Аль-Касими · Тафсир · на арабском
Ат-Тавба 9:29–32, продолжение
وإنَّما هو الشَّرْعُ الإسْلامِيُّ، مَنَعَ مِن إكْراهِ غَيْرِ مُشْرِكِي العَرَبِ عَلى الإسْلامِ، كَما مَنَعَ مِن نَقْضَ العَهْدِ، وخَفْرِ الذِّمَّةِ إلّا بِسَبَبٍ مَشْرُوعٍ.
لِهَذا، لَمّا خانَ النَّجْرانِيُّونَ عَهْدَهم بِتَعامُلِهِمْ بِالرِّبا، وقَدْ عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ألّا يَتَعامَلُوا بِهِ في الجَزِيرَةِ، (p-٣١١٨)ساغَ لِأمِيرِ المُؤْمِنِينَ إجْلاؤُهم إلى غَيْرِها، بَعْدَ أنْ عَوَّضَهم عَنِ المالِ والعَقارِ بِمِثْلِهِ.
وما زالَ الخُلَفاءُ بَعْدَهُ - مُبالَغَةً بِالرِّفْقِ بِأهْلِ الكِتابِ، وقِيامًا بِواجِبِ السِّيادَةِ العادِلَةِ، ووَفاءً بِعَهْدِ اللَّهِ والرَّسُولِ - يُعامِلُونَ النَّجْرانِيِّينَ بِأحْسَنِ ما تُعامَلُ بِهِ عامَّةُ الرَّعِيَّةِ مِنَ المُسْلِمِينَ ويَدْفَعُونَ عَنْهم أذى الظُّلْمِ والإجْحافِ كَما رَأيْتَ.
ونَتَجَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ ثَلاثَةُ أُمُورٍ:
الأمْرُ الأوَّلُ: عَدَمُ إكْراهِ النَّجْرانِيِّينَ عَلى الإسْلامِ، مَعَ تَعَيُّنِ الخَطَرِ مِن وُجُودِهِمْ في جَزِيرَةِ العَرَبِ، لِحَداثَةِ عَهْدِ أهْلِها بِالإسْلامِ، ذَلِكَ لِأنَّ عَدَمَ الإكْراهِ مِن أُصُولِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ، والجِهادُ الَّذِي يُعَظِّمُ أمْرَهُ أعْداءُ المُسْلِمِينَ إنَّما شُرِعَ لِحِمايَةِ الدَّعْوَةِ لا لِلْإكْراهِ، إلّا جِهادُ مُشْرِكِي العَرَبِ يَوْمَئِذٍ، فَقَدْ شُرِعَ لِإرْغامِهِمْ عَلى الإسْلامِ، لِأسْبابٍ حَكِيمَةٍ لا تَخْفى عَلى بَصِيرٍ، أهَمُّها تَطْهِيرُ نُفُوسِ تِلْكَ الأُمَّةِ العَظِيمَةِ مِن شُرُورِ الوَثَنِيَّةِ، واسْتِئْصالُ شَأْفَةِ الجَهْلِ والتَّوَحُّشِ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ، الَّتِي كانَتْ وسَطًا بَيْنَ مَمالِكِ الشَّرْقِ والغَرْبِ، مِن آسْيا وإفْرِيقِيا وأُورُبّا، بَلْ هي نُقْطَةُ الصِّلَةِ السِّياسِيَّةِ والتِّجارِيَّةِ بَيْنَ تِلْكَ المَمالِكِ، فانْتِشارُ أنْوارِ المَدَنِيَّةِ والدِّينِ فِيها، يَسْتَلْزِمُ انْتِشارَها بِطَبِيعَةِ المُجاوَرَةِ والإشْرافِ عَلى تِلْكَ المَمالِكِ أيْضًا، قَدْ كانَ ذَلِكَ كَما هو مَعْلُومٌ.
والأمْرُ الثّانِي: عَدَمُ حَيْدِ الخُلَفاءِ عَنْ أمْرِ الشّارِعِ فِيما أمَرَ بِهِ مِنَ الوَفاءِ بِالعُهُودِ، وتَأْكِيدِهِمْ لِعَهْدِ النَّجْرانِيِّينَ، الواحِدِ تِلْوَ الآخَرِ، عَلى ضَعْفِ هَؤُلاءِ وقِلَّتِهِمْ، وقُوَّةِ الخِلافَةِ الإسْلامِيَّةِ وسُلْطانِها، وإنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَنْ رَهْبَةٍ أوْ رَغْبَةٍ، بَلْ عَنْ مَحْضِ تَمَسُّكٍ بِالعَهْدِ، وعَدْلٍ بَيْنَ الشُّعُوبِ الخاضِعِينَ لِسَلَطَةِ الخِلافَةِ، وسُلْطانِ الإسْلامِ، مِن كُلِّ مِلَّةٍ ودِينٍ.
والأمْرُ الثّالِثُ: حِرْصُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى قاعِدَةِ حِمايَةِ الذِّمِّيِّ في نَفْسِهِ ومالِهِ، بِتَعْوِيضِهِ النَّجْرانِيِّينَ عَنْ أرْضِهِمْ ومالِهِمْ بِالمِثْلِ مِن أرْضِ المُسْلِمِينَ ومالِهِمْ، لَمّا قَضَتِ الضَّرُورَةُ بِإجْلائِهِمْ عَنْ أرْضِهِمْ، إلى غَيْرِها مِن بِلادِ المُسْلِمِينَ.
وقَدْ ذُكِرَ في سِيرَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ (p-٣١١٩)عَنْهُما ما فَعَلَهُ مِن هَذا القَبِيلِ مِن أهْلِ عَرْبَسُوسَ مِن ثُغُورِ الرُّومِ، وكَيْفَ أنَّهُ لَمّا أمَرَ بِإجْلائِهِمْ عَنْ أرْضِهِمْ لِخِيانَتِهِمْ جِوارَ المُسْلِمِينَ، ونِكْثِهِمْ عَهْدَ الأمانَةِ والصِّدْقِ، أمَرَ بِأنْ يُعَوَّضُوا عَنْ مالِهِمْ وعَقارِهِمْ ونَعَمِهِمْ ضِعْفَيْنِ.
وما زالَ الخُلَفاءُ في أيّامِ الفُتُوحِ العَظِيمَةِ وما بَعْدَها يُحافِظُونَ عَلى حَقِّ القَرارِ الثّابِتِ، والمُلْكِ القَدِيمِ، لِلْأقْوامِ المَغْلُوبِينَ لِلْمُسْلِمِينَ، الخاضِعِينَ لِسُلْطانِهِمْ، سَواءٌ كانُوا مِنَ المَسِيحِيِّينَ أوْ غَيْرِهِمْ، ولَمْ يُؤْثَرْ عَنْ أحَدٍ مِنهم أنَّهُ طَرَدَ قَوْمًا مِن أرْضِهِمْ، أوِ انْتَزَعَها مِنهم بِغَيْرِ حَقٍّ ولا عِوَضٍ.
لا عِبْرَةَ بِما رُبَّما يَقَعُ مِن هَذا القَبِيلِ عَلى بَعْضِ الأفْرادِ مِن جَوْرِ بَعْضِ العُمّالِ الَّذِينَ غَلَبَتْ شَهَواتُهم عَلى الفَضِيلَةِ، فَحادُوا عَنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ، فَإنَّهُ قَدْ يُصِيبُ أفْرادَ المُسْلِمِينَ مِن جَوْرِ هَؤُلاءِ أكْثَرَ مِمّا يُصِيبُ غَيْرَهم، ولَيْسَ في هَذا ما يَقْدَحُ في أُصُولِ الحُكْمِ الإسْلامِيِّ الَّذِي يَأْبى الظُّلْمَ، ويَدْعُو إلى الرَّأْفَةِ والعَدْلِ، هَذا شَأْنُ الإسْلامِ في المُحافَظَةِ عَلى حُقُوقِ الأُمَمِ المَغْلُوبَةِ.
وقَدْ رَأيْتُ مِمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ لَمْ يُعْطَ لِلْمُسْلِمِينَ مِن حُقُوقِ الغَلَبِ الَّتِي يَنْتَحِلُها الغالِبُونَ في كُلِّ عَصْرٍ، إلّا ما تَدْعُو إلَيْهِ الضَّرُورَةُ القُصْوى، وتَسْتَلْزِمُهُ سَلامَةُ المُلْكِ والدِّينِ، لا ما تَدْعُو إلَيْهِ شَهَواتُ المُلْكِ، ورَغَباتُ الأُمَّةِ الغالِبَةِ.
وقَدْ عَلِمَ هَذا المُسْلِمُونَ وخُلَفاؤُهم، وأنَّ لِأهْلِ الذِّمَّةِ ما لَهم، وعَلَيْهِمْ ما عَلَيْهِمْ، فَبالَغُوا في الرَّأْفَةِ بِأهْلِ جِوارِهِمْ، والدّاخِلِينَ في ذِمَّتِهِمْ مِن أرْبابِ المِلَلِ الأُخْرى، فَتَرَكُوا لَهم حُرِّيَّةَ التَّمَلُّكِ والدِّينِ، لَمْ يُنازِعُوهم حَقًّا مِن حُقُوقِ المُواطَنَةِ والجِوارِ، بَلْ كانُوا يَعْتَبِرُونَهم جُزْءًا مِنَ الدَّوْلَةِ، وعُضْوًا مِن أعْضاءِ مُجْتَمَعِهِمْ لا غِنى عَنْ مُشارَكَتِهِ في العَمَلِ، ومُشاطَرَتِهِ أسْبابَ السَّعادَةِ المَدَنِيَّةِ، والحَياةِ الوَطَنِيَّةِ.
يُؤَيِّدُ هَذا اعْتِمادُ الخُلَفاءِ الأُمَوِيِّينَ والعَبّاسِيِّينَ عَلى أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى في تَرْتِيبِ دَواوِينِ الخَراجِ وتَرْجَمَةِ عُلُومِ اليُونانَ، وتَقْرِيبِ النّابِغِينَ مِنهم في عُلُومِ الهَنْدَسَةِ والطِّبِّ إلَيْهِمْ، واعْتِمادِهِمْ في شِفاءِ عِلَلِهِمْ عَلَيْهِمْ، بَلْ بَلَغَ بِالمُسْلِمِينَ اعْتِبارُهم لِأهْلِ الكِتابِ عُضْوًا مِن جِسْمِ هَيْأتِهِمُ الِاجْتِماعِيَّةِ، لا يَجُوزُ فَصْلُهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ أنَّ جُيُوشَ التَّتارِ لَمّا اكْتَسَحَتْ بِلادُ الإسْلامِ مِن حُدُودِ الصِّينِ إلى الشّامِ، (p-٣١٢٠)ووَقَعَ في أسْرِهِمْ مَن وقَعَ مِنَ المُسْلِمِينَ والنَّصارى، ثُمَّ خَضَّدَ المُسْلِمُونَ شَوْكَةَ التَّتارِ في الشّامِ، ودانَ مُلُوكُهم بِالإسْلامِ، خاطَبَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَأْسُ العُلَماءِ في عَصْرِهِ أمِيرَ التَّتارِ قَطْلُوشاهْ بِإطْلاقِ الأسْرى، فَسَمَحَ لَهُ بِالمُسْلِمِينَ، وأبى أنْ يَسْمَحَ لَهُ بِأهْلِ الذِّمَّةِ، فَقالَ لَهُ شَيْخُ الإسْلامِ: لا بُدَّ مِنِ افْتِكاكِ جَمِيعِ مَن مَعَكَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ هم أهْلُ ذِمَّتِنا، ولا نَدَعُ أسِيرًا لا مِن أهْلِ المِلَّةِ، ولا مِن أهْلِ الذِّمَّةِ، فَأطْلَقَهم لَهُ. انْتَهى.
ومِنهُ يُعْلَمُ شَأْنُ الحُكْمِ الإسْلامِيَ في أهْلِ الذِّمَّةِ، ومَبْلَغُ عِنايَةِ الخُلَفاءِ والعُلَماءِ بِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى:
9:30Страница 191
وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٣٠
Иудеи сказали: «Узейр (Ездра) - сын Аллаха». Христиане сказали: «Мессия - сын Аллаха». Они произносят своими устами слова, похожие на слова прежних неверующих. Да погубит их Аллах! До чего же они отвращены от истины!
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٠ ] ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ .
﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ، سِيقَتْ لِتَقْرِيرِ ما مَرَّ مِن عَدَمِ إيمانِ أهْلِ الكِتابَيْنِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، وانْتِظامِهِمْ بِذَلِكَ في سَلْكِ المُشْرِكِينَ.
وقُرِئَ (عُزَيْرٌ) بِالتَّنْوِينِ عَلى الأصْلِ، وحَذْفُهُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ القِياسِ تَخْفِيفًا، وهو مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، ولَهم أوْجُهٌ أُخْرى في إعْرابِهِ، والوَجْهُ ما ذَكَرْناهُ.
ولِيَعْلَمَ أنَّ الَّذِي دَعا الفَرِيقَيْنِ إلى مَقالَيْهِما هو الغُلُوُّ في التَّعْظِيمِ، فَأمّا اعْتِقادُ النَّصارى فَهو مَشْهُورٌ مَعْلُومٌ، تَكَفَّلَ التَّنْزِيلُ الكَرِيمُ بِذِكْرِهِ مِرارًا، ودَحْرِ شَبَهِهِ.
وأمّا اليَهُودُ في (عُزَيْرٍ) فَغُلاتُهم أوَجَهَلَتُهم يَتَفَوَّهُونَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ الشَّنْعاءِ، وأمّا بَقِيَّتُهم فَيَعْتَبِرُونَهُ في مَقامِ مُوسى، ويَحْتَرِمُونَ دائِمًا ذِكْرُهُ، ويَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أقامَهُ لِجَمْعِ التَّوْراةِ المُبَدَّدَةِ، ولِتَجْدِيدِ المِلَّةِ المُوسَوِيَّةِ، وإرْجاعِها إلى عَهْدِها، وإصْلاحِ ما فَسَدَ مِن آدابِها وعَوائِدِها، بِإلْهامِ، (p-٣١٢١)فَإنَّ نُسْخَةَ التَّوْراةِ الأصْلِيَّةَ، وبَقِيَّةَ أسْفارِهِمْ فُقِدَتْ لَمّا أغارَ أهْلُ بابِلَ جُنْدُ بُخْتُ نَصَّرَ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وهَدَمُوهُ، وسَبَوْا أهْلَهُ إلى مَمْلَكَتِهِمْ بابِلَ، وأقامُوا هُناكَ سَبْعِينَ سَنَةً، ثُمَّ لَمّا نَبَغَ فِيهِمْ (عُزَيْرٌ) واشْتُهِرَ، واسْتَعْطَفَ أحَدَ مُلُوكِهِمْ في سَراحِهِمْ، فَأطْلَقَ لَهُ المَلِكُ الإجازَةَ، فَعادَ مِن بابِلَ بِمَن بَقِيَ مِنَ اليَهُودِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وجَدَّدَ ما انْدَثَرَ مِنَ الشَّرِيعَةِ المُوسَوِيَّةِ.
قالَ بَعْضُ الكِتابِيِّينَ في قامُوسٍ لَهُ: زَعَمَ اليَهُودُ أنَّ أئِمَّتَهم عَقَدُوا مَجْمَعًا في عَهْدِ (عِزْرا) وجَمَعُوا الأسْفارَ العِبْرانِيَّةَ في قانُونٍ مُتَعارَفٍ عِنْدَهُمُ اليَوْمَ، وضَمُّوا إلَيْهِ ما لَمْ يَكُنْ مِن قَبْلِ جَلاءِ بابِلَ.
وفِي (" الذَّخِيرَةِ ") مِن كُتُبِهِمْ ما نَصُّهُ: أجْمَعَ القَوْمُ عَلى أنَّ (عِزْرا) الَّذِي كانَ خَبِيرًا بِآثارِ وطَنِهِ وقِدَمِها، وماهِرًا بِمَعْرِفَةِ الطُّقُوسِ اليَهُودِيَّةِ، وبارِعًا بِالعُلُومِ المُقَدَّسَةِ، هو أوَّلُ مَن قَرَّرَ هَذا القانُونَ، وأثْبَتَ أجْزاءَهُ المُخْتَلِفَةَ، بَعْدَ الأسْرِ البابِلِيِّ في نَحْوِ السَّنَةِ ٥٤٢ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ، ولَمّا تَفَرَّقَتِ التَّوْراةُ آنَ الجَلاءِ، قامَ (عِزْرا) وجَمَعَ ما وُجِدَ مِنَ النُّسَخِ المُتَناثِرَةِ، وألَّفَ مِنها نُسْخَةً صَحَّحَها ونَقَّحَها ما اسْتَطاعَ، وبَدَّلَ أسْماءَ الأماكِنِ الَّتِي انْتَسَخَ ثَمَّ اسْتِعْمالُها، بِأسْماءٍ أُخْرى أشْهَرَ في عُرْفِهِمْ، ونَسَّقَ الكُلَّ نَسَقًا مُحْكَمًا، واتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّهُ اعْتاضَ في كُلِّ الأسْفارِ عَنْ حُرُوفِ الخَطِّ العِبْرانِيِّ بِحُرُوفٍ كَلْدانِيَّةٍ، ألِفَ اسْتِعْمالَها اليَهُودُ مُدَّةَ أسْرِهِمُ الَّذِي اسْتَمَرَّ سَبْعِينَ سَنَةً. انْتَهى.
فَلِهَذا العَمَلِ المُهِمِّ عِنْدَهم دَعَوْهُ: (ابْنًا) . وفِيهِ مِنَ الجَراءَةِ عَلى المَقامِ الرَّبّانِيِّ ما فِيهِ. ولَوْ زَعَمُوا إرادَةَ المَجازِ في ذَلِكَ، فَلا مَناصَ لَهم مِن لُحُوقِ الكُفْرِ بِهِمْ، فَإنَّهُ يَجِبُ الِاحْتِياطِ في تَنْزِيهِهِ تَعالى، حَتّى بِعِفَّةِ اللِّسانِ، عَنِ النُّطْقِ بِما يُوهِمُ نَقْصًا في جانِبِهِ، فَيَتَبَرَّأُ مِن مِثْلِ هَذا اللَّفْظِ مُطْلَقًا ومِن كُلِّ ما شاكَلَهُ.
هَذا وقَدْ قِيلَ إنَّ القائِلَ لِذَلِكَ بَعْضٌ مِن مُتَقَدِّمِيهِمْ، وقِيلَ ناسٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ولا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى واحِدٍ مِنهُما بِخُصُوصِهِ، ونِسْبَةُ الشَّيْءِ القَبِيحِ إذا صَدَرَ مِن بَعْضِ القَوْمِ إلى الكُلِّ، مِمّا شاعَ.
(p-٣١٢٢)لَطِيفَةٌ:
قُرِئَ (عُزَيْرٌ) بِالتَّنْوِينِ عَلى الأصْلِ، لِأنَّهُ مُنْصَرِفٌ، وقُرِئَ بِحَذْفِهِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ القِياسِ، لا لِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ والعَجَمِيَّةِ، كَما قِيلَ، لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَ عَلى لَفْظِهِ الأصْلِيِّ، وهو (عزراء) أوْ (عزريا) لَفْظانِ عِبْرانِيّانِ، مَعْنى الأوَّلِ مُعَيَّنٌ، والثّانِي اللَّهُ مُساعِدٌ، أما وقَدْ تَصَرَّفَتْ فِيهِ العَرَبُ بِالتَّصْغِيرِ، فَلا.
وظاهِرُ أنَّ أغْلَبَ الأسْماءِ القَدِيمَةِ، لِانْتِقالِها مِن أُمَّةٍ إلى أُخْرى وكَثْرَةِ تَداوُلِها، تَطَرَّقَ إلَيْها مِن شَوائِبِ التَّحْرِيفِ، والزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، ما غَيَّرَ صِيغَتَها الأصْلِيَّةَ بَعْضَ التَّغْيِيرِ ولَمّا اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ مِنَ الأسْماءِ العِبْرانِيَّةِ ونَحْوِها ما أدْخَلَتْهُ إلى لُغَتِها، إمّا مَنحُوتَةً مِنَ القَدِيمَةِ، أوْ مُحَرَّفَةً مِنها، أصْبَحَتْ بِالِاصْطِلاحِ مِن قَبِيلِ الأعْلامِ العَرَبِيَّةِ، إلّا ما بَقِيَ عَلى وضْعِهِ الأوَّلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ العَظِيمَتَيْنِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ، لِلدَّلالَةِ عَلى بُعْدِ دَرَجَةِ المُشارِ إلَيْهِ في الشَّناعَةِ والفَظاعَةِ. قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
﴿قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كُلُّ قَوْلٍ يُقالُ بِالفَمِ، فَما مَعْنى (بِأفْواهِهِمْ) قُلْتُ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُرادَ بِهِ أنَّهُ قَوْلٌ لا يُعَضِّدُهُ بِرِهانٌ، فَما هو إلّا لَفْظٌ يُفَوَّهُونَ بِهِ، فارِغٌ مِن مَعْنًى تَحْتَهُ، كالألْفاظِ المُهْمَلَةِ الَّتِي هي أجْراسٌ ونَغَمٌ، لا تَدُلُّ عَلى مَعانٍ.
وذَلِكَ أنَّ القَوْلَ الدّالَّ عَلى مَعْنًى لَفْظُهُ مَقُولٌ بِالفَمِ، ومَعْناهُ مُؤَثِّرٌ في القَلْبِ، وما لا مَعْنى لَهُ مَقُولٌ بِالفَمِ لا غَيْرَ.
والثّانِي: أنْ يُرادَ بِالقَوْلِ المَذْهَبُ، كَقَوْلِهِمْ: (قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ)، يُرِيدُونَ مَذْهَبَهُ، وما يَقُولُ بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ مَذْهَبُهم ودِينُهم بِأفْواهِهِمْ، لا بِقُلُوبِهِمْ، لِأنَّهُ لا حُجَّةَ مَعَهُ ولا شُبْهَةَ، حَتّى يُؤَثِّرَ في القُلُوبِ.
وذَلِكَ أنَّهم إذا اعْتَرَفُوا أنَّهُ لا صاحِبَةَ لَهُ، لَمْ تَبْقَ شُبْهَةٌ في انْتِفاءِ الوَلَدِ. انْتَهى.
وثَمَّةَ وجْهٌ ثالِثٌ شائِعٌ في مِثْلِهِ، وهو التَّأْكِيدُ لِنِسْبَةِ هَذا القَوْلِ إلَيْهِمْ، مَعَ التَّعْجِيبِ (p-٣١٢٣)مِن تَصْرِيحِهِمْ بِتِلْكَ المَقالَةِ الفاسِدَةِ.
قالَ بَعْضُهُمُ: القَوْلُ قَدْ يُنْسَبُ إلى الأفْواهِ وإلى الألْسِنَةِ، والأوَّلُ أبْلَغُ.
﴿يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: يُضاهِئُ قَوْلُهم قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ، فَضَلُّوا كَما ضَلَّ أُولَئِكَ.
قِيلَ: المُرادُ بِـ: (الَّذِينَ كَفَرُوا) مُشْرِكُوا مَكَّةَ، القائِلُونَ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، وهَذا يَتِمُّ إنْ أُرِيدَ (بِاليَهُودِ والنَّصارى) في الآيَةِ، يَهُودُ المَدِينَةِ ونَصارى نَجْرانَ في عَهْدِهِ ﷺ، وهو وجْهٌ في الآيَةِ كَما تَقَدَّمَ، فَإنَّهم سَبَقُوا مِن أهْلِ مَكَّةَ بِالكُفْرِ بِهِ ﷺ .
وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ قُدَماؤُهم، يَعْنِي أنَّ مَن كانَ في زَمَنِهِ ﷺ مِنهم، يُضاهِئُ قَوْلُهم قَوْلَ قُدَمائِهِمْ، والمُرادُ عَراقَتُهم في الكُفْرِ، أيْ: أنَّهُ كُفْرٌ قَدِيمٌ فِيهِمْ غَيْرُ مُسْتَحْدَثٍ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وفِيهِ أنَّهُ لا تَعَدُّدَ في القَوْلِ، حَتّى يَتَأتّى التَّشْبِيهُ، وجَعَلَهُ بَيْنَ قَوْلَيِ الفَرِيقَيْنِ، مَعَ اتِّحادِ المَقُولِ، لَيْسَ فِيهِ مَزِيدُ مَزِيَّةٍ.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلنَّصارى، أيْ: يُضاهِئُ قَوْلُهم: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ قَوْلَ اليَهُودِ ﴿عُزَيْرٌ﴾ إلَخْ لِأنَّهم أقْدَمُ مِنهم.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وهو أيْضًا كَما تَرى، فَإنَّهُ يَسْتَدْعِي اخْتِصاصَ الرَّدِّ والإبْطالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ بِقَوْلِ النَّصارى. انْتَهى.
والمُضاهاةُ المُشابِهَةُ، يُقالُ: ضاهَيْتُ، وضاهَأْتُ - كَما قالَهُ الجَوْهَرِيُّ - وقِراءَةُ العامَّةِ (يُضاهُونَ)، بِهاءٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَها واوٌ.
وقَرَأ عاصِمٌ بَهاءٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها هَمْزَةٌ مَضْمُومَةٌ، وهُما بِمَعْنًى مِنَ المُضاهَأةِ، وهي المُشابَهَةُ، وهُما لُغَتانِ.
وقِيلَ: الياءُ فَرْعٌ عَنِ الهَمْزَةِ، كَما قالُوا: قَرَيْتُ وتَوَضَّيْتُ وأخْطَيْتُ.
﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: لَعَنَهم أوْ قَتَلَهم، أوْ عاداهم أوْ تَعَجَّبَ مِن شَناعَةِ قَوْلِهِمْ.
﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ يُصْرِفُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
9:31Страница 191
ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣١
Они признали господами помимо Аллаха своих первосвященников и монахов, а также Мессию, сына Марьям (Марии). А ведь им было велено поклоняться только одному Богу, кроме которого нет иного божества. Он превыше того, что они приобщают в сотоварищи!
(p-٣١٢٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣١ ] ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .
﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ زِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِما سَلَفَ مِن كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى، وفِيهِ وصْفُهم بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الشِّرْكِ.
والأحْبارُ عُلَماءُ اليَهُودِ جَمْعُ حَبْرٍ، بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِها، وهو العالِمُ بِتَحْبِيرِ الكَلامِ وتَحْسِينِهِ - كَذا ذَكَرَهُ أئِمَّةُ اللُّغَةِ - قالَ بَعْضُهم: (الحِبْرُ) أعْظَمُ الأشْرافِ بَيْنَ الإسْرائِيلِيِّينَ، يَكُونُ عِنْدَهم وسِيلَةً لِلتَّقَرُّبِ لِلَّهِ، ومَرْتَبَةً وِراثِيَّةً في آلِ هارُونَ، يَكُونُ بَكْرٌ أشِيخَ مَن فِيها. انْتَهى.
و(الرُّهْبانُ) جَمْعُ راهِبٍ، بِمَعْنى المُتَعَبِّدِ الخاشِعِ الزّاهِدِ، وأصْلُ التَّرَهُّبِ عَنِ النَّصارى، التَّخَلِّي عَنْ أشْغالِ الدُّنْيا، وتَرْكُ مَلاذِّها والزُّهْدُ فِيها، والعُزْلَةُ عَنْ أهْلِها.
وفِي الحَدِيثِ ««لا رَهْبانِيَّةَ في الإسْلامِ»» . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ الرّازِيُّ: الأكْثَرُونَ (p-٣١٢٥)مِنَ المُفَسِّرِينَ قالُوا: لَيْسَ المُرادُ مِنَ الأرْبابِ أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا فِيهِمْ أنَّهم آلِهَةُ العالَمِ، بَلِ المُرادُ أنَّهم أطاعُوهم في أوامِرِهِمْ ونَواهِيهِمْ، أيْ: لِما رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وفي عُنُقِي صَلِيبٌ مِن ذَهَبٍ فَقالَ: «يا عَدِيُّ ! اطْرَحْ عَنْكَ هَذا الوَثَنَ» . وسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ في سُورَةِ بَراءَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ: «أما إنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهم، ولَكِنَّهم كانُوا إذا أحَلُّوا لَهم شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وإذا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ»» .
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ مِن طُرُقٍ، «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ لَمّا بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَّ إلى الشّامِ، وكانَ قَدْ تَنَصَّرَ في الجاهِلِيَّةِ فَأُسِرَتْ أُخْتُهُ وجَماعَةٌ مِن قَوْمِهِ، ثُمَّ مَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى أُخْتِهِ، وأعْطاها، فَرَجَعَتْ إلى أخِيها، فَرَغَّبَتْهُ في الإسْلامِ، وفي القُدُومِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدِمَ عَدِيٌّ المَدِينَةَ، وكانَ رَئِيسًا في قَوْمِهِ طَيِّئٍ، وأبُوهُ حاتِمٌ الطّائِيُّ المَشْهُورُ بِالكَرَمِ، فَتَحَدَّثَ النّاسُ بِقُدُومِهِ، فَدَخَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفي عُنُقِ عَدِيٍّ صَلِيبٌ مِن فِضَّةٍ، وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ: فَقُلْتُ: إنَّهم لَمْ يَعْبُدُوهم، فَقالَ «بَلى إنَّهم حَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الحَلّالَ، وأحَلُّوا لَهُمُ الحَرامَ، فاتَّبَعُوهم فَذَلِكَ عِبادَتُهم إيّاهم» .
وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يا عَدِيُّ ! ما تَقُولُ ؟ أيَضُرُّكَ أنْ يُقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ ؟ فَهَلْ تَعْلَمُ شَيْئًا أكْبَرَ مِنَ اللَّهِ ؟ ما يَضُرُّكَ أنْ يُقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَهَلْ تَعْلَمُ إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ» ؟ ثُمَّ دَعاهُ إلى الإسْلامِ فَأسْلَمَ وشَهِدَ شَهادَةَ الحَقِّ.
(p-٣١٢٦)قالَ فَلَقَدْ رَأيْتُ وجْهَهُ اسْتَبْشَرَ، ثُمَّ قالَ: «إنَّ اليَهُودَ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ والنَّصارى ضالُّونَ»» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَكَذا قالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ وابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُما في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، أنَّهُمُ اتَّبَعُوهم فِيما حَلَّلُوا وحَرَّمُوا.
وقالَ السُّدِّيُّ: اسْتَنْصَحُوا الرِّجالَ، ونَبَذُوا كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ.
وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ وجْهًا في تَفْسِيرِ اتِّخاذِهِمْ أرْبابًا، قالَ: بِأنْ أطاعُوهم بِالسُّجُودِ لَهم.
قالَ الشِّهابُ: والأوَّلُ هو تَفْسِيرُ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَنْبَغِي الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ «لَمّا أتاهُ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ وهو يَقْرَؤُها قالَ لَهُ: إنّا لَمْ نَعْبُدْهم، فَقالَ: «ألَمْ تَتْبَعُوهم في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ ؟ فَهَذِهِ هي العِبادَةُ»»، والنّاسُ يَقُولُونَ: فُلانٌ يَعْبُدُ فُلانًا، إذا أفْرَطَ في طاعَتِهِ، فَهو اسْتِعارَةٌ بِتَشْبِيهِ الإطاعَةِ بِالعِبادَةِ، أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِإطْلاقِ العِبادَةِ، وهي طاعَةٌ مَخْصُوصَةٌ عَلى مُطْلِقِها، والأوَّلُ أبْلَغُ. انْتَهى.
فَقالَ الرّازِيُّ: قالَ الرَّبِيعُ: قُلْتُ لِأبِي العالِيَةِ: كَيْفَ كانَتْ تِلْكَ الرُّبُوبِيَّةُ في بَنِي إسْرائِيلَ ؟ فَقالَ: إنَّهم رُبَّما وجَدُوا في كِتابِ اللَّهِ ما يُخالِفُ أقْوالَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ، فَكانُوا يَأْخُذُونَ بِأقْوالِهِمْ، وما كانُوا يَقْبَلُونَ حُكْمَ كِتابِ اللَّهِ تَعالى.
قالَ الرّازِيُّ: قالَ شَيْخُنا ومَوْلانا خاتِمَةُ المُحَقِّقِينَ والمُجْتَهِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدْ شاهَدْتُ جَماعَةً مِن مُقَلِّدَةِ الفُقَهاءِ، قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ آياتٍ كَثِيرَةً في كِتابِ اللَّهِ تَعالى في بَعْضِ مَسائِلَ، وكانَتْ مَذاهِبُهم بِخِلافِ تِلْكَ الآياتِ، فَلَمْ يَقْبَلُوا تِلْكَ الآياتِ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها، وبَقُوا يَنْظُرُونَ إلَيَّ كالمُتَعَجِّبِ، يَعْنِي كَيْفَ يُمْكِنُ العَمَلُ بِظَواهِرِ هَذِهِ الآياتِ، مَعَ أنَّ الرِّوايَةَ عَنْ سَلَفِنا ورَدَتْ عَلى خِلافِها ؟ ولَوْ تَأمَّلْتَ حَقَّ التَّأمُّلِ وجَدْتَ هَذا الدّاءَ سارِيًا في عُرُوقِ الأكْثَرِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ. انْتَهى.
(p-٣١٢٧)﴿وما أُمِرُوا﴾ أيْ: والحالُ أنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ ما أُمِرُوا في كِتابِهِمْ: ﴿إلا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا﴾ أيْ: يُطِيعُوا أمْرَهُ، ولا يُطِيعُوا أمْرَ غَيْرِهِ بِخِلافِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِ ﴿إلَهًا﴾ أوِ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلتَّوْحِيدِ: ﴿سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: بِهِ في العِبادَةِ والطّاعَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
9:32Страница 192
يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٣٢
Они хотят потушить свет Аллаха своими устами. Но Аллах не допустит этого и завершит распространение Своего света, даже если это ненавистно неверующим.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٢ ] ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ ويَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ .
﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ أيْ: يُخْمِدُوا حُجَّتَهُ الدّالَّةَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وتَقَدُّسِهِ عَنِ الوَلَدِ، أوِ القُرْآنِ، أوْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ أيْ: بِإعْلاءِ التَّوْحِيدِ، وإعْزازِ الإسْلامِ ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ أيْ: بِدَلائِلِ التَّوْحِيدِ، ذَلِكَ.
قالَ أهْلُ المَعانِي: نُورُ اللَّهِ اسْتِعارَةٌ أصْلِيَّةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ لِحُجَّتِهِ أوْ ما بَعْدَها، لِتَشْبِيهِ كُلٍّ مِنها بِالنُّورِ في الظَّهْرِ، والإطْفاءُ تَرْشِيحٌ، أوْ هو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شَبَّهَ حالَهم في مُحاوَلَتِهِمْ إبْطالَ النُّبُوَّةِ بِالتَّكْذِيبِ، بِحالِ مَن يَطْلُبُ إطْفاءَ نُورٍ عَظِيمٍ، مُنْبَثٍّ في الآفاقِ، يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يَزِيدَهُ بِنَفْخِهِ.
لَطائِفُ:
الأُولى: قالَ الشِّهابُ: رُوعِيَ في كُلٍّ مِنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ الإفْراطُ والتَّفْرِيطُ، حَيْثُ شَبَّهَ الإبْطالَ بِالإطْفاءِ بِالفَمِ، ونَسَبَ النُّورَ إلى اللَّهِ، ومِن شَأْنِ النُّورِ المُضافِ إلَيْهِ أنْ يَكُونَ عَظِيمًا، فَكَيْفَ يُطْفَأُ بِنَفْخِ الفَمِ، مَعَ ما بَيْنَ الكُفْرِ الَّذِي هو سَتْرٌ وإزالَةٌ لِلظُّهُورِ، والإطْفاءُ مِنَ المُناسَبَةِ.
(p-٣١٢٨)الثّانِيَةُ: لا يَخْفى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يُتِمَّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ، وهو في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولٍ بِهِ، والِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ يَكُونُ في الفِعْلِ المَنفِيِّ لا مُوجَبٍ، إلّا أنْ يَسْتَقِيمَ المَعْنى.
وهُنا صَحَّ التَّفْرِيغُ مِنَ المُوجَبِ وهو: ﴿ويَأْبى اللَّهُ﴾ لِأنَّهُ نَفْيٌ في المَعْنى، لِأنَّهُ وقَعَ في مُقابَلَةِ: ﴿يُرِيدُونَ﴾ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ والدَّلالَةِ عَلى الِامْتِناعِ ما لَيْسَ في نَفْيِ الإرادَةِ، أيْ: لا يُرِيدُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا إتْمامَ نُورِهِ، فَيَنْدَرِجُ في المُسْتَثْنى مِنهُ بَقاؤُهُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ، فَضْلًا عَنِ الإطْفاءِ - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - .
وقالَ الزَّجّاجُ: المُسْتَثْنى مِنهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: (ويَكْرَهُ اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ إلّا إتْمامَ نُورِهِ) .
قالَ الشِّهابُ: فالمَعْنى عَلى العُمُومِ المُصَحِّحِ لِلتَّفْرِيغِ عِنْدَهُ، فَلِلنّاسِ في تَوْجِيهِ التَّفْرِيغِ هُنا مَسْلَكانِ.
والحاصِلُ أنَّهُ إنْ أُرِيدَ كُلُّ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِنُورِهِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ، صَحَّ إرادَةُ العُمُومِ، ووُقُوعُ التَّفْرِيغِ في الثّابِتاتِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ، إذْ ما مِن عامٍّ إلّا وقَدْ خُصِّصَ، فَكُلُّ عُمُومٍ نِسْبِيٌّ لَكِنَّهُ يُكْتَفى بِهِ، ويُسَمّى عُمُومًا.
ألا تَرى أنَّ مِثالَهم (قَرَأْتُ إلّا يَوْمَ كَذا)، قَدْ قَدَّرَهُ كُلَّ يَوْمٍ، والمُرادُ مِن أيّامِ عُمُرِهِ، لا مِن أيّامِ الدَّهْرِ.
فَإنْ نُظِرَ إلى الظّاهِرِ في أمْثالِهِ كانَ عامًّا، واسْتَغْنى عَنِ النَّفْيِ، وإنْ نُظِرَ إلى نَفْسِ الأمْرِ، فَهو لَيْسَ بِعامٍّ، فَيُؤَوَّلُ بِالنَّفْيِ، والمَعْنى فِيهِما واحِدٌ وإنَّما أُوِّلَ بِهِ هُنا عِنْدَ مَن ذَهَبَ إلى تَأْوِيلِهِ، لِاقْتِضاءِ المُقابَلَةِ لَهُ، إذْ ما مِن إثْباتٍ إلّا ويُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ بِالنَّفْيِ، فَيَلْزَمُهُ جَرَيانُ التَّفْرِيغِ في كُلِّ شَيْءٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ ما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ.
ولِذا قِيلَ: الِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ، وإنِ اخْتَصَّ بِالنَّفْيِ، إلّا أنَّهُ قَدْ يُمالُ مَعَ المَعْنى بِمَعُونَةِ القَرائِنِ، ومُناسِبَةِ المَقاماتِ، فَيَجْرِي بَعْضُ الإيجاباتِ مَجْرى النَّفْيِ في صِحَّةِ التَّفْرِيغِ مَعَها - ذَكَرَهُ الشِّهابُ أيْضًا - .
الثّالِثَةُ: قالَ أبُو السُّعُودِ: وفي إظْهارِ (النُّورِ) في مَقامِ الإضْمارِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَزَّ وجَلَّ زِيادَةُ اعْتِناءٍ بِشَأْنِهِ، وتَشْرِيفٌ لَهُ عَلى تَشْرِيفٍ، وإشارَةٌ بِعِلَّةِ الحُكْمِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии