Al-Baghawi · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:64–72
21:64Page 327
فَرَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ فَقَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ أَنتُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٦٤
So they returned to [blaming] themselves and said [to each other], "Indeed, you are the wrongdoers."
( فرجعوا إلى أنفسهم ) أي فتفكروا بقلوبهم ، ورجعوا إلى عقولهم ، ( فقالوا ) ما نراه إلا كما قال : ( إنكم أنتم الظالمون ) يعني بعبادتكم من لا يتكلم . وقيل : أنتم الظالمون هذا الرجل في سؤالكم إياه وهذه آلهتكم حاضرة فاسألوها .
21:65Page 327
ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمۡ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا هَٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ ٦٥
Then they reversed themselves,1 [saying], "You have already known that these do not speak!"
( ثم نكسوا على رءوسهم ) قال أهل التفسير : أجرى الله الحق على لسانهم في القول الأول ، ثم أدركتهم الشقاوة ، فهو معنى قوله : ( ثم نكسوا على رءوسهم ) أي ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم ، يقال نكس المريض إذا رجع إلى حاله الأول ، وقالوا : ( لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ) فكيف نسألهم؟ فلما اتجهت الحجة لإبراهيم عليه السلام .
21:66Page 327
قَالَ أَفَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يَضُرُّكُمۡ ٦٦
He said, "Then do you worship instead of Allāh that which does not benefit you at all or harm you?
( قال ) لهم ، ( أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ) إن عبدتموه ، ( ولا يضركم ) إن تركتم عبادته .
21:67Page 327
أُفّٖ لَّكُمۡ وَلِمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٧
Uff1 to you and to what you worship instead of Allāh. Then will you not use reason?"
( أف لكم ) أي تبا وقذرا لكم ، ( ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ) أي أليس لكم عقل تعرفون هذا ، فلما لزمتهم الحجة وعجزوا عن الجواب .
21:68Page 327
قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓاْ ءَالِهَتَكُمۡ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ٦٨
They said, "Burn him and support your gods - if you are to act."
( قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ) أي : إن كنتم ناصرين لها .
قال ابن عمر رضي الله عنهما : إن الذي قال هذا رجل من الأكراد . وقيل : اسمه " هيزن " فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة .
وقيل : قاله نمرود ، فلما أجمع نمرود وقومه على إحراق إبراهيم عليه السلام ، حبسوه في بيت ، وبنوا له بنيانا كالحظيرة .
وقيل : بنوا أتونا بقرية يقال لها " كوثى " ثم جمعوا له صلاب الحطب من أصناف الخشب مدة حتى كان الرجل يمرض فيقول لئن عافاني الله لأجمعن حطبالإبراهيم ، وكانت المرأة تنذر في بعض ما تطلب لئن أصابته لتحطبن في نار إبراهيم ، وكان الرجل يوصي بشراء الحطب وإلقائه فيه ، وكانت المرأة تغزل وتشتري الحطب بغزلها ، فتلقيه فيه احتسابا في دينها .
قال ابن إسحاق كانوا يجمعون الحطب شهرا فلما جمعوا ما أرادوا أشعلوا في كل ناحية من الحطب فاشتعلت النار واشتدت حتى أن كان الطير ليمر بها فيحترق من شدة وهجها ، فأوقدوا عليها سبعة أيام .
روي أنهم لم يعلموا كيف يلقونه فيها فجاء إبليس فعلمهم عمل المنجنيق فعملوا ، ثم عمدوا إلى إبراهيم فرفعوه على رأس البنيان وقيدوه ثم وضعوه في المنجنيق مقيدا مغلولا فصاحت السماء والأرض ومن فيها من الملائكة وجميع الخلق إلا الثقلين صيحة واحدة ، أي : ربنا إبراهيم خليلك يلقى في النار وليس في أرضك أحد يعبدك غيره فأذن لنا في نصرته ، فقال الله عز وجل : إنه خليلي ليس لي غيره ، وأنا إلهه وليس له إله غيري ، فإن استغاث بشيء منكم أو دعاه فلينصره فقد أذنت له في ذلك ، وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه فخلوا بيني وبينه ، فلما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن المياه فقال : إن أردت أخمدت النار وأتاه خازن الرياح فقال : إن شئت طيرت النار في الهواء ، فقال إبراهيم : لا حاجة لي إليكم حسبي الله ونعم الوكيل .
وروي عن أبي بن كعب أن إبراهيم قال حين أوثقوه ليلقوه في النار لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك ثم رموا به في المنجنيق إلى النار ، واستقبله جبريل فقال : يا إبراهيم لك حاجة؟ فقال أما إليك فلا قال جبريل : فاسأل ربك ، فقال إبراهيم حسبي من سؤالي علمه بحالي .
قال كعب الأحبار : جعل كل شيء يطفئ عنه النار إلا الوزغ فإنه كان ينفخ في النار .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبيد الله بن موسى وابن سلام عنه أخبرنا ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير عن سعيد بن المسيب عن أم شريك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ ، وقال : كان " ينفخ النار على إبراهيم " .
21:69Page 327
قُلۡنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ ٦٩
We [i.e., Allāh] said, "O fire, be coolness and safety upon Abraham."
قال تعالى : ( قلنا يانار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ) قال ابن عباس : لو لم يقل سلاما لمات إبراهيم من بردها ، ومن المعروف في الآثار أنه لم يبق يومئذ نار في الأرض إلا طفئت ، فلم ينتفع في ذلك اليوم بنار في العالم ، ولو لم يقل وسلاما على إبراهيم بقيت ذات برد أبدا .
قال السدي : فأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم فأقعدوه على الأرض ، فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس .
قال كعب : ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه قالوا : وكان إبراهيم في ذلك الموضع سبعة أيام .
قال المنهال بن عمرو : قال إبراهيم ما كنت أياما قط أنعم مني من الأيام التي كنت فيها في النار .
قال ابن يسار : وبعث الله عز وجل ملك الظل في صورة إبراهيم فقعد فيها إلى جنب إبراهيم يؤنسه ، قالوا وبعث الله جبريل بقميص من حرير الجنة و فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة وقعد معه يحدثه وقال جبريل : يا إبراهيم إن ربك يقول : أما علمت أن النار لا تضر أحبائي .
ثم نظر نمرود وأشرف على إبراهيم من صرح له فرآه جالسا في روضة والملك قاعد إلى جنبه وما حوله نار تحرق الحطب ، فناداه : يا إبراهيم كبير إلهك الذي بلغت قدرته أن حال بينك وبين ما أرى ، يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال : نعم ، قال : هل تخشى إن أقمت فيها أن تضرك؟ قال : لا قال : فقم فاخرج منها ، فقام إبراهيم يمشي فيها حتى خرج منها ، فلما خرج إليه قال له : يا إبراهيم من الرجل الذي رأيته معك في صورتك قاعدا إلى جنبك؟ قال : ذاك ملك الظل أرسله إلي ربي ليؤنسني فيها ، فقال نمرود : يا إبراهيم إني مقرب إلى إلهك قربانا لما رأيت من قدرته وعزته فيما صنع بك حين أبيت إلا عبادته وتوحيده إني ذابح له أربعة آلاف بقرة ، فقال له إبراهيم : إذا لا يقبل الله منك ما كنت على دينك حتى تفارقه إلى ديني ، فقال : لا أستطيع ترك ملكي . ولكن سوف أذبحها له فذبحها له نمرود ثم كف عن إبراهيم ، ومنعه الله منه . قال شعيب الجبائي : ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة .
21:70Page 327
وَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَخۡسَرِينَ ٧٠
And they intended for him a plan [i.e., harm], but We made them the greatest losers.
قوله عز وجل ( وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين ) قيل معناه أنهم خسروا السعي والنفقة ولم يحصل لهم مرادهم
وقيل : معناه إن الله عز وجل أرسل على نمرود وعلى قومه البعوض فأكلت لحومهم وشربت دماءهم ودخلت واحدة في دماغه فأهلكته
21:71Page 327
وَنَجَّيۡنَٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا لِلۡعَٰلَمِينَ ٧١
And We delivered him and Lot to the land which We had blessed for the worlds [i.e., peoples].
قوله عز وجل : ( ونجيناه ولوطا ) من نمرود وقومه من أرض العراق ، ( إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ) يعني الشام بارك الله فيها بالخصب وكثرة الأشجار والثمار والأنهار ومنها بعث أكثر الأنبياء . وقال أبي بن كعب : سماها مباركة لأنه ما من ماء عذب إلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي هي ببيت المقدس .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أخبرنا أبو الحسين بن بشران ، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار ، أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، أن عمر بن الخطاب قال لكعب : ألا تتحول إلى المدينة فيها مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبره فقال كعب : إني وجدت في كتاب الله المنزل يا أمير المؤمنين إن الشام كنز الله من أرضه وبها كنزه من عباده .
أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري ، أخبرنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز ، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري ، أخبرنا إسحاق الديري ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، عن شهر بن حوشب عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إنها ستكون هجرة بعد هجرة فخيار الناس إلى مهاجر إبراهيم " .
وقال محمد بن إسحاق : استجاب لإبراهيم رجال قومه حين رأوا ما صنع الله به من جعل النار عليه بردا وسلاما على خوف من نمرود وملئهم وآمن به لوط ، وكان ابن أخيه وهو لوط بن هاران بن تارخ ، وهاران هو أخو إبراهيم وكان لهما أخ ثالث يقال له ناخور بن تارخ ، وآمنت به أيضا سارة وهي بنت عمه وهي سارة بنت هاران الأكبر ، عم إبراهيم فخرج من كوثى من أرض العراق مهاجرا إلى ربه ومعه لوط وسارة ، كما قال الله تعالى ( فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي ) ( العنكبوت 26 ) ، فخرج يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربه حتى نزل حران فمكث بها ما شاء الله ثم خرج منها مهاجرا حتى قدم مصر ، ثم خرج من مصر إلى الشام ، فنزل السبع من أرض فلسطين ، وهي برية الشام ، ونزل لوط بالمؤتفكة وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة وأقرب فبعثه الله نبيا فذلك قوله تعالى : ( ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ) .
21:72Page 327
وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ نَافِلَةٗۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا صَٰلِحِينَ ٧٢
And We gave him Isaac and Jacob in addition, and all [of them] We made righteous.
( ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة ) قال مجاهد وعطاء : معنى النافلة العطية وهما جميعا من عطاء الله نافلة يعني عطاء ، قال الحسن والضحاك : فضلا وعن ابن عباس وأبي بن كعب وأبي زيد وقتادة رضي الله عنهم النافلة هو يعقوب لأن الله عز وجل أعطاه إسحاق بدعائه حيث قال ( هب لي من الصالحين ) ( الصافات 100 ) ، وزاد يعقوب [ ولد الولد ] والنافلة الزيادة ( وكلا جعلنا صالحين ) يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences