Al-Baghawi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:10–18
2:10Page 3
فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ ١٠
In their hearts is disease, so Allāh has increased their disease;1 and for them is a painful punishment because they [habitually] used to lie.
{في قلوبهم مرض}: شك ونفاق، وأصل المرض الضعف.
وسمي الشك في الدين مرضاً لأنه يضعف الدين كالمرض يضعف البدن.
{فزادهم الله مرضاً}: لأن الآيات كانت تنزل تترى، آية بعد آية، كلما كفروا بآية ازدادوا كفراً ونفاقاً وذلك معنى قوله تعالى: {وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم} [125-التوبة].
وقرأ ابن عامر وحمزة فـ(زادهم) بالإمالة، وزاد حمزة إمالة (زاد) حيث وقع و(زاغ) و(خاب) و(طاب) و(حاق) و(ضاق)، والآخرون لا يميلونها.
{ولهم عذاب أليم}: مؤلم يخلص وجعه إلى قلوبهم.
{بما كانوا يكذبون}: ما للمصدر أي بتكذيبهم الله ورسوله في السر.
قرأ الكوفيون (يكذبون) بالتخفيف أي بكذبهم (إذ) قالوا آمنا وهم غير مؤمنين.
2:11Page 3
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ ١١
And when it is said to them, "Do not cause corruption on the earth," they say, "We are but reformers."
{وإذا قيل}: قرأ الكسائي: (( قيل )) و(( غيض )) و(( جيء )) و(( حيل )) و(( سيق )) و(( سيئت )) بروم أوائلهن الضم - ووافق ابن عامر في (( سيق )) و(( حيل )) و(( سيئ )) و(( سيئت )) - ووافق أهل المدينة في: (سيء) و(سيئت) لأن أصلها قول بضم القاف وكسر الواو، مثل: قتل وكذلك في أخواته فأشير إلى الضمة لتكون دالة على الواو المنقلبة وقرأ الباقون بكسر أوائلهن، استثقلوا الحركة على الواو فنقلوا كسرتها إلى فاء الفعل وانقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها.
{وإذا قيل لهم}: يعني للمنافقين، وقيل: لليهود.
أي قال لهم المؤمنون {لا تفسدوا في الأرض} بالكفر وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن.
وقيل: معناه لا تكفروا، والكفر أشد فساداً في الدين.
{قالوا إنما نحن مصلحون} يقولون هذا القول كذباً كقولهم (آمنا) وهم كاذبون.
2:12Page 3
أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ ١٢
Unquestionably, it is they who are the corrupters, but they perceive [it] not.
{ألا}: كلمة تنبيه ينبه بها المخاطب.
{إنهم هم المفسدون}: أنفسهم بالكفر والناس بالتعويق عن الإيمان.
{ولكن لا يشعرون}: أي لا يعلمون أنهم مفسدون؛ لأنهم يظنون أن الذي هم عليه من إبطان الكفر صلاح.
وقيل: لا يعلمون ما أعد الله لهم من العذاب.
2:13Page 3
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُۗ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ ١٣
And when it is said to them, "Believe as the people have believed," they say, "Should we believe as the foolish have believed?" Unquestionably, it is they who are the foolish, but they know [it] not.
{وإذا قيل لهم}: أي للمنافقين، وقيل: لليهود.
{آمنوا كما آمن الناس} عبد الله بن سلام وغيره من مؤمني أهل الكتاب، وقيل: كما آمن المهاجرون والأنصار.
{قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء}: أي الجُهَّال.
فإن قيل: كيف يصح النفاق مع (المهاجرة) بقولهم (أنؤمن كما آمن السفهاء)؟ قيل: أنهم كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين، فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بذلك فَرَدَّ الله عليهم فقال:
{ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون}: أنهم كذلك فالسفيه خفيف العقل رقيق الحلم من قولهم: ثوب سفيه أي رقير، وقيل: السفيه الكذاب الذي يتعمد (الكذب) بخلاف ما يعلم.
قرأ أهل الكوفة والشام (السفهاء ألا) بتحقيق الهمزتين وكذلك كل همزتين وقعتا في كلمتين اتفقتا أو اختلفتا والآخرون يحققون الأولى ويلينون الثانية في المختلفتين طلباً للخفة فإن كانتا متفقتين مثل: هؤلاء، وأولياء، وأولئك، وجاء أمر ربك - قرأها أبو عمرو والبزي عن ابن كثير بهمزة واحدة وقرأ أبو جعفر وورش والقواش ويعقوب بتحقيق الأولى وتليين الثانية وقرأ قالون بتخفيف الأولى وتحقيق الثانية لأن ما يستأنف أَوْلَى بالهمزة مما يسكت عليه.
2:14Page 3
وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ ١٤
And when they meet those who believe, they say, "We believe"; but when they are alone with their evil ones, they say, "Indeed, we are with you; we were only mockers."
{وإذا لقوا الذين آمنوا}: يعني هؤلاء المنافقين إذا لقوا المهاجرين والأنصار
{قالوا آمنا} كإيمانكم
{وإذا خلوا} رجعوا، ويجوز أن يكون من الخلوة.
{إلى} بمعنى الباء أي بشياطينهم، وقيل: (إلى) بمعنى مع؛ كما قال الله تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} [2-النساء] أي مع أموالكم.
{شياطينهم}: أي رؤسائهم وكهنتهم.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "وهم خمسة نفر من اليهود كعب بن الأشرف بالمدينة، وأبو بردة في بني أسلم، وعبد الدار في جهينة، وعوف بن عامر في بني أسد، وعبد الله بن السوداء بالشام".
ولا يكون كاهن إلا ومعه شيطان تابع له.
والشيطان: المتمرد العاتي من الجن والإنس، ومن كل شيء وأصله البعد، يقال: بئر شطون أي: بعيدة العمق، سمي الشيطان شيطانا لامتداده في الشر وبعده عن الخير .
وقال مجاهد: "إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين".
{قالوا إنا معكم}: أي على دينكم.
{إنما نحن مستهزئون}: بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما نظهر من الإسلام .
قرأ أبو جعفر (مستهزون) و(يستهزون) وقل (استهزوا) و(ليطفوا) و(ليواطوا) و(يستنبونك) و(خاطين) و(خاطون) و(متكن) و(متكون) (فمالون) و(المنشون) بترك الهمزة فيهن.
2:15Page 3
ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٥
[But] Allāh mocks them and prolongs them in their transgression [while] they wander blindly.
{الله يستهزئ بهم}: أي يجازيهم جزاء استهزائهم.
سمي الجزاء باسمه لأنه في مقابلته، كما قال الله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [40-الشورى].
قال ابن عباس: "هو أن يفتح لهم باب من الجنة فإذا انتهوا إليه سد عنهم، وردوا إلى النار".
وقيل: هو أن يضرب للمؤمنين نور يمشون به على الصراط فإذا وصل المنافقون إليه حيل بينهم وبين المؤمنين، كما قال الله تعالى: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} [54-سبأ]، قال الله تعالى: {فضرب بينهم بسور له باب..} الآية [13-الحديد].
وقال الحسن: "معناه الله يُظْهِر المؤمنين على نفاقهم".
{ويمدهم}: يتركهم ويمهلهم.
والمد والإمداد واحد، وأصله الزيادة إلا أن المد أكثر ما يأتي في الشر، والإمداد في الخير، قال الله تعالى في المد: {ونمد له من العذاب مداً} [79-مريم]، وقال في الإمداد: {وأمددناكم بأموال وبنين} [6-الإسراء]، {وأمددناهم بفاكهة} [22-الطور].
{في طغيانهم}: أي في ضلالتهم. وأصله مجاوزة الحد، ومنه طغى الماء.
{يعمهون}: أي يترددون في الضلالة متحيرين.
2:16Page 3
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٦
Those are the ones who have purchased error [in exchange] for guidance, so their transaction has brought no profit, nor were they guided.
{أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى}: أي استبدلوا الكفر بالإيمان.
{فما ربحت تجارتهم}: أي ما ربحوا في تجارتهم.
أضاف الربح إلى التجارة لأن الربح يكون فيها، كما تقول العرب: ربح بيعك وخسرت صفقتك.
{وما كانوا مهتدين}: من الضلالة، وقيل: مصيبين في تجارتهم .
2:17Page 4
مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ ١٧
Their example is that of one who kindled a fire, but when it illuminated what was around him, Allāh took away their light and left them in darkness [so] they could not see.
( مثلهم ) شبههم وقيل صفتهم . والمثل قول سائر في عرف الناس يعرف به معنى الشيء وهو أحد أقسام القرآن السبعة ( كمثل الذي ) يعني الذين بدليل سياق الآية . ونظيره " والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون " ( 33 - الزمر ) ( استوقد ) أوقد ( نارا فلما أضاءت ) النار ( ما حوله ) أي حول المستوقد . وأضاء لازم ومتعد يقال أضاء الشيء بنفسه وأضاءه غيره وهو هاهنا متعد ( ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ) قال ابن عباس وقتادة ومقاتل والضحاك والسدي نزلت في المنافقين
يقول مثلهم في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة في مفازة فاستدفأ ورأى ما حوله فاتقى مما يخاف فبينا هو كذلك إذا طفيت ناره فبقي في ظلمة طائفا متحيرا فكذلك المنافقون بإظهار كلمة الإيمان أمنوا على أموالهم وأولادهم وناكحوا المؤمنين ووارثوهم وقاسموهم الغنائم فذلك نورهم فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف . وقيل ذهاب نورهم في القبر . وقيل في القيامة حيث يقولون للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم . وقيل ذهاب نورهم بإظهار عقيدتهم على لسان النبي صلى الله عليه وسلم فضرب النار مثلا ثم لم يقل أطفأ الله نارهم لكن عبر بإذهاب النور عنه لأن النور نور وحرارة فيذهب نورهم وتبقى الحرارة عليهم . وقال مجاهد : إضاءة النار إقبالهم إلى المسلمين والهدى وذهاب نورهم إقبالهم إلى المشركين والضلالة وقال عطاء ومحمد بن كعب : نزلت في اليهود . وانتظارهم خروج النبي صلى الله عليه وسلم واستفتاحهم به على مشركي العرب فلما خرج كفروا به
2:18Page 4
صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ١٨
Deaf, dumb and blind - so they will not return [to the right path].
{صُمٌ} أي هم صم عن الحق لا يقبلونه وإذا لم يقبلوا فكأنهم لم يسمعوا.
{بُكْمٌ} خُرْس عن الحق لا يقولونه، أو أنهم لما أبطنوا خلاف ما أظهروا فكأنهم لم ينطقوا بالحق.
{عُمْي} أي لا بصائر لهم؛ ومن لا بصيرة له كمن لا بصر له.
{فهم لا يرجعون} عن الضلالة إلى الحق.
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences