Аль-КасимиАль‑Джинн · 72:1–24

Аль-Касими · Тафсир · на арабском

الجن

Аль-Джинн

Джинны · Мекканская · 28 аятов

72:1–2Страница 572

قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا ١

Скажи: «Мне было открыто, что несколько джиннов послушали чтение Корана и сказали: «Воистину, мы слышали удивительный Коран.

يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلرُّشۡدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦۖ وَلَن نُّشۡرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدٗا ٢

Он наставляет на прямой путь, и мы уверовали в него и не будем приобщать сотоварищей к нашему Господу.

(p-٥٩٤٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الجِنِّ

قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِها عَلى تَفاصِيلِ أقْوالِهِمْ في تَحْسِينِ الإيمانِ، وتَقْبِيحِ الكُفْرِ، مَعَ كَوْنِ أقْوالِهِمْ أشَدَّ تَأْثِيرًا في قُلُوبِ العامَّةِ، لِتَعْظِيمِهِمْ إيّاهم.

وهِيَ مَكِّيَّةٌ. وآيُها ثَمانٍ وعِشْرُونَ.

(p-٥٩٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١ - ٢] ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ [الجن: ٢]

﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ أيْ: لِهَذا القُرْآنِ الحَكِيمِ. والمَشْهُورُ أنَّ النَّفَرَ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ إلى الأرْبَعِينَ كالرَّهْطِ، كَما في "المُجْمَلِ".

قالَ القاشانِيُّ: قَدْ مَرَّ أنَّ في الوُجُودِ نُفُوسًا أرْضِيَّةً قَوِيَّةً، لا في غِلَظِ النُّفُوسِ السُّبَعِيَّةِ والبَهِيمِيَّةِ وكَثافَتِها، وقِلَّةِ إدْراكِها، ولا عَلى هَيْئاتِ النُّفُوسِ الإنْسانِيَّةِ واسْتِعْداداتِها، لِيَلْزَمَ تَعَلُّقُها بِالأجْرامِ الكَثِيفَةِ الغالِبِ عَلَيْها الأرْضِيَّةُ، ولا في صَفاءِ النُّفُوسِ المُجَرَّدَةِ ولَطافَتِها لِتَتَّصِلَ بِالعالَمِ العُلْوِيِّ، وتَتَجَرَّدَ مُتَعَلِّقَةً بِأجْرامٍ عُنْصُرِيَّةٍ لَطِيفَةٍ، غَلَبَتْ عَلَيْها الهَوائِيَّةُ أوِ النّارِيَّةُ أوِ الدُّخانِيَّةُ، عَلى اخْتِلافِ أحْوالِها، سَمّاها بَعْضُ الحُكَماءِ الصُّوَرَ المُعَلَّقَةَ، ولَها عُلُومٌ وإدْراكاتٌ مِن جِنْسِ عُلُومِنا وإدْراكاتِنا. ولَمّا كانَتْ قَرِيبَةً بِالطَّبْعِ إلى المَلَكُوتِ السَّماوِيَّةِ، أمْكَنَها أنْ تَتَلَقّى مِن عالَمِها بَعْضَ الغَيْبِ، فَلا تَسْتَبْعِدُ أنْ تَرْتَقِيَ إلى أُفُقِ السَّماءِ فَتَسْتَرِقُ السَّمْعَ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، أيِ: النُّفُوسِ المُجَرَّدَةِ، ولَمّا كانَتْ أرْضِيَّةً ضَعِيفَةً بِالنِّسْبَةِ إلى القُوى السَّماوِيَّةِ، تَأثَّرَتْ بِتَأْثِيرِ تِلْكَ القُوى، فَرَجَمَتْ بِتَأْثِيرِها عَنْ بُلُوغِ شَأْوِها، وإدْراكِ مَداها مِنَ العُلُومِ، ولا يُنْكَرُ أنْ تَشْتَعِلَ أجْرامُها الدُّخانِيَّةُ بِأشِعَّةِ الكَواكِبِ فَتَحْتَرِقَ وتَهْلَكَ، أوْ تَنْزَجِرَ مِنَ الِارْتِقاءِ إلى الأُفُقِ السَّماوِيِّ فَتَتَسَفَّلَ، فَإنَّها أُمُورٌ لَيْسَتْ بِخارِجَةٍ عَنِ الإمْكانِ، وقَدْ أخْبَرَ عَنْها أهْلُ الكَشْفِ والعِيانِ الصّادِقُونَ مِنَ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ، خُصُوصًا أكْمَلَهم نَبِيَّنا مُحَمَّدًا ﷺ. انْتَهى.

(p-٥٩٤٤)وفِي الآيَةِ -كَما قالَ القاضِي- دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ ﷺ ما رَآهُمْ، ولَمْ يَقْرَأْ عَلَيْهِمْ، وإنَّما اتَّفَقَ حُضُورُهم في بَعْضِ أوْقاتِ قِراءَتِهِ فَسَمِعُوها، فَأخْبَرَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ.

﴿فَقالُوا﴾ أيْ: لَمّا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: كِتابًا جامِعًا لِلْحَقائِقِ الإلَهِيَّةِ والكَوْنِيَّةِ، والأحْكامِ والمَواعِظِ، وجَمِيعِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في أمْرِ الدّارَيْنِ.

﴿عَجَبًا﴾ [الكهف: ٦٣] أيْ: غَرِيبًا، لا تُناسِبُهُ عِبارَةُ الخَلْقِ، ولا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتِهِمْ. ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ٢] أيْ: إلى الحَقِّ وسَبِيلِ الصَّوابِ ﴿فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ [الجن: ٢] أيْ: مِن خَلْقِهِ، في العِبادَةِ مَعَهُ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: هَذا المَقامُ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ تَعالى:

﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] الآيَةَ. وقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ»، وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ! فَرَجَعَتِ الشَّياطِينُ فَقالُوا: ما لَكُمْ؟ قالُوا: حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْنا الشُّهُبُ! قالَ: ما حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ إلّا ما حَدَثَ، فاضْرِبُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، فانْظُرُوا ما هَذا الأمْرُ الَّذِي حَدَثَ؟ فانْطَلَقُوا فَضَرَبُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، يَنْظُرُونَ ما هَذا الأمْرُ الَّذِي حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ! قالَ: فانْطَلَقَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهامَةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَخْلَةَ، وهو عامِدٌ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ، فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ تَسَمَّعُوا لَهُ، فَقالُوا: هَذا الَّذِي حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فَهُنالِكَ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا: يا قَوْمَنا! إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا. وأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ وإنَّما (p-٥٩٤٥)أُوحِيَ إلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ». ورَواهُ مُسْلِمٌ أيْضًا وزادَ في أوَّلِهِ: «ما قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ عَلى الجِنِّ ولا رَآهُمْ، انْطَلَقَ.....» إلى آخِرِهِ.

الثّانِي: قالَ اَلْماوَرْدِيُّ: ظاهِرُ الآيَةِ أنَّهم آمَنُوا عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ. قالَ: والإيمانُ يَقَعُ بِأحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا بِأنْ يَعْلَمَ حَقِيقَةَ الإعْجازِ وشُرُوطَ المُعْجِزَةِ، فَيَقَعُ لَهُ العِلْمُ بِصِدْقِ الرَّسُولِ، أوْ يَكُونُ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكُتُبِ الأُولى، فِيها دَلائِلُ عَلى أنَّهُ النَّبِيُّ المُبَشَّرُ بِهِ، وكِلا الأمْرَيْنِ في الجِنِّ مُحْتَمَلٌ. انْتَهى.

الثّالِثُ: قالَ الرّازِيُّ: في الآيَةِ فَوائِدُ:

إحْداها: أنْ يَعْرِفُوا بِذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما بُعِثَ إلى الإنْسِ، فَقَدْ بُعِثَ إلى الجِنِّ.

وثانِيها: أنْ يَعْلَمَ قُرَيْشٌ أنَّ الجِنَّ، مَعَ تَمَرُّدِهِمْ، لَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ عَرَفُوا إعْجازَهُ، فَآمَنُوا بِالرَّسُولِ.

وثالِثُها: أنْ يَعْلَمَ القَوْمُ أنَّ الجِنَّ مُكَلَّفُونَ كالإنْسِ.

ورابِعُها: أنْ يُعْلَمَ أنَّ الجِنَّ يَسْتَمِعُونَ كَلامَنا، ويَفْهَمُونَ لُغاتِنا.

وخامِسُها: أنْ يَظْهَرَ أنَّ المُؤْمِنَ مِنهم يَدْعُو غَيْرَهُ مِن قَبِيلَتِهِ إلى الإيمانِ.

وفِي كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ مَصالِحُ كَثِيرَةٌ إذا عَرَفَها النّاسُ. انْتَهى.

ولَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ، ووُفِّقُوا لِلتَّوْحِيدِ والإيمانِ، تَنَبَّهُوا عَلى الخَطَأِ فِيما اعْتَقَدَهُ كَفَرَةُ الجِنِّ مِن تَشْبِيهِ اللَّهِ بِخَلْقِهِ، واتِّخاذِهِ صاحِبَةً ووَلَدًا، فاسْتَعْظَمُوهُ، ونَزَّهُوهُ عَنْهُ، فَقالُوا:

72:3Страница 572

وَأَنَّهُۥ تَعَٰلَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَٰحِبَةٗ وَلَا وَلَدٗا ٣

Величие (или богатство) нашего Господа превысокое, и Он не взял Себе ни супруги, ни сына.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣] ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾

﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ أيْ: تَعالى مُلْكُهُ وعَظَمَتُهُ، وصِدْقُ رُبُوبِيَّتِهِ، عَنِ اتِّخاذِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ.

(p-٥٩٤٦)قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الجَدُّ بِمَعْنى الحَظِّ. يُقالُ: فُلانٌ ذُو جَدٍّ في هَذا الأمْرِ إذا كانَ لَهُ حَظٌّ فِيهِ، وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ بِالفارِسِيَّةِ: البَخْتُ. والمَعْنى: أنَّ حُظْوَتَهُ مِنَ المُلْكِ والسُّلْطانِ والقُدْرَةَ العَظِيمَةَ عالِيَةٌ، فَلا تَكُونُ لَهُ صاحِبَةٌ ولا ولَدٌ؛ لِأنَّ الصّاحِبَةَ إنَّما تَكُونُ لِلضَّعِيفِ العاجِزِ الَّذِي تَضْطَرُّهُ الشَّهْوَةُ الباعِثَةُ إلى اتِّخاذِها، وأنَّ الوَلَدَ إنَّما يَكُونُ عَنْ شَهْوَةٍ أزْعَجَتْهُ إلى الوِقاعِ الَّذِي يَحْدُثُ مِنهُ الوَلَدُ. فَقالَ النَّفَرُ مِنَ الجِنِّ: عَلا مُلْكُ رَبِّنا وسُلْطانُهُ وقُدْرَتُهُ وعَظَمَتُهُ أنْ يَكُونَ ضَعِيفًا ضَعْفَ خَلْقِهِ، الَّذِينَ تَضْطَرُّهُمُ الشَّهْوَةُ إلى اتِّخاذِ صاحِبَةٍ، أوْ وِقاعِ شَيْءٍ يَكُونُ مِنهُ ولَدٌ.

72:4–6Страница 572

وَأَنَّهُۥ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطٗا ٤

Глупец среди нас (Иблис) наговаривал на Аллаха чрезмерное.

وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ٥

Мы же думали, что ни люди, ни джинны не станут говорить об Аллахе ложь.

وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٞ مِّنَ ٱلۡإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٖ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَزَادُوهُمۡ رَهَقٗا ٦

Мужи из числа людей искали покровительства мужей из числа джиннов, но они только увеличивали в них страх (или беззаконие).

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤ - ٦] ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الجن: ٥] ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ فَزادُوهم رَهَقًا﴾ [الجن: ٦]

﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾ يَعْنُونَ بِهِ مُضِلَّهم ومُغْوِيَهم ﴿عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ أيْ: قَوْلًا ذا شَطَطٍ. صِفَةٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ. أوْ جُعِلَ عَيْنُ الشَّطَطِ مُبالَغَةً فِيهِ. وأصْلُهُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ، والمُرادُ مِنهُ نِسْبَةُ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الجن: ٥] أيْ: في نِسْبَةِ ما لَيْسَ بِحَقٍّ، إلَيْهِ سُبْحانَهُ. وهو اعْتِذارٌ عَنِ اتِّباعِهِمُ السَّفِيهَ في ذَلِكَ، لِظَنِّهِمْ أنَّ أحَدًا لا يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ، حَتّى تَبَيَّنَ لَهم بِالقُرْآنِ كَذِبُ السَّفِيهِ وافْتِراؤُهُ.

﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ فَزادُوهم رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَبِيتُ أحَدُهم بِالوادِي في الجاهِلِيَّةِ فَيَقُولُ: أعُوذُ بِعَزِيزِ هَذا الوادِي، فَزادَهم ذَلِكَ إثْمًا.فَفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى ما كانُوا يَعْتَقِدُونَ (p-٥٩٤٧)فِي الجاهِلِيَّةِ مِن أنَّ الوُدْيانَ مَقَرُّ الجِنِّ، وأنَّ رُؤَساءَها تَحْمِيهِمْ مِنهم. وهَكَذا قالَ إبْراهِيمُ: كانُوا إذا نَزَلُوا الوادِيَ قالُوا: نَعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ ما فِيهِ، فَتَقُولُ الجِنُّ: ما نَمْلِكُ لَكم ولا لِأنْفُسِنا ضُرًّا ولا نَفْعًا.

وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانُوا يَقُولُونَ: فُلانٌ مِنَ الجِنِّ رَبُّ هَذا الوادِي، فَكانَ أحَدُهم إذا دَخَلَ الوادِيَ يَعُوذُ بِرَبِّ الوادِي مِن دُونِ اللَّهِ. قالَ: فَيَزِيدُهم ذَلِكَ رَهَقًا، وهو الفَرَقُ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا نَزَلَ بِوادٍ قَبْلَ الإسْلامِ قالَ: إنِّي أعُوذُ بِكَبِيرِ هَذا الوادِي. فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ، عاذُوا بِاللَّهِ وتَرَكُوهم. انْتَهى.

أيْ: لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الشِّرْكِ، ولِذا نَزَلَتْ سُورَتا المُعَوِّذَتَيْنِ لِتَعْلِيمِ الِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ تَعالى وحْدَهُ والتَّبَرُّؤِ مِنَ الِاسْتِعاذَةِ بِغَيْرِهِ، وكَذَلِكَ أذْكارُ الِاسْتِعاذاتِ المَأْثُورَةِ، فَإنَّها لِلْإرْشادِ لِذَلِكَ.

رَوى مُسْلِمٌ عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ قالَتْ: «مَن نَزَلَ مَنزِلًا فَقالَ: أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامّاتِ مِن شَرِّ ما خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتّى يَرْحَلَ مِن مَنزِلِهِ ذَلِكَ».

قالَ بَعْضُهُمْ: في الحَدِيثِ تَفْسِيرُ آيَةِ الجِنِّ، وأنَّ ما فِيها مِنَ الشِّرْكِ، وأنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ يَحْصُلُ بِهِ مَنفَعَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ مِن كَفِّ شَرٍّ، أوْ جَلْبِ نَفْعٍ، لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الشِّرْكِ.

وفِي الآيَةِ تَأْوِيلٌ غَرِيبٌ، نَقَلَهُ الرّازِيُّ وهو أنَّ المُرادَ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الإنْسِ أيْضًا، لَكِنْ مِن شَرِّ الجِنِّ، مِثْلَ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: أعُوذُ بِرَسُولِ اللَّهِ مِن شَرِّ جِنِّ هَذا الوادِي. وأصْحابُ هَذا التَّأْوِيلِ، إنَّما ذَهَبُوا إلَيْهِ لِأنَّ الرَّجُلَ اسْمُ الإنْسِ لا اسْمُ الجِنِّ. وهَذا ضَعِيفٌ؛ فَإنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الذَّكَرَ مِنَ الجِنِّ لا يُسَمّى رَجُلًا. انْتَهى. والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في ﴿فَزادُوهُمْ﴾ [الجن: ٦] لِلْجِنِّ، عَلى مَعْنى: فَزادُوهم بِاسْتِعاذَتِهِمْ بِهِمْ، غَيًّا وإثْمًا وضَلالًا. أوْ لِلْإنْسِ عَلى مَعْنى: فَزادُوا الجِنَّ بِاسْتِعاذَتِهِمْ كِبْرًا وعُتُوًّا.

و(الرَّهَقُ) في الأصْلِ غِشْيانُ الشَّيْءِ، فَخُصَّ بِما يَعْرِضُ مِنَ الكِبْرِ أوِ الضَّلالِ.

(p-٥٩٤٨)

72:7–9Страница 572

وَأَنَّهُمۡ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمۡ أَن لَّن يَبۡعَثَ ٱللَّهُ أَحَدٗا ٧

Они думали так же, как и вы, что Аллах никого не воскресит.

وَأَنَّا لَمَسۡنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدۡنَٰهَا مُلِئَتۡ حَرَسٗا شَدِيدٗا وَشُهُبٗا ٨

Мы достигли неба, но обнаружили, что оно заполнено суровыми стражами и пылающими огнями.

وَأَنَّا كُنَّا نَقۡعُدُ مِنۡهَا مَقَٰعِدَ لِلسَّمۡعِۖ فَمَن يَسۡتَمِعِ ٱلۡأٓنَ يَجِدۡ لَهُۥ شِهَابٗا رَّصَدٗا ٩

Прежде мы садились там на седалищах, чтобы подслушивать. Но тот, кто подслушает сейчас, обнаружит, что его подстерегает пылающий огонь.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧ - ٩] ﴿وأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ [الجن: ٨] ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩]

﴿وأنَّهُمْ﴾ أيْ: وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّ الجِنَّ ﴿ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ﴾ أيْ: في جاهِلِيَّتِكم.

﴿أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ أيْ: رَسُولًا إلى خَلْقِهِ يَدْعُوهم إلى تَوْحِيدِهِ وما فِيهِ سَعادَتُهم. أوْ لَنْ يَنْشُرَ اللَّهُ أحَدًا مِن قَبْرِهِ لِلْحِسابِ والجَزاءِ.

وقِيلَ: الضَّمِيرُ في " وأنَّهم " لِلْإنْسِ، ذَهابًا إلى أنَّ قَوْلَهُ:

﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ﴾ [الجن: ٦] ﴿وأنَّهم ظَنُّوا﴾ مِن كَلامِ الجِنِّ، والخِطابُ لَهم.

﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ [الجن: ٨] أيْ: تَطَلَّبْنا بُلُوغَ السَّماءِ واسْتِماعَ كَلامِ أهْلِها ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ [الجن: ٨] أيْ: حَفَظَةً ورَواجِمَ.

﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩] أيْ: كُنّا نَقْعُدُ مِنَ السَّماءِ مَقاعِدَ لِنَسْتَمِعَ ما يَحْدُثُ، وما يَكُونُ فِيها، فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابَ نارٍ قَدْ رُصِدَ لَهُ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي قَوْلِهِ:

﴿مُلِئَتْ﴾ [الجن: ٨] دَلِيلٌ عَلى أنَّ الحادِثَ هو المَلْءُ والكَثْرَةُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ﴾ [الجن: ٩] أيْ: كُنّا نَجِدُ فِيها بَعْضَ المَقاعِدِ خالِيَةً مِنَ الحَرَسِ والشُّهُبِ، والآنَ مُلِئَتِ المَقاعِدُ كُلُّها. وهَذا ذِكْرُ ما حَمَلَهم عَلى الضَّرْبِ في البِلادِ حَتّى عَثَرُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واسْتَمَعُوا قِراءَتَهُ.

72:10Страница 572

وَأَنَّا لَا نَدۡرِيٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ أَرَادَ بِهِمۡ رَبُّهُمۡ رَشَدٗا ١٠

Мы не знаем, зло ли задумано для тех, кто на земле, или Господь пожелал направить их на прямой путь.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠] ﴿وأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾

﴿وأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ يَعْنُونَ (p-٥٩٤٩)أنَّ ما حَدَثَ مِن مَنعِهِمُ السَّمْعَ مِنَ السَّماءِ، ورَجْمِ مَنِ اسْتَمَعَ مِنهم بِالشُّهُبِ، كانُوا يَقُولُونَ: هو لِأمْرٍ عَظِيمٍ أرادَهُ اللَّهُ بِأهْلِ الأرْضِ، إمّا عَذابٌ أوْ رَحْمَةٌ، أيْ: حَتّى عَلِمُوا بَعْدُ بِاسْتِماعِهِمُ القُرْآنَ، أنَّهُ لِخَيْرٍ أُرِيدَ بِهِمْ، وذَلِكَ بِعْثَةُ نَبِيٍّ مُصْلِحٍ يُرْشِدُ إلى الحَقِّ.

قالَ النّاصِرُ: ولَقَدْ أحْسَنُوا الأدَبَ في ذِكْرِ إرادَةِ الشَّرِّ مَحْذُوفَةَ الفاعِلِ. والمُرادُ بِالمُرِيدِ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وإبْرازُهم لِاسْمِهِ عِنْدَ إرادَةِ الخَيْرِ والرَّشَدِ.

72:11–17Страница 572

وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَۖ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَدٗا ١١

Среди нас есть праведные и те, которые ниже этого. Мы были разрозненными группами.

وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعۡجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَن نُّعۡجِزَهُۥ هَرَبٗا ١٢

Мы знали, что не спасемся от Аллаха на земле и не спасемся от Него бегством.

وَأَنَّا لَمَّا سَمِعۡنَا ٱلۡهُدَىٰٓ ءَامَنَّا بِهِۦۖ فَمَن يُؤۡمِنۢ بِرَبِّهِۦ فَلَا يَخَافُ بَخۡسٗا وَلَا رَهَقٗا ١٣

Когда же мы услышали верное руководство, то уверовали в него. А тот, кто верует в своего Господа, не должен бояться ни обиды, ни притеснения.

وَأَنَّا مِنَّا ٱلۡمُسۡلِمُونَ وَمِنَّا ٱلۡقَٰسِطُونَۖ فَمَنۡ أَسۡلَمَ فَأُوْلَٰٓئِكَ تَحَرَّوۡاْ رَشَدٗا ١٤

Среди нас есть мусульмане и уклонившиеся. Те, которые стали мусульманами, последовали прямым путем.

وَأَمَّا ٱلۡقَٰسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبٗا ١٥

Уклонившиеся же будут дровами для Геенны»».

وَأَلَّوِ ٱسۡتَقَٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لَأَسۡقَيۡنَٰهُم مَّآءً غَدَقٗا ١٦

Если бы они устояли на прямом пути, то Мы напоили бы их водой вволю,

لِّنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَمَن يُعۡرِضۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِۦ يَسۡلُكۡهُ عَذَابٗا صَعَدٗا ١٧

чтобы этим подвергнуть их испытанию. А тех, кто отвращается от Напоминания своего Господа, Он ввергает в тяжкие мучения.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١ - ١٧] ﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢] ﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى آمَنّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ [الجن: ١٣] ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤] ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧]

﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ﴾ أيِ: المُسْلِمُونَ العامِلُونَ بِطاعَةِ اللَّهِ ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ: قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ، وهُمُ المُقْتَصِدُونَ في الصَّلاحِ غَيْرُ الكامِلِينَ فِيهِ، أوِ الكافِرُونَ ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أيْ: أهْواءً مُخْتَلِفَةً، وفِرَقًا شَتّى. وهَذا بَيانٌ لِلْقِسْمَةِ قَبْلُ. أيْ: كُنّا مِثْلَها أوْ ذَوِيها. و(الطَّرائِقُ): جَمْعُ طَرِيقَةٍ، وهي طَرِيقَةُ الرَّجُلِ ومَذْهَبُهُ. و(القِدَدُ) الضُّرُوبُ والأجْناسُ المُخْتَلِفَةُ، جَمْعُ (قِدَّةٍ) كالقِطْعَةِ.

(p-٥٩٥٠)﴿وأنّا ظَنَنّا﴾ [الجن: ١٢] أيْ: عَلِمْنا ﴿أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ﴾ [الجن: ١٢] أيْ: إنْ أرادَ بِنا سُوءًا ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢] أيْ: إنْ طَلَبْنا.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذِهِ صِفَةُ أحْوالِ الجِنِّ، وما هم عَلَيْهِ مِن أحْوالِهِمْ وعَقائِدِهِمْ، مِنهم أخْيارٌ وأشْرارٌ، ومُقْتَصِدُونَ، وأنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عَزِيزٌ غالِبٌ لا يَفُوتُهُ مَطْلَبٌ، ولا يُنْجِي عَنْهُ مَهْرَبٌ.

﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ [الجن: ١٣] أيِ: القُرْآنَ الَّذِي يَهْدِي إلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ [الجن: ١٣] أيْ: صَدَّقْنا بِأنَّهُ حَقٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا﴾ [الجن: ١٣] أيْ: أنْ يَنْقُصُ مِن حَسَناتِهِ فَلا يُجازى عَلَيْها ﴿ولا رَهَقًا﴾ [الجن: ١٣] أيْ: أنْ تُرْهِقَهُ ذِلَّةٌ، وتَلْحَقَهُ هَيْئَةٌ مُعَذِّبَةٌ مُوجِبَةٌ لِلْخُسُوءِ والطَّرْدِ. يَعْنِي: أنَّهُ يُجْزى الجَزاءَ الأوْفى، وتَكُونُ لَهُ في العِزِّ العاقِبَةُ الحُسْنى.

﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ﴾ [الجن: ١٤] أيِ: الكافِرُونَ الجائِرُونَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، ﴿فَمَن أسْلَمَ﴾ [الجن: ١٤] أيْ: أذْعَنَ وانْقادَ ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤] أيْ: تَرَجَّوْا وتَوَخَّوْا رَشَدًا عَظِيمًا، وقَصَدُوا صَوابًا واسْتِقامَةً. وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن أسْلَمَ﴾ [الجن: ١٤] إلَخْ مِن كَلامِ اللَّهِ أوِ الجِنِّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ زَعَمَ مَن لا يَرى لِلْجِنِّ ثَوابًا، أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْعَدَ قاسِطِيهِمْ، وما وعَدَ مُسْلِمِيهِمْ، وكَفى بِهِ وعْدًا أنْ قالَ: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤] فَذَكَرَ سَبَبَ الثَّوابِ ومُوجِبَهُ. واللَّهُ أعْدَلُ مِن أنْ يُعاقِبَ القاسِطَ، ولا يُثِيبَ الرّاشِدَ.

﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] أيْ: تُوقَدُ بِهِمْ، كَما تُوقَدُ بِكُفّارِ الإنْسِ.

﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا﴾ [الجن: ١٦] أيِ: الجِنُّ أوِ الإنْسُ أوْ كِلاهُما ﴿عَلى الطَّرِيقَةِ﴾ [الجن: ١٦] أيْ: طَرِيقَةِ الحَقِّ والعَدْلِ ﴿لأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] أيْ: لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ. وإنَّما تَجَوَّزَ بِالماءِ الغَدَقِ -وهُوَ الكَثِيرُ- عَمّا ذُكِرَ؛ لِأنَّهُ أصْلُ المَعاشِ وسَعَةِ الرِّزْقِ، ولِعِزَّةِ وُجُودِهِ بَيْنَ العَرَبِ، أوْ لِأنَّ غَيْرَهُ يُعْلَمُ مِنهُ بِالأوْلى ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ [الجن: ١٧] أيْ: لِنَخْتَبِرَهم فِيهِ كَيْفَ يَشْكُرُونَ ما خُوِّلُوا مِنهُ.

﴿ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ [الجن: ١٧] أيْ: عِبادَتِهِ أوْ مَوْعِظَتِهِ ﴿يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧] أيْ: شَدِيدًا شاقًّا.

(p-٥٩٥١)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الصَّعَدُ: مَصْدَرُ صَعِدَ، يُقالُ: صَعِدَ صَعَدًا وصُعُودًا، فَوَصَفَ بِهِ العَذابَ لِأنَّهُ يَتَصَعَّدُ المُعَذَّبَ، أيْ: يَعْلُوهُ ويَغْلِبُهُ فَلا يُطِيقُهُ.

72:18Страница 573

وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا ١٨

Мечети принадлежат Аллаху. Не взывайте же ни к кому наряду с Аллахом.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨] ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾

﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ أيْ: مُخْتَصَّةٌ بِهِ ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ أيْ: فَلا تَعْبُدُوا فِيها غَيْرَهُ. تَعْرِيضٌ بِما كانَ عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ مِن عِبادَتِهِمْ غَيْرَهُ تَعالى بِمَسْجِدِهِ الحَرامِ، ونَصْبِهِمْ في التَّماثِيلِ والأنْصابِ، وبِما عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ؛ فَإنَّ المَساجِدَ لَمْ تُشَدْ إلّا لِيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ تَعالى وحْدَهُ. ومِن هُنا ذَهَبَتِ الحَنابِلَةُ إلى أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ في دِينِ اللَّهِ مَسْجِدٌ وقَبْرٌ، وأنَّ أيَّهُما طَرَأ عَلى الآخَرِ وجَبَ هَدْمُهُ.

72:19Страница 573

وَأَنَّهُۥ لَمَّا قَامَ عَبۡدُ ٱللَّهِ يَدۡعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيۡهِ لِبَدٗا ١٩

Когда раб Аллаха встал, обращаясь с мольбой к Нему, они столпились вокруг него (джинны столпились вокруг Пророка, чтобы послушать Коран, или неверующие ополчились против него, чтобы помешать ему).

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩] ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾

﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ، ﴿يَدْعُوهُ﴾ أيْ: يَعْبُدُ رَبَّهُ، ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ أيْ: جَماعاتٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، تَعَجُّبًا مِمّا رَأوْهُ مِن عِبادَتِهِ، واقْتِداءِ أصْحابِهِ بِهِ، وإعْجابًا بِما تَلا مِنَ القُرْآنِ؛ لِأنَّهم رَأوْا ما لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ، وسَمِعُوا بِما لَمْ يَسْمَعُوا بِنَظِيرِهِ. فالضَّمِيرُ في " كادُوا " لِلْجِنِّ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ حَدِيثُ البُخارِيِّ كَما تَقَدَّمَ. وجُوِّزَ رُجُوعُهُ لِلْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ. والمَعْنى: لَمّا قامَ رَسُولًا يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، مُخالِفًا لِلْمُشْرِكِينَ في عِبادَتِهِمُ الآلِهَةَ مِن دُونِهِ، كادَ المُشْرِكُونَ لِتَظاهُرِهِمْ عَلَيْهِ، وتَعاوُنِهِمْ عَلى عَداوَتِهِ، يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ مُتَراكِمِينَ -حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - ثُمَّ قالَ: " لِبَدًا " جَمْعُ لِبْدَةٍ، وهو ما تَلَبَّدَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، ومِنها لِبْدَةُ الأسَدِ.

(p-٥٩٥٢)

72:20–21Страница 573

قُلۡ إِنَّمَآ أَدۡعُواْ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِهِۦٓ أَحَدٗا ٢٠

Скажи: «Я взываю только к своему Господу и никого не приобщаю в сотоварищи к Нему».

قُلۡ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا رَشَدٗا ٢١

Скажи: «Не в моей власти навредить вам или наставить вас на прямой путь».

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٠ - ٢١] ﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ ﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١]

﴿قُلْ﴾ وقُرِئَ قالَ: ﴿إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ أيْ: أعْبُدُهُ، وأبْتَهِلُ إلَيْهِ وحْدَهُ، ﴿ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ أيْ: فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدَعٍ ولا مُنْكَرٍ يُوجِبُ تَعَجُّبَكُمْ، أوْ إطْباقَكم عَلى مَقْتِي.

﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١] أيْ: لِأنَّ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى، وحْدَهُ، فَلا تَسْتَعْجِلُونِي بِالعَذابِ.

قالَ الشِّهابُ في تَوْضِيحِ ما لِلْقاضِي هُنا: إمّا أنْ يُرادَ بِالرُّشْدِ النَّفْعُ، تَعْبِيرًا بِاسْمِ السَّبَبِ عَنِ المُسَبِّبِ، أوْ يُرادُ بِالضَّرِّ الغَيُّ، تَعْبِيرًا بِاسْمِ المُسَبِّبِ عَنِ السَّبَبِ. ويَجُوزُ أنْ يُجَرَّدَ مِن كُلٍّ مِنهُما ما ذُكِرَ في الآخَرِ، فَيَكُونُ احْتِباكًا. والتَّقْدِيرُ: لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، ولا غَيًّا ورَشَدًا.

72:22–24Страница 573

قُلۡ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٞ وَلَنۡ أَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدًا ٢٢

Скажи: «Никто не защитит меня от Аллаха, и мне не найти помимо Него прибежища.

إِلَّا بَلَٰغٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَٰلَٰتِهِۦۚ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ٢٣

Мне остается лишь доносить истину от Аллаха и Его послания. Кто же ослушается Аллаха и Его Посланника, тому уготован огонь Геенны, в котором они пребудут вечно».

حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوۡاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعۡلَمُونَ مَنۡ أَضۡعَفُ نَاصِرٗا وَأَقَلُّ عَدَدٗا ٢٤

Когда же они увидят то, что им было обещано, то узнают, чьи помощники слабее и малочисленнее.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٢ - ٢٤] ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ ﴿إلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٤]

﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ﴾ أيْ: إنْ أرادَ بِي سُوءًا ﴿ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ أيْ: مُلْتَجَأً إنْ أهْلَكَنِي. وأصْلُهُ: المَدْخَلُ مِنَ اللَّحْدِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ﴾ [الجن: ٢٣] اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا أمْلِكُ﴾ [الجن: ٢١] فَإنَّ التَّبْلِيغَ إرْشادٌ ونَفْعٌ. فَهو مُتَّصِلٌ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِنَفْيِ الِاسْتِطاعَةِ، أيْ: لا أمْلِكُ إلّا التَّبْلِيغَ والرِّسالاتِ، مِن مَعانِي (p-٥٩٥٣)الوَحْيِ، وأحْكامِ الحَقِّ.

﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الجن: ٢٣] أيْ: فَلَمْ يَسْمَعْ ما جاءَ بِهِ، ولَمْ يَقْبَلْ ما يَبْلُغُهُ ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ﴾ [الجن: ٢٤] أيْ: في الرِّسالاتِ الإلَهِيَّةِ، مِنَ الظُّهُورِ عَلَيْهِمْ والفَتْحِ، أوِ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ.

﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٤] أيْ: أجُنْدُ الرَّحْمَنِ أوْ إخْوانُ الشَّياطِينِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English