيْ: وأخْرَجْنا بِهِ جَنّاتٍ، أوْ عَلى (خَضِرًا). وقالَ الطِّيبِيُّ: الأظْهَرُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى (حَبًّا) لِأنَّ قَوْلَهُ: (نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ) مُفَصِّلٌ لِاشْتِمالِهِ عَلى كُلِّ صِنْفٍ مِن أصْنافِ النّامِي، كَأنَّهُ قالَ: فَأخْرَجْنا بِالنّامِي نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ يُنْبِتُ كُلَّ صِنْفٍ مِن أصْنافِ النّامِي، والنّامِي: الحَبُّ والنَّوى وشَبَهُهُما. وقَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا﴾ إلَخْ تَفْصِيلٌ لِذَلِكَ النَّباتِ. أيْ: أخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا بِسَبَبِ الماءِ، فَيَكُونُ بَدَلًا مِن (فَأخْرَجْنا) الأوَّلِ، بَدَلُ اشْتِمالٍ. ومِن هَهُنا يَقَعُ التَّفْصِيلُ، فَبَعْضٌ يَخْرُجُ مِنهُ السَّنابِلُ ذاتَ حُبُوبٍ مُتَكاثِرَةٍ، وبَعْضٌ يَخْرُجُ مِنهُ ذاتُ قِنْوانٍ دانِيَةٍ، وبَعْضٌ يَخْرُجُ مِنهُ وبَعْضٌ آخَرُ جَنّاتٌ مَعْرُوشاتٌ... إلَخْ.
﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ﴾ العَطْفُ فِيهِ كَما تَقَدَّمَ: ﴿مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ حالٌ مِن (الزَّيْتُونِ)، اكْتَفى بِهِ عَنْ حالِ ما بَعْدَهُ. أوْ مِن (الرُّمّانِ) لِقُرْبِهِ. والمَحْذُوفُ حالُ الأوَّلِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: اشْتَبَهَ الشَّيْئانِ وتَشابَها، كَقَوْلِكَ: اسْتَوَيا وتَساوَيا. والِافْتِعالُ والتَّفاعُلُ يَشْتَرِكانِ كَثِيرًا. وقُرِئَ: (مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ). والمَعْنى: بَعْضُهُ مُتَشابِهًا، وبَعْضُهُ غَيْرَ مُتَشابِهٍ في الهَيْئَةِ والمِقْدارِ واللَّوْنِ والطَّعْمِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ صانِعِها، وحِكْمَةِ مُنْشِئِها ومُبْدِعِها.
﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ أيْ: ثَمَرِ كُلِّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ إذا أخْرَجَ ثَمَرَهُ، كَيْفَ يَكُونُ ضَئِيلًا ضَعِيفًا، لا يَكادُ يُنْتَفَعُ بِهِ. ﴿ويَنْعِهِ﴾ أيْ: وإلى حالِ يَنْعِهِ ونُضْجِهِ، كَيْفَ يَعُودُ شَيْئًا جامِعًا لِمَنافِعَ ومَلاذَّ. أيِ: انْظُرُوا إلى ذَلِكَ نَظَرَ اعْتِبارٍ واسْتِبْصارٍ واسْتِدْلالٍ، عَلى قُدْرَةِ مُقَدِّرِهِ ومُدَبِّرِهِ وناقِلِهِ، عَلى وفْقِ الرَّحْمَةِ والحِكْمَةِ، مِن حالٍ إلى حالٍ، فَإنَّ فِيهِ آياتٍ عَظِيمَةً دالَّةً عَلى ذَلِكَ، كَما قالَ:
(p-٢٤٣٩)﴿إنَّ في ذَلِكم لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: يُصَدِّقُونَ بِأنَّ الَّذِي أخْرَجَ هَذا النَّباتَ وهَذِهِ الثِّمارَ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ دُونَ ما سِواهُ، أوْ هو القادِرُ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى ويَبْعَثَهم. قالَ بَعْضُهُمْ: القَوْمُ كانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ، فاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِتَصْرِيفِ ما خَلَقَ، ونَقْلِهِ مِن حالٍ إلى حالٍ، وهو ما يَعْلَمُونَهُ قَطْعًا ويُشاهِدُونَهُ مِن إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، وإخْراجِ أنْواعِ النَّباتِ والثِّمارِ مِنها، وأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ أحَدٌ إلّا اللَّهُ تَعالى. فَبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى كَذَلِكَ قادِرٌ عَلى إنْشائِهِمْ مِن نُفُوسِهِمْ وأبْدانِهِمْ، وعَلى البَعْثِ بِإنْزالِ المَطَرِ مِنَ السَّماءِ، ثُمَّ إنْباتِ الأجْسادِ كالنَّباتِ، ثُمَّ جَعْلِها خَضِرَةً بِالحَياةِ، ثُمَّ تَصْوِيرِ الأعْمالِ بِصُورَةٍ كَثِيرَةٍ، وإفادَةِ أُمُورٍ زائِدَةٍ، وتَفْرِيعِها، وإعْطاءِ أطْعِمَةٍ مُشْتَبِهَةٍ في الصُّورَةِ، غَيْرِ مُتَشابِهَةٍ في اللَّذَّةِ، جَزاءً عَلَيْها، واللَّهُ أعْلَمُ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَهُنا أرْبَعَةَ أنْواعٍ مِنَ الأشْجارِ: النَّخْلَ والعِنَبَ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ، وإنَّما قَدَّمَ الزَّرْعَ عَلى الشَّجَرِ؛ لِأنَّ الزَّرْعَ غِذاءٌ، وثِمارُ الأشْجارِ فَواكِهُ، والغِذاءُ مُقَدَّمٌ عَلى الفاكِهَةِ. وإنَّما قُدِّمَ النَّخْلُ عَلى سائِرِ الفَواكِهِ؛ لِأنَّ التَّمْرَ يَجْرِي مَجْرى الغِذاءِ بِالنِّسْبَةِ إلى العَرَبِ، ولِأنَّ الحُكَماءَ بَيَّنُوا أنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحَيَوانِ مُشابَهَةٌ في خَواصَّ كَثِيرَةٍ، بِحَيْثُ لا تُوجَدُ تِلْكَ المُشابَهَةُ في سائِرِ أنْواعِ النَّباتِ. ولِهَذا المَعْنى قالَ ﷺ: ««فَإنَّها خُلِقَتْ مِن بَقِيَّةِ طِينَةِ آدَمَ»» . وإنَّما ذُكِرَ العِنَبُ عَقِيبَ النَّخْلِ؛ لِأنَّ العِنَبَ أشْرَفُ أنْواعِ الفَواكِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ مِن أوَّلِ ما يَظْهَرُ يَصِيرُ مُنْتَفَعًا بِهِ إلى آخِرِ الحالِ. فَأوَّلُ ما يَظْهَرُ عَلى الشَّجَرِ، يَظْهَرُ خُيُوطٌ خُضْرٌ دَقِيقَةٌ حامِضَةُ الطَّعْمِ، لَذِيذَةُ المَطْعَمِ، وقَدْ يُمْكِنُ اتِّخاذُ الطَّبائِخِ مِنهُ. ثُمَّ بَعْدَهُ يَظْهَرُ الحِصْرِمُ، وهو طَعامٌ شَرِيفٌ لِلْأصِحّاءِ والمَرْضى، وقَدْ يُتَّخَذُ الحِصْرِمُ أشْرِبَةً لَطِيفَةَ المَذاقِ، نافِعَةً لِأصْحابِ الصَّفْراءِ، وقَدْ يُتَّخَذُ الطَّبِيخُ مِنهُ، فَكَأنَّهُ ألَذُّ الطَّبائِخِ الحامِضَةِ. ثُمَّ إذا تَمَّ العِنَبُ فَهو ألَذُّ الفَواكِهِ وأشْهاها، ويُمْكِنُ ادِّخارُ العِنَبِ المُعَلَّقِ سَنَةً أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ (p-٢٤٤٠)وهُوَ في الحَقِيقَةِ ألَذُّ الفَواكِهِ المُدَّخَرَةِ، ثُمَّ يَبْقى مِنهُ أنْواعٌ مِنَ المُتَناوَلاتِ وهي الزَّبِيبُ والدِّبْسُ والخَلُّ، ومَنافِعُ هَذِهِ لا يُمْكِنُ ذِكْرُها إلّا في المُجَلَّداتِ. وأحْسَنُ ما في العِنَبِ عَجَمُهُ، والأطِبّاءُ يَتَّخِذُونَ مِنهُ (جَوارْشَناتٍ) عَظِيمَةَ النَّفْعِ لِلْمَعِدَةِ الضَّعِيفَةِ الرَّطْبَةِ. فَثَبَتَ أنَّ العِنَبَ كَأنَّهُ سُلْطانُ الفَواكِهِ.
وأمّا الزَّيْتُونُ فَهو أيْضًا كَثِيرُ النَّفْعِ؛ لِأنَّهُ يُمْكِنُ تَناوُلُهُ كَما هُوَ، ويَنْفَصِلُ أيْضًا عَنْهُ دُهْنٌ كَثِيرٌ، عَظِيمُ النَّفْعِ في الأكْلِ، وفي سائِرِ وُجُوهِ الِاسْتِعْمالِ.
وأمّا الرُّمّانُ فَحالُهُ عَجِيبٌ جِدًّا؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ جِسْمٌ مُرَكَّبٌ مِن أرْبَعَةِ أقْسامٍ: قِشْرُهُ وشَحْمُهُ وعَجَمُهُ وماؤُهُ. أمّا الأقْسامُ الثَّلاثَةُ الأُوَلُ وهي القِشْرُ والشَّحْمُ والعَجَمُ فَكُلُّها بارِدَةٌ يابِسَةٌ قابِضَةٌ عَفْصَةٌ قَوِيَّةٌ في هَذِهِ الصِّفاتِ. وأمّا ماءُ الرُّمّانِ فَبِالضِّدِّ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ، فَإنَّهُ ألَذُّ الأشْرِبَةِ وألْطَفُها وأقْرَبُها إلى الِاعْتِدالِ، وأشَدُّها مُناسَبَةً لِلطِّباعِ المُعْتَدِلَةِ، وفِيهِ تَقْوِيَةٌ لِلْمِزاجِ الضَّعِيفِ، وهو غِذاءٌ مِن وجْهٍ، ودَواءٌ مِن وجْهٍ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ المُتَضادَّيْنِ المُتَغايِرَيْنِ. فَكانَتْ دَلالَةُ القُدْرَةِ والرَّحْمَةِ فِيهِ أكْمَلَ وأتَمَّ.
واعْلَمْ أنَّ أنْواعَ النَّباتِ أكْثَرُ مِن أنَّ تَفِيَ بِشَرْحِها مُجَلَّداتٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأقْسامَ الأرْبَعَةَ، الَّتِي هي أشْرَفُ أنْواعِ النَّباتِ، واكْتَفى بِذِكْرِها تَنْبِيهًا عَلى البَواقِي. انْتَهى.
أقُولُ: حَدِيثُ ««أكْرِمُوا عَمَّتَكُمُ النَّخْلَةَ»» المَذْكُورُ، رَواهُ أبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ والعُقَيْلِيُّ وابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ السُّنِّيِّ وأبُو نُعَيْمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَما في الجامِعِ الصَّغِيرِ، ورُمِزَ عَلَيْهِ بِالضَّعْفِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии