Аль-КасимиАль‑Мутаффифин · 83:1–28

Аль-Касими · Тафсир · на арабском

المطففين

Аль-Мутаффифин

Обвешивающие · Мекканская · 36 аятов

83:1–3Страница 587

وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ ١

Горе обвешивающим,

ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ ٢

которые требуют дать им сполна, когда люди отмеривают им,

وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ ٣

а когда сами мерят или взвешивают для других, то наносят им урон.

(p-٦٠٩١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ المُطَفِّفِينَ

قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ دَلالَةً عَلى أنَّ مَن أخَلَّ بِأدْنى حُقُوقِ الخَلْقِ، اسْتَحَقَّ أعْظَمَ ويْلٍ مِنَ الحَقِّ. فَكَيْفَ مَن أخَلَّ بِأعْظَمِ حُقُوقِ الحَقِّ، مِنَ الإيمانِ بِهِ وبِآياتِهِ ورُسُلِهِ؟ وهي مَكِّيَّةٌ عَلى الأظْهَرِ. فَإنَّ سِياقَها يُؤَيِّدُ أنَّها كَأخَواتِها اللّائِي نَزَلْنَ بِمَكَّةَ، لا سِيَّما خاتِمَتَها، فَإنَّها صِفاتُ المُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ كانُوا بِمَكَّةَ. وحَمْلُها عَلى المُنافِقِينَ بِالمَدِينَةِ بَعِيدٌ، إذْ لَمْ يَبْلُغْ بِهِمُ الحالُ ذَلِكَ. وأمّا ما رَواهُ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ -كَما في ابْنِ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «لَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ كانُوا مِن أخْبَثِ النّاسِ كَيْلًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فَأحْسَنُوا الكَيْلَ-» فَقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ مَعْنى الإنْزالِ، في إطْلاقِ السَّلَفِ، لا يَكُونُ مَقْصُورًا عَلى أنَّ كَذا سَبَبُ النُّزُولِ. بَلْ إنَّ كَذا مِمّا نَزَلَ فِيهِ ذَلِكَ. كَأنَّ أهْلَ المَدِينَةِ تُلِيَ عَلَيْهِمْ ما سَبَقَ إنْزالُهُ في مَكَّةَ. وقِيلَ لَهُمْ: أنْزَلَ اللَّهُ حَظْرَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ والوَعِيدَ فِيهِ. فَأقْلَعُوا. وهَذا ظاهِرٌ لِمَن لَهُ أُنْسٌ بِعِلْمِ الآثارِ ومَلَكَةٌ فِيهِ.

ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ قَوْلَ بَعْضِهِمْ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ إلّا قِصَّةَ التَّطْفِيفِ.

وقَوْلٌ آخَرُ: إنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِنَ المَكِّيِّ والمَدَنِيِّ مِنهُ آياتٌ مُسْتَثْناةٌ- مَنشَؤُهُ الحَيْرَةُ في المُطابَقَةِ بَيْنَ ظاهِرِ ما يَتَبادَرُ مِنَ المَأْثُورِ في سَبَبِ النُّزُولِ، وبَيْنَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ مِن خِلافِهِ. وبِالوُقُوفِ عَلى عُرْفِ السَّلَفِ يَزُولُ الإشْكالُ ويَتَّضِحُ الحالُ.

(p-٦٠٩٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١ - ٣ ] ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]

﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ أيْ: هَلاكٌ لَهم. قالَ الأصْفَهانِيُّ: ومَن قالَ: "ويْلٌ" وادٍ في جَهَنَّمَ فَإنَّهُ لَمْ يَرِدْ أنَّ (ويْلًا) في اللُّغَةِ هو مَوْضُوعٌ لِهَذا، وإنَّما أرادَ: مَن قالَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ فِيهِ، فَقَدِ اسْتَحَقَّ مَقَرًّا مِنَ النّارِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى المُطَفِّفِينَ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] أيْ: إذا أخَذُوا الكَيْلَ مِنَ النّاسِ يَأْخُذُونَهُ وافِيًا وزائِدًا عَلى إيهامِ أنَّ بِذَلِكَ تَمامَ الكَيْلِ، وإذا فَعَلُوا ذَلِكَ في الكَيْلِ الَّذِي هو أجَلُّ مِقْدارًا، فَفي الوَزْنِ بِطَرِيقِ الأوْلى. وإيثارُ (عَلى) عَلى (مِن) لِلْإشارَةِ إلى ما فِيهِ عَمَلُهم مِنَ المُنْكَرِ مِن الِاسْتِعْلاءِ والقَهْرِ، شَأْنُ المُتَغَلِّبِ المُتَحامِلِ المُتَسَلِّطِ الَّذِي لا يَسْتَبْرِئُ لِدِينِهِ وذِمَّتِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] أيْ: كالُوا لِلنّاسِ أوْ وزَنُوا لَهُمْ، يَنْقُصُونَهم حَقَّهُمُ الواجِبَ لَهُمْ، وهو الوَفاءُ والتَّمامُ، فَفِيهِما حَذْفٌ وإيصالٌ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مِن لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ أنْ يَقُولُوا: وزَنْتُكَ حَقَّكَ، وكِلْتُكَ طَعامَكَ، بِمَعْنى وزَنْتُ لَكَ وكِلْتُ لَكَ.

تَنْبِيهٌ:

فِي (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ ذَمُّ التَّطْفِيفِ والخِيانَةِ في الكَيْلِ والوَزْنِ، أيْ: لِأنَّهُ مِنَ المُنْكَرِ (p-٦٠٩٣)فَهُوَ مِنَ المَحْظُوراتِ أشَدُّ الحَظْرِ، لِما فِيهِ مِن أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ في الأخْذِ والدَّفْعِ، ولَوْ في القَلِيلِ؛ لِأنَّ مَن دَنُؤَتْ نَفْسُهُ إلى القَلِيلِ دَلَّ عَلى فَسادِ طَوِيَّتِهِ وخُبْثِ مَلَكَتِهِ، وأنَّهُ لا يُقْعِدُهُ عَنِ التَّوَثُّبِ إلى الكَثِيرِ إلّا عَجْزٌ أوْ رِقابَةٌ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُ التَّطْفِيفِ مِنَ الشَّيْءِ الطَّفِيفِ، وهو القَلِيلُ النَّزْرُ. والمُطَفِّفُ: المُقَلِّلُ حَقَّ صاحِبِ الحَقِّ عَمّا لَهُ مِنَ الوَفاءِ والتَّمامِ في كَيْلٍ أوْ وزْنٍ. ومِنهُ قِيلَ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَكُونُونَ سَواءً في حِسْبَةٍ أوْ عَدَدٍ: هم سَواءٌ كَطَفِّ الصّاعِ، يَعْنِي بِذَلِكَ كَقُرْبِ المُمْتَلِئِ مِنهُ ناقِصٍ عَنِ المَلْءِ. وقَدْ أمَرَ تَعالى بِالوَفاءِ في الكَيْلِ والمِيزانِ. فَقالَ تَعالى في عِدَّةِ آياتٍ: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ [الإسراء: ٣٥] وقالَ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] وقَصَّ تَعالى عَلَيْنا أنَّهُ أهْلَكَ قَوْمَ شُعَيْبٍ ودَمَّرَهم عَلى ما كانُوا يَبْخَسُونَ النّاسَ في المِيزانِ والمِكْيالِ.

83:4–6Страница 587

أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ ٤

Разве не думают они, что будут воскрешены

لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ ٥

в Великий день -

يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦

в тот день, когда люди предстанут перед Господом миров?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤ - ٦ ] ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٥] ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]

ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ مُتَوَعِّدًا لَهُمْ: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ أيْ: مِن قُبُورِهِمْ بَعْدَ مَماتِهِمْ.

﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٥] أيْ: عَظِيمِ الهَوْلِ جَلِيلِ الخَطْبِ كَثِيرِ الفَزَعِ، مَن خَسِرَ فِيهِ أُدْخِلَ نارًا حامِيَةً.

﴿يَوْمَ يَقُومُ﴾ [المطففين: ٦] أيْ: لِأمْرِهِ وقَضائِهِ فِيهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَ في مَوْقِفٍ يُغْشى المُجْرِمَ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ ما يَوَدُّ الِافْتِداءُ بِكُلِّ مُسْتَطاعٍ. وفي تَأثُّرِ الوَيْلِ لِمُطَفِّفِينَ بِما ذَكَرَ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ (p-٦٠٩٤)مُبالَغاتٍ في المَنعِ عَنِ التَّطْفِيفِ وتَعْظِيمِ إثْمِهِ، ووَجْهُ ذَلِكَ -كَما لَخَّصَهُ الشِّهابُ- أنَّ في ذِكْرِ الظَّنِّ مِنَ التَّجْهِيلِ مَعَ اسْمِ الإشارَةِ الدّالِّ عَلى التَّبْعِيدِ، تَحْقِيرًا، ووَصْفُ يَوْمِ قِيامِهِمْ بِالعَظَمَةِ وإبْدالُ "يَوْمَ يَقُومُ" مِنهُ، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى اسْتِعْظامِ ما اسْتَحْقَرُوهُ.

والحِكْمَةُ اقْتَضَتْ أنْ لا تُهْمِلَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.

وعُنْوانُ (رَبِّ العالَمِينَ) لِلْمالِكِيَّةِ والتَّرْبِيَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ لا يَفُوتُهُ ظالِمٌ قَوِيٌّ، ولا يَتْرُكُ حَقَّ مَظْلُومٍ ضَعِيفٍ. وفي تَعْظِيمِ أمْرِ التَّطْفِيفِ إيماءً إلى العَدْلِ ومِيزانِهِ، وأنَّ مَن لا يُهْمِلُ مِثْلَ هَذا كَيْفَ يُهْمِلُ تَعْطِيلَ قانُونِ عَدْلِهِ في عِبادِهِ؟ وناهِيكَ بِأنَّهُ وصَفَهم بِصِفاتِ الكَفَرَةِ. فَتَأمَّلْ هَذا المَقامَ، فَفِيهِ ما تَتَحَيَّرُ فِيهِ الأوْهامُ.

83:7–11Страница 588

كـَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٖ ٧

Но нет! Книга грешников находится в Сиджжине.

وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا سِجِّينٞ ٨

Откуда ты мог знать, что такое Сиджжин?

كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ ٩

Это - книга начертанная, в которой записаны все злодеяния дьяволов, неверующих и грешников (или скала под седьмой землей, под которой находится начертанная книга с деяниями грешников).

وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ١٠

Горе в тот день тем, кто считает истину ложью,

ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ ١١

кто считает ложью День воздаяния!

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧ - ١١ ] ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ [المطففين: ٨] ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المطففين: ١٠] ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المطففين: ١١]

"كَلّا" رَدْعٌ عَنِ التَّطْفِيفِ الَّذِي يَقْتَرِفُونَهُ لِغَفْلَتِهِمْ عَنْ يَوْمِ الحِسابِ وضَعْفِ اعْتِقادِهِمْ بِهِ، ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ﴾ أيْ: ما كُتِبَ فِيهِ مِن عَمَلِهِمُ السَّيِّئِ وأُحْصِيَ عَلَيْهِمْ. وإيثارُ المَظْهَرِ لِلْإشْعارِ بِوَصْفٍ لَهم ثانٍ، وهو الفُجُورُ، بِخُرُوجِهِمْ عَنْ حَدِّ العَدالَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْها الشَّرْعُ والعَقْلُ ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ [المطففين: ٨] ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩] أيْ: مَسْطُورٌ بَيِّنُ الكِتابَةِ. أوْ مُعَلَّمٌ بِرَقْمٍ يُنْبِئُ عَنْ قُبْحِهِ. سُمِّيَ سِجِّينًا -فِعِّيلًا مِنَ السِّجْنِ وهو الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ- لِأنَّهُ سَبَبُ الحَبْسِ والتَّضْيِيقِ في جَهَنَّمَ، فَهو بِمَعْنى (فاعِلٌ) في الأصْلِ؛ أوْ لِأنَّهُ مَطْرُوحٌ في أسْفَلِ (p-٦٠٩٥)مَكانٍ مُظْلِمٍ، فَهو بِمَعْنى (مَفْعُولٍ)، كَأنَّهُ مَسْجُونٌ لِما ذُكِرَ. وقِيلَ: هو اسْمُ مَكانٍ، فَيُقَدَّرُ مُضافٌ فِيهِ أوْ فِيما بَعْدَهُ، والتَّقْدِيرُ: ما كِتابُ سِجِّينٍ أوْ مَحَلُّ كِتابٍ مَرْقُومٍ؟ فَحُذِفَ المُضافُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ المَكانِ والكِتابِ. وقالَ الأصْفَهانِيُّ: السَّجِّينُ اسْمٌ لِجَهَنَّمَ بِإزاءِ عِلِّيِّينَ. وزِيدَ لَفْظُهُ تَنْبِيهًا عَلى زِيادَةِ مَعْناهُ. وقِيلَ: هو اسْمٌ لِلْأرْضِ السّابِعَةِ.

ثُمَّ قالَ: وقَدْ قِيلَ: إنَّ كُلَّ شَيْءٍ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: "وما أدْراكَ" فَسَّرَهُ، وكُلُّ ما ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: وما يُدْرِيكَ تَرْكُهُ مُبْهَمًا، وفي هَذا المَوْضِعِ ذُكِرَ: "وما أدْراكَ" وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٩] ثُمَّ فَسَّرَ الكِتابَ، لا السِّجِّينُ والعِلِّيُّونَ. وفي هَذِهِ الطَّبَقَةِ مَوْضِعُها الكُتُبُ الَّتِي يَتْبَعُ هَذا الكِتابَ، لا هَذا. انْتَهى.

وقالَ القاشانِيُّ: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ في مَرْتَبَةٍ مِنَ الوُجُودِ مَسْجُونٌ أهْلُها في حُبُوسٍ ضَيِّقَةٍ مُظْلِمَةٍ أذِلّاءَ أخِسّاءَ في أسْفَلِ مَراتِبِ الطَّبِيعَةِ ودَرَكاتِها، وهو دِيوانُ أعْمالِ أهْلِ الشَّرِّ؛ ولِذَلِكَ فُسِّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩] أيْ: ذَلِكَ المَحَلُّ المَكْتُوبُ فِيهِ أعْمالُهم كِتابٌ مَرْقُومٌ بِرُقُومِ هَيْئاتِ رَذائِلِهِمْ وشُرُورِهِمْ، ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المطففين: ١٠] ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المطففين: ١١] أيْ: بِيَوْمِ الحِسابِ والمُجازاةِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ المُطَفِّفِينَ مِمَّنْ يَتَناوَلُهم هَذا الوَصْفُ؛ لِأنَّ إصْرارَهم عَلى التَّعَدِّي والِاجْتِرامِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الظَّنِّ بِالبَعْثِ، كَما قالَ تَعالى:

83:12–13Страница 588

وَمَا يُكَذِّبُ بِهِۦٓ إِلَّا كُلُّ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ ١٢

Его считает ложью только преступник и грешник.

إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣

Когда ему читают Наши аяты, он говорит: «Это - легенды древних народов!».

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢ - ١٣ ] ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [المطففين: ١٣]

﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلا كُلُّ مُعْتَدٍ﴾ أيْ: مُجاوِزٍ طَوْرَ الفِطْرَةِ الإنْسانِيَّةِ بِتَجاوُزِهِ حَدَّ العَدالَةِ إلى الإفْراطِ في أفْعالِهِ بِالبَغْيِ والعُدْوانِ ﴿أثِيمٍ﴾ أيْ: مُبالِغٍ في ارْتِكابِ أفانِينِ الإثْمِ وأنْواعِ المَعاصِي.

﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [المطففين: ١٣] أيْ: ما سَطَّرُوهُ مِنَ الأحادِيثِ والأخْبارِ، يُرِيدُ أنَّهُ لَيْسَ بِوَحْيٍ رَبّانِيٍّ، ولا تَنْزِيلٍ إلَهِيٍّ، مَعَ نُصُوعِ بَيانِهِ وشَواهِدِ بُرْهانِهِ.

(p-٦٠٩٦)

83:14Страница 588

كـَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٤

Но нет! Напротив, их сердца окутаны тем, что они приобрели.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤ ] ﴿كَلا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾

﴿كَلا﴾ أيْ: لَيْسَتْ هَذِهِ الآياتُ بِأساطِيرِ الأوَّلِينَ، بَلْ هي الحَقُّ المُبِينُ والشِّفاءُ لِما في الصُّدُورِ ﴿بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: غَطّى عَلى مَدارِكِهِمْ ما اكْتَسَبُوهُ مِنَ الآثامِ حَتّى كَدَّرَ جَوْهَرَها وصارَ صَدَأً عَلَيْها بِالرُّسُوخِ فِيها. و(الرَّيْنُ) أصْلٌ مَعْناهُ الصَّدَأُ والوَسَخُ القارُّ، شُبِّهَ بِهِ حُبُّ المَعاصِي الرّاسِخُ في النَّفْسِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَحْصُلُ مِن تَكْرارِ الفِعْلِ مَلَكَةٌ راسِخَةٌ لا تَقْبَلُ الزَّوالَ، وصِفَةٌ لِلنَّفْسِ قارَّةٌ فِيها؛ فَبِكَثْرَةِ المَعاصِي يُرَسَّخُ حُبُّها في القَلْبِ بِحَيْثُ لا يَزُولُ، كالصَّدَأِ الَّذِي لا يَزُولُ بِسُهُولَةٍ. قالَ في (الأساسِ): الرّانُ ما غَطّى القَلْبَ ورَكِبَهُ مِنَ القَسْوَةِ لِلذَّنْبِ بَعْدَ الذَّنْبِ، مِن قَوْلِهِمْ: (رانَ عَلَيْهِ الشَّرابُ والنُّعاسُ)، و: (رانَ بِهِ)، إذا غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ، و: (رِينَ بِفُلانٍ)، ونَظِيرُهُ الغَيْنُ.

83:15Страница 588

كـَلَّآ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّمَحۡجُوبُونَ ١٥

Но нет! В тот день они будут отделены от своего Господа завесой (не увидят Аллаха),

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٥ ] ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ .

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنِ الكَسْبِ الرّائِنِ عَلى قُلُوبِهِمْ، أوْ بِمَعْنى (حَقًّا) ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَلا يَرَوْنَهُ ولا يَرَوْنَ شَيْئًا مِن كَرامَتِهِ يَصِلُ إلَيْهِمْ، فَهم مَحْجُوبُونَ عَنْ رُؤْيَتِهِ وعَنْ كَرامَتِهِ. وتَخْصِيصُ الحَجْبِ بِهَؤُلاءِ يَقْتَضِي أنَّ غَيْرَهم غَيْرُ مَحْجُوبٍ فَيَراهُ اللَّهُ تَعالى ويَرى كَرامَتَهُ. قالَ الشِّهابُ: لَمّا كانَ الحِجابُ هو السّاتِرَ مِن سِتارَةِ بَزٍّ وغَيْرِها، اسْتُعِيرَ تارَةً لِعَدَمِ الرُّؤْيَةِ؛ لِأنَّ المَحْجُوبَ لا يَرى ما حُجِبَ، وتارَةً لِلْإهانَةِ؛ لِأنَّ الحَقِيرَ يُحْجَبُ ويُمْنَعُ مِنَ الدُّخُولِ عَلى الرُّؤَساءِ؛ لِذا قالَتِ العَرَبُ: النّاسُ ما بَيْنَ مَرْحُوبٍ ومَحْجُوبٍ، أيْ: مُعَظَّمٍ ومُهانٍ. وهو بِمَعانِيهِ مُحالٌ أنْ يَتَّصِفَ اللَّهُ بِهِ، فَلا يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ تَعالى، كَما صَرَّحُوا بِهِ، وإنَّما يُوصَفُ بِهِ الخَلْقُ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ. فَإذا أُجْرِيَ عَلى اسْمٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى، فَهو وصْفٌ سَبَبِيٌّ لا حَقِيقِيٌّ. بَلِ التَّشْبِيهُ لِلْخَلْقِ.

(p-٦٠٩٧)

83:16–17Страница 588

ثُمَّ إِنَّهُمۡ لَصَالُواْ ٱلۡجَحِيمِ ١٦

а потом они попадут в Ад,

ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ١٧

после чего им скажут: «Вот то, что вы считали ложью».

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٦ - ١٧ ] ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧]

﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ أيْ: مُحْتَرِقُونَ بِها. وقَدْ أشارَ القاشانِيُّ إلى سِرِّ تَرادُفِ هَذِهِ الجُمَلِ الكَرِيمَةِ، بِأنَّ ما اكْتَسَبُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ لَمّا صارَ كالصَّدَأِ عَلى قُلُوبِهِمْ بِالرُّسُوخِ فِيها، كَدَّرَ جَوْهَرَها وغَيَّرَها عَنْ طِباعِها، فَعِنْدَها تَحَقَّقَ الحِجابُ وانْغَلَقَ بابُ المَغْفِرَةِ، ولِذَلِكَ قالَ:

﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] لِامْتِناعِ قَبُولِ قُلُوبِهِمْ لِلنُّورِ، وامْتِناعِ عَوْدِها إلى الصَّفاءِ الأوَّلِ الفِطْرِيِّ، كالماءِ الكِبْرِيتِيِّ مَثَلًا؛ إذْ لَوْ رَوَّقَ أوْ صَعَّدَ لَما رَجَعَ إلى الطَّبِيعَةِ المائِيَّةِ المُبَرَّدَةِ، لِاسْتِحالَةِ جَوْهَرِها، بِخِلافِ الماءِ المُسَخَّنِ الَّذِي اسْتَحالَتْ كَيْفِيَّتُهُ دُونَ طَبِيعَتِهِ ولِهَذا اسْتَحَقُّوا الخُلُودَ في العَذابِ. وحُكِمَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ انْتَهى.

قالَ ابْنُ القَيِّمِ في (بَدائِعِ الفَوائِدِ) في هَذِهِ الآيَةِ ما مِثالُهُ: جَمَعَ لَهم سُبْحانَهُ بَيْنَ العَذابَيْنِ عَذابِ الحِجابِ وعَذابِ النّارِ، فَألَمُ الحِجابِ يَفْعَلُ في قُلُوبِهِمْ وأرْواحِهِمْ نَظِيرَ ما تَفْعَلُهُ النّارُ في أجْسامِهِمْ، كَحالِ مَن حِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أحَبِّ الأشْياءِ إلَيْهِ في الدُّنْيا، وأخَذَ بِأشَدِّ العَذابِ، فَإنَّ أخَصَّ عَذابِ الرُّوحِ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْبُوبٍ لا غِنى لَها عَنْهُ، وهي مَمْنُوعَةٌ مِنَ الوُصُولِ إلَيْهِ، فَكَيْفَ إنْ حَصَلَ لَها -مَعَ تَوارِي المَحْبُوبِ عَنْها وطُولِ احْتِجابِهِ- بُغْضُهُ لَها ومَقْتُهُ وطَرْدُهُ وغَضَبُهُ الشَّدِيدُ عَلَيْها؟ فَأيُّ نِسْبَةٍ لِألَمِ البَدَنِ إلى هَذا الألَمِ الَّذِي لا يَتَصَوَّرُهُ إلّا مَن بَلِيَ بِهِ أوْ بِشَيْءٍ مِنهُ؟ فَلَوْ تَوَهَّمَتِ النُّفُوسُ ما في احْتِجابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَنْها يَوْمَ لِقائِهِ مِنَ الألَمِ والحَسْرَةِ، لَما تَعَرَّضَتْ لِأسْبابِ ذَلِكَ الِاحْتِجابِ. وأنْتَ تَرى المُحِبِّينَ في الدُّنْيا لِصُورَةِ، مُنْتَهى حُسْنِها إلى ما يُعْلَمُ، كَيْفَ يَضِجُّونَ مِن ألَمِ احْتِجابِ مَحْبُوبِهِمْ عَنْهم وإعْراضِهِ وهَجْرِهِ؟ ويَرى أحَدُهم كالمَوْتِ أوْ أشَدَّ مِنهُ مِن بَيْنِ ساعَةٍ، كَما قالَ:

؎وكُنْتُ أرى كالمَوْتِ مِن بَيْنِ لَيْلَةٍ فَكَيْفَ بَبَيْنٍ كانَ مِيعادَهُ الحَشْرُ

(p-٦٠٩٨)وإنَّما يَتَبَيَّنُ الحالُ في هَذا بِمَعْرِفَةِ ما خُلِقَتْ لَهُ الرُّوحُ وما هُيِّئَتْ لَهُ وما فُطِرَتْ عَلَيْهِ، وما لا سَعادَةَ لَها ولا نَعِيمَ ولا حَياةَ إلّا بِإدْراكِهِ.

فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ كُلَّ عُضْوٍ مِنَ الأعْضاءِ لِغايَةٍ ومَنفَعَةٍ، فَكَمالُهُ ولَذَّتُهُ في أنْ يَحْصُلَ فِيهِ ما خُلِقَ لَهُ، فَخَلَقَ العَيْنَ لِلْإبْصارِ، والأُذُنَ لِلسَّمْعِ، والأنْفَ لِلشَّمِّ، واللِّسانَ لِلنُّطْقِ، واليَدَ لِلْبَطْشِ، والرِّجْلَ لِلْمَشْيِ، والرُّوحَ لِمَعْرِفَتِهِ ومَحَبَّتِهِ والِابْتِهاجِ بِقُرْبِهِ والتَّنَعُّمِ بِذِكْرِهِ، وجَعَلَ هَذا كَمالَها وغايَتَها، فَإذا تَعَطَّلَتْ مِن ذَلِكَ كانَتْ أسْوَأ حالًا مِنَ العَيْنِ والأُذُنِ واللِّسانِ واليَدِ والرِّجْلِ الَّتِي تَعَطَّلَتْ عَمّا خُلِقَتْ لَهُ، وحِيلَ بَيْنَها وبَيْنَهُ. بَلْ لا نِسْبَةَ لِألَمِ هَذِهِ الرُّوحِ إلى ألَمِ تِلْكَ الأعْضاءِ المُعَطَّلَةِ البَتَّةَ، بَلْ ألَمُها أشَدُّ الألَمِ، وهو مِن جِنْسِ ألَمِها إذا فَقَدَتْ أحَبَّ الأشْياءِ إلَيْها وأعَزَّهُ عَلَيْها، وحِيلَ بَيْنَها وبَيْنَهُ، وشاهَدَتْ غَيْرَها قَدْ ظَفِرَ بِوَصْلِهِ وفازَ بِقُرْبِهِ ورِضاهُ. والرُّوحُ لا حَياةَ لَها ولا نَعِيمَ ولا سُرُورَ ولا لَذَّةَ إلّا بِأنْ يَكُونَ اللَّهُ وحْدَهُ هو مَعْبُودَها وإلَهَها ومُرادَها، الَّذِي لا تَقَرُّ عَيْنُها إلّا بِقُرْبِهِ والأُنْسِ بِهِ والعُكُوفِ بِكُلِّيَّتِها عَلى مَحَبَّتِهِ والشَّوْقِ إلى لِقائِهِ، فَهَذا غايَةُ كَمالِها وأعْظَمُ نَعِيمِها وجَنَّتُها العاجِلَةُ في الدُّنْيا، فَإذا كانَ يَوْمَ لِقائِهِ كانَ أعْظَمُ نَعِيمِها رَفْعَ الحِجابِ (p-٦٠٩٩)الَّذِي كانَ يَحْجُبُها في الدُّنْيا عَنْ رُؤْيَةِ وجْهِهِ وسَماعِ كَلامِهِ، وفي حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ: ««فَواللَّهِ ما أعْطاهم شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلى وجْهِهِ»» .

ثُمَّ قالَ: وكَما جَمَعَ سُبْحانَهُ لِأعْدائِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ العَذابَيْنِ، وهُما ألَمُ الحِجابِ وألَمُ العَذابِ، جَمَعَ لِمُحِبِّيهِ بَيْنَ نَوْعَيِ النَّعِيمِ: نَعِيمِ القُرْبِ والنَّظَرِ، ونَعِيمِ الأكْلِ والشُّرْبِ، والنِّكاحِ والتَّمَتُّعِ بِما في الجَنَّةِ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١] الآياتِ.

﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] أيْ: في الدُّنْيا. قالَ الإمامُ: تَبْكِيتًا لَهم وزِيادَةً في التَّنْكِيلِ بِهِمْ، فَإنَّ أشَدَّ شَيْءٍ عَلى الإنْسانِ، إذا أصابَهُ مَكْرُوهٌ أنْ يَذْكُرَ وهو يَتَألَّمُ لَهُ: بِأنَّ وسائِلَ النَّجاةِ مِن مُصابِهِ كانَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأهْمَلَها، وأسْبابَ التَّقَصِّي عَنْهُ كانَتْ في مُكْنَتِهِ فَأغْفَلَها.

83:18–21Страница 588

كـَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡأَبۡرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ١٨

Но нет! Книга благочестивых окажется в Иллийюне.

وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا عِلِّيُّونَ ١٩

Откуда ты мог знать, что такое Иллийюн?

كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ ٢٠

Это - книга начертанная, в которой записаны все добрые деяния праведников (или верховья Рая, где находится начертанная книга с деяниями праведников).

يَشۡهَدُهُ ٱلۡمُقَرَّبُونَ ٢١

Ее видят (или о ней будут свидетельствовать) приближенные.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٨ - ٢١ ] ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٩] ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٢٠] ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢١]

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنِ التَّكْذِيبِ، أوْ بِمَعْنى (حَقًّا)، ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ: ما كُتِبَ مِن صُوَرِ أعْمالِ السُّعَداءِ وهَيْئاتِ نُفُوسِهِمُ النُّورانِيَّةِ ومَلَكاتِهِمُ الفاضِلَةِ في عِلِّيِّينَ، وهو مُقابِلٌ لِلسَّجِّينِ، في عُلُوِّهِ وارْتِفاعِ دَرَجَتِهِ، وكَوْنُهُ دِيوانَ أعْمالِ أهْلِ الخَيْرِ.

كَما قالَ: ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٩] ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٢٠] أيْ: مَحَلٌّ شَرِيفٌ (p-٦١٠٠)رُقِّمَ بِصُوَرِ أعْمالِهِمْ:

﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢١] أيْ: يَحْضُرُهُ المُقَرَّبُونَ مِن حَضْرَةِ ذِي الجَلالِ، كَما في آيَةِ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]

والمُقَرَّبُونَ هُمُ الأبْرارُ: أعادَ ذِكْرَهم بِوَصْفٍ ثانٍ؛ تَنْوِيهًا بِهِمْ وتَعْدِيدًا لِصِفاتِهِمْ. أوْ هُمُ المَلائِكَةُ إجْلالًا لَهم وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ.

83:22–26Страница 588

إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ٢٢

Воистину, благочестивые окажутся в блаженстве

عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ٢٣

и будут на ложах созерцать райские блага.

تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِهِمۡ نَضۡرَةَ ٱلنَّعِيمِ ٢٤

На их лицах ты увидишь блеск благоденствия.

يُسۡقَوۡنَ مِن رَّحِيقٖ مَّخۡتُومٍ ٢٥

Их будут поить выдержанным запечатанным вином,

خِتَٰمُهُۥ مِسۡكٞۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ ٢٦

а печатью его будет мускус (оно запечатано мускусом или же последний глоток его будет иметь привкус мускуса). Пусть же ради этого состязаются состязающиеся!

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٢ - ٢٦ ] ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٣] ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ [المطففين: ٢٥] ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]

ولَمّا عَظَّمَ تَعالى كِتابَهم تَأثُّرَهُ بِتَعْظِيمِ مَنزِلَتِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ أيْ: عَظِيمٍ دائِمٍ، وذَلِكَ نَعِيمُهم في الجِنانِ.

﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٣] أيْ: عَلى الأسِرَّةِ والمُتَّكَآتِ يَنْظُرُونَ إلى ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الكَرامَةِ وأفانِينِ النَّعِيمِ.

﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] أيْ: بَهْجَتَهُ ورَوْنَقَهُ، كَما يُرى عَلى وُجُوهِ المُتَرَفِّهِينَ ماؤُهُ وحُسْنُهُ.

﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ [المطففين: ٢٥] أيْ: خَمْرٍ، إلّا أنَّهُ خُصَّ بِالخالِصِ الَّذِي لا غِشَّ فِيهِ، كَما قالَ حَسّانُ:

؎يَسْقُونَ مَن ورَدَ البَرِيصَ عَلَيْهِمُ بَرَدى يُصَفَّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ

(p-٦١٠١)ومِنهُ قَوْلُهُمْ: مِسْكٌ رَحِيقٌ لا غِشَّ فِيهِ، وحَسَبٌ رَحِيقٌ لا شَوْبَ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

﴿مَخْتُومٍ﴾ [المطففين: ٢٥] أيْ: خَتَمَ عَلى أوانِيهِ تَكْرِيمًا لَهُ لِصِيانَتِهِ عَنْ أنْ تَمَسَّهُ الأيْدِي عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ مِن خَتْمِ ما يُكْرَمُ ويُصانُ.

﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦] قالَ القَفّالُ: أيِ: الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رَأْسُ قارُورَةِ ذَلِكَ الرَّحِيقِ هو المِسْكُ، كالطِّينِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رُؤُوسُ القَوارِيرِ فَكَأنَّ ذَلِكَ المِسْكَ رَطْبٌ يَنْطَبِعُ فِيهِ الخاتَمُ.

وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ واللُّغَوِيِّينَ: المَخْتُومُ الَّذِي لَهُ خِتامٌ، أيْ: عاقِبَةٌ، وقَدْ فُسِّرَتْ بِالمِسْكِ، أيْ: مَن شَرِبَهُ كانَ خَتْمُ شُرْبِهِ عَلى رِيحِ المِسْكِ. والقَصْدُ لَذَّةُ المَقْطَعِ بِذَكاءِ الرّائِحَةِ وأرْجِها، عَلى خِلافِ خَمْرِ الدُّنْيا الخَبِيثَةِ الطَّعْمِ والرّائِحَةِ ﴿وفِي ذَلِكَ﴾ [المطففين: ٢٦] أيِ: النَّعِيمِ المُنَوَّهِ بِهِ وما تَلاهُ ﴿فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] أيْ: فَلْيَرْغَبِ الرّاغِبُونَ بِالِاسْتِباقِ إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى:

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: التَّنافُسُ أنْ يُنَفِّسَ الرَّجُلُ عَلى الرَّجُلِ بِالشَّيْءِ يَكُونُ لَهُ، ويَتَمَنّى أنْ يَكُونَ لَهُ دُونَهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ، وهو الَّذِي تَحْرِصُ عَلَيْهِ نُفُوسُ النّاسِ وتَطْلُبُهُ وتَشْتَهِيهِ، وكَأنَّ مَعْناهُ في ذَلِكَ: فَلْيَجِدَّ النّاسُ فِيهِ وإلَيْهِ، فَلْيَسْتَبِقُوا في طَلَبِهِ ولْتَحْرِصْ عَلَيْهِ نُفُوسُهم. وقالَ الرّازِيُّ: إنَّ مُبالَغَتَهُ تَعالى في التَّرْغِيبِ فِيهِ تَدُلُّ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّنافُسَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ في مِثْلِ ذَلِكَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الدّائِمِ، لا في النَّعِيمِ الَّذِي هو مُكَدَّرٌ سَرِيعُ الفَناءِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

83:27–28Страница 588

وَمِزَاجُهُۥ مِن تَسۡنِيمٍ ٢٧

Оно смешано с напитком из Таснима -

عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا ٱلۡمُقَرَّبُونَ ٢٨

источника, из которого пьют приближенные.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٧ - ٢٨ ] ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨]

﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿خِتامُهُ﴾ [المطففين: ٢٦] صِفَةٌ أُخْرى لِـ: ﴿رَحِيقٍ﴾ [المطففين: ٢٥] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِنَفاسَتِهِ، أيْ: ما يُمْزَجُ بِهِ ذَلِكَ الرَّحِيقُ مِن ماءٍ تَسْنِيمٍ. والتَّسْنِيمُ في الأصْلِ مَصْدَرُ سَنَمَهُ بِمَعْنى (p-٦١٠٢)رَفَعَهُ، ومِنهُ السَّنامُ. سُمِّيَ الماءُ بِهِ لِارْتِفاعِهِ وانْصِبابِهِ مِن عُلُوٍّ.

وقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨] أيْ: يَشْرَبُونَ بِها الرَّحِيقَ، والكَلامُ في الباءِ، كَما في آيَةِ ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] مِن كَوْنِها زائِدَةً، أوْ بِمَعْنى: (مِن)، أوْ صِلَةُ الِامْتِزاجِ، أوْ الِالتِذاذِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English