Al-Baghawi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:19–27
2:19Page 4
أَوۡ كَصَيِّبٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٞ وَرَعۡدٞ وَبَرۡقٞ يَجۡعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِۚ وَٱللَّهُ مُحِيطُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩
Or [it is] like a rainstorm from the sky within which is darkness, thunder and lightning. They put their fingers in their ears against the thunderclaps in dread of death. But Allāh is encompassing1 of the disbelievers.
{أو كصيب} أي كأصحاب صيب. وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى للمنافقين بمعنى آخر إن شئت مثلهم بالمستوقد وإن شئت بأهل الصيب، وقيل: "أو" بمعنى الواو؛ يريد وكصيب كقوله تعالى: {أو يزيدون} بمعنى ويزيدون.
والصيب المطر وكل ما نزل من الأعلى إلى الأسفل فهو صيب فعل من صاب يصوب أي نزل.
{من السماء}: أي من السحاب.
قيل: هي السماء بعينها، والسماء كل ما علاك فأظلك، وهي من أسماء الأجناس يكون واحداً وجمعاً.
{فيه}: أي في الصيب، وقيل: في السماء أي من السحاب ولذلك ذكره. وقيل: السماء يُذَكَّر ويؤنث، قال الله تعالى: {السماء منفطر به} [18-المزمل]، وقال: {إذا السماء انفطرت} [1-الانفطار].
{ظلمات} جمع ظلمة.
{ورعد} هو الصوت الذي يسمع من السحاب.
{وبرق} وهو النار التي تخرج منه.
قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين رضي الله عنهم: "الرعد اسم ملك يسوق السحاب والبرق لمعان سوط من نور يزجر به الملك السحاب".
وقيل: الصوت زجر السحاب.
وقيل: تسبيح الملك. وقيل: الرعد نطق الملك والبرق ضحكه. وقال مجاهد: "الرعد اسم الملك" ويقال لصوته أيضاً رعد، والبرق مصع ملك يسوق السحاب.
وقال شهر بن حوشب: "الرعد ملك يزجي السحاب فإذا تبددت ضمها فإذا اشتد غضبه طارت من فيه النار فهي الصواعق"، وقيل: الرعد صوت انحراف الريح بين السحاب والأول أصح.
{يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق} جمع صاعقة وهي الصيحة التي يموت من يسمعها أو يغشى عليه.
ويقال لكل عذاب مهلك صاعقة، وقيل: الصاعقة قطعة عذاب ينزلها الله تعالى على من يشاء. روي عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال: "اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك".
قوله: {حذر الموت}: أي مخافة الهلاك.
{والله محيط بالكافرين}: أي عالم بهم، وقيل: جامعهم.
وقال مجاهد: "يجمعهم فيعذبهم". وقيل: مهلكهم، دليله قوله تعالى: {إلا أن يحاط بكم} [66-يوسف] أي تهلكوا جميعاً.
ويميل أبو عمرو و الكسائي الكافرين في محل النصب والخفض ولا يميلان: [أول كافر به] [41-البقرة].
2:20Page 4
يَكَادُ ٱلۡبَرۡقُ يَخۡطَفُ أَبۡصَٰرَهُمۡۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوۡاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظۡلَمَ عَلَيۡهِمۡ قَامُواْۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٠
The lightning almost snatches away their sight. Every time it lights [the way] for them, they walk therein; but when darkness comes over them, they stand [still]. And if Allāh had willed, He could have taken away their hearing and their sight. Indeed, Allāh is over all things competent.
{يكاد البرق} أي يقرب، يقال: كاد يفعل إذا قرب ولم يفعل.
{يخطف أبصارهم} يختلسها، والخطف استلاب بسرعة.
{يكاد البرق يخطف أبصارهم} أي القرآن يبهر قلوبهم.
وقيل: هذا مثل ضربه الله للإسلام فالمطر الإسلام والظلمات ما فيه من البلاء والمحن، والرعد: ما فيه من الوعيد والمخاوف في الآخرة، والبرق: ما فيه من الوعد والوعيد.
يكاد البرق يعنى دلائل الإسلام تزعجهم إلى النظر لولا ما سبق لهم من الشقاوة.
{كلما} "كل" حرف جملة ضم إلى "ما" الجزاء فصار أداة للتكرار ومعناهما متى ما.
{أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا} أي وقفوا متحيرين، فالله تعالى شبههم في كفرهم ونفاقهم بقوم كانوا في مفازة في ليلة مظلمة أصابهم مطر فيه ظلمات من صفتها أن الساري (لا يمكنه) المشي فيها، ورعد من صفته أن يضم السامعون أصابعهم إلى آذانهم من هوله، وبرق من صفته أن يقرب من أن يخطف أبصارهم ويعميها من شدة توقده، فهذا مثل ضربه الله للقرآن وصنيع الكافرين والمنافقين معه، فالمطر القرآن لأنه حياة الجنان كما أن المطر حياة الأبدان، والظلمات ما في القرآن من ذكر الكفر والشرك، والرعد ما خوفوا به من الوعيد، وذكر النار والبرق ما فيه من الهدى والبيان والوعد وذكر الجنة.
والكافرون يسدون آذانهم عند قراءة القرآن مخافة ميل القلب إليه لأن الإيمان عندهم كفر والكفر موت.
{كلما أضاء لهم مشوا فيه} يعني أن المنافقين إذا أظهروا كلمة الإيمان آمنوا فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة.
وقيل: معناه كلما نالواغنيمة وراحة في الإسلام ثبتوا وقالوا إنا معكم.
{وإذا أظلم عليهم قاموا} يعني رأوا شدة وبلاء تأخروا، وقاموا: أي وقفوا كما قال تعالى: {ومن الناس من يعبد الله على حرف} [1-الحج].
{ولو شاء الله لذهب بسمعهم} أي بأسماعهم.
{وأبصارهم} الظاهرة كما ذهب بأسماعهم وأبصارهم الباطنة.
وقيل: لذهب بما استفادوا من العز والأمان الذي لهم بمنزلة السمع والبصر.
{إن الله على كل شيء قدير} قادر.
قرأ عامر وحمزة "شاء" و"جاء" حيث كان بالإمالة.
2:21Page 4
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٢١
O mankind, worship your Lord, who created you and those before you, that you may become righteous -
قوله تعالى: {يا أيها الناس} قال ابن عباس رضي الله عنهما: "يا أيها الناس خطاب أهل مكة، ويا أيها الذين آمنوا خطاب أهل المدينة وهو هاهنا عام إلا من حيث أنه لا يدخله الصغار والمجانين".
{اعبدوا} وحدوا.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "كل ما ورد في القرآن من العبادة فمعناها التوحيد".
{ربكم الذي خلقكم} الخلق: اختراع الشيء على غير مثال سبق.
{والذين من قبلكم} أي وخلق الذين من قبلكم.
{لعلكم تتقون} لكي تنجوا من العذاب، وقيل: معناه كونوا على رجاء التقوى بأن تصيروا في ستر ووقاية من عذاب الله، وحكم الله من ورائكم يفعل ما يشاء كما قال: {فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى} [44-طه] أي ادعواه إلى الحق وكونا على رجاء التذكر، وحكم الله من ورائه يفعل ما يشاء،
قال سيبويه: "(لعل) و(عسى) حرفا ترج وهما من الله واجب".
2:22Page 4
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٢
[He] who made for you the earth a bed [spread out] and the sky a ceiling and sent down from the sky, rain and brought forth thereby fruits as provision for you. So do not attribute to Allāh equals while you know [that there is nothing similar to Him].
{الذي جعل لكم الأرض فراشاً} أي بساطاً، وقيل: مناماً، وقيل: وطاء أي ذللها ولم يجعلها حزنة لايمكن القرار عليها.
قال البخاري: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله رضي الله عنه قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي ذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله نداً وهوخلقك قلت: إن ذلك عظيم، ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك".
و"الجعل" هاهنا بمعنى الخلق.
{والسماء بناء} وسقفاً مرفوعاً.
{وأنزل من السماء} أي من السحاب.
{ماء} وهو المطر.
{فأخرج به من الثمرات} من ألوان الثمرات وأنواع النبات.
{رزقاً لكم} طعاماً لكم وعلفاً لدوابكم.
{فلا تجعلوا لله أنداداً} أي أمثالاً تعبدونهم كعبادة الله.
قال أبو عبيدة: "الند الضد وهو من الأضداد والله تعالى بريء من المثل والضد".
{وأنتم تعلمون} أنه واحد خالق هذه الأشياء.
2:23Page 4
وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٣
And if you are in doubt about what We have sent down [i.e., the Qur’ān] upon Our Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)], then produce a sūrah the like thereof and call upon your witnesses [i.e., supporters] other than Allāh, if you should be truthful.
{وإن كنتم في ريب} أي (وإن) كنتم في شك، لأن الله تعالى علم أنهم شاكون.
{مما نزلنا} يعني القرآن.
{على عبدنا} محمد.
{فأتوا} أمر تعجيز.
{بسورة} والسورة قطعة من القرآن معلومة الأول والآخر من أسأرت أي أفضلت، حذفت الهمزة، وقيل: السورة اسم للمنزلة الرفيعة، ومنه سور البناء لارتفاعه؛ سميت سورة لأن القارئ ينال بقراءتها منزلة رفيعة حتى يستكمل المنازل باستكماله سور القرآن.
{من مثله} أي مثل القرآن (( ومن )) صلة، كقوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} [30-النور]
وقيل: الهاء في مثله راجعة لمحمد صلى الله عليه وسلم يعني: من مثل محمد صلى الله عليه وسلم أمي لا يحسن الخط والكتابة [ قال محمود هاهنا من مثله دون سائر السور، لأن مِن للتبعيض وهذه السورة أول القرآن بعد الفاتحة فأدخل (مِن) ليعلم أن التحدي واقع على جميع سور القرآن، ولو أدخل (مِن) في سائر السور كان التحدي واقعاً على جميع سور القرآن، ولو أدخل خفي سائر السور كان التحدي واقعاً على بعض السور ].
{وادعوا شهداءكم} أي واستعينوا بآلهتكم التي تعبدونها.
{من دون الله} قال مجاهد: "ناساً يشهدون لكم".
{إن كنتم صادقين} أن محمداً صلى الله عليه وسلم يقوله من تلقاء نفسه فلما تحداهم عجزوا.
فقال:
2:24Page 4
فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ ٢٤
But if you do not - and you will never be able to - then fear the Fire, whose fuel is people and stones, prepared for the disbelievers.
{فإن لم تفعلوا} فيما مضى.
{ولن تفعلوا} أبداً فيما بقي.
وإنما قال ذلك لبيان الإعجاز وأن القرآن كان معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم حيث عجزوا عن الإتيان بمثله.
{فاتقوا النار} أي فآمنوا واتقوا بالإيمان النار.
{التي وقودها الناس والحجارة} قال ابن عباس وأكثر المفسرين: يعني حجارة الكبريت لأنها أكثر التهاباً، وقيل: جميع الحجارة وهودليل على عظمة تلك النار، وقيل: أراد بها الأصنام لأن أكثر أصنامهم كانت منحوتة من الحجارة كما قال: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} [98-الأنبياء].
{أعدت} هُيِّئَت {للكافرين}.
2:25Page 5
وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٥
And give good tidings to those who believe and do righteous deeds that they will have gardens [in Paradise] beneath which rivers flow. Whenever they are provided with a provision of fruit therefrom, they will say, "This is what we were provided with before." And it is given to them in likeness. And they will have therein purified spouses, and they will abide therein eternally.
قوله تعالى : ( وبشر الذين آمنوا ) أي أخبر والبشارة كل خبر صدق تتغير به بشرة الوجه ويستعمل في الخير والشر وفي الخير أغلب ( وعملوا الصالحات ) أي الفعلات الصالحات يعني المؤمنين الذين هم من أهل الطاعات قال عثمان بن عفان رضي الله عنه ( وعملوا الصالحات ) أي أخلصوا الأعمال كما قال " فليعمل عملا صالحا " ( 110 - الكهف ) أي خاليا من الرياء . قال معاذ : العمل الصالح الذي فيه أربعة أشياء . العلم والنية والصبر والإخلاص . ( أن لهم جنات ) جمع الجنة والجنة البستان الذي فيه أشجار مثمرة سميت بها لاجتنانها وتسترها بالأشجار . وقال الفراء : الجنة ما فيه النخيل والفردوس ما فيه الكرم
( تجري من تحتها ) أي من تحت أشجارها ومساكنها ( الأنهار ) أي المياه في الأنهار لأن النهر لا يجري وقيل ( من تحتها ) أي بأمرهم لقوله تعالى حكاية عن فرعون " وهذه الأنهار تجري من تحتي " ( 51 - الزخرف ) أي بأمري والأنهار جمع نهر سمي به لسعته وضيائه . ومنه النهار . وفي الحديث " أنهار الجنة تجري في غير أخدود . . . " ]
2:26Page 5
۞ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٦
Indeed, Allāh is not timid to present an example - that of a mosquito or what is smaller1 than it. And those who have believed know that it is the truth from their Lord. But as for those who disbelieve, they say, "What did Allāh intend by this as an example?" He misleads many thereby and guides many thereby. And He misleads not except the defiantly disobedient,
قوله تعالى: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها} سبب نزول هذه الآية أن الله تعالى لما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت فقال: {إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له} [73-الحج]، وقال: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً} [41-العنكبوت]، قالت اليهود: "ما أراد الله بذكر هذه الأشياء الخسيسة؟" وقيل: قال المشركون: "إنا لا نعبد إلهاً يذكر مثل هذه الأشياء"، فأنزل الله تعالى: {إن الله لا يستحيي} أي لا يترك ولا يمنعه الحياء {أن يضرب مثلاً} يذكر شبهاً، {ما بعوضة} ما: صلة، أي مثلاً بالبعوضة، وبعوضة نصب بدل عن المثل.
والبعوض صغار البق سميت بعوضة كأنها بعض البق.
{فما فوقها} يعنى الذباب والعنكبوت، وقال أبو عبيدة: "أي فما دونها كما يقال وفوق ذلك أي وأجهل".
{فأما الذين آمنوا} بمحمد والقرآن.
{فيعلمون أنه} يعني: المثل هو
{الحق} الصدق.
{من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً} أي بهذا المثل فلما حذف الألف واللام نصبه على الحال والقطع.
ثم أجابهم فقال: {يضل به} أي بهذا المثل.
{كثيراً} من الكفار وذلك أنهم يكذبونه فيزدادون ضلالاً.
والإضلال: هو الصرف عن الحق إلى الباطل.
وقيل: هو الهلاك يقال ضل الماء في اللبن إذا هلك.
{ويهدي به} أي بهذا المثل>
{كثيراً} من المؤمنين فيصدقونه.
{وما يضل به إلا الفاسقين} الكافرين، وأصل الفسق الخروج؛ يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها.
قال الله تعالى: {ففسق عن أمر ربه} [50-الكهف] أي خرج.
ثم وصفهم فقال:
2:27Page 5
ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٢٧
Who break the covenant of Allāh after contracting it and sever that which Allāh has ordered to be joined and cause corruption on earth. It is those who are the losers.
{الذين ينقضون} يخالفون ويتركون، وأصل النقض الكسر.
{عهد الله} أمر الله الذي عهد إليهم يوم الميثاق بقوله: {ألست بربكم قالوا بلى} [ 173-الأعراف].
وقيل: أراد به العهد الذي أخذه على النبيين وسائر الأمم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم في قوله: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} [81-آل عمران] الآية.
وقيل: أراد به العهد الذي عهد إليهم في التوراة أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويبينوا نعته.
{من بعد ميثاقه} توكيده.
والميثاق: العهد المؤكد.
{ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} يعنى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبجميع الرسل عليهم السلام لأنهم قالوا: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، وقال المؤمنون: {لا نفرق بين أحد من رسله..} [285-البقرة] وقيل: أراد به الأرحام.
{ويفسدون في الأرض} بالمعاصي وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن.
{أولئك هم الخاسرون} المغبونون.
ثم قال لمشركي العرب على وجه التعجب:
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences