Al-Baghawi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:55–63
6:55Page 134
وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِتَسۡتَبِينَ سَبِيلُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٥٥
And thus do We detail the verses, and [thus] the way of the criminals will become evident.
( وكذلك نفصل الآيات ) أي : وهكذا ، وقيل : معناه وكما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا وإعلامنا على المشركين كذلك نفصل الآيات ، أي : نميز ونبين لك حجتنا في كل حق ينكره أهل الباطل ، ( ولتستبين سبيل المجرمين ) أي : طريق المجرمين ، وقرأ أهل المدينة " ولتستبين " بالتاء ، " سبيل " نصب على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم ، أي : ولتعرف يا محمد سبيل المجرمين ، يقال : استبنت الشيء وتبينته إذا عرفته ، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر " وليستبين " بالياء " سبيل " بالرفع ، وقرأ الآخرون ( ولتستبين ) بالتاء " سبيل " رفع ، أي : ليظهر ويتضح السبيل ، يذكر ويؤنث ، فدليل التذكير قوله تعالى : " وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا " ( الأعراف ، 146 ) ، ودليل التأنيت قوله تعالى : " لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا " ( آل عمران ، 99 ) .
6:56Page 134
قُلۡ إِنِّي نُهِيتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهۡوَآءَكُمۡ قَدۡ ضَلَلۡتُ إِذٗا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ٥٦
Say, "Indeed, I have been forbidden to worship those you invoke besides Allāh." Say, "I will not follow your desires, for I would then have gone astray, and I would not be of the [rightly] guided."
قوله عز وجل : ( قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم ) في عبادة الأوثان وطرد الفقراء ، ( قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ) يعني : إن فعلت ذلك فقد تركت سبيل الحق وسلكت غير طريق الهدى .
6:57Page 134
قُلۡ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبۡتُم بِهِۦۚ مَا عِندِي مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦٓۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ يَقُصُّ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰصِلِينَ ٥٧
Say, "Indeed, I am on clear evidence from my Lord, and you have denied it. I do not have that for which you are impatient.1 The decision is only for Allāh. He relates the truth, and He is the best of deciders."
( قل إني على بينة ) أي : على بيان وبصيرة وبرهان ، ( من ربي وكذبتم به ) أي : ما جئت به ، ( ما عندي ما تستعجلون به ) قيل : أراد به استعجالهم العذاب ، كانوا يقولون : " إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة " ( الأنفال ، 32 ) الآية ، قيل : أراد به القيامة ، قال الله تعالى : " يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها " ( الشورى ، 18 ) ، ( إن الحكم إلا لله يقص الحق ) قرأ أهل الحجاز وعاصم يقص بضم القاف والصاد مشددا أي يقول الحق ، لأنه في جميع المصاحف بغير ياء ، ولأنه قال الحق ولم يقل بالحق ، وقرأ الآخرون ( يقضي ) بسكون القاف والضاد مكسورة ، من قضيت ، أي : يحكم بالحق بدليل أنه قال : ( وهو خير الفاصلين ) والفصل يكون في القضاء وإنما حذفوا الياء لاستثقال الألف واللام ، كقوله تعالى : ( صال الجحيم ) ونحوها ، ولم يقل بالحق لأن الحق صفة المصدر ، كأنه قال : يقضي القضاء الحق .
6:58Page 134
قُل لَّوۡ أَنَّ عِندِي مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦ لَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۗ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٥٨
Say, "If I had that for which you are impatient, the matter would have been decided between me and you, but Allāh is most knowing of the wrongdoers."
( قل لو أن عندي ) وبيدي ، ( ما تستعجلون به ) من العذاب ( لقضي الأمر بيني وبينكم ) أي : فرغ من العذاب [ وأهلكتم ] أي : لعجلته حتى أتخلص منكم ، ( والله أعلم بالظالمين ) .
6:59Page 134
۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٥٩
And with Him are the keys of the unseen; none knows them except Him. And He knows what is on the land and in the sea. Not a leaf falls but that He knows it. And no grain is there within the darknesses of the earth and no moist or dry [thing] but that it is [written] in a clear record.
قوله عز وجل : ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) مفاتح الغيب خزائنه ، جمع مفتح .
واختلفوا في مفاتح الغيب ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن الطيسفوني أنا عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر أنا عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر يقول : قال رسول الله : " مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله ، لا يعلم ما تغيض الأرحام أحد إلا الله تعالى ، [ ولا يعلم ما في الغد إلا الله عز وجل ] ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله ، ولا تدري نفس بأي أرض تموت ، ولا يعلم متى تقوم الساعة أحد إلا الله " .
وقال الضحاك ومقاتل : مفاتح الغيب خزائن الأرض ، وعلم نزول العذاب .
وقال عطاء : ما غاب عنكم من الثواب والعقاب .
وقيل : انقضاء الآجال ، وقيل : أحوال العباد من السعادة والشقاوة وخواتيم أعمالهم ، وقيل : هي ما لم يكن بعد ، أنه يكون أم لا يكون ، وما يكون كيف يكون ، وما لا يكون أن لو كان كيف يكون؟ وقال ابن مسعود : " أوتي نبيكم علم كل شيء إلا علم مفاتيح الغيب " .
( ويعلم ما في البر والبحر ) قال مجاهد : البر : المفاوز والقفار ، والبحر : القرى والأمصار ، لا يحدث فيهما شيء إلا يعلمه ، وقيل : هو البر والبحر المعروف ، ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) يريد ساقطة وثابتة ، يعني : يعلم عدد ما يسقط من ورق الشجر وما يبقى عليه ، وقيل : يعلم كم انقلبت ظهرا لبطن إلى أن سقطت على الأرض ، ( ولا حبة في ظلمات الأرض ) قيل : هو الحب المعروف في بطون الأرض ، وقيل : هو تحت الصخرة في أسفل الأرضين ، ( ولا رطب ولا يابس ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : الرطب : الماء ، واليابس : البادية ، وقال عطاء : يريد ما ينبت وما لا ينبت ، وقيل : ولا حي ولا ميت ، وقيل : هو عبارة عن كل شيء ، ( إلا في كتاب مبين ) يعني أن الكل مكتوب في اللوح المحفوظ .
6:60Page 135
وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا جَرَحۡتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبۡعَثُكُمۡ فِيهِ لِيُقۡضَىٰٓ أَجَلٞ مُّسَمّٗىۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٦٠
And it is He who takes your souls by night1 and knows what you have committed by day. Then He revives you therein [i.e., by day] that a specified term2 may be fulfilled. Then to Him will be your return; then He will inform you about what you used to do.
قوله تعالى : ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ) أي : يقبض أرواحكم إذا نمتم بالليل ، ( ويعلم ما جرحتم ) كسبتم ، ( بالنهار ثم يبعثكم فيه ) أي : يوقظكم في النهار ، ( ليقضى أجل مسمى ) يعني : أجل الحياة إلى الممات ، يريد استيفاء العمر على التمام ، ( ثم إليه مرجعكم ) في الآخرة ، ( ثم ينبئكم ) يخبركم ، ( بما كنتم تعملون ) .
6:61Page 135
وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۖ وَيُرۡسِلُ عَلَيۡكُمۡ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ ٦١
And He is the subjugator over His servants, and He sends over you guardian-angels until, when death comes to one of you, Our messengers [i.e., angels of death] take him, and they do not fail [in their duties].
قوله عز وجل : ( وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة ) يعني : الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم ، وهو جمع حافظ ، نظيره " وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين " ( الانفطار ، 11 ) ، ( حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته ) قرأ حمزة ( توفيه ) و ( استهويه ) بالياء وأمالهما ، ( رسلنا ) يعني : أعوان ملك الموت يقبضونه فيدفعونه إلى ملك الموت فيقبض روحه ، كما قال : ( قل يتوفاكم ملك الموت ) ، وقيل الأعوان يتوفونه بأمر ملك الموت ، فكأن ملك الموت توفاه لأنهم يصدرون عن أمره ، وقيل : أراد بالرسل ملك الموت وحده ، فذكر الواحد بلفظ الجمع ، وجاء في الأخبار : أن الله تعالى جعل الدنيا بين يدي ملك الموت كالمائدة الصغيرة فيقبض من هاهنا ومن هاهنا فإذا كثرت الأرواح يدعو الأرواح فتجيب له ، ( وهم لا يفرطون ) لا يقصرون .
6:62Page 135
ثُمَّ رُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ أَلَا لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَهُوَ أَسۡرَعُ ٱلۡحَٰسِبِينَ ٦٢
Then they [i.e., His servants] are returned to Allāh, their true Lord. Unquestionably, His is the judgement, and He is the swiftest of accountants.
( ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ) يعني : الملائكة ، وقيل : يعني العباد يردون بالموت إلى الله مولاهم الحق ، فإن قيل الآية في المؤمنين والكفار جميعا وقد قال في آية أخرى : " وأن الكافرين لا مولى لهم " ( محمد ، 11 ) ، فكيف وجه الجمع؟ فقيل : المولى في تلك الآية بمعنى الناصر ولا ناصر للكفار ، والمولى هاهنا بمعنى الملك الذي يتولى أمورهم ، والله عز وجل مالك الكل ومتولي الأمور ، وقيل : أراد هنا المؤمنين خاصة يردون إلى مولاهم ، والكفار فيه تبع ، ( ألا له الحكم ) أي : القضاء دون خلقه ، ( وهو أسرع الحاسبين ) أي : إذا حاسب فحسابه سريع لأنه لا يحتاج إلى فكرة وروية وعقد يد .
6:63Page 135
قُلۡ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ تَدۡعُونَهُۥ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةٗ لَّئِنۡ أَنجَىٰنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٦٣
Say, "Who rescues you from the darknesses of the land and sea [when] you call upon Him imploring [aloud] and privately, 'If He should save us from this [crisis], we will surely be among the thankful.'"
قوله عز وجل : ( قل من ينجيكم ) قرأ يعقوب بالتخفيف ، وقرأ العامة بالتشديد ، ( من ظلمات البر والبحر ) أي : من شدائدهما وأهوالهما ، كانوا إذا سافروا في البر والبحر فضلوا الطريق وخافوا الهلاك ، دعوا الله مخلصين له الدين فينجيهم ، فذلك قوله تعالى : ( تدعونه تضرعا وخفية ) أي : علانية وسرا ، قرأ أبو بكر عن عاصم " وخفية " بكسر الخاء هاهنا وفي الأعراف ، وقرأ الآخرون بضمها وهما لغتان ، ( لئن أنجانا ) أي : يقولون لئن أنجيتنا ، وقرأ أهل الكوفة : لئن أنجانا الله ، ( من هذه ) يعني : من هذه الظلمات ، ( لنكونن من الشاكرين ) والشكر : هو معرفة النعمة مع القيام بحقها .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences