Makki ibn Abi TalibYunus · 10:79–109

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:79–109

10:79–82Page 218

وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ٱئۡتُونِي بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٖ ٧٩

And Pharaoh said, "Bring to me every learned magician."

فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلۡقُواْ مَآ أَنتُم مُّلۡقُونَ ٨٠

So when the magicians came, Moses said to them, "Throw down whatever you will throw."

فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئۡتُم بِهِ ٱلسِّحۡرُۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبۡطِلُهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصۡلِحُ عَمَلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٨١

And when they had thrown, Moses said, "What you have brought is [only] magic. Indeed, Allāh will expose its worthlessness. Indeed, Allāh does not amend the work of corrupters.

وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٨٢

And Allāh will establish the truth by His words, even if the criminals dislike it."

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾.

والمعنى: إنه الملعون، قال لقومه، جئوني بكل ساحر عليم بالسحر.

ومن قرأ "سحَّار" فعلى المبالغة.

* *

قوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾ يعني: من حبالهم، وعصيهم، وفي الكلام اختصار، والمعنى: فأَتَوْه بالسحرة ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ﴾ فرعون بفعلهم ﴿قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾ ﴿فَلَمَّآ أَلْقُواْ﴾ أي: ألقَوْا حبالهم وعصيهم. قال موسى: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ﴾ من استفهم جعل "ما" في موضع نصب، كما تقول: أزَيْداً مررت به، أو في موضع رفع بالابتداء. و "جئتم به": الخبر، ومعناه: التوبيخ والتقصير لما جاؤوا به. السحر على إضمار مبتدأ: أي: هُوَ السحْرُ، أو على إضمار خبر، أي: أسحر هو.

ومن قرأ بغير استفهام "فما" بمعنى: "الذي" في موضع رفع بالابتداء.

والسحر: الخبر. وهو خبر عن قول موسى لهم، وهو الاختيار. لأن موسى قد عَلِمَ أنهم لا شيء عندهم إلا السحر، وأن فرعون بعث وراء السحرة في سائر البلدان. فاستفهام موسى عما أتوا به، هل هو سحر لا معنى له: وقد احتج اليزيدي بقراءة أبي عمرو بالمد بقوله: "آسِحْرٌ" هذا وهذا منه غلط عند النحويين، لأن موسى استفهم بقوله: آسِحْرٌ، عن سحر السحرة، فهو استرشاد. وفيه معنى النهي لهم عن ذلك.

واستفهم بقوله: أسحر هذا عما جاء هو به من عند الله عز وجل، على معنى التوبيخ، والتقرير لهم. وفيه معنى الدعاء لهم. ليقبلوه، فبينهما بعد في المعنى، ودخلت الألف واللام لتقدم ذكر السحر في قوله: ﴿أَسِحْرٌ هَـٰذَا﴾ وعلى هذا يقال في أول الكتب: سلام عليك، وفي الآخر: والسلام عليك، وكذلك لو قال قائل: "وجدت درهماً" فسألته عن موضع الدرهم لقلت: "وأين الدرهم، ويُفْتَح" وأين درهم.

وأجاز الفراء نصب السحر على أن تجعل "ما" شرطاً، وتحذف الفاء من "أن". وذلك لا يجوز إلا في الشعر.

* *

ومعنى ﴿سَيُبْطِلُهُ﴾: أي: سيذهب به الله. فذهب به تعالى بأن سلط عليه عصا موسى، فحولها ثعباناً، فلقفته كله.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ أي: عمل من سعى بالفساد في الأرض، ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ﴾: وقف على قراءة من استفهم، و (السحر): وقف على قراءة من لم يستفهم.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾: هذا إخبار من الله عز وجل عن قول موسى للسحرة. والمعنى: ويثبت الحق الذي جئتم به.

﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾: أي: بأمره، ﴿وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾: أي: ولو كره الذين اكتسبوا الإثم بمعصيتهم ربهم.

10:83–86Page 218

فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٞ مِّن قَوۡمِهِۦ عَلَىٰ خَوۡفٖ مِّن فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِمۡ أَن يَفۡتِنَهُمۡۚ وَإِنَّ فِرۡعَوۡنَ لَعَالٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٨٣

But no one believed Moses, except [some] offspring [i.e., youths] among his people, for fear of Pharaoh and his establishment that they would persecute them. And indeed, Pharaoh was haughty within the land, and indeed, he was of the transgressors.

وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰقَوۡمِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيۡهِ تَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّسۡلِمِينَ ٨٤

And Moses said, "O my people, if you have believed in Allāh, then rely upon Him, if you should be Muslims [i.e., submitting to Him]."

فَقَالُواْ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَا رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٥

So they said, "Upon Allāh do we rely. Our Lord, make us not [objects of] trial for the wrongdoing people

وَنَجِّنَا بِرَحۡمَتِكَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٨٦

And save us by Your mercy from the disbelieving people."

قوله ﴿فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ﴾ إلى قوله ﴿مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ﴾. والمعنى: أنه لم يؤمن لموسى، صلوات الله عليه، من قومه مع ما جاءهم به من الحجج إلا ذرية من قومه، وهم خائفون من فرعون وملإهم.

قال ابن عباس: الذرية في هذا الموضع القليل، وكذلك قال الضحاك.

وقال مجاهد: إن المعنى ما آمن لموسى إلا أولاد من أرسل إليهم، والمرسل إليهم هلكوا غير مؤمنين، وذلك لطول الزمان. وهو اختيار الطبري.

ورُوي عن ابن عباس أيضاً (من قوم فرعون) قال: وهم قوم من قوم فرعون، غير بني إسرائيل، منهم امرأة فرعون، ومومن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأة خازنه.

وقال بعض أهل اللغة: إنما قيل لهم "ذُرِيَّةَ"، لأن آباءهم قِبْطٌ، وأمهاتهم من بني إسرائيل. كما قال لأبناء الفرس الذين أمهاتهم من العرب، وآباؤهم من الفرس أبناء.

وقوله تعالى: ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾ بالجمع: الضمير راجع إلى فرعون، لأن الجبار يخبر عنه بلفظ الجمع.

وقيل: إنه إنما فعل ذلك، لأن فِرْعَون لما ذكر، علم أن معه غيره. فعاد الضمير عليه، وعلى من تَضَمَّنَ الكلام ذكره.

وقيل: المعنى على خوفٍ من فرعوْن وملئهم. ثم حذف مثل: ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].

وقال الأخفش: الضمير يعود على الذرية، وهو اختيار الطبري، ومعنى: ﴿يَفْتِنَهُمْ﴾ أي: يفتنهم بالعذاب فيصدهم عن دينهم. ووَحَّدَ على الخبر عن فرعون، لأن الخَبَر عنه يدل، على أن قومه يفعلون مثل فعله.

﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي ٱلأَرْضِ﴾: أي: لجبار متكبر.

﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: من "المتجاوزين الحق إلى الباطل".

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ﴾ أي: فوضوا الأمر إليه إن كنتم آمنتم (ولا تخافوا من آل فرعون) ﴿إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ * فَقَالُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ "أي: به وثقنا"، وهذا يدل على أن التوكل على الله عز وجل في جميع الأمور واجب، وأنه من كمال الإيمان. وقد قال الله عز وجل: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى: ٣٦]، وقال: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، أي: فهو كافيه.

قال ابن عباس: الذرية القليل.

قال مجاهد: الذرية، يعني: أولاد الذين أرسل إليهم موسى من طول الزمان، وقد مات آباؤهم.

قال ابن عباس: كانوا ست مائة ألف. "وذلك أن يعقوب ركب إلى مصر من كنعان في اثنين وسبعين إنساناً فتوالدوا بمصر حتى بلغوا ست مائة ألف".

قال الفراء: بلغنا أن الذرية الذين آمنوا كانوا سبعين، أهل بيت.

ثم قالوا: ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ﴾: أي: لا تظهرهم علينا، فيفتتنوا بذلك، ويظنوا أنهم خير منا، فيزدادوا طغياناً. وقيل: المعنى: لا تسلطهم علينا فيفتنونا.

وقال مجاهد: المعنى: لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك. فيقول قوم فرعون: لو كانوا على حق ما عذبوا، ولا سلطنا عليهم. وكذلك قال ابن جريج.

وقال ابن زيد: المعنى "لا تَبْتَلِينا" ربنا فتجهدنا، وتجعَلَهُ فتنة لهم"

﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ﴾: يعنون قوم فرعون.

10:87–89Page 218

وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتٗا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٧

And We inspired to Moses and his brother, "Settle your people in Egypt in houses and make your houses [facing the] qiblah1 and establish prayer and give good tidings to the believers."

وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيۡتَ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةٗ وَأَمۡوَٰلٗا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَۖ رَبَّنَا ٱطۡمِسۡ عَلَىٰٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ وَٱشۡدُدۡ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٨٨

And Moses said, "Our Lord, indeed You have given Pharaoh and his establishment splendor and wealth in the worldly life, our Lord, that they may lead [men] astray from Your way. Our Lord, obliterate their wealth and harden their hearts so that they will not believe until they see the painful punishment."

قَالَ قَدۡ أُجِيبَت دَّعۡوَتُكُمَا فَٱسۡتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٨٩

[Allāh] said, "Your supplication has been answered."1 So remain on a right course and follow not the way of those who do not know."

قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا﴾ إلى قوله - ﴿ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.

المعنى: "اتخذا لقومكما بمصر بيوتاً" ﴿وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾: أي: "مساجد تصلون فيها"، لأنهم كانوا يَفْرَقون من فرعون، وقومه أن يصلوا. فقال لهم: اجعلوا بيوتكم مساجد حتى تصلوا فيها.

قال النخعي: خافوا، فأُمروا أن يصلوا في بيوتهم.

(وعن ابن عباس، قال مجاهد: كانوا لا يصلون إلا في البيع خائفين، فأُمروا أن يصلوا في بيوتهم).

وعن ابن عباس: (واجعلوا بيوتكم قبلة): يعني: قِبَل الكعبة.

وقيل: كان فرعون أمر بهدم الكنائس، فأمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد، يصلون فيها سِرّاً.

قال مجاهد: مِصْرُ هنا الإسكندرية.

وقال ابن جبير: المعنى: واجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضاً.

﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ﴾، أي: بحدودها. ﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾: هذا (خطاب) للنبي ﷺ، أي: وبشر مُقيمي الصلاة بالثواب الجزيل.

ثم قال تعالى حكاية عن قول موسى أنه قال: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً﴾، ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ﴾: المعنى: إنه لما آل أمرهم إلى هذا كان كأنه إنما أتاهم ذلك للضلال. وأصل هذا اللام لام كي، وقيل هي لام العاقبة.

وقيل: هي لام الفاء، أي: فكان لهم ذلك، لأنه قد تقدم في علمه تعالى ذلك.

وقيل: المعنى: لئلا يضِلُّوا وحذفت "لا" كما قال: ﴿يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦]. وهذا القول لا يحسن، لأن العرب لا تحذف لا إلا مع "أن". ومعنى الآية: أن موسى قال: يا رب إنك أعطيت فرعون، وعظماء قومه، وأشرافهم (زينة): يعني من متاع الدنيا وأثاثها (وأموالاً) يعني من الذهب والفضة.

﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ﴾، أي: أعطيتهم ذلك ليضلوا، ثم دعا عليهم موسى، فقال: ﴿رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ﴾، أي: اذهبها، وغيرها، واجعلها حجارة.

قال مجاهد: "اجعل سكرهم حجارة".

قال قتادة: جعل زرعهم حجارة.

قال مقاتل: جُعلت دنانيرهم، ودراهيمهم حجارة منقوشة، كهيئتها على ألوانها، لتذوب، ولا تلين، فجعل الله سكرهم حجارة.

قال قتادة: تحول زرعهم، وكذلك قال الضحاك.

وقال ابن عباس: (اطمس عليها: أي: دمِّرها، وأهلِكْهَا. وكذلك قال مجاهد.

واشدد على قلوبهم): أي: حتى لا تنشرح للإيمان، فلا تؤمن.

وقال مجاهد: اشدد عليها بالضلالة.

قال ابن عباس: استجاب الله عز وجل من موسى، فحال بين فرعون وملئه، وبين الإيمان حتى أدركه الغَرق، فلم ينفعه الإيمان.

والعذاب الأليم في هذه الآية: الغرق.

* *

قوله: ﴿فَلاَ يُؤْمِنُواْ﴾ قال المبرد: موضعه موضع نصب، وليس بدعاء. وهو معطوف على "ليضلوا" وهو قول الزجاج.

وقال الكسائي، وأبو عبيدة: هو دعاء في موضع جزم.

وقال الأخفش، والفراء: هو جواب الدعاء في موضع نصب، مثل: إلى سليمان فَنستريحا - البيتَ -.

فقال تعالى لهما: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا﴾: هذا خطاب لموسى، وهارون، لأن موسى كان يدعو، وهارون يؤمن.

وقيل: إنَّه خِطَابُ موسى، خطاب الاثنين لغة العرب.

* *

وقوله: ﴿دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا﴾: يدل على أن ذلك لموسى وهارون عليهما السلام: فالداعي موسى، والمؤمن هارون، والمؤمن داع أيضاً، لأنه يقول: اللهمَّ استجب فهو داع بإجابة الدعاء الذي دعا موسى. وكان بين الإجابة ودعاء موسى أربعون سنة.

* *

وقوله: ﴿وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ﴾ من خفف "النون" فهو على النفي، لا على النهي. والرواية عن ابن ذكوان بالتخفيف: يزيد عند القُرَّاء تخفيف التاء، وهو وجه الرواية. غير أنا لم نقرأ إلا بتخفيف النون دون التاء.

ومعنى: ﴿فَٱسْتَقِيمَا﴾ أي: اثبتا على دعاء فرعون، وقومه إلى الإيمان. قال ابن جريج: مكث فرعون بعد هذه الآية أربعين سنة.

ومعنى: ﴿وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾: أي: يجهلون حقيقة وعيد الله (عز وجل).

10:90–92Page 219

۞ وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ وَجُنُودُهُۥ بَغۡيٗا وَعَدۡوًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدۡرَكَهُ ٱلۡغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٩٠

And We took the Children of Israel across the sea, and Pharaoh and his soldiers pursued them in tyranny and enmity until, when drowning overtook him, he said, "I believe that there is no deity except that in whom the Children of Israel believe, and I am of the Muslims."

ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ عَصَيۡتَ قَبۡلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٩١

Now? And you had disobeyed [Him] before and were of the corrupters?

فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ ٩٢

So today We will save you in body1 that you may be to those who succeed you a sign. And indeed, many among the people, of Our signs, are heedless.

قوله: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ﴾ إلى قوله: ﴿لَغَافِلُونَ﴾.

ومن قرأ "إنه" بكسر الهمزة، فعلى الابتداء. وتقدير الكلام: آمنت بالذي كنت به مكذباً. ثم ابتدأ: إنه لا إله إلا الله.

وقيل: المعنى: صرتُ مؤمناً. ثم قال: "إنه مستأنفاً.

وقال أبو حاتم: القول محذوف، والتقدير، قال: آمنتُ فقلت: إنه ومن فتح فمعناه: آمنت بأنه، "فأن" في موضع نصب بحذف الخافض. وعلى مذهب الكسائي في موضع خفض بتقدير الخافض. والمعنى: وقطعنا ببني إسرائيل البحر، ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً﴾: أي: اعتداء، وظلماً على موسى، ومن معه.

وقرأ قتادة "وعدواً" بالضم والتشديد حتى إذا أدركه الغرق أي: أحاط به. وفي الكلام حذف. والتقدير: "فَغَرَقْناهُ": "حتى إذا أدرك الغرَق". قال عليه السلام: جعل جبريل يدس، أي: يحشو في فم فرعون الطين مخافة أن تدركه الرحمة

(وروى ابن وهب أن عون بن عبد الله قال: بلغني أن جبريل عليه السلام، قال: يا رسول الله! والذي نفسي بيده، ما وَلد إبليس، ولا آدم ولداً قطُّ كان أبغض إليَّ من فرعون، وإنه لما ﴿أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ فخشيت أن يعود لها فيُرْحَمَ، فقمت حتى أخذت تربة، من تربة البحر، فحشوتها في فيه).

(وروي أن جبريل قال للنبي عليهما السلام: لقد كببتُ في فيه الماء، مخافةَ أن تدركه الرحمة).

وروي أنه قالها حين أَلْجَمَهُ الماء، وأدركه الغرق.

ثم قال تعالى حكاية عن تعريفه لفرعون قبح ما فعل:

﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾: يعني: أيام حياته إلى الساعة تؤمن، وقد عصيت أيام حياتك ﴿وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾: أي: من الصادين عن سبيل الله سبحانه.

قال السدي: بعث الله، عز وجل، إليه ميكائيل، فقال له، آلآن وقد عصيت قبل.

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾: أي: نُلْقيك على نَجْوةٍ من الأرض، أي: على ربوة، ليعتبر من رآك.

وقيل: نخرجك ببدنك الذي نعرفك به وذلك أنه كان له بدنٌ مذهبٌ، وهو ذرع كانت له.

قال قتادة: لم يصدق طائفة من الناس أنه غرق، فأخرجه الله عز وجل، ليكون عظة، وآية، ينظر إليها من كذب بهلاكه.

* *

وقوله: ﴿لِمَنْ خَلْفَكَ (آيَةً)﴾، أي: لمن بعدك.

وقال مجاهد: ﴿بِبَدَنِكَ﴾، أي: بجسدك.

قال ابن عباس: لما أغرق الله عز وجل، فرعون، ومن معه. قال: أصحابُ موسى لموسى: إنا نخاف ألا يكون فرعون غرق، ولا نؤمن بهلاكه. فدعا ربه فأخرجه، فنبذه البحر حتى استيقنوا بهلاكه.

* *

قوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا﴾: أي: عن أدلتنا على أن العبادة لا تكون إلا لله ﴿لَغَافِلُونَ﴾: أي: لساهون.

10:93–95Page 219

وَلَقَدۡ بَوَّأۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدۡقٖ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ فَمَا ٱخۡتَلَفُواْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٩٣

And We had certainly settled the Children of Israel in an agreeable settlement and provided them with good things. And they did not differ until [after] knowledge had come to them. Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.

فَإِن كُنتَ فِي شَكّٖ مِّمَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ فَسۡـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقۡرَءُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكَۚ لَقَدۡ جَآءَكَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ٩٤

So if you are in doubt, [O Muḥammad], about that which We have revealed to you, then ask those who have been reading the Scripture before you. The truth has certainly come to you from your Lord, so never be among the doubters.

وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٩٥

And never be of those who deny the signs of Allāh and [thus] be among the losers.1

قوله: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ إلى قوله ﴿ٱلْخَاسِرِينَ﴾.

المعنى: ولقد أنزلناهم منازل صدق.

قال الضحاك: يعني: مصر، والشام.

وقال قتادة: الشام، وبيت المقدس.

﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾ يعني: من حلال الرزق.

﴿فَمَا ٱخْتَلَفُواْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ﴾ الذي يعلمونه، وذلك أنهم كانوا قبل أن يبعث محمد ﷺ، مجتمعين على نبوته، والإقرار به، وبمبعثه. فلما جاءهم كفروا به. واختلفوا فيه. فآمن بعضهم، وكفر بعضهم.

والعلم هنا: النبي ﷺ، فهو بمعنى العلوم الذي كانوا يعلمونه.

وقيل: العلم كتاب الله عز وجل، قاله ابن زيد. فعلوا ذلك بغياً: أي: منافسة في الدنيا.

* *

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ - يا محمد - ﴿يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: أي: من أمري في الدنيا. فيدخل المكذبين النار، والمؤمنين الجنة.

﴿حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ﴾: وقف، ﴿مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾: وقف.

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ﴾: أي: إن كنت يا محمد في شك من أن بني إسرائيل لم يختلفوا في نبوءتك، قبل أن نبعثك رسولاً، لأنهم (كانوا) يجدونك في التوراة، ويعرفونك بالصفة التي أنت بها موصوف ﴿فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ﴾ يعني: عبد الله بن سلام، وشبهه من أهل الإيمان، والصدق منهم. وهذه مخاطبة للنبي، والمراد به أمته.

وقيل: "إن" بمعنى "ما"، والمعنى: فما كنت يا محمد في شك.

* *

ثم قال: ﴿فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ﴾ سؤال ازدياد، كما قال إبراهيم: ﴿بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠].

وقال المبرد: المعنى: قل يا محمد للشاك في ذلك إن كنت في شك، فاسأل وقيل: إن هذا خطاب العرب: يقول الرجل لابنه: إن كنت ابني، فَبُرَّني. وهو يعلم أنه ابنه، وهو نحو قوله لعيسى: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]. وقد علم أنه لم يقل ذلك.

قال ابن جبير: ما شك محمد ﷺ، ولا سأل، وقال قتادة: بلغنا أن النبي عليه السلام، قال: لا أشك، ولا أسأل.

وروي أن رجلاً سأل ابن عباس عما يَحِيك في الصدر من الشك. فقال: ما نجا من ذلك أحد، ولا النبي حتى أنزل عليه: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ﴾.

وعنه أيضاً أنه قال: لم يكن رسول الله في شك ولم يسأل. وهذا هو الصحيح الظاهر، والمراد بقوله: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ﴾ أمته.

* *

وقوله: ﴿لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾: اللام لام التوكيد وفي الكلام معنى القسم.

﴿مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾: أي: من الشاكين.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾: أي: جحدوا كتبه، ورسله، ﴿فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ﴾، أي: من الذين غُبِنَ حظه، وباع الرحمة بالسخط. والمراد بذلك أمة النبي عليه السلام.

10:96–100Page 219

إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتۡ عَلَيۡهِمۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ ٩٦

Indeed, those upon whom the word [i.e., decree] of your Lord has come into effect will not believe,

وَلَوۡ جَآءَتۡهُمۡ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٩٧

Even if every sign should come to them, until they see the painful punishment.

فَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡيَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوۡمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ ٩٨

Then has there not been a [single] city that believed so its faith benefited it except the people of Jonah? When they believed, We removed from them the punishment of disgrace in worldly life and gave them enjoyment [i.e., provision] for a time.

وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَأٓمَنَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ كُلُّهُمۡ جَمِيعًاۚ أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٩٩

And had your Lord willed, those on earth would have believed - all of them entirely. Then, [O Muḥammad], would you compel the people in order that they become believers?

وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تُؤۡمِنَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَجۡعَلُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ ١٠٠

And it is not for a soul [i.e., anyone] to believe except by permission of Allāh, and He will place defilement1 upon those who will not use reason.

قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله ﴿يَعْقِلُونَ﴾.

والمعنى: إن الذين وجبت عليهم كلمات ربك وهي قوله: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].

وقال مجاهد: حق عليهم سخطه.

* *

﴿لاَ يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ﴾.

أي: يعاينوا ذلك كما لم يؤمن فرعون حتى عاين العذاب. وذلك وقت لا ينفع فيه الإيمان.

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾، أي: فهلا كانت قرية آمنت، فنفعها إيمانها. وتقديره: فما كانت قرية آمنت عند معاينتها العذاب، فنفعها إيمانها، في ذلك الوقت ﴿إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ﴾: فإنهم نفعهم إيمانهم عند نزول عذاب الله عز وجل، بهم، فكشف الله سبحانه عنهم العذاب. وقوم يونس انتصبوا لأنه استثناء ليس من الأول.

وقال أبو إسحاق: المعنى: فهلا كانت قرية آمنت في وقت ينفعهم إيمانهم، وجرى هذا بعقب إيمان فرعون عندما أدركه الغرق. فأعلم الله عز وجل، أن الإيمان لا ينفع عند وقوع العذاب، ولا عند حضور الموت.

قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ﴾ [النساء: ١٨] الآية.

قال قتادة: لما فقدوا نبيهم، وأيقنوا أن العذاب قد دنا منهم، قذف الله عز وجل، في قلوبهم التوبة. فلبسوا المسوح، وألهوا بين كل بهيمة وولدها. ثم عجَّلوا إلى الله سبحانه، أربعين ليلة، فلما علم الله عز وجل، الصدق منهم، والتوبة والندامة على ما مضى (كشف الله) عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم. وكان قوم يونس بأرض الموصل.

قال ابن جبير: غشَّى قوم يونس العذاب، كما يغشى الثوب القبر".

قال ابن عباس: لم يبق بين قوم يونس والعذاب إلا قدر ثلثي ميل، فلما دعوا كشف الله عنهم.

قال ابن جبير: لما أبوا أن يؤمنوا بيونس، قيل له: أخبرهم أن العذاب مصبحهم، فقالوا: إنا لم نجرب عليه كذباً، فانظروا فإن بات فيكم فليس بشيء، وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم. فلما كان في جوف الليل تزوَّد شيئاً ثم خرج. فلما أصبحوا يغشاهم العذاب كما يغشى الثوب القبر، ففرقوا بين الإنسان وولده، والبهيمة وولدها. ثم عجوا إلى الله عز وجل، فقالوا: آمنّا بما جاء به يونس وصدقنا. فكشف الله عز وجل، عنهم العذاب، فخرج يونس ينظر العذاب، فلم ير شيئاً فقال : جربوا عليَّ كذباً, فذهب مغاضباً لربه حتى أتى البحر.

وعن ابن مسعود قال: أوعد يونس قومه أن العذاب يأتيهم إلى ثلاثة أيام. ففرقوا بين كل والدة وولدها، ثم خرجوا، فجأروا إلى الله سبحانه، واستغفروه، فكف الله عز وجل، عنهم العذاب.

ومعنى: ﴿عَذَابَ ٱلخِزْيِ﴾، أي: الهوان والذل.

* *

قوله: ﴿إِلَىٰ حِينٍ﴾ قال الضحاك: إلى الموت.

وقيل: إلى آجاله التي كتبها الله لهم قبل خلقهم.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾: أي: لوفقهم إلى الإيمان بك يا محمد - وبما جئت به. ولكن قد سبق في قضائه من يؤمن، ومن لم يؤمن: وهذا كله رد على المعتزلة الذين يقولون: إن الإيمان والكفر مفوضان إلى العبد، بل كل عامل قد علم الله عز وجل، ما هو عامل قبل خلقه له. ولا تقع المجازاة إلا على ظهور أعمال العاملين. فخلقهم ليعملوا ما قد علم أنهم عاملون، فيجازيهم على ذلك بعد ظهور منهم، وإقامة الحجج عليهم.

وقوله ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ يدل على ذلك ويبينه.

﴿أَفَأَنتَ﴾ يا محمد ﴿تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ﴾ حتى يؤمنوا بك؟

وفي الإتيان "بجميع" بعد "كلهم" قولان: أحدهما أنه زيادة تأكيد، ونصبه على الحال. وقيل: لما كان كل يقع تأكيداً، ويقع اسماً غير تأكيد أتى معه بما لا يكون تأكيداً، وهو "جميعاً"، فجمع بينهما، ليعلم أن معناهما واحد، وأنه للتأكيد.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾، أي: ما كان لنفس تصدق بك يا محمد، إلا أن يأذن لها الله. فلا تجهد نفسك يا محمد في طلب هداهم.

روي عن أبي الدرداء أنه قال: بعث الله عز وجل، إلى نبي من الأنبياء فقال له: لو أنك عملت مثل ما عمل جميع ولد آدم كلهم، ما أديت نعمة واحدة أنعمت بها عليك: إني أذنت لك أن تؤمن بي، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾، وهذا نص ظاهر في إثبات القدر من القرآن والحديث.

* *

قوله: ﴿وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾، أي: يجعل العذاب على من لا يعقل عن الله، سبحانه، حججه، وآياته جلت عظمته. والرجس: العذاب. وقال ابن عباس: السخط.

10:101–103Page 220

قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَا تُغۡنِي ٱلۡأٓيَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ ١٠١

Say, "Observe what is in the heavens and the earth." But of no avail will be signs or warners to a people who do not believe.

فَهَلۡ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثۡلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِهِمۡۚ قُلۡ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ ١٠٢

So do they wait except for like [what occurred in] the days of those who passed on before them? Say, "Then wait; indeed, I am with you among those who wait."

ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيۡنَا نُنجِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٠٣

Then We will save Our messengers and those who have believed. Thus, it is an obligation upon Us that We save the believers.1

قوله: ﴿قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله ﴿نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.

والمعنى: قل يا محمد للسائلين: الآيات على صحة ما تدعوهم إليه: ﴿ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ من الآيات الدالة على صحة ما أدعوكم إليه من توحيد الله وعبادته.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: أي شيء تغني الحجج، والعِبَرُ عن قوم سبق لهم من الله عز وجل، الشقاء، وقضى لهم أنهم من أهل النار.

﴿مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾: وقف، إن جعلت "ما" نفياً"، وإن جعلتها استفهاماً، لم تقف على الأرض، لأن "ما" معطوفة على ما قبلها.

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ﴾. والمعنى: هل ينتظر هؤلاء، يعني: مشركي قريش أهل مكة - يا محمد - إلا نزول العقوبة بهم، كما نزل بمن قبلهم حين كذبوا رسلهم. قل لهم يا محمد: ﴿فَٱنْتَظِرُوۤاْ﴾ عقاب الله، ونزول سخطه بكم. ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ﴾ هلاككم وبواركم بالعقوبة.

﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾: أي: ننجيهم من بين أظهركم إذا نزل بكم العذاب.

﴿كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ فيمن تقدم من الأمم الماضية إذا نزل بهم العذاب نجينا المؤمنين منهم. "الكاف" في موضع رفع إن جعلت ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ تماماً والتقدير: مثل ذلك يحق علينا حقاً.

وإن لم تجعل ﴿آمَنُواْ﴾ تماماً جعلت "الكاف" في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف، أي: "نجاء مثل ذلك" يحق حقاً، وأنجى، ونجى لغتان بمعنى و "ننج" بغير ياء في الخط، والأصل الياء. ولا يتعمد الوقف عليه، وقد وقف عليها سلام ويعقوب بالياء على الأصل وهو خلاف الخط.

10:104–106Page 220

قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي شَكّٖ مِّن دِينِي فَلَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِنۡ أَعۡبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُمۡۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٠٤

Say, [O Muḥammad], "O people, if you are in doubt as to my religion - then I do not worship those which you worship besides Allāh; but I worship Allāh, who causes your death. And I have been commanded to be of the believers

وَأَنۡ أَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٠٥

And [commanded], 'Direct your face [i.e., self] toward the religion, inclining to truth, and never be of those who associate others with Allāh;

وَلَا تَدۡعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَۖ فَإِن فَعَلۡتَ فَإِنَّكَ إِذٗا مِّنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٦

And do not invoke1 besides Allāh that which neither benefits you nor harms you, for if you did, then indeed you would be of the wrongdoers.'"2

قوله تعالى: ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿مِّنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾.

والمعنى: قل يا محمد: يا أيها المشركون إن كنتم في شك من ديني الذي أدعوكم إليه، فلم تعلموا أنه حق من عند الله، فإني لا أعبد الذين تعبدون من دوني الله: يعني الآلهة، والأوثان التي لا تنفع، ولا تضر.

وفي الكلام تعريض: والمعنى: إن كنتم في شك من دوني، فلا ينبغي لكم أن تشكّوا فيه، وإنما ينبغي أن تشكوا في عبادة من لا ينفع، ولا يضر، ولا يسمع، ولا يُبصر. ﴿وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾: أي: يقبض أرواحكم عند مجيء آجالكم.

﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: المصدّقين بما جاء من عنده. ومعنى: ﴿مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ من عند الله.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ أي: وأمرت ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾: أي: أقم نفسك على دين الإسلام.

﴿حَنِيفاً﴾ أي: مستقيماً، غير معوج. وأمرت نفسي ألا أكون من المشركين، "ولا أدعو من دون الله ما لا ينفعني ولا يضرني، كما فعلتم أيها المشركون. فإن فعلت أنا ذلك، فإني من الظالمين لنفسي".

10:107–109Page 221

وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يُرِدۡكَ بِخَيۡرٖ فَلَا رَآدَّ لِفَضۡلِهِۦۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ١٠٧

And if Allāh should touch you with adversity, there is no remover of it except Him; and if He intends for you good, then there is no repeller of His bounty. He causes it to reach whom He wills of His servants. And He is the Forgiving, the Merciful.

قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُمُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِوَكِيلٖ ١٠٨

Say, "O mankind, the truth has come to you from your Lord, so whoever is guided is only guided for [the benefit of] his soul, and whoever goes astray only goes astray [in violation] against it. And I am not over you a manager."

وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَٱصۡبِرۡ حَتَّىٰ يَحۡكُمَ ٱللَّهُۚ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ١٠٩

And follow what is revealed to you, [O Muḥammad], and be patient until Allāh will judge. And He is the best of judges.

قوله: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ﴾ إلى آخر السورة.

والمعنى: وإن يُصبْكَ الله يا محمد بضر، فلا كاشف له عنك إلا هو دون ما يعبد هؤلاء من دون الله.

﴿وَإِن يُرِدْكَ﴾ الله يا محمد بخير أي: برخاء ونعمة، فلا رادَّ لفضله عنك. يصيب ربك يا محمد بالرخاء. من يشاء من عباده.

﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ﴾ لذنوب من تاب.

﴿ٱلرَّحِيمُ﴾: لمن آمن واستقام.

ثم قال تعالى: قل - يا محمد - ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ﴾: والحق هنا: القرآن. ﴿فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ﴾ أي: استقام ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ﴾ أي: اعوج عن الحق.

﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾: أي: يسلط على تقويمكم، إنما أمركم إلى الله. وأنا نذير، ومنذر.

ثم قال تعالى آمراً لنبيه: ﴿وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ﴾: أي: اعمل به، واصبر على ما يقول المشركون، وما يتولون عن أذاك.

﴿حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ﴾، أي: يقضي.

﴿وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ﴾، أي: خير القاضين بحكم الله عز وجل بينهم، يوم بدر بالسيف، فقتلهم، وأمر نبيه أن يسلك بمن بقي سبيل من هلك منهم حتى يؤمنوا.

قال ابن زيد: هذا منسوخ بجهادهم، وأمره بالغلظة عليهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском