Al-Baghawi · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:19–27
12:19Page 237
وَجَآءَتۡ سَيَّارَةٞ فَأَرۡسَلُواْ وَارِدَهُمۡ فَأَدۡلَىٰ دَلۡوَهُۥۖ قَالَ يَٰبُشۡرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٞۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ١٩
And there came a company of travelers; then they sent their water drawer, and he let down his bucket. He said, "Good news! Here is a boy." And they concealed him, [taking him] as merchandise;1 and Allāh was Knowing of what they did.
( وجاءت سيارة ) وهم القوم المسافرون ، سموا سيارة لأنهم يسيرون في الأرض ، كانت رفقة من مدين تريد مصر فأخطئوا الطريق فنزلوا قريبا من الجب ، وكان الجب في [ قفر بعيد ] من العمران للرعاة والمارة ، وكان ماؤه مالحا فعذب حين ألقي يوسف عليه السلام فيه ، فلما نزلوا أرسلوا رجلا من أهل مدين يقال له مالك بن ذعر ، [ لطلب الماء ] فذلك قوله عز وجل : ( فأرسلوا واردهم ) والوارد الذي يتقدم الرفقة إلى الماء فيهيئ الأرشية والدلاء .
( فأدلى دلوه ) أي : أرسلها في البئر ، يقال : أدليت الدلو إذا أرسلتها في البئر ، ودلوتها إذا أخرجتها ، فتعلق يوسف بالحبل فلما خرج إذا هو بغلام أحسن ما يكون .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "أعطي يوسف شطر الحسن" .
ويقال : إنه ورث ذلك الجمال من جدته سارة وكانت قد أعطيت سدس الحسن .
قال ابن إسحاق ذهب يوسف وأمه بثلثي الحسن .
فلما رآه مالك بن ذعر ( قال يا بشرى ) قرأ الأكثرون هكذا بالألف وفتح الياء ، بشر المستقي أصحابه يقول : أبشروا . وقرأ أهل الكوفة : يا بشرى ، بغير إضافة ، يريد نادى المستقي رجلا من أصحابه اسمه بشرى . ( هذا غلام ) وروى ابن مجاهد عن أبيه : أن جدران البئر كانت تبكي على يوسف حين أخرج منها . ( وأسروه ) أخفوه ( بضاعة ) قال مجاهد : أسره مالك بن ذعر وأصحابه من التجار الذين معهم وقالوا : هو بضاعة استبضعها بعض أهل الماء إلى مصر خيفة أن يطلبوا منهم فيه المشاركة .
وقيل : أراد أن إخوة يوسف أسروا شأن يوسف وقالوا هذا عبد لنا [ أبق ] .
قال الله تعالى : ( والله عليم بما يعملون ) فأتى يهوذا يوسف بالطعام فلم يجده في البئر ، فأخبر بذلك إخوته ، فطلبوه فإذا هم بمالك وأصحابه نزولا فأتوهم فإذا هم بيوسف فقالوا هذا عبد آبق منا . ويقال : إنهم هددوا يوسف حتى لم يعرف حاله . وقال مثل قولهم ، ثم باعوه ، فذلك قوله عز وجل :
12:20Page 237
وَشَرَوۡهُ بِثَمَنِۭ بَخۡسٖ دَرَٰهِمَ مَعۡدُودَةٖ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ ٢٠
And they sold him for a reduced price - a few dirhams - and they were, concerning him, of those content with little.
( وشروه ) أي : باعوه ( بثمن بخس ) قال الضحاك ، ومقاتل ، والسدي : حرام لأن ثمن الحر حرام ، وسمي الحرام بخسا لأنه مبخوس البركة .
وعن ابن عباس ، وابن مسعود : بخس أي زيوف .
وقال عكرمة والشعبي : بثمن قليل .
( دراهم ) بدل من الثمن ( معدودة ) ذكر العدد عبارة عن قلتها .
وقيل : إنما قال معدودة لأنهم كانوا في ذلك الزمان لا يزنون ما كان أقل من أربعين درهما ، إنما كانوا يعدونها عدا ، فإذا بلغت أوقية وزنوها .
واختلفوا في عدد تلك الدراهم : قال ابن عباس ، وابن مسعود ، وقتادة : عشرون درهما ، فاقتسموها درهمين درهمين .
وقال مجاهد : اثنان وعشرون درهما .
وقال عكرمة : أربعون درهما .
( وكانوا ) يعني : إخوة يوسف ( فيه ) أي : في يوسف ( من الزاهدين ) لأنهم لم يعلموا منزلته عند الله .
وقيل : كانوا في الثمن من الزاهدين ، لأنهم لم يكن قصدهم تحصيل الثمن ، إنما كان قصدهم تبعيد يوسف عن أبيه .
ثم انطلق مالك بن ذعر وأصحابه بيوسف فتبعهم إخوته يقولون : استوثقوا منه لا يأبق ، قال : فذهبوا به حتى قدموا مصر وعرضه مالك على البيع فاشتراه قطفير قاله ابن عباس .
وقيل : إظفير صاحب أمر الملك ، وكان على خزائن مصر يسمى العزيز وكان الملك يومئذ بمصر ونواحيها الريان بن الوليد بن شروان من العمالقة .
وقيل : إن هذا الملك لم يمت حتى آمن واتبع يوسف على دينه ، ثم مات ويوسف حي .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما دخلوا مصر تلقى قطفير مالك بن ذعر فابتاع منه يوسف بعشرين دينارا وزوج نعل وثوبين أبيضين .
وقال وهب بن منبه : قدمت السيارة بيوسف مصر فدخلوا به السوق يعرضونه للبيع ، فترافع الناس في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه ذهبا ووزنه فضة ووزنه مسكا وحريرا ، وكان وزنه أربعمائة رطل ، وهو ابن ثلاث عشرة سنة فابتاعه قطفير من مالك بن ذعر بهذا الثمن ، فذلك قوله تعالى :
12:21Page 237
وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِۦٓ أَكۡرِمِي مَثۡوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗاۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢١
And the one from Egypt1 who bought him said to his wife, "Make his residence comfortable. Perhaps he will benefit us, or we will adopt him as a son." And thus, We established Joseph in the land that We might teach him the interpretation of events [i.e., dreams]. And Allāh is predominant over His affair, but most of the people do not know.
( وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته ) واسمها : راعيل وقيل : زليخا ( أكرمي مثواه ) أي : منزله ومقامه ، والمثوى : موضع الإقامة .
وقيل : أكرميه في المطعم والملبس والمقام .
وقال قتادة ، وابن جريج : منزلته .
( عسى أن ينفعنا ) أي : نبيعه بالربح إن أردنا البيع ، أو يكفينا إذا بلغ بعض أمورنا .
( أو نتخذه ولدا ) أي : نتبناه .
قال ابن مسعود رضي الله عنه : أفرس الناس ثلاثة : العزيز في يوسف حيث قال لامرأته : أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا ، وابنة شعيب عليه السلام حيث قالت لأبيها في موسى عليه السلام : يا أبت استأجره ، وأبو بكر في عمر رضي الله عنهما حيث استخلفه .
( وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ) [ أي : في أرض مصر ] أي : كما أنقذنا يوسف من القتل وأخرجناه من الجب ، كذلك [ مكنا له ] في الأرض فجعلناه على خزائنها .
( ولنعلمه من تأويل الأحاديث ) أي : [ مكنا له ] في الأرض لكي نعلمه من تأويل الأحاديث ، وهي عبارة عن الرؤيا .
( والله غالب على أمره ) قيل : الهاء في أمره كناية عن الله تعالى ، يقول : إن الله غالب على أمره يفعل ما يشاء ، لا يغلبه شيء ولا يرد حكمه راد .
وقيل : هي راجعة إلى يوسف عليه السلام معناه : إن الله مستول على أمر يوسف بالتدبير [ والحياطة ] لا يكله إلى أحد حتى يبلغ منتهى علمه فيه .
( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ما الله به صانع .
12:22Page 237
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٢٢
And when he [i.e., Joseph] reached maturity, We gave him judgement and knowledge. And thus We reward the doers of good.
( ولما بلغ أشده ) منتهى شبابه وشدته وقوته . قال مجاهد : ثلاثا وثلاثين سنة .
وقال السدي : ثلاثين سنة .
وقال الضحاك : عشرين سنة .
وقال الكلبي : الأشد ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة .
وسئل مالك رحمه الله عن الأشد قال : هو الحلم .
( آتيناه حكما وعلما ) فالحكم : النبوة ، والعلم : الفقه في الدين .
وقيل : حكما يعني : إصابة في القول : وعلما : بتأويل الرؤيا .
وقيل : الفرق بين الحكيم والعالم ، أن العالم : هو الذي يعلم الأشياء ، والحكيم : الذي يعمل بما يوجبه العلم .
( وكذلك نجزي المحسنين ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : المؤمنين . وعنه أيضا : المهتدين . وقال الضحاك : الصابرين على النوائب كما صبر يوسف عليه السلام .
12:23Page 238
وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ وَقَالَتۡ هَيۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّيٓ أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣
And she, in whose house he was, sought to seduce him. She closed the doors and said, "Come, you." He said, "[I seek] the refuge of Allāh. Indeed, he1 is my master, who has made good my residence. Indeed, wrongdoers will not succeed."
( وراودته التي هو في بيتها عن نفسه ) يعني : امرأة العزيز . والمراودة : طلب الفعل ، والمراد ها هنا أنها دعته إلى نفسها ليواقعها ( وغلقت الأبواب ) أي : أطبقتها ، وكانت سبعة ( وقالت هيت لك ) أي : هلم وأقبل .
قرأه أهل الكوفة والبصرة : ( هيت لك ) بفتح الهاء والتاء .
وقرأ أهل المدينة والشام : ( هيت ) بكسر الهاء وفتح التاء .
وقرأ ابن كثير : ( هيت ) بفتح الهاء وضم التاء .
وقرأ السلمي وقتادة : ( هئت لك ) بكسر الهاء وضم التاء مهموزا ، يعني : تهيأت لك ، وأنكره أبو عمرو والكسائي وقالا لم يحك هذا عن العرب .
والأول هو المعروف عند العرب .
قال ابن مسعود رضي الله عنه : أقرأني النبي صلى الله عليه وسلم ( هيت لك ) .
قال أبو عبيدة كان الكسائي يقول : هي لغة لأهل حوران رفعت إلى الحجاز معناها [ إلي ] تعال .
وقال عكرمة : هي أيضا بالحورانية هلم .
وقال مجاهد وغيره : هي لغة عربية وهي كلمة حث وإقبال على الشيء .
قال أبو عبيدة : إن العرب لا تثني ( هيت ) ولا تجمع ولا تؤنث ، وإنها بصورة واحدة في كل حال .
( قال ) يوسف لها عند ذلك : ( معاذ الله ) أي : أعوذ بالله وأعتصم بالله مما دعوتني إليه ( إنه ربي ) يريد أن زوجك قطفير سيدي ( أحسن مثواي ) أي : أكرم منزلي . هذا قول أكثر المفسرين .
وقيل : الهاء راجعة إلى الله تعالى ، يريد : أن الله تعالى ربي أحسن مثواي ، أي : آواني ، ومن بلاء الجب عافاني .
( إنه لا يفلح الظالمون ) يعني : إن فعلت هذا فخنته في أهله بعد ما أكرم مثواي فأنا ظالم ، ولا يفلح الظالمون .
وقيل : لا يفلح الظالمون : أي لا يسعد الزناة .
12:24Page 238
وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٢٤
And she certainly determined [to seduce] him, and he would have inclined to her had he not seen the proof [i.e., sign] of his Lord. And thus [it was] that We should avert from him evil and immorality. Indeed, he was of Our chosen servants.
( ولقد همت به وهم بها ) والهم هو : المقاربة من الفعل من غير دخول فيه . فهمها : عزمها على المعصية والزنا .
وأما همه : فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : حل الهميان وجلس منها مجلس الخائن .
وعن مجاهد قال : حل سراويله وجعل يعالج ثيابه . وهذا قول أكثر المتقدمين مثل سعيد بن جبير ، والحسن .
وقال الضحاك : جرى الشيطان فيما بينهما فضرب بإحدى يديه إلى جيد يوسف وباليد الأخرى إلى جيد المرأة حتى جمع بينهما .
قال أبو عبيد القاسم بن سلام : وقد أنكر قوم هذا القول ، والقول ما قال متقدمو هذه الأمة ، وهم كانوا أعلم بالله أن يقولوا في الأنبياء عليهم السلام من غير علم .
وقال السدي وابن إسحاق : لما أرادت امرأة العزيز مراودة يوسف عليه السلام عن نفسه جعلت تذكر له محاسن نفسه ، وتشوقه إلى نفسها ، فقالت : يا يوسف ، ما أحسن شعرك ! .
قال : هو أول ما ينتثر من جسدي .
قالت : ما أحسن عينيك !
قال : هي أول ما تسيل على وجهي في قبري .
قالت : ما أحسن وجهك !
قال : هو للتراب يأكله .
وقيل : إنها قالت : إن فراش الحرير مبسوط ، فقم فاقض حاجتي .
قال : إذا يذهب نصيبي من الجنة .
فلم تزل تطمعه وتدعوه إلى اللذة ، وهو شاب يجد من شبق الشباب ما يجده الرجل ، وهي امرأة حسناء جميلة ، حتى لان لها مما يرى من كلفها ، وهم بها ، ثم إن الله تعالى تدارك عبده ونبيه بالبرهان الذي ذكره .
وزعم بعض المتأخرين : أن هذا لا يليق بحال الأنبياء عليهم السلام ، وقال : تم الكلام عند قوله : ( ولقد همت به ) ثم ابتدأ الخبر عن يوسف عليه السلام فقال : ( وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ) على التقديم والتأخير ، أي : لولا أن رأى برهان ربه لهم بها ، ولكنه رأى البرهان فلم يهم .
وأنكره النحاة وقالوا : إن العرب لا تؤخر ( لولا ) عن الفعل ، فلا تقول : لقد قمت لولا زيد ، [ وهو يريد لولا زيد لقمت ] .
وقيل : همت بيوسف أن يفترشها ، وهم بها يوسف أي : تمنى أن تكون له زوجة . وهذا التأويل وأمثاله غير مرضية لمخالفتها أقاويل القدماء من العلماء الذين يؤخذ عنهم الدين والعلم .
وقال بعضهم : إن القدر الذي فعله يوسف عليه السلام كان من الصغائر والصغائر تجوز على الأنبياء عليهم السلام .
روي أن يوسف عليه السلام لما دخل على الملك حين خرج من السجن وأقرت المرأة ، قال يوسف : ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ) قال له جبريل : ولا حين هممت بها يا يوسف ؟ فقال يوسف عند ذلك : ( وما أبرئ نفسي ) الآية .
وقال الحسن البصري : إن الله تعالى لم يذكر ذنوب الأنبياء عليهم السلام في القرآن ليعيرهم ، ولكن ذكرها ليبين موضع النعمة عليهم ، ولئلا ييئس أحد من رحمته .
وقيل : إنه ابتلاهم بالذنوب ليتفرد بالطهارة والعزة ، ويلقاه جميع الخلق يوم القيامة على انكسار المعصية .
وقيل : ليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رجاء الرحمة وترك الإياس من المغفرة والعفو .
وقال بعض أهل الحقائق : الهم همان : هم ثابت ، وهو إذا كان معه عزم وعقد ورضا ، مثل هم امرأة العزيز ، والعبد مأخوذ به ، وهم عارض وهو الخطرة ، وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم ، مثل هم يوسف عليه السلام ، فالعبد غير مأخوذ به ما لم يتكلم أو يعمل .
أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي ، أنبأنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي ، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي ، حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن همام بن منبه ، قال : حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال الله عز وجل : إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعملها ، فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشر أمثالها وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ، ما لم يعملها ، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها " .
قوله عز وجل : ( لولا أن رأى برهان ربه ) اختلفوا في ذلك البرهان : قال قتادة وأكثر المفسرين : إنه رأى صورة يعقوب وهو يقول له : يا يوسف تعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في الأنبياء ! .
وقال الحسن ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وعكرمة ، والضحاك : انفرج له سقف البيت فرأى يعقوب عليه السلام عاضا على أصبعه .
وقال سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : مثل له يعقوب عليه السلام فضرب بيده في صدره ، فخرجت شهوته من أنامله .
وقال السدي : نودي يا يوسف ، تواقعها ! إنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جوف السماء لا يطاق ، ومثلك إن تواقعها مثله إذا مات ووقع على الأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ، ومثلك ما لم تواقعها مثل الثور الصعب الذي لا يطاق ، ومثلك إن واقعتها مثل الثور يموت فيدخل النمل في أصل قرنيه لا يستطيع أن يدفعه عن نفسه .
وعن مجاهد ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : ( وهم بها ) قال : حل سراويله وقعد منها مقعد الرجل من امرأته ، فإذا بكف قد بدت بينهما بلا معصم ولا عضد مكتوب عليها ( وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون ) ( الانفطار - 11 ) ، فقام هاربا وقامت ، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد فظهرت تلك الكف مكتوبا عليها : ( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) ( الإسراء - 32 ) فقام هاربا وقامت ، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد ، فظهر ، ورأى تلك الكف مكتوبا عليها : ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ) ( البقرة - 281 ) فقام هاربا وقامت ، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد ، فقال الله عز وجل لجبريل عليه السلام : أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة ، فانحط جبريل عليه السلام عاضا على أصبعه ، يقول : يا يوسف تعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب عند الله في الأنبياء .
وروي أنه مسحه بجناحه فخرجت شهوته من أنامله .
وقال محمد بن كعب القرظي : رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت حين هم بها فرأى كتابا في حائط البيت : " لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا " .
وروى عطية ، عن ابن عباس : في البرهان أنه رأى مثال الملك .
وقال جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما : البرهان النبوة التي أودعها الله في صدره حالت بينه وبين ما يسخط الله عز وجل .
وعن علي بن الحسين قال : كان في البيت صنم فقامت المرأة وسترته بثوب ، فقال لها يوسف : لم فعلت هذا ؟ .
فقالت : استحييت منه أن يراني على المعصية .
فقال يوسف : أتستحين مما لا يسمع ولا يبصر ولا يفقه ؟ فأنا أحق أن أستحي من ربي ، وهرب .
قوله عز وجل : ( لولا أن رأى برهان ربه ) جواب لولا محذوف ، تقديره : لولا أن رأى برهان ربه لواقع المعصية .
( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ) فالسوء : الإثم . وقيل : السوء القبيح . والفحشاء : الزنا .
( إنه من عبادنا المخلصين ) قرأ أهل المدينة ، والكوفة : ( المخلصين ) بفتح اللام حيث كان إذا لم يكن بعده ذكر الدين ، زاد الكوفيون " مخلصا " في سورة مريم ففتحوا .
ومعنى ( المخلصين ) المختارين للنبوة ، دليله : ( إنا أخلصناهم بخالصة ) ( ص - 146 ) .
وقرأ الآخرون بكسر اللام ، أي : المخلصين لله الطاعة والعبادة .
12:25Page 238
وَٱسۡتَبَقَا ٱلۡبَابَ وَقَدَّتۡ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٖ وَأَلۡفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلۡبَابِۚ قَالَتۡ مَا جَزَآءُ مَنۡ أَرَادَ بِأَهۡلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسۡجَنَ أَوۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٥
And they both raced to the door, and she tore his shirt from the back, and they found her husband at the door. She said, "What is the recompense of one who intended evil for your wife but that he be imprisoned or a painful punishment?"
( واستبقا الباب ) وذلك أن يوسف لما رأى البرهان قام مبادرا إلى باب البيت هاربا ، وتبعته المرأة لتمسك الباب حتى لا يخرج يوسف فسبق يوسف وأدركته المرأة ، فتعلقت بقميصه من خلفه ، فجذبته إليها حتى لا يخرج .
( وقدت قميصه ) أي : فشقته ( من دبر ) أي : من خلف ، فلما خرجا لقيا العزيز وهو قوله :
( وألفيا سيدها لدى الباب ) أي : وجدا زوج المرأة قطفير عند الباب جالسا مع ابن عم لراعيل فلما رأته هابته ، و ( قالت ) سابقة بالقول لزوجها ( ما جزاء من أراد بأهلك سوءا ) يعني : الزنا ، ثم خافت عليه أن يقتله ، فقالت : ( إلا أن يسجن ) أي : يحبس ( أو عذاب أليم ) أي : ضرب بالسياط ، فلما سمع يوسف مقالتها .
12:26Page 238
قَالَ هِيَ رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٖ فَصَدَقَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٢٦
[Joseph] said, "It was she who sought to seduce me." And a witness from her family testified, "If his shirt is torn from the front, then she has told the truth, and he is of the liars.
( قال هي راودتني عن نفسي ) يعني : طلبت مني الفاحشة فأبيت وفررت .
وقيل : ما كان يريد يوسف أن يذكره ، فلما قالت المرأة : ما جزاء من أراد بأهلك سوءا ؟ ذكره ، فقال : هي راودتني عن نفسي .
( وشهد شاهد ) وحكم حاكم ( من أهلها ) اختلفوا في ذلك الشاهد :
فقال سعيد بن جبير ، والضحاك : كان صبيا في المهد ، أنطقه الله عز وجل ، وهو رواية العوفي ، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " تكلم أربعة وهم صغار : ابن ماشطة ابنة فرعون ، وشاهد يوسف ، وصاحب جريج ، وعيسى ابن مريم عليه السلام " .
وقيل : كان ذلك الصبي ابن خال المرأة .
وقال الحسن ، وعكرمة ، وقتادة ، ومجاهد : لم يكن صبيا ، ولكنه كان رجلا حكيما ذا رأي .
قال السدي : هو ابن عم راعيل ، فحكم فقال : ( إن كان قميصه قد من قبل ) أي : من قدام ( فصدقت وهو من الكاذبين ) .
12:27Page 238
وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ فَكَذَبَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٧
But if his shirt is torn from the back, then she has lied, and he is of the truthful."
"وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين".
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences