Al-Baghawi · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:46–54
12:46Page 241
يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفۡتِنَا فِي سَبۡعِ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖ لَّعَلِّيٓ أَرۡجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٤٦
[He said], "Joseph, O man of truth, explain to us about seven fat cows eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry - that I may return to the people [i.e., the king and his court]; perhaps they will know [about you]."
فقال : ( يوسف ) يعني : يا يوسف ( أيها الصديق ) والصديق الكثير الصدق ( أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ) فإن الملك رأى هذه الرؤيا ( لعلي أرجع إلى الناس ) أهل مصر ( لعلهم يعلمون ) تأويل الرؤيا . وقيل : لعلهم يعلمون منزلتك في العلم .
فقال لهم يوسف معبرا ومعلما : أما البقرات السمان والسنبلات الخضر : فسبع سنين مخاصيب ، والبقرات العجاف والسنبلات [ اليابسات ] فالسنون المجدبة ، فذلك قوله تعالى إخبارا عن يوسف :
12:47Page 241
قَالَ تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِينَ دَأَبٗا فَمَا حَصَدتُّمۡ فَذَرُوهُ فِي سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تَأۡكُلُونَ ٤٧
[Joseph] said, "You will plant for seven years consecutively; and what you harvest leave in its spikes, except a little from which you will eat.
( قال تزرعون سبع سنين دأبا ) هذا خبر بمعنى الأمر ، يعني : ازرعوا سبع سنين على عادتكم في الزراعة .
والدأب : العادة . وقيل : بجد واجتهاد .
وقرأ عاصم برواية حفص : ( دأبا ) بفتح الهمزة ، وهما لغتان ، يقال : دأبت في الأمر أدأب دأبا ودأبا إذا اجتهدت فيه . ( فما حصدتم فذروه في سنبله ) أمرهم بترك الحنطة في السنبلة لتكون أبقى على الزمان ولا تفسد ( إلا قليلا مما تأكلون ) أي : مما تدرسون قليلا للأكل ، أمرهم بحفظ الأكثر والأكل بقدر الحاجة .
12:48Page 241
ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ سَبۡعٞ شِدَادٞ يَأۡكُلۡنَ مَا قَدَّمۡتُمۡ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تُحۡصِنُونَ ٤٨
Then will come after that seven difficult [years] which will consume what you advanced [i.e., saved] for them, except a little from which you will store.
( ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد ) سمى السنين المجدبة شدادا لشدتها على الناس ( يأكلن ) أي : يفنين ويهلكن ( ما قدمتم لهن ) أي : يؤكل فيهن ما أعددتم لهن من الطعام ، أضاف الأكل إلى السنين على طريق التوسع ( إلا قليلا مما تحصنون ) تحرزون وتدخرون للبذر .
12:49Page 241
ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَامٞ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعۡصِرُونَ ٤٩
Then will come after that a year in which the people will be given rain and in which they will press [olives and grapes]."
( ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس ) أي : يمطرون ، من الغيث : وهو المطر . وقيل : ينقذون ، من قول العرب استغثت فلانا فأغاثني ( وفيه يعصرون ) قرأ حمزة والكسائي : " تعصرون " بالتاء ، لأن الكلام كله على الخطاب ، وقرأ الآخرون بالياء ردا إلى الناس ، ومعناه : يعصرون العنب خمرا ، والزيتون زيتا ، والسمسم دهنا . وأراد به كثرة النعيم والخير . وقال أبو عبيدة : يعصرون أي ينجون من الكروب والجدب ، والعصر والعصرة : المنجاة والملجأ .
12:50Page 241
وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرۡجِعۡ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسۡـَٔلۡهُ مَا بَالُ ٱلنِّسۡوَةِ ٱلَّٰتِي قَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيۡدِهِنَّ عَلِيمٞ ٥٠
And the king said, "Bring him to me." But when the messenger came to him, [Joseph] said, "Return to your master and ask him what is the case of the women who cut their hands. Indeed, my Lord is Knowing of their plan."
( وقال الملك ائتوني به ) وذلك أن الساقي لما رجع إلى الملك وأخبره بما أفتاه يوسف من تأويل رؤياه ، وعرف الملك أن الذي قاله كائن ، قال : ائتوني به .
( فلما جاءه الرسول ) وقال له : أجب الملك ، أبى أن يخرج مع الرسول حتى تظهر براءته ثم ( قال ) للرسول : ( ارجع إلى ربك ) يعني : سيدك الملك ( فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ) ولم يصرح بذكر امرأة العزيز أدبا واحتراما .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي " .
( إن ربي بكيدهن عليم ) أي : إن الله بصنيعهن عالم ، وإنما أراد يوسف بذكرهن بعد طول المدة حتى لا ينظر إليه الملك بعين التهمة ، ويصير إليه بعد زوال الشك عن أمره ، فرجع الرسول إلى الملك من عند يوسف برسالته ، فدعا الملك النسوة وامرأة العزيز .
12:51Page 241
قَالَ مَا خَطۡبُكُنَّ إِذۡ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفۡسِهِۦۚ قُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمۡنَا عَلَيۡهِ مِن سُوٓءٖۚ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡـَٰٔنَ حَصۡحَصَ ٱلۡحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٥١
Said [the king to the women], "What was your condition when you sought to seduce Joseph?" They said, "Perfect is Allāh!1 We know about him no evil." The wife of al-ʿAzeez said, "Now the truth has become evident. It was I who sought to seduce him, and indeed, he is of the truthful.
( قال ) لهن ( ما خطبكن ) ما شأنكن وأمركن ( إذ راودتن يوسف عن نفسه ) خاطبهن ، والمراد امرأة العزيز وقيل : إن امرأة العزيز راودته عن نفسه وسائر النسوة أمرنه بطاعتها فلذلك خاطبهن .
( قلن حاش لله ) معاذ الله ( ما علمنا عليه من سوء ) خيانة .
( قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق ) ظهر وتبين . وقيل : إن النسوة أقبلن على امرأة العزيز فقررنها [ فأقرت ] ، وقيل : خافت أن يشهدن عليها فأقرت . ( أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ) في قوله : هي راودتني عن نفسي ، فلما سمع ذلك يوسف قال :
12:52Page 241
ذَٰلِكَ لِيَعۡلَمَ أَنِّي لَمۡ أَخُنۡهُ بِٱلۡغَيۡبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي كَيۡدَ ٱلۡخَآئِنِينَ ٥٢
That is so he [i.e., al-ʿAzeez] will know that I did not betray him in [his] absence and that Allāh does not guide the plan of betrayers.
( ذلك ) أي : ذلك الذي فعلت من ردي رسول الملك إليه ( ليعلم ) العزيز ( أني لم أخنه ) في زوجته ( بالغيب ) أي : في حال غيبته ( وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ) قوله ذلك ليعلم من كلام يوسف اتصل بقول امرأة العزيز : أنا راودته عن نفسه ، من غير تميز ، لمعرفة السامعين .
وقيل : فيه تقديم وتأخير : معناه : ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم ؛ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب .
قيل : لما قال يوسف هذه المقالة ، قال له جبريل : ولا حين هممت بها ؟ فقال يوسف عند ذلك : وما أبرئ نفسي .
قال السدي : إنما قالت له امرأة العزيز : ولا حين حللت سراويلك يا يوسف ؟ فقال يوسف :
12:53Page 242
۞ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥٣
And I do not acquit myself. Indeed, the soul is a persistent enjoiner of evil, except those upon which my Lord has mercy. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."1
( وما أبرئ نفسي ) من الخطإ والزلل فأزكيها ( إن النفس لأمارة بالسوء ) بالمعصية ( إلا ما رحم ربي ) أي : إلا من رحم ربي فعصمه ، " ما " بمعنى من - كقوله تعالى : ( فانكحوا ما طاب لكم ) ( النساء - 3 ) أي : من طاب لكم - وهم الملائكة ، عصمهم الله عز وجل فلم يركب فيهم الشهوة .
وقيل : " إلا ما رحم ربي " إشارة إلى حالة العصمة عند رؤية البرهان .
( إن ربي غفور رحيم ) فلما تبين للملك عذر يوسف عليه السلام وعرف أمانته وعلمه :
12:54Page 242
وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦٓ أَسۡتَخۡلِصۡهُ لِنَفۡسِيۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِينٞ ٥٤
And the king said, "Bring him to me; I will appoint him exclusively for myself." And when he spoke to him, he said, "Indeed, you are today established [in position] and trusted."
( وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي ) أي : أجعله خالصا لنفسي ( فلما كلمه ) فيه اختصار تقديره : فجاء الرسول يوسف فقال له : أجب الملك الآن .
روي أنه قام ودعا لأهل السجن فقال : اللهم عطف عليهم قلوب الأخيار ، ولا تعم عليهم الأخبار ، فهم أعلم الناس بالأخبار في كل بلد ، فلما خرج من السجن كتب على باب السجن : هذا قبر الأحياء ، وبيت الأحزان ، وتجربة الأصدقاء ، وشماتة الأعداء . ثم اغتسل وتنظف من درن السجن ولبس ثيابا حسانا وقصد الملك .
قال وهب : فلما وقف بباب الملك قال : حسبي ربي من دنياي ، وحسبي ربي من خلقه ، عز جاره ، وجل ثناؤه ، ولا إله غيره . ثم دخل الدار فلما دخل على الملك قال : اللهم إني أسألك بخيرك من خيره ، وأعوذ بك من شره وشر غيره . فلما نظر إليه الملك سلم عليه يوسف بالعربية فقال : الملك ما هذا اللسان ؟ قال : لسان عمي إسماعيل ثم دعا له بالعبرانية فقال الملك : ما هذا اللسان ؟ قال هذا لسان آبائي ، ولم يعرف الملك هذين اللسانين .
قال وهب : وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا فكلما تكلم بلسان أجابه يوسف بذلك اللسان وزاد عليه بلسان العربية والعبرانية ، فأعجب الملك [ ما رأى منه ] مع حداثة سنه ، وكان يوسف يومئذ ابن ثلاثين سنة ، فأجلسه و ( قال إنك اليوم لدينا مكين ) [ المكانة في الجاه ] ( أمين ) أي : صادق .
وروي أن الملك قال له : إني أحب أن أسمع رؤياي منك شفاها .
فقال يوسف : نعم أيها الملك ، رأيت سبع بقرات سمان شهب غر حسان ، كشف لك عنهن النيل ، فطلعن عليك من شاطئه تشخب أخلافهن لبنا ، فبينما أنت تنظر إليهن ويعجبك حسنهن إذ نضب النيل فغار ماؤه وبدا يبسه ، فخرج من حمأته سبع بقرات عجاف شعث غبر متقلصات [ البطون ، ليس لهن ضروع ولا أخلاف ] ، ولهن أنياب وأضراس وأكف كأكف الكلاب ، وخراطيم كخراطيم السباع ، فافترسن السمان افتراس السبع ، فأكلن لحومهن ، ومزقن جلودهن ، وحطمن عظامهن ، وتمششن مخهن ، فبينما أنت تنظر وتتعجب إذ سبع سنابل خضر وسبع أخر سود في منبت واحد [ عروقهن في الثرى والماء ، فبينما أنت تقول في نفسك أنى هذا ؟ خضر مثمرات وهؤلاء سود يابسات ، والمنبت واحد وأصولهن في الماء ] إذ هبت ريح فذرت الأوراق من اليابسات السود على الخضر المثمرات فاشتعلت فيهن النار ، فاحترقن فصرن سودا فهذا ما رأيت ، ثم انتبهت من نومك مذعورا .
فقال الملك : والله ما شأن هذه الرؤيا - وإن كانت عجيبة - بأعجب مما سمعت منك ، فما ترى في رؤياي أيها الصديق ؟
فقال يوسف عليه السلام : أرى أن تجمع الطعام وتزرع زرعا كثيرا في هذه السنين المخصبة ، وتجعل الطعام في الخزائن بقصبه وسنبله ليكون القصب والسنبل علفا للدواب ، وتأمر الناس فيرفعون من طعامهم الخمس ، فيكفيك من الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن حولها ، ويأتيك الخلق من النواحي للميرة فيجتمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد قبلك .
فقال الملك : ومن لي بهذا ومن يجمعه ويبيعه ويكفيني الشغل فيه ؟ .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences