Al-BaghawiAli 'Imran · 3:118–126

Al-Baghawi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:118–126

3:118Page 65

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ١١٨

O you who have believed, do not take as intimates those other than yourselves [i.e., believers], for they will not spare you [any] ruin. They wish you would have hardship. Hatred has already appeared from their mouths, and what their breasts conceal is greater. We have certainly made clear to you the signs, if you will use reason.

قوله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ) الآية قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان رجال من المسلمين يواصلون اليهود لما بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاع ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ينهاهم عن مباطنتهم خوف الفتنة عليهم .

وقال مجاهد : نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين ، فنهاهم الله تعالى عن ذلك فقال : ( ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ) أي : أولياء وأصفياء من غير أهل ملتكم ، وبطانة الرجل : خاصته تشبيها ببطانة الثوب التي تلي بطنه لأنهم يستبطنون أمره ويطلعون منه على ما لا يطلع عليه غيرهم .

ثم بين العلة في النهي عن مباطنتهم فقال جل ذكره ( لا يألونكم خبالا ) أي : لا يقصرون ولا يتركون جهدهم فيما يورثكم الشر والفساد ، والخبال : الشر والفساد ، ونصب " خبالا " على المفعول الثاني لأن يألو يتعدى إلى مفعولين وقيل : بنزع الخافض ، أي بالخبال كما يقال أوجعته ضربا ، ( ودوا ما عنتم ) أي : يودون ما يشق عليكم من الضر والشر والهلاك . والعنت : المشقة ( قد بدت البغضاء ) أي : البغض ، معناه ظهرت أمارة العداوة ، ( من أفواههم ) بالشتيمة والوقيعة في المسلمين ، وقيل : بإطلاع المشركين على أسرار المؤمنين ( وما تخفي صدورهم ) من العداوة والغيظ ، ( أكبر ) أعظم ، ( قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون )

3:119Page 65

هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١١٩

Here you are loving them but they are not loving you, while you believe in the Scripture - all of it.1 And when they meet you, they say, "We believe." But when they are alone, they bite their fingertips at you in rage. Say, "Die in your rage. Indeed, Allāh is Knowing of that within the breasts."

( ها أنتم ) ها تنبيه وأنتم كناية للمخاطبين من الذكور ، ( أولاء ) اسم للمشار إليهم يريد أنتم أيها المؤمنون ، ( تحبونهم ) أي : تحبون هؤلاء اليهود الذين نهيتكم عن مباطنتهم للأسباب التي بينكم من القرابة والرضاع والمصاهرة ، ( ولا يحبونكم ) هم لما بينكم من مخالفة الدين ، قال مقاتل : هم المنافقون يحبهم المؤمنون لما أظهروا من الإيمان ، ولا يعلمون ما في قلوبهم ، ( وتؤمنون بالكتاب كله ) يعني : بالكتب كلها وهم لا يؤمنون بكتابكم ، ( وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا ) وكان بعضهم مع بعض ( عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ) يعني : أطراف الأصابع واحدتها أنملة بضم الميم وفتحها ، من الغيظ لما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم ، وعض الأنامل عبارة عن شدة الغيظ وهذا من مجاز الأمثال ، وإن لم يكن ثم عض ، ( قل موتوا بغيظكم ) أي : ابقوا إلى الممات بغيظكم ، ( إن الله عليم بذات الصدور ) أي : بما في القلوب من خير وشر .

3:120Page 65

إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ١٢٠

If good touches you, it distresses them; but if harm strikes you, they rejoice at it. And if you are patient and fear Allāh, their plot will not harm you at all. Indeed, Allāh is encompassing of what they do.

وقوله تعالى : ( إن تمسسكم حسنة ) أي : تصبكم أيها المؤمنون بظهوركم على عدوكم وغنيمة تنالونها منهم ، وتتابع الناس في الدخول في دينكم ، وخصب في معايشكم ( تسؤهم ) تحزنهم ، ( وإن تصبكم سيئة ) مساءة بإخفاق سرية لكم أو إصابة عدو منكم ، أو اختلاف يكون بينكم أو جدب أو نكبة تصبكم ( يفرحوا بها وإن تصبروا ) على أذاهم ( وتتقوا ) وتخافوا ربكم ( لا يضركم ) أي : لا ينقصكم ، ( كيدهم شيئا ) قرأ ابن كثير ونافع وأهل البصرة ( لا يضركم ) بكسر الضاد خفيفة يقال : ضار يضير ضيرا ، وهو جزم على جواب الجزاء ، وقرأ الباقون بضم الضاد وتشديد الراء من ضر يضر ضرا مثل رد يرد ردا وفي رفعه وجهان . أحدهما : أنه أراد الجزم وأصله يضرركم فأدغمت الراء في الراء ونقلت ضمة الراء الأولى إلى الضاد وضمت الثانية اتباعا ، والثاني : أن يكون لا بمعنى ليس ويضمر فيه الفاء تقديره : وإن تصبروا وتتقوا فليس يضركم كيدهم شيئا ، ( إن الله بما يعملون محيط ) عالم .

3:121Page 65

وَإِذۡ غَدَوۡتَ مِنۡ أَهۡلِكَ تُبَوِّئُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلۡقِتَالِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٢١

And [remember] when you, [O Muḥammad], left your family in the morning to post the believers at their stations for the battle [of Uḥud] - and Allāh is Hearing and Knowing -

قوله تعالى : ( وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ) قال الحسن : هو يوم بدر ، وقال مقاتل : يوم الأحزاب ، وقال سائر المفسرين : هو يوم أحد لأن ما بعده إلى قريب من آخر السورة في حرب أحد .

قال مجاهد والكلبي والواقدي : غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزل عائشة رضي الله عنها فمشى على رجليه إلى أحد فجعل يصف أصحابه للقتال كما يقوم القدح .

قال محمد بن إسحاق والسدي عن رجالهما : إن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنزولهم استشار أصحابه ودعا عبد الله بن أبي بن سلول ولم يدعه قط قبلها فاستشاره ، فقال عبد الله بن أبي وأكثر الأنصار : يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم ، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه ، فكيف وأنت فينا ، فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشر مجلس ، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم ، وإن رجعوا رجعوا خائبين . فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الرأي .

وقال بعض أصحابه : يا رسول الله اخرج بنا إلى هذه الأكلب ، لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني رأيت في منامي بقرا تذبح ، فأولتها خيرا ، ورأيت في ذباب سيفي ثلما فأولتها هزيمة ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة ، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة " وكان يعجبه أن يدخلوا عليه بالمدينة فيقاتلوا في الأزقة ، فقال رجال من المسلمين ممن فاتهم يوم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد : اخرج بنا إلى أعدائنا . فلم يزالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم من حبهم للقاء القوم ، حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس لأمته ، فلما رأوه قد لبس السلاح ندموا ، وقالوا : بئس ما صنعنا ، نشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي يأتيه ، فقاموا واعتذروا إليه وقالوا : اصنع ما رأيت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل " .

وكان قد أقام المشركون بأحد يوم الأربعاء والخميس فراح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة ، بعدما صلى بأصحابه الجمعة وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج إليهم ، فأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة ، فكان من حرب أحد ما كان ، فذلك قوله تعالى : ( وإذ غدوت من أهلك ) أي : واذكر إذا غدوت من أهلك ( تبوئ المؤمنين ) أي : تنزل المؤمنين ( مقاعد للقتال ) أي : مواطن ، ومواضع للقتال ، يقال : بوأت القوم إذا وطنتهم وتبوءوا هم إذا تواطنوا قال الله تعالى : " ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق " ( يونس - 93 ) وقال " أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا " ( يونس - 87 ) وقيل تتخذ معسكرا ، ( والله سميع عليم ) .

3:122Page 66

إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٢٢

When two parties among you were about to lose courage, but Allāh was their ally; and upon Allāh the believers should rely.

( إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا ) أي : تجبنا وتضعفا وتتخلفا والطائفتان بنو سلمة من الخزرج ، وبنو حارثة من الأوس ، ودنا جناحي العسكر وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد في ألف رجل ، وقيل : في تسعمائة وخمسين رجلا فلما بلغوا الشوط انخذل عبد الله بن أبي بثلث الناس ورجع في ثلاثمائة وقال : علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم أبو جابر السلمي فقال : أنشدكم بالله في نبيكم وفي أنفسكم ، فقال عبد الله بن أبي : لو نعلم قتالا لاتبعناكم ، وهمت بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف مع عبد الله بن أبي فعصمهم الله فلم ينصرفوا فذكرهم الله عظيم نعمته فقال عز وجل ( إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما ) ناصرهما وحافظهما .

( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ، أنا محمد بن يوسف عن ابن عيينة عن عمرو عن جابر قال : نزلت هذه الآية فينا ( إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما ) بنو سلمة وبنو حارثة ، وما أحب أنها لم تنزل والله يقول : ( والله وليهما ) .

3:123Page 66

وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢٣

And already had Allāh given you victory at [the battle of] Badr while you were weak [i.e., few in number]. Then fear Allāh; perhaps you will be grateful.

قوله تعالى : ( ولقد نصركم الله ببدر ) وبدر موضع بين مكة والمدينة وهو اسم لموضع ، وعليه الأكثرون وقيل : اسم لبئر هناك ، وقيل : كانت بدر بئرا لرجل يقال له بدر ، قاله الشعبي وأنكر الآخرون عليه .

يذكر الله تعالى في هذه الآية منته عليهم بالنصرة يوم بدر ، ( وأنتم أذلة ) جمع : ذليل وأراد به قلة العدد فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا فنصرهم الله مع قلة عددهم ، ( فاتقوا الله لعلكم تشكرون )

3:124Page 66

إِذۡ تَقُولُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ أَلَن يَكۡفِيَكُمۡ أَن يُمِدَّكُمۡ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ ١٢٤

[Remember] when you said to the believers, "Is it not sufficient for you that your Lord should reinforce you with three thousand angels sent down?

( إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم ) اختلفوا في هذه الآية فقال قتادة : كان هذا يوم بدر أمدهم الله تعالى بألف من الملائكة كما قال : " فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة " ( الأنفال - 9 ) ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف كما ذكر هاهنا ( بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ) .

3:125Page 66

بَلَىٰٓۚ إِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأۡتُوكُم مِّن فَوۡرِهِمۡ هَٰذَا يُمۡدِدۡكُمۡ رَبُّكُم بِخَمۡسَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ١٢٥

Yes, if you remain patient and conscious of Allāh and they [i.e., the enemy] come upon you [attacking] in rage, your Lord will reinforce you with five thousand angels having marks [of distinction]."

( بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) فصبروا يوم بدر فاتقوا فأمدهم الله بخمسة آلاف كما وعد قال الحسن : وهؤلاء الخمسة آلاف ردء المؤمنين إلى يوم القيامة .

وقال ابن عباس ومجاهد : لم تقاتل الملائكة في المعركة إلا يوم بدر ، وفيما سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون ، إنما يكونون عددا ومددا .

قال محمد بن إسحاق : لما كان يوم أحد انجلى القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي سعد بن مالك يرمي وفتى شاب يتنبل له كلما فني النبل أتاه به فنثره فقال ارم أبا إسحاق مرتين ، فلما انجلت المعركة سئل عن ذلك الرجل فلم يعرف .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا عبد العزيز بن عبد الله ، أنا إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن جده ، عن سعد بن أبي وقاص قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه عليهما ثياب بيض كأشد القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد .

ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ، قال أخبرنا محمد بن بشر وأبو أسامة ، عن مسعر ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن سعد يعني ابن أبي وقاص قال : " رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد " يعني : جبريل وميكائيل .

وقال الشعبي : بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين يوم بدر : أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين فشق ذلك عليهم ، فأنزل الله تعالى : ( ألن يكفيكم أن يمدكم ) إلى قوله ( مسومين ) فبلغ كرزا الهزيمة فرجع فلم يأتهم ولم يمدهم فلم يمدهم الله أيضا بالخمسة آلاف ، وكانوا قد أمدوا بألف .

وقال الآخرون : إنما وعد الله تعالى المسلمين يوم بدر إن صبروا على طاعته واتقوا محارمه : أن يمدهم أيضا في حروبهم كلها فلم يصبروا إلا في يوم الأحزاب ، فأمدهم الله حتى حاصروا قريظة والنضير ، قال عبد الله بن أبي أوفى : كنا محاصري قريظة والنضير ما شاء الله فلم يفتح علينا فرجعنا فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسل فهو يغسل رأسه إذ جاءه جبريل عليه السلام ، فقال : وضعتم أسلحتكم ولم تضع الملائكة أوزارها؟ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخرقة فلف بها رأسه ولم يغسله ، ثم نادى فينا فقمنا حتى أتينا قريظة والنضير فيومئذ أمدنا الله تعالى بثلاثة آلاف من الملائكة ، ففتح لنا فتحا يسيرا .

وقال الضحاك وعكرمة : كان هذا يوم أحد وعدهم الله المدد إن صبروا فلم يصبروا فلم يمدوا به .

قوله تعالى : ( أن يمدكم ربكم ) والإمداد : إعانة الجيش بالجيش ، وقيل : ما كان على جهة القوة والإعانة يقال فيه : أمده إمدادا وما كان على جهة الزيادة يقال : مده مدا ، ومنه قوله تعالى : " والبحر يمده " ( لقمان - 27 ) وقيل : المد في الشر والإمداد في الخير ، يدل عليه قوله تعالى : " ويمدهم في طغيانهم يعمهون " ( البقرة - 15 ) " ونمد له من العذاب مدا " ( مريم - 79 ) وقال في الخير : ( أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) وقال : " وأمددناكم بأموال وبنين " ( الإسراء - 26 ) .

قوله تعالى : ( بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ) قرأ ابن عامر بتشديد الزاي على التكثير لقوله تعالى : " ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة " ( سورة الأنعام - 111 ) وقرأ الآخرون بالتخفيف دليله قوله تعالى : " لولا أنزل علينا الملائكة " ( الفرقان - 21 ) وقوله : " وأنزل جنودا لم تروها " ( التوبة - 26 ) .

ثم قال : ( بلى ) نمدكم ( إن تصبروا ) لعدوكم ( وتتقوا ) أي : مخالفة نبيكم ( ويأتوكم ) يعني المشركين ( من فورهم هذا ) قال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة والحسن وأكثر المفسرين : من وجههم هذا ، وقال مجاهد والضحاك : من غضبهم هذا ، لأنهم إنما رجعوا للحرب يوم أحد من غضبهم ليوم بدر ، ( يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ) لم يرد خمسة آلاف سوى ما ذكر من ثلاثة آلاف بل أراد معهم وقوله ( مسومين ) أي : معلمين قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بكسر الواو وقرأ الآخرون بفتحها فمن كسر الواو فأراد أنهم سوموا خيلهم ومن فتحها أراد به أنفسهم ، والتسويم : الإعلام من السومة وهي العلامة .

واختلفوا في تلك العلامة فقال عروة بن الزبير : كانت الملائكة على خيل بلق عليهم عمائم صفر ، وقال علي وابن عباس رضي الله عنهم : كانت عليهم عمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم ، ( وقال هشام بن عروة والكلبي : عمائم صفر مرخاة على أكتافهم ) وقال الضحاك وقتادة : كانوا قد أعلموا بالعهن في نواصي الخيل وأذنابها ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر : " تسوموا فإن الملائكة قد تسومت بالصوف الأبيض في قلانسهم ومغافرهم " .

3:126Page 66

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ لَكُمۡ وَلِتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦۗ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١٢٦

And Allāh made it not except as [a sign of] good tidings for you and to reassure your hearts thereby. And victory is not except from Allāh, the Exalted in Might, the Wise -

قوله تعالي ( وما جعله الله ) يعني هذا الوعد والمدد ، ( إلا بشرى لكم ) أي : بشارة لتستبشروا به ( ولتطمئن ) ولتسكن ( قلوبكم به ) فلا تجزعوا من كثرة عدوكم وقلة عددكم ( وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ) يعني : لا تحيلوا بالنصر على الملائكة والجند ، فإن النصر من الله تعالى فاستعينوا به وتوكلوا عليه ، لأن العز والحكم له .

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском