Al-Baghawi · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:73–81
18:73Page 301
قَالَ لَا تُؤَاخِذۡنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِي مِنۡ أَمۡرِي عُسۡرٗا ٧٣
[Moses] said, "Do not blame me for what I forgot and do not overwhelm me in my matter with difficulty."
( قال ) موسى ( لا تؤاخذني بما نسيت ) قال ابن عباس : إنه لم ينس ولكنه من معاريض الكلام فكأنه نسي شيئا آخر وقيل : معناه بما تركت من عهدك والنسيان : الترك . وقال أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم : " كانت الأولى من موسى نسيانا والوسطى شرطا والثالثة عمدا " . ( ولا ترهقني ) ولا تغشني ( من أمري عسرا ) وقيل : لا تكلفني مشقة يقال : أرهقته عسرا أي : كلفته ذلك يقول : لا تضيق علي أمري وعاملني باليسر ولا تعاملني بالعسر .
18:74Page 301
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمٗا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا زَكِيَّةَۢ بِغَيۡرِ نَفۡسٖ لَّقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـٔٗا نُّكۡرٗا ٧٤
So they set out, until when they met a boy, he [i.e., al-Khiḍr] killed him. [Moses] said, "Have you killed a pure soul for other than [having killed] a soul? You have certainly done a deplorable thing."
( فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله ) في القصة أنهما خرجا من البحر يمشيان فمرا بغلمان يلعبون فأخذ الخضر غلاما ظريفا وضيء الوجه فأضجعه ثم ذبحه بالسكين .
قال السدي : كان أحسنهم وجها وكان وجهه يتوقد حسنا .
وروينا أنه أخذ برأسه فاقتلعه بيده وروى عبد الرزاق هذا الخبر وأشار بأصابعه الثلاث الإبهام والسبابة والوسطى وقلع برأسه .
وروي أنه رضخ رأسه بالحجارة .
وقيل : ضرب رأسه بالجدار فقتله .
قال ابن عباس : كان غلاما لم يبلغ الحنث وهو قول الأكثرين قال ابن عباس : لم يكن نبي الله يقول : أقتلت نفسا زكية إلا وهو صبي لم يبلغ .
وقال الحسن : كان رجلا وقال شعيب الجبائي : كان اسمه حيسور .
وقال الكلبي : كان فتى يقطع ويأخذ المتاع ويلجأ إلى أبويه .
وقال الضحاك : كان غلاما يعمل بالفساد وتأذى منه أبواه .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أخبرنا عبد الغافر بن محمد أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج أنبأنا عبد الله بن مسلمة بن معتب حدثنا معمر بن سليمان عن أبيه عن رقية بن مصقلة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا " .
( قال ) موسى ( أقتلت نفسا زكية ) قرأ ابن كثير ونافع وأبو جعفر وأبو عمرو : " " زاكية " بالألف وقرأ الآخرون : " زكية " قال الكسائي والفراء : معناهما واحد مثل : القاسية والقسية وقال أبو عمرو بن العلاء : " الزاكية " : التي لم تذنب قط و " الزكية " : التي أذنبت ثم تابت .
( بغير نفس ) أي : لم تقتل نفسا [ بشيء ] وجب به عليها القتل .
( لقد جئت شيئا نكرا ) أي : منكرا قال قتادة : النكر أعظم من الإمر لأنه حقيقة الهلاك وفي خرق السفينة كان خوف الهلاك .
وقيل : الإمر أعظم لأنه كان فيه تغريق جمع كثير .
قرأ نافع وابن عامر ويعقوب وأبو بكر هاهنا : ( نكرا ) وفي سورة الطلاق بضم الكاف والآخرون بسكونها .
18:75Page 302
۞ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٥
[Al-Khiḍr] said, "Did I not tell you that with me you would never be able to have patience?"
( قال ) يعني الخضر : ( ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا ) قيل : زاد " لك " لأنه نقض العهد مرتين وفي القصة أن يوشع كان يقول لموسى : يا نبي الله اذكر العهد الذي أنت عليه .
18:76Page 302
قَالَ إِن سَأَلۡتُكَ عَن شَيۡءِۭ بَعۡدَهَا فَلَا تُصَٰحِبۡنِيۖ قَدۡ بَلَغۡتَ مِن لَّدُنِّي عُذۡرٗا ٧٦
[Moses] said, "If I should ask you about anything after this, then do not keep me as a companion. You have obtained from me an excuse."
( قال ) موسى ( إن سألتك عن شيء بعدها ) بعد هذه المرة ( فلا تصاحبني ) وفارقني وقرأ يعقوب : " فلا تصحبني " بغير ألف من الصحبة .
( قد بلغت من لدني عذرا ) قرأ أبو جعفر ونافع وأبو بكر " من لدني " خفيفة النون وقرأ الآخرون بتشديدها قال ابن عباس : أي قد أعذرت فيما بيني وبينك .
وقيل : حذرتني أني لا أستطيع معك صبرا . وقيل : اتضح لك العذر في مفارقتي .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنبأنا عبد الغافر بن محمد أنبأنا محمد بن عيسى حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنا محمد بن عبد الله القيسي حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن رقية عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رحمة الله علينا وعلى موسى " وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه " لولا أنه عجل لرأى العجب ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة قال : ( إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا ) فلو صبر لرأى العجب " .
18:77Page 302
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهۡلَ قَرۡيَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَآ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا ٧٧
So they set out, until when they came to the people of a town, they asked its people for food, but they refused to offer them hospitality. And they found therein a wall about to collapse, so he [i.e., al-Khiḍr] restored it. [Moses] said, "If you wished, you could have taken for it a payment."
قوله عز وجل : ( فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية ) قال ابن عباس : يعني : " أنطاكية " وقال ابن سيرين : هي " الأبلة " وهي أبعد الأرض من السماء وقيل : " برقة " . وعن أبي هريرة : بلدة بالأندلس ( استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما )
قال أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم : " حتى إذا أتيا أهل قرية لئاما فطافا في المجالس فاستطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما " .
وروي أنهما طافا في القرية فاستطعماهم فلم يطعموهما واستضافوهم فلم يضيفوهما .
قال قتادة : شر القرى التي لا تضيف الضيف .
وروي عن أبي هريرة قال : أطعمتهما امرأة من أهل بربر بعد أن طلبا من الرجال فلم يطعموهما فدعا لنسائهم ولعن رجالهم .
قوله تعالى : ( فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض ) أي يسقط وهذا من مجاز كلام العرب لأن الجدار لا إرادة له وإنما معناه : قرب ودنا من السقوط كما تقول العرب : داري تنظر إلى دار فلان إذا كانت تقابلها .
( فأقامه ) أي سواه وروي عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال الخضر بيده فأقامه .
وقال سعيد بن جبير : مسح الجدار بيده فاستقام وروي عن ابن عباس : هدمه ثم قعد يبنيه وقال السدي : بل طينا وجعل يبني الحائط .
( قال ) موسى ( لو شئت لاتخذت عليه أجرا ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب : " لتخذت " بتخفيف التاء وكسر الخاء وقرأ الآخرون : " لتخذت " بتشديد التاء وفتح الخاء وهما لغتان مثل اتبع وتبع ( عليه ) يعني على إصلاح الجدار ( أجرا ) يعني جعلا معناه : إنك قد علمت أننا جياع وأن أهل القرية لم يطعمونا فلو أخذت على عملك أجرا .
18:78Page 302
قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيۡنِي وَبَيۡنِكَۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأۡوِيلِ مَا لَمۡ تَسۡتَطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرًا ٧٨
[Al-Khiḍr] said, "This is parting between me and you. I will inform you of the interpretation of that about which you could not have patience.
( قال ) الخضر : ( هذا فراق بيني وبينك ) يعني هذا وقت فراق بيني وبينك وقيل : هذا الإنكار على ترك الأجر هو المفرق بيننا . وقال الزجاج : معناه هذا فراق بيننا أي فراق اتصالنا وكرر " بين " تأكيدا .
( سأنبئك ) أي سوف أخبرك ( بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ) وفي بعض التفاسير أن موسى أخذ بثوبه فقال : أخبرني بمعنى ما عملت قبل أن تفارقني فقال : ( أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر )
18:79Page 302
أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا ٧٩
As for the ship, it belonged to poor people working at sea. So I intended to cause defect in it as there was after them a king who seized every [good] ship by force.
( أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ) قال كعب : كانت لعشرة إخوة خمسة زمنى وخمسة يعملون في البحر وفيه دليل على أن المسكين وإن كان يملك شيئا فلا يزول عنه اسم المسكنة إذا لم يقم ما يملك بكفايته ( يعملون في البحر ) أي : يؤاجرون ويكتسبون بها ( فأردت أن أعيبها ) أجعلها ذات عيب .
( وكان وراءهم ) أي أمامهم ( ملك ) كقوله : " من ورائه جهنم " ( إبراهيم - 16 ) .
وقيل : " وراءهم " خلفهم وكان رجوعهم في طريقهم عليه والأول أصح يدل عليه قراءة ابن عباس " وكان أمامهم ملك " .
( يأخذ كل سفينة غصبا ) أي : كل سفينة صالحة غصبا وكان ابن عباس يقرأ كذلك فخرقها وعيبها الخضر حتى لا يأخذها الملك الغاصب وكان اسمه الجلندي وكان كافرا .
قال محمد بن إسحاق : اسمه " متوله بن جلندي الأزدي " .
وقال شعيب الجبائي : اسمه " هدد بن بدد " .
وروي أن الخضر اعتذر إلى القوم وذكر لهم شأن الملك الغاصب ولم يكونوا يعلمون بخبره وقال : أردت إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوه أصلحوها فانتفعوا بها قيل : سدوها بقارورة وقيل : بالقار .
18:80Page 302
وَأَمَّا ٱلۡغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤۡمِنَيۡنِ فَخَشِينَآ أَن يُرۡهِقَهُمَا طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗا ٨٠
And as for the boy, his parents were believers, and we feared that he would overburden them by transgression and disbelief.
قوله عز وجل : ( وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا ) أي فعلمنا [ وفي قراءة ابن عباس : " وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين فخشينا " أي : فعلمنا ] ( أن يرهقهما ) يغشيهما وقال الكلبي : يكلفهما ( طغيانا وكفرا ) قال سعيد بن جبير : فخشينا أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه .
18:81Page 302
فَأَرَدۡنَآ أَن يُبۡدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيۡرٗا مِّنۡهُ زَكَوٰةٗ وَأَقۡرَبَ رُحۡمٗا ٨١
So we intended that their Lord should substitute for them one better than him in purity and nearer to mercy.
( فأردنا أن يبدلهما ) قرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو : بالتشديد هاهنا وفي سورة " التحريم " و " القلم " وقرأ الآخرون بالتخفيف وهما لغتان وفرق بعضهم فقال : " التبديل " : تغيير الشيء أو تغيير حاله وعين الشيء قائم و " الإبدال " : رفع الشيء ووضع شيء آخر مكانه ( ربهما خيرا منه زكاة ) أي صلاحا وتقوى ( وأقرب رحما ) قرأ ابن عامر وأبو جعفر ويعقوب : بضم الحاء والباقون بجزمها أي : عطفا من الرحمة . وقيل : هو من الرحم والقرابة قال قتادة : أي أوصل للرحم وأبر بوالديه .
قال الكلبي : أبدلهما الله جارية فتزوجها نبي من الأنبياء فولدت له نبيا فهدى الله على يديه أمة من الأمم .
وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال : أبدلهما الله جارية ولدت سبعين نبيا .
وقال ابن جريج : أبدلهما بغلام .
قال مطرف : فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل . ولو بقي لكان فيه هلاكهما فليرض امرؤ بقضاء الله تعالى فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences