Makki ibn Abi TalibYusuf · 12:22–41

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:22–41

12:22–29Page 237

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٢٢

And when he [i.e., Joseph] reached maturity, We gave him judgement and knowledge. And thus We reward the doers of good.

وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ وَقَالَتۡ هَيۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّيٓ أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣

And she, in whose house he was, sought to seduce him. She closed the doors and said, "Come, you." He said, "[I seek] the refuge of Allāh. Indeed, he1 is my master, who has made good my residence. Indeed, wrongdoers will not succeed."

وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٢٤

And she certainly determined [to seduce] him, and he would have inclined to her had he not seen the proof [i.e., sign] of his Lord. And thus [it was] that We should avert from him evil and immorality. Indeed, he was of Our chosen servants.

وَٱسۡتَبَقَا ٱلۡبَابَ وَقَدَّتۡ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٖ وَأَلۡفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلۡبَابِۚ قَالَتۡ مَا جَزَآءُ مَنۡ أَرَادَ بِأَهۡلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسۡجَنَ أَوۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٥

And they both raced to the door, and she tore his shirt from the back, and they found her husband at the door. She said, "What is the recompense of one who intended evil for your wife but that he be imprisoned or a painful punishment?"

قَالَ هِيَ رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٖ فَصَدَقَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٢٦

[Joseph] said, "It was she who sought to seduce me." And a witness from her family testified, "If his shirt is torn from the front, then she has told the truth, and he is of the liars.

وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ فَكَذَبَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٧

But if his shirt is torn from the back, then she has lied, and he is of the truthful."

فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيۡدِكُنَّۖ إِنَّ كَيۡدَكُنَّ عَظِيمٞ ٢٨

So when he [i.e., her husband] saw his shirt torn from the back, he said, "Indeed, it is of your [i.e., women's] plan. Indeed, your plan is great [i.e., vehement].

يُوسُفُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَاۚ وَٱسۡتَغۡفِرِي لِذَنۢبِكِۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلۡخَاطِـِٔينَ ٢٩

Joseph, ignore this.1 And, [my wife], ask forgiveness for your sin. Indeed, you were of the sinful."

قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ - إلى قوله - ﴿مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾: أي: ولما بلغ منتهى قوته، وشدته.

قال مجاهد: هو ثلاث وثلاثون سنة.

وقال ابن عباس: بضع وثلاثون سنة.

وقال الضحاك: عشرون سنة.

وقال ربيعة، وزيد بن أسلم، ومالك، رضي الله عنهم: الأشد الحُلُمُ. وقال الزجاج: الأشد: من سبع عشرة إلى أربعين. والأشد جمع عند سيبويه، واحدُهُ "شدة" كنعمة وأنْعُم.

وقال الكسائي: واحدة شدة كقد وأقُدُ.

وقال أبو عبيدة: لا واحد له من لفظه عند العرب.

وقال يونس الأشد جمع واحدةُ شد، وهو يذكر ويؤنث وفيه لغة، وهي ضم الهمزة.

* *

قوله: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْماً (وَعِلْماً)﴾: قال مجاهد: العقل، والعلم قبل النبؤة.

وقيل: المعنى: جعلناه المستولي على الحكم، فكان يحكم في سلطان الملك.

وآتيناه علماً بالحكم.

﴿وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾. أي: ومثل ما فعلنا بيوسف، نفعل بمن أطاع، وأحسن في طاعته.

وقيل: المراد به محمد ﷺ. ولفظه عام، والمراد به الخصوص، والمعنى: وكما فعلنا بيوسف في تمكينه، ونجيناه من إخوته. كذلك نفعل بك يا محمد: نمكنك وننجيك من مشركي قريش، ونؤتيك الحكم والعلم.

ومن قرأ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بالفتح، فتح لالتقاء الساكنين.

ومن همز جعله من (تهيأت) (لك).

ومن كسر، لالتقاء الساكنين. ومن ضم كذلك شبهها بقبل وبعد.

ومن لم يهمز، أبدل من الهمزة تاءً. ويجوز أن يكون ليس من تهيأت، وإنما بني لأنه صوت، لا حظ له في الإعراب.

وقد قيل: إن من همز، فإنما هو من: "هاء يَهيءُ" مثل جاء يجيء. ومعناه: حسنة هيئتك.

ومن قرأ بالياء فعلى التخفيف من هذا المعنى، ويكون "لك" من كلام آخر، كما نقول: "لك عندي".

وقيل: إن من همزه، وضم التاء، فهي من تهيأت. والتاء للمتكلم كتاء قمت، (كما) يقول الرجل: هيأت للأمر، أهيء، هيأة. والمعنى وراودت يوسف امرأة العزيز عن نفسه للجماع، وغلقت أبواب البيت عليها، وعليه، وقالت: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾: أي: هلم لك، أي: اذْن، وتقرب، وتعال.

يقال: هيت فلان لفلان: إذا دعاه.

وقال ابن عباس: ﴿هِيْتَ﴾: كلام بالسريانية، تدعوه إلى نفسها.

قال يوسف لها: (معاذ الله): أي: أعوذ بالله معاذاً. والمصدر يدل على الفعل.

﴿إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾: "أي: إن العزيز مالكي، وصاحبي، أحسن مثواي" وقيل: إن معنى الكلام: إن العزيز سيدي، يعني زوج المرأة.

وقيل: "الهاء" لله. والمعنى: إن الله ربي أحسن مثواي، فلا أعصيه. وقيل: "الهاء" عماد بمعنى الخبر، والأمر، فيكون "ربي" مبتدأ، و "أحسن" خبره. وعلى القول الأول: "ربي" خبر "إنَّ".

ومعنى: ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ - إذا كان للعزيز-: أي: أحسن قراي، ومنزلي، وائتمنني فلا أخونه. وإذا كان لله: فمعناه: أحسن خلاصي، وعلمني، وخلقني فلا أعصيه, ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ﴾: أي: إن الحديث لأبقى للظالمين. وأصل الفلاح: البقاء، أي: "هذا الذي تدعونني إليه ظلم، ولا يفلح من عمل به.

والأبواب: وقف عند نافع، ولَكَ التمام عند غيره.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾. قيل: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير: ولقد همت به وهم بها كذلك لولا أن رأى برهان ربه، لنصرف عنه السوء".

وقيل: "كذلك": في موضعها لا تأخير فيها. ذكر أنها جعلت تذكر له محاسن نفسه، وتشوقه، إلى نفسها.

قال السدي: قالت له: يا يوسف! ما أحسن شعرك قال: هو أول ما يتناثر من جسدي. قالت له: يا يوسف! ما أحسن عينيك، قال: هي أول ما يسيل إلى الأرض من جسدي. قال: فلم تزل به حتى أطمعته (فهمت به، وهمّ بها) فدخلا البيت وغلقت الأبواب، وذهب ليحل سراويله، فإذا هو بصورة يعقوب، "قائماً في البيت" قد عضّ على إصبعه يقول: يا يوسف تواقعها، فإنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق. ومثلك إذا واقعتها مثله إذا مات وقع في الأرض، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. ومثلك إذا لم تواقعها مثل الثور الصعب، لا يعمل عليه. ومثلك إذا واقعتها مثل الثور حين يموت، فيدخل النمل في أصول قرونه، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. فربط سراويل(ه) وذهب، ليخرج يشتد، فأدركته، فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه، فخرقته حتى أخرجته منه، وسقط، وَطَرَحَهُ يوسف، واشتد نحو الباب.

والهَمُّ بالشيء في كلام العرب: حديث النفس ﴿بِهِ﴾، ما لم يفعله.

ويروى أن يوسف، عليه السلام، لما خلا بها قامت لتستر ما بينهما، وبين الصنم، فقال لها يوسف: ما تفعلين؟ فقالت: أستر ما بيننا وبين هذا الصنم، لا يراني خاليةً معك. فقال لها يوسف: وأي شيء يستُرني من ربي.

وقال الحسن: زعموا - والله أعلم - أن سقف البيت انفرج، فرأى يوسف يعقوب عاضاً على إصبعه، فَولَّى هَارباً.

وقيل: رآه جبريل، عليهما السلام، قائلاً له: يا يوسف!. جعل الرحمان اسمك في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء. لئن واقعت الخطيئة، ليمحونك من ديوان النبؤة.

(و)قال ابن أبي مليكة عن ابن عباس: نودي أيا يوسف! أتزني؟ فتكون مثل الطير الذي نتف ريشه، وذهب يطير فلم يستطع.

وقيل: ركضه جبريل ﷺ، بعد النداء ركضةً في ظهره، فلم تبق فيه شهوة إلا خرجت. فوثب واستبقا الباب، وتطاير(ت) مسامير الباب، فلم تقدر أن تعلقه عليه. فتعلقت به، فقدّت قميصه من دبر.

وقال علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): همّ يوسف أن يحل التكـ[ـة]، فقامت إلى صنم مكلل بالدُّرر، والياقوت، فسترته بثوب أبيض، فقال لها يوسف: أي شيء تصنعين؟ قالت: أستحي من إلاهي هذا أن يراني على هذه الصورة. فقال: أتستحين من صنم لا يعقل، ولا يسمع، ولا يأكل، ولا يشرب، ولا أستحي من إلاهي القائم على كل نفس بما كسبت، والله لا تنالها مني أبداً. وقيل: رأى في جدار البيت مكتوباً: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: ٣٢] الآية.

وقال وهب: رأى كفاً فيها مكتوب: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٢]، ورأى (بعدها كفاً) فيها مكتوب ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] إلى قوله - ﴿تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٢]، ثم رأى كفاً ثالثة فيها مكتوب ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: ٣٢] الآية -، ثم رأى رابعة فيها مكتوب ﴿وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] الآية. فولى يوسف هارباً.

وقال محمد بن كعب: رأى مكتوباً بين عينيها ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ الآية.

قال ابن عباس: همّ يوسف بها، حتى حمل الهِميان، وجلس منها مجلس الخاتن والروايات فيها كثيرة، لأنه قد حلّ وجلس، واستلقت هي له.

وقال أهل العلم: إنما ابتلى الله أنبياءه بالخطايا، ليكونوا على وَجَلٍ وإشفاقٍ، ولا يَتَّكِلوُا على سعة عفو الله عزّ وجلّ.

وقيل: بل ابتلاهم بذلك، ليعرفهم موضع نعمته عليهم ، بصفحه عن ذنوبهم.

وقال أبو عبيدة: المعنى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾: تَمَّ الكلام. ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾: أي: "لولا أن رأى برهان ربه، هَمَّ بها": على التقديم والتأخير، ينفي عن يوسف أن يكون هَمَّ بالخطيئة.

وقد خالفه في ذلك جميع أهل التفسير، ولا يجوز هذا أيضاً عند أهل العربية، لأنه لو كان كما قال، لكان باللام. لا يجوز عندهم: "ضربتك لولا زيد".

والمعنى عندهم: ﴿لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، لأمضى ما همَّ به.

وقد قيل: إنَّ الهَمَّ بها: هو ما يخطر على القلب من حيل الشيطان، وذلك مما لا يؤاخذنا الله به.

وقيل: معنى ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾: أي: بضربها، ودفعها، ولم يفعل [ذلك] لئلا يكون [ذلك] لها حجة عليه. أَلقَى الله في نفسه ذلك فلم يفعله.

وقيل: إنه نودي، يا يوسف! تزني، وأنت مكتوب في الأنبياء، تعمل عمل السفهاء.

وقال الحسن: رأى صورة فيها وجه يعقوب، عاضّاً على أنامله، فدفع في صدره، فخرجت شهوته من أنامله. فكل ولد يعقوب ولد له، إثنا عشر ولداً، إلا يوسف فإنه ولد له أحد عشر ولداً، نقَّصَ له بتلك الشهوة ولداً.

وروي أنه نظر إلى يعقوب عاضاً على أنامله، يقول له: يا يوسف أتزني كما زنت الحمامة، فتساقط ريشها. وكان ذلك جبريل، عليه السلام.

وقيل: إنه سمع من قومه قائلاً، يقول ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢].

وروي أنه كان لامرأة العزيز صنماً تعبده في بيتها، فلما أرادته أرخت على صنمها الستر لئلا يراها. فقال لها يوسف: أنت تستحيين من صنم، لا يسمع، [ولا يعقل]، ولا يبصر، وأنا لا أستحي من رب العالمين، الذي لا يحجبني عنه شيء. فولَّى هارباً.

وقيل: البرهان أنه تفكر فيما أوعد الله، عز وجل، على الزنا.

وقيل: إنه تذكر في قول الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠]، وفي قوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ [يونس: ٦١]، وفي قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] وفي قوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾.

وروي عن ابن عباس أنه رأى تمثال الملك.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ﴾: أي: استبق يوسف، وامرأة العزيز الباب ليهرب منها (فلحقت قميصه) فقدته من دبر، وصادفاً زوج المرأة، وهو العزيز عند الباب.

قال السدي: وجد زوجها جالساً عند الباب، وابن عمها معه، فلما رأته حضرها كيد، وخافت أن تفتضح، فقالت: ﴿مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا﴾، إنه راودني عن نفسي، فدفعته عن نفسي، فشققت قميصه. قال يوسف: بل هي راودتني عن نفسي، فأبيت وهربت منها. فأدركتني فشقت قميصي. فقال ابن عمها: تبيان هذا في القميص، فإن كان قُدَّ من قُبُل فصدقت، وإن كان من دبر، فكذبت. فأوتي بالقميص فوجد قد قُدَّ من دبر. فقال العزيز: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ آية.

ومعنى: ﴿سُوۤءًا﴾ هنا: الزنا، ولم يكن يوسف يُريد أن يذْكُره لزوجها حتى كانـ(ـت) هي التي ابتدأت بالكيد، فغضب، فقال: هي ﴿رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾ والشاهد ابن عمها. وقيل: هو صبي كان في المهد، قاله ابن عباس.

وقيل: كان من خاصة الملك، حكيماً من أهلها، وهو "أشبه" لأنه لو كان طفلاً كان في كلامه في المهد، وشهادته وحكمه (آية ليوسف) ولا يحتاج إلى ثوب، ولا غيره. والقول عند المازني مضمر، والمعنى: فقال: إن كان قميصه.

ويروى أنها قالت هو حوّل قميصه. وخرقه ليكون له حجة، فروي أن يوسف قال عند ذلك: هذه علامة في ظهري، لا تنالها يدي من كل جانب تناولته هي. فعلموا عند ذلك أنها التي قدَّت القميص، فعند ذلك قال العزيز: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾. وقيل: إن القائل هذا هو الشاهد، ورد الجواب على قولها: ﴿مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا﴾.

* *

ثم قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا﴾: أي: قال الشاهد: يا يوسف أعرض عما كان منها اليوم لا تذكره لأحد. ﴿وَٱسْتَغْفِرِي﴾ أنت زوجك: أي: سليه، ألا يعاقبك على ذنبك. ﴿إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾ هذا كله قول الشاهد لهما. وقال: ﴿مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾، ولم يقل: "من الخاطئات": لأنه قصد الخبر عن من يعقل "كلهم": المذكر والمؤنث، فغلّب المذكر. أي: إنك كنت من الناس الخاطئين.

12:30–32Page 238

۞ وَقَالَ نِسۡوَةٞ فِي ٱلۡمَدِينَةِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفۡسِهِۦۖ قَدۡ شَغَفَهَا حُبًّاۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٣٠

And women in the city said, "The wife of al-ʿAzeez is seeking to seduce her slave boy; he has impassioned her with love. Indeed, we see her [to be] in clear error."

فَلَمَّا سَمِعَتۡ بِمَكۡرِهِنَّ أَرۡسَلَتۡ إِلَيۡهِنَّ وَأَعۡتَدَتۡ لَهُنَّ مُتَّكَـٔٗا وَءَاتَتۡ كُلَّ وَٰحِدَةٖ مِّنۡهُنَّ سِكِّينٗا وَقَالَتِ ٱخۡرُجۡ عَلَيۡهِنَّۖ فَلَمَّا رَأَيۡنَهُۥٓ أَكۡبَرۡنَهُۥ وَقَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّ وَقُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٞ كَرِيمٞ ٣١

So when she heard of their scheming, she sent for them and prepared for them a banquet and gave each one of them a knife and said [to Joseph], "Come out before them." And when they saw him, they greatly admired him and cut their hands1 and said, "Perfect is Allāh!2 This is not a man; this is none but a noble angel."

قَالَتۡ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمۡتُنَّنِي فِيهِۖ وَلَقَدۡ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ فَٱسۡتَعۡصَمَۖ وَلَئِن لَّمۡ يَفۡعَلۡ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسۡجَنَنَّ وَلَيَكُونٗا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ ٣٢

She said, "That is the one about whom you blamed me. And I certainly sought to seduce him, but he firmly refused; and if he will not do what I order him, he will surely be imprisoned and will be of those debased."

قوله: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلصَّاغِرِينَ﴾:

المعنى: وتحدث نسوة بمصر بخبر امرأة العزيز، ولم ينكتم أمرهما، وقلن: امرأة العزيز تراود عبدها. والعرب تسمي المملوك فتى.

﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً﴾: أي قد بلغ حبه إلى شغاف قلبها، حتى غلب عليه. والشفاف: غلاف القلب. وقيل: حجابه وقيل: الشغاف: حبة القلب، وسويداؤه.

وقرأ أبو رجاء، والأعرج، وقتادة: "شعفها" بالعين، غير معجمة: أي: قد ذهب بها كل مذهب، لأن شغاف الجبال أعاليها.

وقال الشعبي: الشفاف: حب، والشغف: جنون.

﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: في خطأ ظاهر، ﴿إِذْ رَاوَدتُّنَّ﴾ [يوسف: ٥١] غلامها عن نفسه. فلما سمعت امرأة العزيز بقول النسوة، وما مَكَرْن ذلك أنهن فيما روي، فعلن ذلك لتريهن يوسف. فقلن ما قلن مكراً بها، فلذلك سمي قولهن مكراً.

وقيل: إنها كانت أطلعتَهُنَّ على ذلك، واستكتمتهن، فأفشين ذلك، ومكرن بها. فلما سمعت بما فعلن، أرادت أن تُوقِعهن فيما وقعت هي فيه: ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً﴾: أي: أعدت لهن مجلساً، أو مما يتكئن عليه من النمارق. وهو يفتعل من "وكأت". والأصل فيه: "مؤتكاً"، ففعل به ما فعل "بمتزر" من الوزر. وقد نطق به بالتاء مع غير تاء الإفتعال. قالوا: "تك الرجل متكئاً".

وقال ابن جبير: متكئاً: طعاماً وشراباً.

وقال السدي: ما يتكئن عليه. وقال ابن عباس: مجلساً. وقرأ الحسن: "متكى" بإسكان التاء من غير همز، على وزن "فعلـ(ـى) وهو المجلس والطعام.

وقال الضحاك: المتك: الزُّمَاوَرْد، وقيل هو الأترنج، روي ذلك عن ابن عباس.

وحكى القتيبي أنه يقال: "اتكأنا عند فلان، أي: أكلنا عنده"

* *

قوله: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً﴾: يدل على أنه طعام يقطع بالسكاكين. فكأنه في التقدير: وأعتدت لهنَّ طعاماً متكئاً، ثم حذف مثل ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢]. والسكين: يُذَكر، ويؤنث عند الكسائي، والفراء، ولا يعرف الأصمعي إلا التذكير.

﴿وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ أي: قالت ليوسف: أخرج، فخرج (عليهن) ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾: أي عظم وجل في أعينهن، وكَبُر، وعظم، وبُهْتنَ. وقيل:

﴿أَكْبَرْنَهُ﴾: حضن الحيض البين.

"فالهاء" على القول الأول ليوسف، وعلى القول الثاني للحيض، كناية على المصدر. وأكبر[ن]، بمعنى حضن، مروي عن ابن عباس، والضحاك.

وعن مجاهد أن المعنى: فلما رأينه أعظمنه فحضن.

* *

وقوله: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ بالحز بالسكاكين.

قال السدي: جعلن يحززن في أيديهن، وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج، ما يعقلن مما طرأ عليهن من جماله، وهيأته.

وقال قتادة، ومجاهد: "تقطعن أيديهن حتى ألقينها".

قال عكرمة: قطعن أيديهن: أي: أكمامهن. وروي أن يوسف، وأمه أعطيا ثلث الحسنوعن النبي ﷺ، أنهما أعطيا ثلث الحُسن

).

وقوله: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾: أي: معاذ الله.

وحاشا يكون بمعنى التنزيه، وبمعنى الاستثناء، وهي هنا للتنزيه.

﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾: استَعظَمْنَ أمره، إذ لم يرين من البشر مثله.

﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾: أي: من الملائكة. قالت لهن: ﴿فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾: أي: فهذا الذي حلّ بكن في تقطيع أيديكنَّ الذي لمتنني في حبه. وقال الطبري: ذلك بمعنى هذا.

ثم قالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ﴾ إقراراً منها أن ما قيل حقٌّ، ﴿فَٱسَتَعْصَمَ﴾: قال قتادة: استعصى، وقال ابن عباس: امتنع.

﴿وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ (لَيُسْجَنَنَّ)﴾: أي: إن لم يطاوعني على ما أدعوه إليه ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ ﴿وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ﴾: أي: من المهانين، المذلين بالحبس، والسجن.

وكأن في الكلام تقديماً، وتأخيراً، لأن تهديدها له بالسجن والهوان. أي: إن لم يساعدها إنما كان قبل تخريق القميص، وقبل معرفة زوجها بما (جرى) لها معه، والله أعلم بذلك.

فهذا الذي يدل عليه معنى النص: إذ بوقوف زوجها على القصة، انقطع ما بينهما، وطالبته بالعقوبة فسُجِن.

12:33–35Page 239

قَالَ رَبِّ ٱلسِّجۡنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِۖ وَإِلَّا تَصۡرِفۡ عَنِّي كَيۡدَهُنَّ أَصۡبُ إِلَيۡهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٣٣

He said, "My Lord, prison is more to my liking than that to which they invite me. And if You do not avert from me their plan, I might incline toward them and [thus] be of the ignorant."

فَٱسۡتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنۡهُ كَيۡدَهُنَّۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٤

So his Lord responded to him and averted from him their plan. Indeed, He is the Hearing, the Knowing.

ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا رَأَوُاْ ٱلۡأٓيَٰتِ لَيَسۡجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٖ ٣٥

Then it appeared to them after they had seen the signs1 that he [i.e., al-ʿAzeez] should surely imprison him for a time.2

قوله: ﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّىٰ حِينٍ﴾

قرأ عثمان رضي الله عنه: "السَّجن بفتح السين والمعنى: رب، إن السجن أحب إلي، فهو مصدر. وهي قراءة ابن أبي إسحاق، والأعرج، ويعقوب. ورويت عن الزهري.

ومن كسر جعله إسماً. والمعنى: أن يوسف عليه السلام، اختار السجن على ما دعته إليه من الزنا.

* *

قوله: ﴿وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ يعني: مراودتُهُن. ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾: أي: أَمِلْ إليهن.

وقيل: أتابعُهُنَّ، وأكن بصبوتي من الذين جهلوا حقك، و[خـ]ـالفوا أمرك.

* *

قوله: ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا﴾: وقف. وقوله: ﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾: وقف عند نافع (فاستعصم): وقف. ثم أخبر تعالى أنه استجاب له بعصمه منها، ومن كيدها، وذلك أن في قوله: ﴿وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾، شكوى ما حل به منها، وكذلك رضاه بالسجن هو شكوى. فاستجاب له ذلك، فصرف الله عنه ما اشتكى به إليه.

﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ دعاء من دعاه، (العليم): بمصلحة خلقه.

* *

وقوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ قيل: سنة، وقيل: سبع سنين. والحين: اسم للزمان يقع (عـ)ـلى القليل والكثير. وفاعل ﴿بَدَا﴾ عند سيبويه ليسجننه.

وعند المبرد مضمر، وهو المصدر: كأنه بدا لهم بداء.

والعرب تقول: بدا ليَّ بدءاً: أي تغيّر رأيي عمّا كان عليه، ومنهم من يقول: "قد بدا لي"، ولا يذكر "بدا" لكثرته في الكلام. وهذا من ذلك.

وقيل: المعنى: ثم بدا لهم رأي، ثم حذف الرأي. لأن الكلام يدل على المعنى، أي: ظهر لهم رأي لم يكونوا يعرفونَهُ، (ثم حذف الرأي).

فالمعنى: ثم ظهر للعزيز رأي أن يسجنه، وأخبر عنه بلفظ الجمع لأنه ملك ولأنه لم يذكر اسمه. فالمعنى: ثم ظهر للعزيز رأي أن يسجن يوسف من بعدما كان ظهر له أن يتركه مطلقاً، ومن بعدما رأوا الآيات ببراءته، وهي: (قد) القميص من دبر، وقطع أيدي النسوة، وخمش الوجوه. ومعنى ﴿حَتَّىٰ حِينٍ﴾: إلى سبع سنين.

وقيل: إن الله جعل ذلك الحبس ليوسف كفارة لذنبه، إذ همَّ بالخطيئة.

قال ابن عباس: عثر يوسف، عليه السلام، (ثلاث عثرات): حين همّ بها فسجن حتى حين، وحين قال: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾. ونسي ذكر الله، (سبحانه) فلبث سنين في السجن، وحين قال: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] فسكتوه بقولهم: ﴿قَالُوۤاْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾.

وعن ابن عباس (أيضاً): أنه قال: عوقب يوسف ﷺ، ثلاث مرات. وذكر ما ذكرنا عنه.

وقال السدي: كان أصل حبس يوسف أن امرأة العزيز قالت له: إن هذا العبد العبراني، قد فضحني في الناس، يعتذر إليهم، ويخبرهم أني راودته عن نفسه. ولست أطيق أن أعتذر بعذري. فإما أن تأذن لي في الخروج، وإما أن تحبسه كما حبستني. فظهر له أن يحبسه، ففعل.

والضمير في "لهم" للملك، وأعوانه، وأصحابه.

12:36–37Page 239

وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجۡنَ فَتَيَانِۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ أَعۡصِرُ خَمۡرٗاۖ وَقَالَ ٱلۡأٓخَرُ إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ أَحۡمِلُ فَوۡقَ رَأۡسِي خُبۡزٗا تَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِنۡهُۖ نَبِّئۡنَا بِتَأۡوِيلِهِۦٓۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٦

And there entered the prison with him two young men. One of them said, "Indeed, I have seen myself [in a dream] pressing [grapes for] wine." The other said, "Indeed, I have seen myself carrying upon my head [some] bread, from which the birds were eating. Inform us of its interpretation; indeed, we see you to be of those who do good."

قَالَ لَا يَأۡتِيكُمَا طَعَامٞ تُرۡزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأۡتُكُمَا بِتَأۡوِيلِهِۦ قَبۡلَ أَن يَأۡتِيَكُمَاۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيٓۚ إِنِّي تَرَكۡتُ مِلَّةَ قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٣٧

He said, "You will not receive food that is provided to you except that I will inform you of its interpretation before it comes to you. That is from what my Lord has taught me. Indeed, I have left the religion of a people who do not believe in Allāh, and they, in the Hereafter, are disbelievers.

قوله: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ إلى قوله ﴿لاَ يَشْكُرُونَ﴾. كان الفتيان غلامين من غلمان الملك الأكبر. أحدهما: صاحب شرابه، والآخر: صاحب طعامه سخط عليهما الملك. وذلك أنه بلغه أن صاحب الطعام يريد أن يَسُمَّهُ له وظن أن صاحب الشراب مالأه على ذلك. قال ذلك السدي: [قال]: لما دخل يوسف في السجن قال: إني أعبُر الأحلام. فقال أحد الشابين [لصاحبه]: هلم فلنجرب هذا [العبد] العبراني. فَتتَراءَيَا له، فَسَأَلاَه من غير أن يكونا رأيا شيئاً، فقال صاحب الطعام: ﴿إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ﴾، وقال صاحب الشراب: ﴿إِنِّيۤ أَرَانِيۤ﴾ أعصر خمراً وقيل: بل كانا رأياها على صحة في منامهما.

وروي أنه لما فسر لهما ما رأيا رجعا، فقالا ما رأينا شيئاً، وإنما جربناك. فقال يوسف ﷺ: ﴿قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ أي: لا بد من كون ما قلت لكما من عبارة رؤياكما.

وقال ابن مسعود: قال الفتيان: إنما كنا تحالمنا لنجربا إنما كنا نلعب، فقال يوسف لهم: (﴿قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾) (قال مجاهد: قال يوسف لهما): أنشدكما الله أتحباني. فوالله ما [أ]حبني أحد قط، إلا دخل عليّ من حبه بلاء: لقد أحبتني عمتي، فدخل علي من حبها بلاء، ثم لقد أحبني أ[بي]، ولقد دخل عليّ من حبه بلاء، ثم لقد أحبتني زوجة صاحبي هذا، فدخل علي من حبها بلاء، فلا تحباني. بارك الله فيكما. (قال) فَأَبَيَا إلا حبه، وجعلا يعجبهما ما يريان من فهمه وعقله.

وفي قراءة ابن مسعود: "أعصر عنباً" ومعناه: خمر عنب.

قال ابن عباس: لغة عمان يسمون الخمر عنباً و (قيل): المعنى: أعصر عنب خمر ومعنى: ﴿فَوْقَ رَأْسِي﴾: أي: على رأسي.

* *

وقوله: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾: أي: تحسن إلينا.

قيل: كان يعود مريضهم، ويقوم عليه، ويعزي حزينهم. وكان إذا احتاج [منهم] إنسان جمع له، وإذا ضاق المكان وسع له، ويجتهد لربه.

قال: لما دخل السجن، وجد قوماً قد انقطع رجاؤهم، واشتد بلاؤهم، وطال حزنهم، فجعل يقول: اصبروا تُؤْجَرُوا أجراً [إ]ن لهذا ثواباً. فقالوا: يا فتى بارك الله فيك، ما أحسن وجهك، وأحسن خلقك، (لقد) بُورِكَ لنا في جوارك، ما نحب أنَّا كنا في غير هذا المكان لما تخبرنا من الأجر والكفارة، فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف، نبي الله، ابن يعقوب بن ذبيح الله إسحاق، ابن خليل الله إبراهيم.

قال ابن مسعود: أعطي وأمه ثلث حسن الناس.

وقال جعفر بن محمد: أعطي يوسف نصف حسن الناس.

وروي مثله عن النبي ﷺ، أنه قال: إن كانت المرأة الحامل لتراه فتضع

).

وقيل معنى: ﴿مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾: إنْ نبَّأتنا بتأويل رؤيانا.

قال يوسف لهما ﴿لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾: أي: في منامكما ﴿إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ يعني: في يقظتكما ﴿قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا﴾ تأويل ما رأيتما. قال (ذلك السدي وابن اسحاق).

* *

ثم قال: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ أي: برئت منها.

وإنما أجابهما يوسف بهذا، وليس بداخل في السؤال، لأنه كره أن يجيبهما عن تأويل رؤياهما، لما علم فيها من رؤيا الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزاً. وأعرض عن جوابهما مرتين، وأخذ في غيره كذا قال ابن جريج ومعنى: ﴿لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾: إن الملك (كان) إذا أر(ا)د قتل إنسان، صنع له طعاماً معلوماً. فأرسل به إليه.

فقال يوسف لهما: ﴿لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ﴾: يعني: من عند الملك ﴿إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾: أي: أخبرتكما: هل هو طعام من يراد قتله، أو طعام من يراد به غير ذلك. فأعلمهما أن عنده علماً من معرفة الطعام. فيكون المعنى: في اليقظة، لا في النوم.

وكان هذا بعدوله عن تفسير رؤياهما لما كره من ذلك، فلم يدعاه يعدل عن جوابهما، وسألاه ثانية، وكره العبارة فتمادى في العدل. وقال: ﴿يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] - إلى قوله - ﴿يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٦]: فلم يدعاه حتى سألاه ثالثة فعبر لهما، وقال ﴿يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا (فَيَسْقِي) رَبَّهُ خَمْراً﴾ - الآية - فلما عبر قالا: ما رأينا شيئاً، إنما كنا نلعب فقال: ﴿قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾.

* *

قوله: ﴿أَن يَأْتِيكُمَا﴾ وقف (وفي) "ربي": وقف.

12:38Page 240

وَٱتَّبَعۡتُ مِلَّةَ ءَابَآءِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشۡرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ عَلَيۡنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ ٣٨

And I have followed the religion of my fathers, Abraham, Isaac and Jacob. And it was not for us to associate anything with Allāh. That is from the favor of Allāh upon us and upon the people, but most of the people are not grateful.

قوله: ﴿وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾: أي: دينهم، وطريقتهم ﴿مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ (مِن شَيْءٍ)﴾: (دليله الشرك)، (ولفظه) لفظ الخبر، ومعناه النفي أي: لم يشرك بالله، دليله الشرك الذي بعده.

* *

قوله: ﴿ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ﴾ فهو مقابل له: أي: ما ينبغي لنا أن نشر(ك) في عبادة الله أحداً.

﴿ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ (أي تركنا الشرك، هو من فضل الله علينا) وعلى الناس، إذ جعلنا دعاة لهم إلى توحيده.

﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ﴾: أي: من يكفر لا يشكر.

قال ابن عباس: ﴿مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا﴾: إذ جعلنا أنبياء، "وعلى الناس: أن بعثنا إليهم رسلاً".

12:39–41Page 240

يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٣٩

O [my] two companions of prison, are separate lords better or Allāh, the One,1 the Prevailing?2

مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآءٗ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٠

You worship not besides Him except [mere] names you have named them,1 you and your fathers, for which Allāh has sent down no evidence. Legislation is not but for Allāh. He has commanded that you worship not except Him. That is the correct religion, but most of the people do not know.

يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسۡقِي رَبَّهُۥ خَمۡرٗاۖ وَأَمَّا ٱلۡأٓخَرُ فَيُصۡلَبُ فَتَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِن رَّأۡسِهِۦۚ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسۡتَفۡتِيَانِ ٤١

O two companions of prison, as for one of you, he will give drink to his master of wine; but as for the other, he will be crucified, and the birds will eat from his head. The matter has been decreed about which you both inquire."

قوله: ﴿يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿تَسْتَفْتِيَانِ﴾ روي أن يوسف عليه السلام قال: هذا لأن أحد الفَتييْن كان مشركاً، فدعاه بهذا إلى الإيمان، ونبذ الآلهة، فجعلهما صاحبي السجن لأنهما فيه. والمعنى: يا من في السجن. وهذا كقوله تعالى لسكان الجنة: ﴿أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ﴾ [البقرة: ٨٢، الأعراف: ٤٢، يونس: ٢٦، هود: ٢٣، الأحقاف: ١٤] ولسكان النار ﴿فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: ٨١، ٢٧٥].

والمعنى: أعبادة أرباب متفرقين خير؟ أم عبادة ﴿ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾.

قال قتادة: لما علم يوسف أن أحدهما مقتول دعاه إلى حظه في الآخرة.

ثم قال (تعالى): ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ﴾: فجمع، لأنه قصد المخاطب، وكل من عبد غير الله، فجمع على المعنى: أي: ما تعبد أنت، ومن هو على ملتك ﴿إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ﴾: أي: لم يأذن الله لكم بذلك، أنتم أحببتم أسماءها وآباؤكم.

﴿مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾: أي: من حجة، ومن كتاب، ومن دلالة. وقوله ﴿أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾: أي: أسس الدين عليه لئلا يُعبد غيره.

﴿ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ﴾: أي: ذلك الذي دعوتكم إليه هو الدين الذي لا أعُوِجَاجَ فيه ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾: وهم المشركون. ثم قال: ﴿يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ﴾: يخاطب الفَتَيَيْنِ ﴿أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾: أي: سيده الملك، وهو (الذي) رأى أنه يعصر خمراً.

* *

﴿وَأَمَّا ٱلآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ﴾ فقال عند ذلك: ما رأينا شيئاً، فقال: ﴿قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي (فِيهِ) تَسْتَفْتِيَانِ﴾.

وقيل: إنما أنكر الذي أخبره أنه يصلب. فقال: قضي الأمر سواء رأيت، أو لم تر وكان اسمه مجلث، واسم الثاني نبو.

قال ثابت البنانـ(ـي): دخل جبريل عليه السلام على يوسف في السجن، فعرفه يوسف، فقال له: أيها الملك، الحسن وجهه الطيب ريحه، الكريم على ربه: ﴿هَل لَّكَ﴾ علم بيعقوب؟ قال: نعم. قال: فما صنع؟ قال: ابيضت عيناه من الحزن، قال: وفيم ذلك؟. قال: عليك. قال: فما بلغ من حزنه؟ (قال): حزن سبعين مُثْكِلَة قال: فما له من الأجر على ذلك؟ قال: أجر مائة شهيد.

قال الحسن: مكث يعقوب، عليه السلام، ثمانين سنة، أو نحوها، لا يفارق قلبه الحزن، ولا تجف عيناه من البكاء. وإنه لأَكْرَمُ أهل الأرض على الله يومئذٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском