Аль-Касими · Тафсир · на арабском
Ат-Тавба 9:27–28
9:27Страница 191
ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٧
А после этого Аллах примет покаяния тех, кого пожелает, ибо Аллах - Прощающий, Милосердный.
(p-٣٠٩٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٧ ] ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ﴾ أيْ: مِنهم، لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِيهِ، أيْ: يُوَفِّقُهُ لِلْإسْلامِ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ أيْ: يَتَجاوَزُ عَمّا سَلَفَ مِنهم مَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ: يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ ويُثِيبُهم.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: فِيما نُقِلَ في غَزْوَةِ (حُنَيْنٍ)، وتُسَمّى غَزْوَةَ (أوْطاسٍ)، وهُما مَوْضِعانِ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، فَسُمِّيَتِ الغَزْوَةُ بِاسْمِ مَكانِهِما، وتُسَمّى غَزْوَةَ (هَوازِنَ)، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أتَوْا لِقِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، في شَوّالٍ سَنَةَ ثَمانٍ مِنَ الهِجْرَةِ، فَإنَّ الفَتْحَ كانَ لِعَشَرٍ بَقِينَ مِن رَمَضانَ، وبَعْدَهُ «أقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وهو يَقْصُرُ الصَّلاةَ، فَبَلَغَهُ أنَّ هَوازِنَ وثَقِيفَ جَمَعُوا لَهُ، وهم عامِدُونَ إلى مَكَّةَ، وقَدْ نَزَلُوا (حُنَيْنًا) وكانُوا حِينَ سَمِعُوا بِمَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ، يَظُنُّونَ أنَّهُ إنَّما يُرِيهِمْ، فاجْتَمَعَتْ هَوازِنُ إلى مالِكِ بْنِ عَوْفٍ مِن بَنِي نَصْرٍ، وقَدْ أوْعَبَ مَعَهُ بَنِي نَصْرِ بْنِ مُعاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوازِنَ وبَنِي جُشَمِ بْنِ مُعاوِيَةَ وبَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وناسًا مِن بَنِي هِلالِ بْنِ عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعاوِيَةَ، والأحْلافَ وبَنِي مالِكِ بْنِ ثَقِيفِ بْنِ بَكْرٍ.
وفِي جُشْمَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةَ رَئِيسُهم وكَبِيرُهم، شَيْخٌ كَبِيرٌ لَيْسَ فِيهِ إلّا رَأْيُهُ ومَعْرِفَتُهُ بِالحَرْبِ، وكانَ شُجاعًا مُجَرِّبًا، وجَمِيعُ أمْرِ النّاسِ إلى مالِكِ بْنِ عَوْفٍ.
فَلَمّا أتاهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَتَحَ مَكَّةَ، أقْبَلُوا عامِدِينَ إلَيْهِ، فَأجْمَعَ السَّيْرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وساقَ مَعَ النّاسِ أمْوالَهم ونِساءَهم وأبْناءَهم، يَرى أنَّهُ أثْبَتُ لِمَوْقِفِهِمْ، فَلَمّا نَزَلَ بِأوْطاسٍ، اجْتَمَعَ إلَيْهِ النّاسُ، فَقالَ دُرَيْدٌ: (p-٣٠٩٥)بِأيِّ وادٍ أنْتُمْ ؟ قالُوا: بِأوْطاسٍ. قالَ: نِعْمَ مَجالُ الخَيْلِ، لا حَزْنٌ ضِرْسٌ، ولا سَهْلٌ دَهْسٌ، ما لِي أسْمَعُ رُغاءَ البَعِيرِ، ونُهاقَ الحَمِيرِ، ويُعارَ الشّاءِ وبُكاءَ الصَّغِيرِ ؟ قالُوا: ساقَ مالِكٌ مَعَ النّاسِ نِساءَهم وأمْوالَهم وأبْناءَهم لِيُقاتِلُوا عَنْها، فَقالَ: راعِيَ ضَأْنٍ واللَّهِ ! وهَلْ يَرُدُّ المُنْهَزِمَ شَيْءٌ ؟ إنَّها إنْ كانَتْ لَكَ لَمْ يَنْفَعْكَ إلّا رَجُلٌ بِسِلاحِهِ، وإنْ كانَتْ عَلَيْكَ فُضِحْتَ في أهْلِكَ ومالِكَ !
ثُمَّ قالَ: ما فَعَلَتْ كَعْبٌ وكِلابٌ ؟ قالُوا: لَمْ يَشْهَدْها أحَدٌ مِنهم: قالَ: غابَ الحَدُّ والجِدُّ، لَوْ كانَ يَوْمُ عَلاءٍ ورِفْعَةٍ لَمْ يَغِبْ عَنْهم كَعْبٌ ولا كِلابٌ، ولَوَدِدْتُ أنَّكم فَعَلْتُمْ ما فَعَلا. فَمَن شَهِدَها مِنكم ؟ قالُوا: عَمْرٌو وعَوْفٌ ابْنا عامِرٍ. قالَ: ذانِكَ الجَذَعانِ، لا يَنْفَعانِ ولا يَضُرّانِ؛ ثُمَّ أنْكَرَ عَلى مالِكٍ رَأْيَهُ في ذَلِكَ وقالَ لَهُ: لَمْ تَصْنَعْ بِتَقْدِيمِ بَيْضَةِ هَوازِنَ إلى نُحُورِ الخَيْلِ شَيْئًا، ارْفَعْهم إلى مُمْتَنِعِ بِلادِهِمْ، وعُلْيا قَوْمِهِمْ، ثُمَّ القِ الصِّبْيانَ عَلى مُتُونِ الخَيْلِ شَيْئًا، فَإنْ كانَتْ لَكَ، لَحِقَ بِكَ مَن وراءَكَ، وإنْ كانَتْ لِغَيْرِكَ، كُنْتَ قَدْ أحْرَزْتَ أهْلَكَ ومالَكَ.
قالَ: لا، واللَّهِ لا أفْعَلُ ذَلِكَ، إنَّكَ قَدْ كَبِرْتَ، وكَبِرَ عَقْلُكَ، واللَّهِ لَتُطِعْنَنِي يا مَعْشَرَ هَوازِنَ، أوْ لَأتَّكِئَنَّ عَلى هَذا السَّيْفِ حَتّى يَخْرُجَ مِن ظَهْرِي ! وكَرِهَ أنْ يَكُونَ لِدُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ فِيها ذِكْرٌ أوْ رَأْيٌ. قالُوا: أطَعْناكَ.
فَقالَ دُرَيْدٌ: هَذا يَوْمٌ لَمْ أشْهَدْهُ، ولَمْ يَفُتْنِي. ثُمَّ قالَ مالِكٌ لِلنّاسِ: إذا رَأيْتُمُوهم فاكْسِرُوا جُفُونَ سُيُوفِكم، ثُمَّ شُدُّوا شَدَّةَ رَجُلٍ واحِدٍ.
وبَعَثَ عُيُونًا مِن رِجالِهِ فَأتَوْهُ، وقَدْ تَفَرَّقَتْ أوْصالُهم، فَقالَ: ويْلَكُمُ ! ما شَأْنُكم ؟ قالُوا: رَأيْنا رِجالًا بِيضًا، عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ واللَّهِ ما تَماسَكْنا أنْ أصابَنا ما تَرى. فَواللَّهِ ما رَدَّهُ ذَلِكَ عَنْ وجْهِهِ أنْ مَضى عَلى ما يُرِيدُ.
فَلَمّا سَمِعَ بِهِمْ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي حَدْرَدٍ الأسْلَمِيَّ يَسْتَعْلِمُ خَبَرَهم، فَجاءَهُ وأطْلَعَهُ عَلى جَلِيَّةِ الخَبَرِ، وأنَّهم قاصِدُونَ إلَيْهِ، فاسْتَعارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ مِائَةَ دِرْعٍ - وقِيلَ أرْبَعَمِائَةٍ - وخَرَجَ في اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا مِنَ المُسْلِمِينَ: عَشَرَةُ آلافٍ الَّذِينَ صَحِبُوهُ مِنَ المَدِينَةِ، وألْفانِ مِن مُسْلِمَةِ الفَتْحِ، واسْتَعْمَلَ عَلى مَكَّةَ عَتّابَ بْنَ أسِيدِ بْنِ أبِي العِيصِ بْنِ أُمَيَّةَ، ومَضى لِوَجْهِهِ، وفي جُمْلَةِ مَنِ اتَّبَعَهُ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ، والضَّحّاكُ بْنُ سُفْيانَ (p-٣٠٩٦)الكِلابِيُّ»، وجُمُوعٌ مِن عَبْسٍ وذُبْيانَ، ومُزَيْنَةَ، وبَنِي أسَدٍ.
ومَرَّ في طَرِيقِهِ بِشَجَرَةِ سِدْرٍ خَضْراءَ، وكانَ لَهم في الجاهِلِيَّةِ مِثْلُها، يَطُوفُ بِها الأعْرابُ ويُعَظِّمُونَها، ويُسَمُّونَها ذاتَ أنْواطٍ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ! اجْعَلْ لَنا ذاتَ أنْواطٍ، كَما لَهم ذاتُ أنْواطٍ، فَقالَ لَهم: «قُلْتُمْ كَما قالَ قَوْمُ مُوسى: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن كانَ قَبْلَكم» .
ثُمَّ نَهَضَ حَتّى أتى وادِيَ حُنَيْنٍ مِن أوْدِيَةِ تِهامَةَ، وهو وادٍ حَزِنٌ فَتَوَسَّطُوهُ في غَبَشِ الصُّبْحِ، وقَدْ كَمَنَتْ هَوازِنُ في جانِبَيْهِ، فَحَمَلُوا عَلى المُسْلِمِينَ حَمْلَةَ رَجُلٍ واحِدٍ فَوَلّى المُسْلِمُونَ لا يَلْوِي أحَدٌ عَلى أحَدٍ، وناداهم ﷺ فَلَمْ يَرْجِعُوا، وثَبَتَ مَعَهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعَلِيٌّ والعَبّاسُ وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحَرْثِ وابْنُهُ جَعْفَرٌ، والفَضْلُ وقُثَمٌ ابْنا العَبّاسِ، وجَماعَةٌ سِواهم، والنَّبِيُّ ﷺ عَلى بَغْلَتِهِ البَيْضاءِ (دُلْدُلَ)، والعَبّاسُ آخِذٌ بِشَكائِمِها، وكانَ جَهِيرَ الصَّوْتِ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُنادِيَ بِالأنْصارِ وأصْحابِ الشَّجَرَةِ - (قِيلَ: وبِالمُهاجِرِينَ) - فَما سَمِعُوا الصَّوْتَ وذَهَبُوا لِيَرْجِعُوا، صَدَّهُمُ ازْدِحامُ النّاسِ عَنْ أنْ يَثْنُوا رَواحِلَهم، فاسْتَقامُوا وتَناوَلُوا سُيُوفَهم وتَراسِهِمْ، واقْتَحَمُوا عَنِ الرَّواحِلِ راجِعِينَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، وقَدِ اجْتَمَعَ مِنهم حَوالَيِ المِائَةِ، فاسْتَقْبَلُوا هَوازِنَ، والنّاسُ مُتَلاحِقُونَ، واشْتَدَّ الحَرْبُ، وحَمِيَ الوَطِيسُ.
ولَمّا غَشَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ عَنْ بَغْلَتِهِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِن تُرابِ الأرْضِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهم وقالَ: «شاهَتِ الوُجُوهُ» ! فَما بَقِيَ إنْسانٌ مِنهم إلّا أصابَهُ مِنها في عَيْنَيْهِ وفَمِهِ، ثُمَّ صَدَقَ المُسْلِمُونَ الحَمْلَةَ عَلَيْهِمْ، وقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِ هَوازِنَ الرُّعْبَ.
فَلَمْ يَمْلِكُوا أنْفُسَهم، فَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ، ولَحِقَ آخِرَ النّاسِ، وأسْرى هَوازِنَ مَغْلُولَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، وغَنَمِ المُسْلِمُونَ عِيالَهم وأمْوالَهم، واسْتَحَرَّ القَتْلُ في بَنِي مالِكٍ مِن ثَقِيفٍ، فَقُتِلَ مِنهم يَوْمَئِذٍ سَبْعُونَ رَجُلًا، وانْحازَتْ طَوائِفُ هَوازِنَ إلى أوْطاسٍ، واتَّبَعَتْهم طائِفَةٌ مِن خَيْلِ (p-٣٠٩٧)المُسْلِمِينَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا مِن (نَخْلَةَ)، فَأدْرَكُوا فِيهِمْ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ فَقَتَلُوهُ.
وبَعَثَ ﷺ إلى مَنِ اجْتَمَعَ بِأوْطاسٍ مِن هَوازِنَ، أبا عامِرٍ الأشْعَرِيَّ عَمَّ أبِي مُوسى، فَقاتَلَهم، وقُتِلَ بِسَهْمٍ رَماهُ بِهِ سَلَمَةُ بْنُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةَ، فَأخَذَ أبُو مُوسى الرّايَةَ، وشَدَّ عَلى قاتِلِ عَمِّهِ، فَقَتَلَهُ، وانْهَزَمَ المُشْرِكُونَ، وانْفَضَّتْ جُمُوعُ أهْلِ هَوازِنَ كُلُّها، واسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ أرْبَعَةٌ، ثُمَّ جُمِعَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبايا حُنَيْنٍ وأمْوالُها، فَأمَرَ بِها فَحُبِسَتْ (بِالجِعِرّانَةِ) بِنَظَرِ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو الغِفارِيِّ.
وسارَ ﷺ مِن فَوْرِهِ إلى الطّائِفِ، فَحاصَرَ بِها (ثَقِيفَ) خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وقاتَلُوا مِن وراءِ الحُصُونِ، وأسْلَمَ مَن كانَ حَوْلَهم مِنَ النّاسِ، وجاءَتْ وُفُودُهم إلَيْهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ ﷺ عَنِ الطّائِفِ، ونَزَلَ الجِعِرّانَةَ فِيمَن مَعَهُ مِنَ النّاسِ وأتاهُ هُناكَ وفْدُ هَوازِنَ، مُسْلِمِينَ راغِبِينَ، فَخَيَّرَهم بَيْنَ العِيالِ والأبْناءِ والأمْوالِ، فاخْتارُوا العِيالَ والأبْناءَ، وكَلَّمُوا المُسْلِمِينَ في ذَلِكَ بِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ ﷺ: «ما كانَ لِي ولِبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ فَهو لَكم»، وقالَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ: ما كانَ لَنا فَهو لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَن لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ عَوَّضَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَصِيبِهِ، ورَدَّ عَلَيْهِمْ نِساءَهم وأبْناءَهم بِأجْمَعِهِمْ.
وكانَ عَدَدُ سَبْيِ هَوازِنَ سِتَّةَ آلافٍ بَيْنِ ذَكَرٍ وأُنْثى، والإبِلُ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، والغَنَمُ أكْثَرُ مِن أرْبَعِينَ ألْفَ شاةٍ، وأرْبَعَةُ آلافِ أُوقِيَّةِ فِضَّةٍ، وقَسَّمَ ﷺ الأمْوالَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، ونَقَلَ كَثِيرًا مِنَ الطُّلَقاءِ - وهُمُ الَّذِينَ مَنَّ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالإطْلاقِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ مِنَ الأسْرِ ونَحْوِهِ - يَتَألَّفُهم عَلى الإسْلامِ، مِائَةُ مِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، ومِنهم مالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّصْرَيُّ. فَقالَ حِينَ أسْلَمَ:
؎ما إنْ رَأيْتُ ولا سَمِعْتُ بِمِثْلِهِ في النّاسِ كُلِّهِمُ بِمِثْلِ مُحَمَّدِ
؎أوْفى وأعْطى لِلْجَزِيلِ إذا اجْتُدِيَ ∗∗∗ ومَتى يَشَأْ يُخْبِرْكَ عَمّا في غَدِ
؎وإذا الكَتِيبَةُ عَرَّدَتْ أنْيابُها ∗∗∗ بِالسَّمْهَرِيِّ وضَرْبِ كُلِّ مُهَنَّدِ
؎فَكَأنَّهُ لَيْثٌ عَلى أشْبالِهِ ∗∗∗ وسْطَ الهَباءَةِ خادِرٌ في مَرْصَدِ
(p-٣٠٩٨)الثّانِي: قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (" زادِ المَعادَ ") في فَصْلٍ جَوَّدَ فِيهِ:
الإشارَةُ إلى بَعْضِ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الغَزْوَةُ مِنَ المَسائِلِ الفِقْهِيَّةِ والنُّكَتِ الحُكْمِيَّةِ ما نَصُّهُ:
كانَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ وعَدَ رَسُولَهُ، وهو صادِقُ الوَعْدِ، وأنَّهُ إذا فَتَحَ مَكَّةَ، دَخَلَ النّاسُ في دِينِهِ أفْواجًا، ودانَتْ لَهُ العَرَبُ بِأسْرِها، فَلَمّا تَمَّ لَهُ الفَتْحُ المُبِينُ، اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَعالى أنْ أمْسَكَ قُلُوبَ هَوازِنَ ومَن تَبِعَها عَنِ الإسْلامِ، وأنْ يَجْمَعُوا ويَتَأهَّبُوا لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ، لِيَظْهَرَ أمْرُ اللَّهِ، وتَمامُ إعْزازِهِ لِرَسُولِهِ، ونَصْرِهِ لِدِينِهِ، ولِتَكُونَ غَنائِمُهم شُكْرانًا لِأهْلِ الفَتْحِ، ولِيُظْهِرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ وعِبادَهُ، وقَهْرَهُ لِهَذِهِ الشَّوْكَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي لَمْ يَلْقَ المُسْلِمُونَ مِثْلَها، فَلا يُقاوِمُهم بَعْدُ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ، ولِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ الباهِرَةِ الَّتِي تَلُوحُ لِلْمُتَأمِّلِينَ، وتَبْدُو لِلْمُتَوَسِّمِينَ.
واقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ سُبْحانَهُ أنْ أذاقَ المُسْلِمِينَ أوَّلًا مَرارَةَ الهَزِيمَةِ، والكَسْرَةِ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ، وقُوَّةِ شَوْكَتِهِمْ لِيُطامِنَ رُؤُوسًا رُفِعَتْ بِالفَتْحِ، ولَمْ تَدْخُلْ بَلَدَهُ وحَرَمَهُ كَما دَخَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واضِعًا رَأْسَهُ مُنْحَنِيًا عَلى فَرَسِهِ، حَتّى إنَّ ذَقَنَهُ تَكادُ تَمَسُّ سَرْجَهُ تَواضُعًا لِرَبِّهِ، وخُضُوعًا لِعَظَمَتِهِ، واسْتِكانَةً لِعِزَّتِهِ، أنْ أحَلَّ لَهُ حَرَمَهُ وبَلَدَهُ، ولَمْ يَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلَهُ ولا لِأحَدِ بَعْدَهُ، ولِيُبَيِّنَ سُبْحانَهُ لِمَن قالَ: «لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ عَنْ قِلَّةٍ»، أنَّ النَّصْرَ إنَّما هو مِن عِنْدِهِ، وأنَّهُ مَن يَنْصُرُهُ، فَلا غالِبَ لَهُ، ومَن يَخْذُلُهُ، فَلا ناصِرَ لَهُ غَيْرُهُ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي تَوَلّى نَصْرَ رَسُولِهِ ودِينِهِ، لا كَثْرَتُكُمُ الَّتِي أعْجَبَتْكم، فَإنَّها لَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا، فَوَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، فَلَمّا انْكَسَرَتْ قُلُوبُهم، أُرْسِلَتْ إلَيْها خِلَعُ الجَبْرِ مَعَ بَرِيدِ النَّصْرِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ، وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها، وقَدِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنَّ خِلَعَ النَّصْرِ وجَوائِزَهُ إنَّما تَفِيضُ عَلى أهْلٍ الِانْكِسارِ: ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] ﴿ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦]
(p-٣٠٩٩)ومِنها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا مَنَعَ الجَيْشَ غَنائِمَ مَكَّةَ، فَلَمْ يَغْنَمُوا مِنها ذَهَبًا ولا فِضَّةً، ولا مَتاعًا ولا سَبْيًا، ولا أرْضًا كَما رَوى أبُو داوُدَ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قالَ: سَألْتُ جابِرًا: هَلْ غَنِمُوا يَوْمَ الفَتْحِ شَيْئًا ؟ قالَ: لا !
وكانُوا قَدْ فَتَحُوها بِإيجافِ الخَيْلِ والرِّكابِ، وهم عَشَرَةُ آلافٍ، وفِيهِمْ حاجَةٌ إلى ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الجَيْشُ مِن أسْبابِ القُوَّةِ، فَحَرَّكَ سُبْحانَهُ قُلُوبَ المُشْرِكِينَ لِغَزْوِهِمْ، وقَذَفَ في قُلُوبِهِمْ إخْراجَ أمْوالِهِمْ، ونَعَمِهِمْ وشِياهِهِمْ، وسَبْيِهم مَعَهم نُزُلًا وضِيافَةً، وكَرامَةً، لِحِزْبِهِ وجُنْدِهِ، وتَمَّمَ تَقْدِيرَهُ سُبْحانَهُ بِأنْ أطْمَعَهم في الظَّفَرِ، وألاحَ لَهم مَبادِئَ النَّصْرِ، لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا.
فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ عَلى رَسُولِهِ وأوْلِيائِهِ، وبَرَزَتِ الغَنائِمُ لِأهْلِها، وجَرَتْ فِيها سِهامُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، قِيلَ: لا حاجَةَ لَنا في دِمائِكم، ولا في نِسائِكم وذَرارِيِّكم، فَأوْحى اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى قُلُوبِهِمُ التَّوْبَةَ والإنابَةَ، فَجاءُوا مُسْلِمِينَ.
فَقِيلَ: إنَّ مِن شُكْرِ إسْلامِكم وإتْيانِكم أنْ نَرُدَّ عَلَيْكم نِساءَكم وأبْناءَكم وسَبْيَكم.
و: ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٠]
ومِنها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ افْتَتَحَ غَزَواتِ العَرَبِ بِغَزْوَةِ بَدْرٍ، وخَتَمَ غَزْوَهم بِغَزْوَةِ حُنَيْنٍ، ولِهَذا يُقْرَنُ بَيْنَ هاتَيْنِ الغَزاتَيْنِ بِالذِّكْرِ، فَيُقالُ: بَدْرٌ وحُنَيْنٌ، وإنْ كانَ بَيْنَهُما سَبْعُ سِنِينَ، والمَلائِكَةُ قاتَلَتْ بِأنْفُسِها مَعَ المُسْلِمِينَ في هاتَيْنِ الغَزاتَيْنِ، والنَّبِيُّ ﷺ رَمى في وُجُوهِ المُشْرِكِينَ بِالحَصْباءِ فِيهِما، وبِهاتَيْنِ الغَزاتَيْنِ طُفِئَتْ جَمْرَةُ العَرَبِ لِغَزْوِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ، فالأُولى خَوَّفَتْهم وكَسَرَتْ مِن حَدِّهِمْ، والثّانِيَةُ اسْتَفْرَغَتْ قُواهم، واسْتَنْفَدَتْ سِهامَهم، وأذَلَّتْ جَمْعَهم حَتّى لَمْ يَجِدُوا بُدًّا مِنَ الدُّخُولِ في دِينِ اللَّهِ.
(p-٣١٠٠)ومِنها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَبَرَ بِها أهْلَ مَكَّةَ، وفَرَّحَهم بِما نالُوهُ مِنَ النَّصْرِ والمَغْنَمِ، فَكانَتْ كالدَّواءِ لِما نالَهم مِن كَسْرِهِمْ، وإنْ كانَ عَيَّنَ جَبْرَهم، وعَرَّفَهم تَمامَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِما صَرَفَ عَنْهم مِن شَرِّ هَوازِنَ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم بِهِمْ طاقَةٌ، وإنَّما نُصِرُوا عَلَيْهِمْ بِالمُسْلِمِينَ، ولَوْ أُفْرِدُوا عَنْهم، لَأكَلَهم عَدُوُّهم. . . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا اللَّهُ تَعالى. انْتَهى.
الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ الِانْقِطاعُ إلى اللَّهِ تَعالى، والِاتِّكالُ عَلَيْهِ.
ودَلَّ ما حُكِيَ في القِصَّةِ عَلى جَوازِ ما ورَدَ حُسْنُهُ مِن جَوازِ التَّأْلِيفِ، ومُلاطَفَةِ المُؤْمِنِينَ والرَّمْيِ بِالحَصا حالَةَ الحَرْبِ، والأصْواتِ الَّتِي يُرْهَبُ بِها. انْتَهى.
ولِابْنِ القَيِّمِ في (" زادِ المَعادِ ") فُصُولٌ حَسَنَةٌ في فِقْهِ هَذِهِ الواقِعَةِ. فَلْيُنْظَرْ.
الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ [التوبة: ٢٥] قِيلَ: مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى (نَصَرَكم)، أيْ: ونَصَرَكم يَوْمَ حُنَيْنٍ، واسْتَظْهَرَ عَطْفَهُ عَلى مَحَلِّ ﴿فِي مَواطِنَ﴾ [التوبة: ٢٥] بِحَذْفِ المُضافِ في أحَدِهِما، أيْ: ومَواطِنُ يَوْمِ حُنَيْنٍ، أوْ في أيّامِ مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ.
قالَ أبُو مَسْعُودٍ: ولَعَلَّ التَّغْيِيرَ لِلْإيماءِ إلى ما وقَعَ فِيهِ مِن قِلَّةِ الثَّباتِ مِن أوَّلِ الأمْرِ. انْتَهى.
قالَ الشِّهابُ: فَيَكُونُ عَطْفُ (يَوْمَ حُنَيْنٍ) عَلى مِنوالِ (مَلائِكَتِهِ وجِبْرِيلَ)، كَأنَّهُ قِيلَ: نَصَرَكُمُ اللَّهُ في أوْقاتٍ كَثِيرَةٍ، وفي وقْتِ إعْجابِكم بِكَثْرَتِكم، ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ ما قِيلَ إنَّ المَقامَ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ، لِتَفْضِيلِ بَعْضِ الوَقائِعِ عَلى بَعْضٍ، ولَمْ يَذْكُرِ المُواطِنَ تَوْطِئَةً لِيَوْمِ حُنَيْنٍ كالمَلائِكَةِ، إذْ لَيْسَ يَوْمَ حُنَيْنٍ بِأفْضَلَ مِن يَوْمِ بَدْرٍ، وهو فَتْحُ الفُتُوحِ، وسَيِّدُ الواقِعاتِ، وبِهِ نالُوا القِدْحَ المُعَلّى، والدَّرَجاتِ العُلى، لِأنَّ القَصْدَ في مِثْلِهِ إلى أنَّ ذَلِكَ الفَرْدَ فِيهِ مِنَ المَزِيَّةِ ما صَيَّرَهُ مُغايِرًا لِجِنْسِهِ، لِأنَّ المَزِيَّةَ لَيْسَ المُرادُ بِها الشَّرَفَ، وكَثْرَةَ الثَّوابِ فَقَطْ، حَتّى يُتَوَهَّمَ هَذا، بَلْ ما يَشْمَلُ كَوْنَ شَأْنِهِ عَجِيبًا، وما وقَعَ فِيهِ غَرِيبًا، لِلظَّفَرِ بَعْدَ اليَأْسِ، والفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَزايا. انْتَهى.
(p-٣١٠١)ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ مُوالاةَ المُشْرِكِينَ، مَعَ عَدَمِ إفادَتِها التَّقْوِيَةَ المُحَصِّلَةَ لِلنَّصْرِ، تَضُرُّ بِسَرَيانِ نَجاسَةِ بَواطِنِهِمْ إلى بَواطِنِ المُؤْمِنِينَ الطّاهِرَةِ، فَقالَ:
9:28Страница 191
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٨
О те, которые уверовали! Воистину, многобожники являются нечистыми. И пусть они после этого их года не приближаются к Заповедной мечети. Если же вы боитесь бедности, то Аллах обеспечит вас богатством из Своей милости, если пожелает. Воистину, Аллах - Знающий, Мудрый.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٨ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ: المُطَهَّرَةُ بَواطِنُهم بِالإيمانِ ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ أيْ: ذَوُو نَجَسٍ، لِأنَّ مَعَهُمُ الشِّرْكَ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ النَّجَسِ، هو مَجازٌ عَنْ خُبْثِ الباطِنِ، وفَسادِ العَقِيدَةِ، مُسْتَعارٌ لِذَلِكَ، أوْ هو حَقِيقَةٌ، لِأنَّهم لا يَتَطَهَّرُونَ ولا يَغْتَسِلُونَ، ولا يَجْتَنِبُونَ النَّجاساتِ، فَهي مُلابَسَةٌ لَهم، أوْ جُعِلُوا كَأنَّهُمُ النَّجاسَةُ بِعَيْنِها، مُبالَغَةً في وصْفِهِمْ بِها.
﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ أيْ: لِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ كَما كانُوا يَفْعَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ، قالَ المَهايِمِيُّ: لِأنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ يَجْتَمِعُ فِيهِ المُتَفَرِّقُونَ في الأرْضِ، لِيَسْرِيَ صَفاءُ القُلُوبِ مِن بَعْضٍ إلى بَعْضٍ، وها هُنا يُخافُ سَرَيانُ الظُّلُماتِ في العُمُومِ.
﴿بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ أيْ: بَعْدَ حَجِّ عامِهِمْ هَذا، وهو عامُ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، حِينَ أُمِّرَ أبُو بَكْرٍ عَلى المَوْسِمِ، وتَقَدَّمَ لَنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أتْبَعَ أبا بَكْرٍ بِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، لِيُنادِيَ في المُشْرِكِينَ: ««ألّا يَحُجَّ بَعْدَ هَذا العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ»» . فَأتَمَّ اللَّهُ ذَلِكَ، وحَكَمَ بِهِ شَرْعًا وقَدَرًا.
﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أيْ: فَقْرًا بِسَبَبِ مَنعِهِمْ مِنَ الحَرَمِ، لِانْقِطاعِ أرْفاقٍ كانَتْ لَكم مِن قُدُومِهِمْ ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ أيْ: مِن فَتْحِ البِلادِ، وحُصُولِ المَغانِمِ، وأخْذِ الجِزْيَةِ، وتَواجُهِ النّاسِ مِن أقْطارِ الأرْضِ.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّ النّاسَ قالُوا: لَتُقْطَعَنَّ عَنّا الأسْواقُ، فَلَتَهْلِكَنَّ التِّجارَةُ، ولَيَذْهَبُنَّ ما كُنّا نُصِيبُ فِيها مِنَ المَرافِقِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: (p-٣١٠٢)﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ إلى قَوْلِهِ:
﴿وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] أيْ: هَذا عِوَضُ ما تَخَوَّفْتُمْ مِن قَطْعِ تِلْكَ الأسْواقِ، فَعَوَّضَهُمُ اللَّهُ مِمّا قُطِعَ عَنْهم بِأمْرِ الشِّرْكِ، ما أعْطاهم مِن أعْناقِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ الجِزْيَةِ. انْتَهى.
﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِما يُصْلِحُكم: ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: فِيما يَأْمُرُ بِهِ ويَنْهى عَنْهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى نَجاسَةِ المُشْرِكِ، كَما في الصَّحِيحِ ««المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ»»، وأمّا نَجاسَةُ بَدَنِهِ، فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسِ البَدَنِ والذّاتِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحَلَّ طَعامَ أهْلِ الكِتابِ.
وذَهَبَ بَعْضُ الظّاهِرِيَّةِ إلى نَجاسَةِ أبْدانِهِمْ، وقالَ أشْعَثُ عَنِ الحَسَنِ: مَن صافَحَهم فَلْيَتَوَضَّأْ، رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ونَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
وأقُولُ: الِاسْتِدْلالُ بِكَوْنِهِ تَعالى أحَلَّ طَعامَ أهْلِ الكِتابِ غَيْرُ ناهِضٍ، لِأنَّ البَحْثَ في المُشْرِكِينَ وقاعِدَةَ التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهم وبَيْنَ أهْلِ الكِتابِ، فَلا يَتَناوَلُ أحَدُهُما الآخَرَ فِيهِ.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ اليَمَنِيِّينَ: مَذْهَبُ القاسِمِ والهادِي وغَيْرِهِما، أنَّ الكافِرَ نَجِسُ العَيْنِ، آخِذًا بِظاهِرِ الآيَةِ، لِأنَّهُ الحَقِيقَةُ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ قالَ: فَإنَّهُ «قالَ: لِلنَّبِيِّ ﷺ إنّا نَأْتِي أرْضَ أهْلِ الكِتابِ فَنَسْألُهم آنِيَتَهم، فَقالَ ﷺ: «اغْسِلُوها ثُمَّ اطْبُخُوا فِيها»»،
(p-٣١٠٣)وقالَ زَيْدٌ والمُؤَيَّدُ بِاللَّهِ والحَنَفِيَّةُ والشّافِعِيَّةُ: إنَّ المُشْرِكَ لَيْسَ نَجِسُ العَيْنِ، لِأنَّهُ ﷺ تَوَضَّأ مِن مَزادَةِ مُشْرِكٍ، واسْتَعارَ مِن صَفْوانَ دُرُوعًا ولَمْ يَغْسِلْها، وكانَتِ القِصاعُ تَخْتَلِفُ مِن بُيُوتِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ إلى الأُسارى ولا تُغْسَلُ، وكانَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ يَطْبُخُونَ في أوانِي المُشْرِكِينَ ولا تُغْسَلُ. وأوَّلُوا الآيَةَ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الوُجُوهِ، وكُلٌّ مُتَأوِّلٌ ما احْتَجَّ بِهِ الآخَرُ. انْتَهى.
الثّانِي: قالَ السُّيُوطِيُّ في (" الإكْلِيلِ ") في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ إنَّ الكافِرَ يُمْنَعُ مِن دُخُولِ الحَرَمِ، وإنَّهُ لا يُؤْذَنُ لَهُ في دُخُولِهِ، لا لِلتِّجارَةِ ولا لِغَيْرِها، وإنْ كانَتْ مُصْلِحَةً لَنا، لِأنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ حَيْثُ أُطْلِقَ في القُرْآنِ فالمُرادُ بِهِ الحَرَمُ كُلُّهُ، كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ وغَيْرِهِمْ.
واسْتَدَلَّ بِظاهِرِ الآيَةِ مَن أباحَ دُخُولَهُ الحَرَمَ سِوى المَسْجِدِ، لِقِصَرِهِ في الآيَةِ عَلَيْهِ، واسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ بِظاهِرِ الآيَةِ عَلى أنَّهم لا يُمْنَعُونَ مِن دُخُولِ سائِرِ المَساجِدِ، لِقَوْلِهِ: (الحَرامَ)، وقاسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ سائِرَ المَساجِدِ.
واسْتَدَلَّ أبُو حَنِيفَةَ بِظاهِرِها أيْضًا عَلى أنَّ الكِتابِيَّ لا يُمْنَعُ دُخُولُهُ لِتَخْصِيصِهِ بِالمُشْرِكِ. انْتَهى. وهو المُتَّجَهُ.
قالَ الشِّهابُ: وبِالظّاهِرِ أخَذَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، إذْ صَرَفَ المَنعَ عَنْ دُخُولِهِ الحَرَمَ لِلْحَجِّ والعُمْرَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ فَإنَّهُ إنَّما يَكُونُ إذا مُنِعُوا مِن دُخُولِ الحَرَمِ، وهو ظاهِرٌ، أيْ: لِأنَّ مَوْضِعَ التِّجاراتِ لَيْسَ عَيْنَ المَسْجِدِ. ونِداءُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ بِقَوْلِهِ: ««ألا لا يَحُجُّ بَعْدَ عامِنا هَذا مُشْرِكٌ»»، فَأمْرُ النَّبِيِّ ﷺ، يُعَيِّنُهُ، فَلا يُقالُ إنَّ مَنطُوقَ الآيَةِ يُخالِفُهُ. انْتَهى.
الثّالِثُ: قالَ النّاصِرُ: قَدْ يَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا﴾ الآيَةَ، مَن يَقُولُ إنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وخُصُوصًا بِالمَناهِي، فَإنَّ ظاهِرَ الآيَةِ تَوَجُّهُ النَّهْيِ (p-٣١٠٤)إلى المُشْرِكِينَ، إلّا أنَّهُ بَعِيدٌ، لِأنَّ المَعْلُومَ مِنَ المُشْرِكِينَ أنَّهم لا يَنْزَجِرُونَ بِهَذا النَّهْيِ، والمَقْصُودُ تَطْهِيرُ المَسْجِدِ الحَرامِ بِإبْعادِهِمْ عَنْهُ، فَلا يَحْصُلُ هَذا المَقْصُودُ إلّا بِنَهْيِ المُسْلِمِينَ عَنْ تَمْكِينِهِمْ مِن قُرْبانِهِ.
ويُرْشِدُ إلى أنَّ المُخاطَبَ في الحَقِيقَةِ المُسْلِمُونَ، تَصْدِيرُ الكَلامِ بِخِطابِهِمْ في قَوْلِهِ:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وتَضْمِينُهُ نَصًّا بِخِطابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ وكَثِيرًا ما يَتَوَجَّهُ النَّهْيُ عَلى مَنِ المُرادُ خِلافُهُ، وعَلى ما المُرادُ خِلافُهُ، إذا كانَتْ ثَمَّ مُلازَمَةٌ كَقَوْلِهِ: لا أرَيَنَّكَ ها هُنا ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] انْتَهى.
الرّابِعُ: (العَيْلَةُ) مَصْدَرٌ مِن (عالَ) بِمَعْنى افْتَقَرَ. قُرِئَ (عائِلَةٌ)، وهو إمّا مَصْدَرٌ بِوَزْنِ فاعِلَةٍ، أوِ اسْمُ فاعِلٍ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُؤَنَّثٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: حالًا عائِلَةً، أيْ: مُفْقِرَةً.
قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: هَذِهِ مِنَ المَصادِرِ الَّتِي جاءَتْ عَلى فاعِلَةٍ، كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] أيْ: لَغْوًا ومِنهُ قَوْلُهم: مَرَرْتُ بِهِ خاصَّةً، أيْ: خُصُوصًا وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ١٣] فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ: خِيانَةٍ، وأنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ: نِيَّةٌ أوْ عَقِيدَةٌ خائِنَةٌ. وكَذا ها هُنا يُقَدَّرُ: إنْ خِفْتُمْ حالًا عائِلَةً. انْتَهى.
الخامِسُ: إنْ قِيلَ: ما وجْهُ التَّعْلِيقِ بِالمَشِيئَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ شاءَ﴾ مَعَ أنَّ المَقامَ وسَبَبَ النُّزُولِ، وهو خَوْفُهُمُ الفَقْرَ، يَقْتَضِي دَفْعَهُ بِالوَعْدِ بِإغْنائِهِمْ مِن غَيْرِ تَرَدُّدٍ ؟
فالجَوابُ: أنَّ الشَّرْطَ لَمْ يُذْكَرْ لِلتَّرَدُّدِ، بَلْ لِبَيانِ أنَّهُ بِإرادَتِهِ لا سَبَبَ لَهُ غَيْرَها، فانْقَطَعُوا إلَيْهِ، واقْطَعُوا النَّظَرَ عَنْ غَيْرِهِ، ولِيُنَبَّهَ عَلى أنَّهُ مُتَفَضِّلٌ بِهِ، لا واجِبَ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ بِالإيجابِ لَمْ يُوكَلْ إلى الإرادَةِ، فَلا يُقالُ إنَّ هَذا لا حاجَةَ إلى أخْذِهِ مِنَ الشَّرْطِ، مَعَ قَوْلِهِ: مِن فَضْلِهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ يُفِيدُ أنَّهُ عَطاءٌ وإحْسانٌ، وهَذا يُفِيدُ أنَّهُ بِغَيْرِ إيجابٍ، وشَتّانَ بَيْنِهِما، وقِيلَ إنَّهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ بِإرادَتِهِ، لا بِسَعْيِ المَرْءِ وحِيلَتِهِ:
؎لَوْ كانَ بالحِيَلِ الغِنى لَوَجَدْتَنِي بِنُجُومِ أقْطارِ السَّماءِ تَعَلُّقِي
(p-٣١٠٥)كَذا في (" العِنايَةِ ") .
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии